Blog

  • Home
  • مقالات
  • مقالات
Screenshot 2026-03-27 at 6.53.24 PM

٢٤ مارس ٢٠٢٦ – واذ يحاول الواحد منا الابتعاد عن نعيق صفارات الإنذار الزاعقة تحذر من المرور الوشيك لصاروخ فوق رؤوسنا بكيلومترات، وكأن علينا ان نفعل شيئا اضافة لرفع باروميتر القلق عدة خطوط إضافية. أضغط عدة مرات على زر الصوت ليغطي صوت عبد الوهاب القادم من سبوتيفاي على صوت فرقعة أو اثنتين قادمتين لا بد من تحطم صاروخ ايراني بعد ان يرتطم به صاروخ اعتراضي امريكي.

وتمتلئ الغرفة بصوت عبد الوهاب الواثق الرخيم فرحا بأن لغة الكلام تعطلت وخاطبت عيناه في لغة الهوى عيني عشيقته. وتعدو لجوجل تسأله ان يعطيك القصيدة كلها لأحمد شوقي فتكتشف ان عبد الوهاب كان يقفز فوق البيوت لان اصل القصيدة ربما كان أكثر صراحة مما ينبغي:

“وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت … قلبي بأحلى قبلة شفتاك

وبلغت بعض مآربي إذ حدّثت … عينيّ في لغة الهوى عيناك”

ثم يدق جرس التنبيه الطويل الطويل مطمئنا إيانا بنهاية الغارة، ويكون عبد الوهاب قد مضى للأغنية التالية يحذرك من محاولة صيده لانه “تيجي تصيده يصيدك … وكل خالي مصيره يعذّب الحب باله.”


٢٣ مارس ٢٠٢٦ – يتصفح الواحد منا فيسبوك فيجد بعضا ممن يعرف اسمائهم واخرين لا يعرفهم ينشرون مقالات وبوستات وفيديوهات طويلة معقدة حول التطورات العسكرية في الحرب الامريكية الايرانية، وديناميكات المجتمع الاسرائيلي، وكيف تخطط الصين وروسيا، أو عن تاريخ وتطور الاستعمار في المنطقة، أو عن اسهامات هيجل أو فكر ابن عربي أو وتاريخ الصراع الشيعي السني… يقرأ الواحد هذه المنمقات ويشعر سريعا بما سماه المفكر الفرنسي رولان بارت ب “موت المؤلف” بالمعنى المباشر.

ببساطة اشعر ان نصف ما اراه من مطولات مكتوب على يد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، محفلط ومركب ومظبوط وخالٍ من الروح النقدية والارتباكات والجدة البشرية، معلبات مطولة منمقة وتشبه الموسوعات مثل انسيكلوبيديا بريتانيكا كدة. وحيث انني لست مثل العصامي في كتاب الغثيان لجان بول سارتر والذي كان يقرأ المكتبة العامة حسب الترتيب الابجدي من اجل ان يصير مثقفا فقد توقفت عن قراءة معظم هذا الهراء رغم جودة الصنعة.


٢٢ مارس ٢٠٢٦ – في بداية الحرب الاسرائيلية ضد إيران، قال ترامب إن أحد الاهداف هو مساعدة الشعب الايراني على تغيير النظام، وخرجت مظاهرات مؤيدة من الإيرانيين في العواصم الغربية في المهجر وقسم كبير منهم معارض لنظام آيات الله لسنوات طويلة، بل وأعرب عدد ما من الإيرانيين في رسائل لوسائل اعلام غربية من داخل إيران عن أملهم في ان تسفر هذه الحرب عن تغيير النظام (مع قلق بعضهم عن تأثيرها المحتمل على بلادهم.)

تمام كل واحد عمل دوره.

ترامب اضافة للادعاءات بتاعة الامن القومي الامريكي ورفض ان تكون لدى إيران ترسانة نووية او صاروخية (اللي هي في الحقيقة تحديات للأمن القومي الاسرائيلي مش الامريكي — بس ماشي) قال لك يحط كمان اهداف حلوة ليبرالية كدة زي حرب العراق من ٢٣ سنة ويقول لك وضع نظام حر ديمقراطي الخ.

