٩ أكتوبر ٢٠٢٦ — كلما فكرت في أن أكتب عن الرحيل من بلد إلى أخرى، أتردد ثم أعجز. وها أنا ذا أفكر في هذا الرحيل: من مدينة لأخري، من عمّان التي تركتها الشهر الماضي إلى جنيف التي تصير مدينتي في الأسابيع القليلة الماضية: كلاهما ليست مدينة الميلاد ولا التحولات الكبرى، واحدة منهما ربيت فيها الألفة واكتسبت فيها الأصدقاء، وتعودت عيناي وأذناي وانفي على شوارعها وأصواتها وروائحها من الويبدة لوسط البلد للفحيص، من عشاءات عديدة في مطاعمها من عبدون لشارع رينبو، من تمشيات في حدائق الحسين لخوض في مياه الأغوار والوديان القريبة، من مسرحها الروماني وحفلاته الموسيقية لمولاتها وشوارع ضواحيها المتشابهة المملة. والأخرى زرتها مرارا وسرت في شوارعها القديمة بجوار بيت كالڤن وعلى ضفاف البحيرة، في حي كان مقر الأضواء الحمراء وبائعات الجنس وباعة المخدرات، لشوارع يمرح فيها الأغنياء الروس والخليجيين، من ميدان محطة كورناڤان لشواطئ بحيرة ليمان، من حي شامبيل وأوڤيڤ اللذان يذكراني بزمالك وجاردن سيتي الخمسينيات وحتى الضواحي التي تشبه ريفا لم يعد لدينا منه في بلادنا الكثير.
أدمن الرحيل في الصباح وأتعب منه كل مساء.
أشعر ببعض خجل من كل تلك المزايا والعطايا التي يمنحني إياها وضعي المادي والاجتماعي المتميز، حتى وأنا موقن أن المنصورة التي تربيت فيها لم تعد مدينة تقبلني للعيش فيها، وأن القاهرة التي أحبها اختلفت عن القاهرة التي يعيش فيها معظم أهلها، وأن عمّان التي قبلتني وقبلتها سبع سنوات لم تكن مدينة مستقر، وأن نيويورك واسلام اباد وكابول وبغداد وواشنطن وجوهانسبرج كلها كانت تعبر بي وأعبر بها، وهكذا أيضا لن تكون چنيڤ وطنا.
يا لكل هذه المزايا والعطايا التي يلقى البعض حتفهم من اجل نيل بعضها، وصرت أتعامل معها على أنها حياتي اليومية العادية، يموت الناس في شاحنات بضائع على الطرق الزراعية من قرى مصر إلى مزارعها ومدنها وهم يسعون لعمل يطعمهم ويبقيهم على حد الكفاف، يموتون في مياه المتوسط بعد ان دفعوا أموالا طائلة استدانها أهاليهم من أجل الوصول الى شواطئ تحمل وعودا أفضل، يموتون في شوارع تلك المدن الأفضل او يعانون بسبب العنصرية وبسبب رأسمالية متوحشة.
خجل أنا من حظي ومن نتائج عملي ومن امتيازاتي الطبقية، طبقة صرت أنتمي لها بفعل الحظ والصدفة، وكثير من العمل، ولكني أبقي مغتربا عنها بفعل التاريخ والجبلة، بفعل اللون واللكنة، امتيازات امتلكها ببعض القلق، ولكني استعملها جميعا بلا تردد، وخاصة ضد من ورثوها وتعاملوا معها كما لو انها حقا طبيعيا لهم.
ربما هو الرحيل الأخير، على الأقل الرحيل “الكبير” الأخير، همم أو قبل الأخير إذا ما اعتبرنا الموت هو الرحيل الأكبر.
في السفر والترحال فوائد كثيرة (خاصة لو كان لديك من المال والعلاقات ما يمكنك من كثير منها) ولكن في البقاء وتعميق الجذور فائدة لا تُضاهى. ربما هي الحياة الممتدة أفقيا فيما تسمح به الجغرافيا من ناحية مقابل الحياة المتعمقة رأسيا بما تسمح به التربة. وربما صارت التربة في بلادنا صخرية وصلدة بينما، لمن يقدرون ويغامرون، صار السفر والرحيل رهانا أفضل. وربما اشعر ببعض التردد والخجل في كيف صرت قادرا ومستمتعا بكل هذه الجذور التي تواصل الحفر لأسفل وكل تلك السيقان والأوراق التي تواصل التمدد افقيا ولأعلى، ها أنا ذا قد نلت الحسنيّين، ولكني لا أصدق!