وعندما فجر صاروخ امريكي اجساد نحو ١٧٠ تلميذة كانوا على مقاعد فصولهم في مدرسة إيرانية، حاول ترامب التعمية والتغطية ثم بدأت تحقيقات ستنتهي انها كانت خسائر عرضية غير مقصودة وربما تُسأل عنها إيران لإنه كانت هناك او في القرب قاعدة عسكرية ايرانية — و”معلش واعذرونا”. ثم فجر صاروخ اسرائيلي حقل غاز ايراني (وهذا ليس هدفا عسكريا وليس هناك أي فائدة عسكرية مباشرة من ضربه يعني بقواعد القانون الدولي وقوانين الحرب يمكن اعتباره جريمة حرب) ترامب طلع وقال لك: لا لا لا .. مش ح يحصل تاني. وتغاضي عن ضربة رد فعل ايرانية استهدفت منشآت غاز قطرية

واخيرا، ترامب الذي لا يعرف فضائل الصمت، ومع ارتفاع اسعار الطاقة بسبب الاغلاق الإيراني النسبي لمضيق هرمز الذي تعبر منه ناقلات تحمل خمس احتياجات العالم اليومية من النفط، طلع وقال لك: لا خلاص كدة احنا ح نضرب كل محطات الكهرباء في إيران إلا لو طهران تراجعت وضمنت أمن الملاحة في الخليج.

يعني خلال ٣ اسابيع فقط انتقلت الولايات المتحدة من دعم الشعب الايراني من اجل تغيير النظام إلى فشخ الشعب الايراني وتدمير منشآته المدنية فيما هو ببساطة جرائم حرب وبلطجة.

نخلي القانون الدولي المسكين على جنب بما انه الامريكان اليمينيين البلطجية في الادارة (ومعاهم يمكن نص الشعب الامريكي اللي انتخبهم) مش مهتمين اساسا بالقانون الدولي. دول ناس بيطلعوا في برامج تلفزيونية وبيقولوا لك: قانون دولي ايه؟ احنا خلصنا الحرب العالمية التانية لما ضربنا مدن يابانية بالنووي ولما الحلفاء سفلتوا مدينة درسدن الالمانية وسووها بالأرض. . وبعدين ما هي اسرائيل شغالة وناجحة وبتضرب محطات طاقة ببساطة طول عمرها واخرها في بنت جبيل في جنوب لبنان من يومين.

بس ايه بقى رؤية الادارة الامريكية لما بعد الحرب؟ اعتقد انه مفيش رؤية في هذه المسخرة الدموية سوى الرؤية الاسرائيلية لكيف يجب ولماذا يجب شن الحروب والرؤية البلطجية دي بتقدمها بكل وضوح في المنطقة من ١٩٦٧ ولغاية دلوقتي وهي كالآتي:

١- اللي خايفين انه ممكن يهاجمنا سنبادر بتحطيمه تماما وندعي انه دفاعا عن النفس (حرب ١٩٦٧، ضرب المفاعل النووي العراقي ١٩٨١، سوريا ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥… الخ) ولما نهاجمه ح نقتله هو واللي حواليه ونخلي فرصه المستقبلية في تحدينا أقرب للصفر.

٢- اللي ح يضرب علينا صاروخ ح ندمره هو واللي حواليه وكل بنيتهم التحتية ولو قدرنا ح نحتل ارضه ويمكن نستوطنها كمان (جنوب لبنان ١٩٧٨ و ١٩٨٢ ، ٢٠٠٦ ، ٢٠٢٤ ودلوقتي)

٣- اللي ح يقول ان احنا بنضرب اهداف مدنية ح نقول انها يا إما مستخدمة لاغراض عسكرية او انها غلطة دون مقصودة او اننا نقوم بتجفيف البيئة الحاضنة للارهاب.

٤- بعد نهاية كل حرب سنجلس داخل قلعتنا أعلى تل الدمار وننظر على مدى البصر لكل هذه الشعوب الخاضعة ونخبها الحاكمة الخائفة او العاجزة (عن عقل وحكمة احيانا وليس عن تواطؤ وانتهازية في احيان اقل) ونخطط للحرب القادمة.

ماذا يفعل من يريدون قدرا من العدل والسلام وهم يعيشون في السفوح المجاورة لتل الدمار هذا؟

لمحاسبة أمل بعيد بعيد، خاصة وان الكتل والدول القوية الاخرى (الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي) حتى لو لم تؤيد تلك الحملة الصليبية فهي غير معنية بالمسائلة! غير أن الولايات المتحدة واسرائيل والمانيا يعملون بقوة وقسوة لتحطيم البقايا الضعيفة لمؤسسات المحاسبة الدولية من الامم المتحدة حتى المحكمة الجنائية.

المقاومة المسلحة يهيمن عليها دول لها مصالحها (دولة واحدة الحقيقة) ولديها سجلها الدموي، أو ميليشيات فشلت في تبني أي مشروع سياسي واضح ولم تلق دعما كافيا (هم ليسوا حركات تحرير الستينيات التي يضربها البعض مثلا).

لسنوات طويلة كنا نسخر من وننتقد ازدواج المعايير. ها نحن الآن في العراء بلا معايير. ما العمل؟


٢١ مارس ٢٠٢٦ – الصراع بين الديانات الابراهيمية بدأ – افتراضيا في جذوره الأولى – منذ حملت السيدة هاجر حيث نشبت الغيرة بينها وبين زوجة ابراهيم الأولى، السيدة سارة، التي لم تقبل ان تتعالى عليها جاريتها الحامل (هاجر كانت جارية مصرية ومنحتها سارة لسيدنا ابراهيم لينجب الولد الذي حرم منه). ووقف سيدنا ابراهيم بجوار الزوجة الأولي وتخلى عن هاجر ورضيعها اسماعيل ( أبو المسلمين) … ستُطرد هاجر مرة أخرى في خلاف على الميراث بعد ذلك بسنوات لصالح اسحق (ابو اليهود والمسيحيين) الذي انجبته سارة وهي عجوز متقدمة في العمر.

هذا ما يحكيه لنا العهد القديم ولا تعارضه الكتب المقدسة الاخرى رغم ان الحكاية تختلف في التفاصيل بشأن ما جرى لتلك الأسرة التي سيخرج من سلفها الديانات التوحيدية الثلاثة.

وتمر قرون وقرون من الخلافات بين اتباع هذه الديانات الثلاثة، ويتعمق الشك وتتنوع العداوات والخلافات المُعاد تعبئتها واستخدامها وتداخلها مع صراعات ومصالح سياسية واقتصادية وخلافه .

ثم يأتي لنا سمسار عقارات امريكي وأمير خليجي صاحب شركة عاملة بلد وسياسي اسرائيلي بارع ونصاب متهم بالإبادة – ودون اي حل للملابسات السياسية والاقتصادية الراهنة لهذه العداوات – ويقولولنا: “فتح عينك تاكل ملبن، وعندك واحد اتفاقات ابراهيمية، والناس اللي معاهم فلوس وسلطة ومصالح ح تتصالح ونبني المعبد جنب الكنيسة والجامع.”

يقوم يا اخي واحد نصاب عامل فيها مسيحي ويجتمع بعض مسؤوليه للصلاة معه بانتظام في المكتب البيضاوى، يتلم على واحد صهيوني انتهازي عامل ائتلاف حاكم مع اليهود المتطرفين دينيا — والاتنين يدبوا خناقة مع أيات الله اللي ماسكين نظام ديني شيعي. ورغم ان الخناقة على سلاح وسيطرة وهيمنة اقتصادية وجغرافية وعوامل كثيرة لا تنتهي، إلا إن المعتوه الاولاني المشتبه في تورطه في شبكات اغتصاب أطفال ووزير الحربية بتاعه بيستعملوا الشعارات المسيحية وطالقين قساوسة على جنودهم عشان يحمسوهم، بينما رئيس وزراء البلد التاني المتهم بالفساد والتربح بيطلع تصريحات حوالين المسيح وجنكيزخان، وطبعا الطرف الثالث عقيدته مبنية على الشهادة والفداء.

القصد ان هناك جذور ثقافية ودينية وحجج وقصص ممكن الناس تستخدمها وليها تأثير مهم ولا يجب التغاضي عنه، لكن الصراع الجاري هو ابن السياسة وحفيد الاستعمار وشقيق فشل نخب المنطقة (في حالة العرب وايران) في الوصول لنظام امني إقليمي ورغبة اسرائيل في الهيمنة المطلقة والتحلل البطيء للنظام الدولي و…. اسباب اخرى كتيرة.