ربما يجب على الواحد فقط ان يستمتع قدر الإمكان. ولكنها ليست السعادة ما أخجل منها وليس الشعور ببعض العار ما أفر منه، إنه قلق الاغتراب الذي لم يعد منه مفر سواء في أراضي الغربة او صحراء الوطن، لم يعد منه مفر جغرافي ولم يعد منه مأوي سوى الأصدقاء (الأحياء منهم والأموات) الذين صاروا هم الوطن والمستقر، والذين لا أخجل (بل أشعر بفخر شديد وفرح) أن لدي منهم الكثير.
٢ أكتوبر ٢٠٢٦ — وكما قال منذر مصري فأنا أيضا “أعرف سوريين يُحِبُّون سورية، أنا وأنتم نحب سورية، وأعرف غير سوريين ربما يُحِبُّونها أكثر. الفلسطينيين والمصريين والعراقيين واليمنيين مثلًا! ولكن لا أحد مثل خالد! لا أحد مثل خالد، هذه حقيقة.”
وفي هذه المقالة كان منذر يتحدث عن صديقنا المشترك خالد خليفة، الروائي والانسان المتعدد المواهب الذي رحل عنّا منذ ثلاث سنوات. كان خالد يقول أنه “”طالما ما زلت قادرًا على البقاء سأبقى” في سوريا، ولم يغادرها. ولن يغادرها جسده بعد ان استقر في مثواه الأخير على قمة تل يرى دمشق وهو محاط بقبور شباب تبدو من تواريخ ميلادهم ووفاتهم ان أعوام الحرب الأهلية قتلتهم على هذا الجانب أو ذاك وان الموت كان حقا عملا شاقا كما دلّ عنوان روايته الهائلة “الموت عمل شاق” والتي اصدرها في عام ٢٠١٦ عقب ثلاثة اعوام من جلطة قلبية كادت تودي بحياته وجعلته يفكر ماذا سيحدث لجسده بعد موته.

فاتتني يا خالد الدورة الثانية لجائزتك التي خلقها وساهم فيها وجعلها على قيد الحياة أولئك الاصدقاء الذين أحبوك ثم أحبوا كتاباتك (أو العكس أحيانا)، الذين أكلوا مكدوساتك، ومدحوا (حقا في احيان كثيرة ومحبة في احيان اخرى) ما كنت تحب ان تطهوه لنا. فاتتني الدورة التي انعقدت في اللاذقية وفاز بها روائي تونسي، عماد قيدة، عن رواية اسمها “المنصرمون” تحمل بعض نسمات روايتك الاخيرة التي صدرت بعد رحيلك، “سمك ميت يتنفس قشور الليمون”. عجزت عن السفر هذه المرة، ولكن عشرات من اصدقائك حبا ومحبة لك ولذكراك ولأعمالك الباقية احتفلوا بذكرى رحيلك الثالثة احتفالا ادبيا كما يليق بك.
سلام يا خالد، واصلنا بعد رحيلك ما نصحتنا به فعلا وعملا، نسعى أن نكون مع الاصدقاء، نحب طول الوقت، ونكره عندما يحل أوان الكراهية التي يمكن مدحها أحيانا كما ابلغتنا في كتابك، نأكل جيدا كما كنت تريدنا، ونشرب دون حساب أحيانا، نحب الحياة إذا مكنتنا الحياة من نفسها وانفسنا، ونراقبها ونكتب عنها في كل وقت، ونظل باقين في بلادنا، حتى لو أقمنا في أماكن أخرى، نطفو ولكننا نرفض ان نكون مثل “سمك ميت” كما حذرتنا روايتك الأخيرة وان كانت “قشور الليمون” تساعدنا على التنفس. الحب والأخرين هم المنجى يا خالد. قلبي معك، ولكن قلبك أيضا معنا. (مقالة منذر وصفحة جائزة خالد خليفة للرواية.)
٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ — هذا هو مفتتح كتابي الجديد #تلك_الساق_اليسرى
“تحملني الريح فأشعر بأجزاء جسدي المفككة المتباعدة عن بعضها البعض تتقارب رويدا رويدا وتتلمس أماكنها السابقة حيث عاشت أكثر من أربعين سنة، تتجاور مرة أخري، فأشعر كأنما أصعد ببطء من قلب هوة عميقة، ارتفع عن السرير ببطء ونعومة بينما تحف بي اجنحة سوداء هائلة لطائر عجيب تخفق بقوة وثقة، بلا عجلة ولا تعجل، تكاد الأجنحة اليمنى تلامس مياه النهر الشرقي الداكنة من ناحية بينما تقترب مني الأجنحة اليسرى مثل مروحة تدفع الهواء سلسا تحت جسدي المتعب، وفي القلب من كل تلك الأجنحة الضخمة الخفاقة كان هناك وجه ما، قلب ما، ولكنه ملتحف بسواد وظلام. بت ساعتها على يقين انه بذاته كان هناك خلف هذا الغياب، حاضرا ويهيمن وجوده على كل ما حوله، يجذب مثل مغناطيس نهائي كل الكائنات، كل الوجود، ويقربني منه بلا مقاومة، بل باستسلام راض، هو ملك الغياب الذي عرفت على الفور دون خوف أو انزعاج أنه ملاك الموت قادم ليساعدني.
ومن بعيد من خلف هذا الوجود المتسيّد، سمعت صوتا خافتا ولامست كتفي يد ما، هزتني قليلا، ثم دفعتني بعيدا عن الاجنحة الملتفة من حولي، تهاوى جسدي على السرير، وصرت ثقيلا ومتداعيا مرة أخرى، وتوالت لطمات وأصوات مبهمة حتى ظهر أمامي رجل داكن البشرة تكسو وجهه حبات عرق غزيرة وهو يكرر بصوت حازم دون زعيق: wake up, you wake up now, stay with me. ابتعدت الأجنحة غير أنني ما زلت أشعر بوجودها الجاذب والمخلص بينما وقف الرجل ضخم الجثة بيني وبينها. انسحب الهواء من الغرفة وعادت الحوائط ثم النافذة الزجاجية العريضة وبعدها تناهت لي أصوات جهاز قياس الضغط ونبضات القلب والذي كان يصدر أصواتا متقطعة وتومض على شاشته عدة أضواء بالوان مختلفة، وانفتحت عيناي علي لمبات نيون مستطيلة تتراقص أضوائها القادمة من السقف، رفعت يدي الثقيلة كأنها تحمل كيس اسمنت كبير فوقع عليّ حامل معدني طويل عليه أكياس بها محاليل، وانفتح جفناى والرجل يمسح وجهي بفوطة مبللة ثم يقذفها خلفه في سلة ويستل منشفة كبيرة ليمسح صدري بعد أن نزع عني رداء المستشفى المفتوح من الخلف وقد استحال لونه الأخضر الفاتح إلى بني غامق غارقا في دمي.
أين ذهبت سحر؟ كانت هنا. ذهبت سحر! وحل بعدها السحر، ثم راح. لا لم يكن وهما ولا سحرا. الملاك كان حقا هنا، ولم تدهشني زيارته أكثر من دهشتي لمرأي سحر تدخل غرفتي وهي التي لا تطيق الحديث عن المستشفيات وتهتز لمرأي الدم وتخاف بقسوة من الألم. أصفر وجهها بعد دقائق من وصولها لمستشفى الجراحات المتخصصة في شرق مانهاتن الذي يبعد عن بيتها أقل من عشر دقائق بالسيارة. رأيت تنفسها يتسارع، ويعلو صدرها ويهبط. فصار عليّ أنا المريض حبيس سريره بعد عملية جراحية وأعراض أزمة قلبية أن أهدئها وأطمئنها قبل أن يُغمى عليها. كان وجودها دليلا مذهلا على حبها وودها العميق لي كونها تغلبت على شياطينها المخيفة وتمكنت من دخول مستشفى لأول مرة منذ سنوات من أجل زيارتي. كانت تعتقد أنني أوشك على الخروج بعد نجاح الجراحة. قبل الزيارة المُرتبة بعناية اضطربت أجهزة القياسات ومعها نبضات قلبي وفي ثوان وهي جالسة أمامي تدفق أطباء وممرضون وأجهزة واكياس دم ومحاليل بينما توارت هي في زاوية الغرفة وقد غاب الدم عن وجهها وقبضت يدها بقسوة على يد حقيبتها واختلطت دموع أو حبات عرق مع بودرة التجميل فحفرت مجار ملونة في وجهها كانت أخر ما طالعته قبل أن أغيب عن الوعي.