والقصد كمان ان الناس ممكن تقعد وتقرأ وتفهم وتحاول تتعلم وتعلم عيالها وتشوف مخرج واقعي من عصر الانهيار اللي ح يفشخنا نحن جميعا. وهذا عند الله وعند التاريخ افضل كتير واحسن من ان احنا نقعد نهري في المهري ونعمل فيها خبراء عسكريين او تتبادل اخبار مغشوشة ومزيفة من باب التمنى والانتصار في معارك السرديات الكاذبة، أو ندعو للشهادة والانتحار، أو ننصح بالاستسلام التام او الموت الزؤوام ونجلد ذاتنا وتجعل تخلفنا التكنولوجي والسياسي مسوغا للطحن الامريكي/الاسرائيلي اللي شغال.


٢٠ مارس ٢٠٢٦ – وتعجبت لما سمعت ان نتنياهو وجيشه قصفوا شمال طهران، حي الأغنياء والبورجوازيين الذي ينتمي له كثير من معارضي نظام الملالي الايراني، عرفنا من زمن ان الحرب الامريكية الاسرائيلية لا تستهدف تفكيك القدرات العسكرية الايرانية (منذ ١٩٨٠) ولكنها باتت تستهدف تغيير النظام، الآن بات تدمير إيران ذاتها وسفلتة مقدراتها جزء من الخطة كما يبدو في ضرب البنية التحتية والقصف العشوائي احيانا واخيرا قصف حي يعارض قسم كبير من سكانه النظام الحاكم.

زرت شمال طهران منذ عشرين عاما. وكانت مختلفة كثيرا عن بقية المدينة. حضرت حفلة خاصة وكان معظم الحضور فيها من الشباب.

يدق جرس الباب، فينظر المضيف خلال العين السحرية للتأكد من القادمين. يدخل الضيوف وفي أيديهم أكياس غامقة اللون بها في الأغلب زجاجات شراب كحولي. تخلع النساء الشادور لتظهر أحدث صيحات الموضة الكاشفة عن الصدر والسيقان. لم أرَ في حياتي الحافلة هذا العدد من أحدث خطوط الموضة التي تكشف وتلف جسد المرأة مثلما رأيت في حفلات طهران! يتبادل الحضور النكات عن الملالي ورجال الدين. وعندما لاحظ أحدهم بعض اندهاش في وجهي، قال ضاحكًا: “لا بأس. لا تنزعج. هناك ملالي جيدون.” ولما رأى نظرة الاستفهام المتوقعة في وجهي، أضاف وهو يهتز من الضحك: “الملالي الموتى جيدون.” كان هو ومعظم رجال الأعمال الذين التقيتهم هناك من مؤيدي النظرة التآمرية في تفسير استمرار سيطرة الملالي على الحكم في إيران: |”إنها الولايات المتحدة تحركهم من واشنطن!”

الآن واشنطن تقصفهم هم ايضا.


٢٠ مارس ٢٠٢٦ — كنت أسير مع اولادي صباح اليوم لصلاة العيد نسمع التكبيرات قادمة من الجوامع واصوات انفجارات الصواريخ الايرانية تهز الأثير حولنا بعد اعتراضها وهي في اعالي السماء منطلقة نحو اسرائيل والطقس بارد ومطر خفيف يتساقط، عندما توقفت سيارة لا نعرفها تسد طريقنا والسائق يشير لنا أن نصعد. تمنى لنا عيدا طيبا، وأوصلنا للمسجد.

كل عام ونحن جميعا بخير رغم الابادة والقتل والعربدة الاستعمارية وفشل نخبنا الحاكمة، وتواطؤهم. كل عام ونحن نقدم ما نستطيع من مساعدة (حتى لو توصيل غريب لمقصده) لبعضنا البعض.


٧ مارس ٢٠٢٦ –  ضد كل أصحاب اليقين بمستقبل قادم قريبا ينتصر فيه أصحاب الحق كما يحددونه هم في مواجهة كل الأخرين، وضد كل المتجبرين بقوتهم الساحقة الساعين لفرض يقينهم بالقنابل والصواريخ على كل الباقين، ومن أجل كل من يشعروننا عن حق بالخجل والعار كونهم مطرودين من بيوتهم قسرا، مقيمين في الشوارع وعلى الأرصفة وفي المباني العامة في بيروت، وغيرها من بيوت وبلدات ومدن تلك المنطقة، بينما نحتمي نحن، المراقبون من أهل هذه البلاد، بعجزنا، وأماننا الوهمي، بل ونجترّح نقدا وتفسيرات وتحليلات ونحن مثل فراشات تلسعها النيران المحيطة، فعليا أو نفسيا.

نحن لن نموت، سيموت أفراد كثيرون منّا ولكنّا نحن لا نموت. تلك عقيدتي.

ومن مديح الظل العالي لمحمود درويش نقرأ:

“يجبُ التشكُك بالمسارْ

يجبُ الخروج من اليقينْ

يجبُ انهيارُ الأنظمةْ

يجب انتظارُ المحكمةْ

…وأنا أُحبك , سوف أحتاج الحقيقةَ عندما أَحتاج تصليح

الخرائط والخططْ”

ومنها أيضا:

“مستسلماً لصواب قلبكَ

تخلع المدنَ الكبيرةَ والسماءَ المُسْدَلَهْ

وتمدُّ أرضاً تحت راحتك الصغيرة:

خيمةً

أو فكرةً

أو سنبلَهْ

كَمْ من نبيٍّ فيك جَرَّبَ

كَمْ تعذَّب كي يُرَتَّبَ هيكَلَهْ

عبثاً تحاول يا أبي مُلْكَاً ومَمْلَكَةً

فَسِرْ للجُلْجُلَهْ

واصْعَدْ معي

لِنُعيْدَ للروح المُشَرَّد أوَّلَهْ

ماذا تُريد , وأنت سَيِّدُ روحنا

يا سَيِّدَ الكينونة المتحوِّلَهْ؟

يا سَيِّدَ الجمرهْ

يا سَيِّدَ الشُّعْلَهْ

ما أوسع الثورة

ما أضيقَ الرحلة

ما أكبَرَ الفكرة

ما أصغَر الدولة!”

وأخيرا:

“لولا هذهِ الدولُ اللقيطةُ لم تكنْ بيروت ثكلى”


٤ مارس ٢٠٢٦ – في عام ١٩٧١ اشتري لي أبي وأمي، اللي كانوا موظفين متوسطين في الحكومة، شهادات توفير في البنك الأهلي المصري ب ٢٥ جنيه. ما زالت معي هذه الشهادات.

بحسابات بسيطة:

١- بمعدلات التضخم فان ال ٢٥ جنيها الان حوالي ٢٥ ألف جنيه مصري يعني كل جنيه دلوقتي قيمته بالضبط زي المليم او اقل في ١٩٧١.

٢- ولو عايز تحسبها بالدولار فال٢٥ جنيه اياميها كانت تساوي حوالي ستين دولار والنهاردة تجيب نصف دولار يعني الجنيه المصري خسر بتاع ٩٩٪ من قيمته بالدولار من ساعة ما أهلي اشتروا لي الشهادات دي!

٣- ولو عايز تحسبها بالدهب فسعر الجرام في ١٩٧١ كان حوالي جنيه واحد يعني تمن الشهادات دي كان يجيب ٢٥ جرام عيار ٢١ لكن النهاردة عشان تجيب الخمسة وعشرين جرام دول محتاج ١٨٠ الف جنيه!!

يا تري لو رحت البنك الاهلي النهاردة وقلت لهم خدوا الشهادات دي ح يعطوني كام؟ بلاش البنك، أي متحف أو هاوي جمع مصايب نقدية ممكن يشتريهم بكام؟


٣ مارس ٢٠٢٦ – ومن عشر سنوات نشرت الصورة دي اللي صار عمرها ٣٢ سنة! اهداء وتوقيع من البابا شنودة، الله يرحمنا جميعا!


٣ مارس ٢٠٢٦ – اهتزت النوافذ الزجاجية لمكتبي مرة أخرى بفعل تفجير ما في أعالي السماء فوق رؤوسنا: في الأغلب صاروخ ايراني، أظن أنه لن يصل لوجهته في اسرائيل، ونتعشم الا تسقط بقاياه فوق رؤوسنا هنا كما حدث عدة مرات منذ بدأت اسرائيل وخادمتها العسكرية الولايات المتحدة حربا ضد إيران منذ أربعة أيام.

تهتز النوافذ مرة أو أكثر بعد انطلاق صفارات الإنذار (وهذه تنطلق مرات عديدة في اليوم). لم يُصب أحدا بجراح تُذكر في هذه البلاد وعدد ما قتلته الصواريخ والمسيرات الايرانية من مدنيين في كل دول المنطقة بما فيها اسرائيل لا يصل للعشرين شخصا حتى الآن مقابل قرابة ٦٠٠ في ايران ذاتها منهم ما قد يصل لنحو ١٥٠ من تلميذات مدرسة سقط عليها صاروخ اسرائيلي/أمريكي.

والآن انطلقت صفارة الإنذار الطويلة معلنة انتهاء هذه الغارة.

يزعجني اهتزار النوافذ لأنه يذكرني بنوافذ مكتبي التي انفجرت في بغداد في ٢٠٠٣ بعد تفجير قامت به القاعدة وقتلت ٢٢ من زملائي في المبني الذي انهار قسم منه. انغرزت يومها قطع ضخمة من الزجاج مثل السكاكين في ظهر مقعدي. لو لم أكن محظوظا بسبب اجتماع خارج المكتب لكانت هذه الشظايا الكبيرة قد اخترقت جسدي من الأمام والخلف.

لا أغادر مكتبي هذه المرة، ربما لوهم مستقر أنه لن يحدث شيء، وربما لان حياتنا صارت سلسلة من المخاطرات المحسوبة.

كنت في بيروت من اسبوعين والان اراقب ما يجرى لأهل لبنان وخاصة من الجنوب والضاحية حيث هجر مئات الألاف بيوتهم عقب قصف اسرائيلي، وحشي ومعتاد. القصف جاء عقب رشقة صواريخ سخيفة من حزب الله على شمال اسرائيل وتم تبريره بأنه رد على تلك الصواريخ، غير أن القصف الاسرائيلي لم يتوقف كثيرا وكذلك زناناتها في اجواء لبنان منذ قتلها نصر الله وقيادات الحزب في خريف 2024. سيقول لك البعض وهم محقين ان القصف الاسرائيلي كان أشدّ وأقوى من المعتاد بعد ما فعله حزب الله يوم الاثنين وانه وجاء عقب تحذيرات وان الشخص (أو المنظمة) الفطن لا يستفز بلطجيا لا رادع له. هم محقون طبعا. وخيارات المحشورين في الزوايا (بما فيهم من تحشرهم ايدولوجياتهم وخياراتهم) هي في العادة خيارات سيئة، ولكنهم غير مسؤولين عنها بمفردهم تماما.

مكتبي في بغداد 2003 وعلى طريق مدمر في جنوب لبنان 2006 واليوم من مكتبي في عمّان

كنت في جنوب لبنان أيضا في 2006 عندما اهتزت غرفتي كلها وصرت اعتقد انني سأموت بعد ان سقط صاروخان قرب فندقي في صور، بتنا ليلتها على مقاعد المكتب على أمل ان اسرائيل لن تقصف مكتبا للأمم المتحدة، طبعا في نفس الحرب قصفت وقتلت مراقبين عزل من الأمم المتحدة.

اسرائيل وقذائفها والولايات المتحدة الداعمة وصواريخها ثم ايضا خيارات من يقاومونها من دول وميليشيات وفشلهم بسبب هذه الخيارات وضعف قدراتهم — كل هذا رسم حياتي وحياتنا كلنا في هذه المنطقة المنكوبة اعتبارا من هزيمة 1967 المرعبة وعمرى عام، وصولا لجلوسي في مكتبي اليوم تمر فوق رأسي الصواريخ المعترضة لتسقط الصواريخ المنطلقة واسمع اصوات الارتطام التي اعتقدت انها صوت الرعد في بداية الحرب في يونيو الماضي عندما قررت اسرائيل ان الوقت قد حان لانتهاز فرصة ذهبية لتقزيم إيران أكثر وأكثر.

ما بين الدول المارقة والمتحللة من كل القواعد والقوانين والدول العاجزة عن ايقاف هذه المأساة يدور صراع الاصوليات الدموية (الشيعي والرأسمالي والجهادي والصهيوني) ويهرسنا في طريقه. أعرف، أعرف ليسوا كلهم واحدا ومن قتلتهم امريكا واسرائيل اكثر عددا بكثير بسبب التفوق التكنولوجي الساحق وتأييد دولي واضح (أو تجاهل وتغاضي عما يجري)، ولكن خلوا عني الخيارات الثنائية وذلك الموقف الاخلاقي مدعي الوضوح، ففي تلك المواقف التراجيدية بحق، يصبح الفهم أهم من الإدانة، ويصبح الإيمان بعدالة ما كونية فعلا حصيفا يحفظ على الواحد ما بقى من عقله بينما يتردد داخله النداء: ” “البرُّ لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والدَيّان لا يموت، فاعمل ما شئت كما تدين تدان.”

أرفع صوت مكبر الصوت الصغير الاحمر فتندفع اوتار كيهان كالهور عازف الكمنچة الإيراني، واقرر انهاء هذا البوست والرجوع للعمل على كتابي. لا حل سوى مواصله العمل، سواء كان ما يدفعنا اليه الأمل أو الغضب ومقاومة العجز.


٢٥ فبراير ٢٠٢٦ – في سنوات المراهقة وقعت في غرام قصيدة مصرية قديمة بديعة، محفوظة في بردية في برلين يُعتقد أنها تعود لنحو عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد في عصر اضطراب في مصر آنذاك وكان عنوانها “حوار بين رجل يائس وروحه”.

انجذبت للقصيدة في فترة كنت مفتونا فيها بكتابات وجوديين من امثال سارتر وكامو ونيتشة. كنت من المراهقين المولعين بمطاردة الكتب وليس ملاحقة الحياة ومتعها كما يجب. ولذا كان طبيعيا ان اهتم بالبؤس والموت واقضي اياما في دار الكتب في المنصورة اقرأ عن افتتان الفيلسوف سينيكا بالانتحار والموت كمخرج أخلاقي من متاعب الحياة، وكان قد كتب اعماله بعد شاعرنا المصري مجهول الاسم بحوالي الفين سنة يعني قبل الميلاد بسنوات قليلة. الواحد قعد اربعين سنة يحاول التخلص من الجزء شديد الضرر من هذه الأوهام مع الاحتفاظ بالجزء النبيل منها، والشاعري البديع.

المهم اكتر ترجمة عربية بتعجبني عملها ثروت عكاشة وهي منقولة هنا بتصرف في لفظ أو اثنين:

١- لِمَن أتحدث اليوم؟

لِمَن أتحدث اليوم؟

الإخوة أشرار، وأصدقاء اليوم لا مودة عندهم.

لِمَن أتحدث اليوم؟

القلوب ملأى بالطمع، وكل إنسان ينهب متاع جاره.

لِمَن أتحدث اليوم؟

لقد هلكت الرقة، وحلت القسوة بكل إنسان.

لِمَن أتحدث اليوم؟

الإنسان يرضى بالشر، ويُطرح الخير في كل مكان.

لِمَن أتحدث اليوم؟

الإنسان الذي يُغضب الناس بفعله السيئ، يُضحك الجميع بسوء عمله الآثم.

لِمَن أتحدث اليوم؟

الإنسان يسرق، وكل إنسان ينهب جاره.

لِمَن أتحدث اليوم؟

المجرم أصبح صديقاً حميماً، والأخ الذي كان يُعتمد عليه أصبح عدواً.

لِمَن أتحدث اليوم؟

لا أحد يذكر الماضي، ولا أحد في هذا الوقت يرد الجميل لمن فعله.

لِمَن أتحدث اليوم؟

الوجوه اختفت، وكل إنسان ينظر شزرا إلى إخوته.

لِمَن أتحدث اليوم؟

لم يعد هناك عادلون، والأرض تُرِكت لفاعلي الإثم.

٢- الموت أمامي اليوم

الموت أمامي اليوم:

كشفاء المريض، كالخروج إلى الحديقة بعد المرض.

الموت أمامي اليوم:

كأريج المسك، كالجلوس تحت الشراع في يوم عاصف.

الموت أمامي اليوم:

كأريج اللوتس، كالجلوس على ضفاف السكر.

الموت أمامي اليوم:

كطريق ممهد، كعودة الجندي من ساحة القتال إلى بيته.

الموت أمامي اليوم:

كانقشاع السحاب، كمثل امرئ يكتشف فجأة ما كان يجهله.

الموت أمامي اليوم:

كشوق المرء إلى رؤية بيته، بعد أن قضى سنوات طويلة في الأسر.

كاتب، صحفي، روائي، مصري، اشتغل كمان في حقوق الإنسان والأمم المتحدة قبل ان يتفرغ للكتابة وتقديم النصائح للراغبين