كانت هذه المرة الثانية في حياتي التي يزورني فيها ملاك الموت.
١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ — ابدأ اليوم العمل المنتظم على كتابي القادم عن الألم والتعايش معه جسديا ونفسيا. العنوان المؤقت هو: #تلك_الساق_اليسرى. على مدى عدة سنوات كعادتي فكرت كثيرا في الكتاب وكتبت مقاطع منه وأنا أعمل على مشاريع أخرى، والآن مع نهاية مخطوطة كتاب #فردوس_مستحيل وتسليمه للناشر، أشعر بأن الوقت قد حان للتعامل الجدي مع هذا المشروع القديم.
سيكون الكتاب عن آلام الجسد، وما يرافقها وينجم عنها من آلام النفس، أقوم فيه بتتبع مسيرة ساقي اليسرى العليلة منذ سنوات مراهقتي حينما أُجريت لي أول جراحة فيها وصولا لكهولتي عندما مرت نفس الساق بالجراحة السادسة. ولكن الكتاب ليس فقط عن تلك الساق وعن الحياة التي عاشتها معي ورسمت كثيرا من خطواتها لي، بل عن طريقها سأحكي أيضا عن مؤسسات طبية وعن أطباء، عن العلاقة بين الجسد العليل وصاحبه، عن كيف عذبتني هذه الساق عجزا وعذبتها إهمالا وكراهية، كيف ارهقتها وأرهقتني، عن مسكنات الألم، والجراحات، عن المخدرات، وعن الصبر، عن تعامل العائلة والأصدقاء مع صاحب الألم، وعن كيف يواجه الواحد الموت بسبب خطأ طبي، عن كيف يواجه الموت وحسب، عن العجز، عن الإعاقة، وعن الحب وعن الغضب وعن التجاوز.
قالت لي معالجة نفسية أنني يجب ان أفكر جيدا لماذا اتحدث عن “تلك” الساق. “إنها ساقك، ساقك انت! وقد حملتك نحو خمسين عاما.” لم أفكر في هذا الامر من قبل، فكثيرا ما تعاملت مع “تلك” الساق على أنها خصمي اللدود وبطاقة زيارتي التي تسحبني للمستشفيات منذ كنت صبيا سنه ١٣ عاما.
هذا الكتاب لن يكون في الأساس سيرة شخصية ورد دين لساقي اليسرى، بل أطمح أن يكون مفيدا لأخرين يتعاملون مع ألامهم الخاصة أو مع شخص قريب يعاني من الألم من بين أصدقائهم أو أحبائهم.
وسيكون أيضا كتابا عن تعامل الثقافات المختلفة مع الألم، وعن سياسات العلاج والدواء والمستشفيات والتأمين الصحي ودور الدولة من مصر وحتى الولايات المتحدة وما بينهما من بلدان اخرى مثل جنوب أفريقيا وباكستان وتركيا والأردن — كلها بلدان قادني لها العمل وتصاريف الحياة، وتعاملت ساقي اليسرى مع مؤسساتها الطبية واطبائها ومجتمعاتها.
٢ سبتمبر ٢٠٢٦ – مع السلامة يا عمّان وسلاما على الأردن، ليس وداعا لبلد به اصدقاء وأحباء أكرموني وعلموني على مدى سبع سنوات، هو امتنان رغم بعض الشجن، وتطلع لزيارات قريبة.

٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ — ولم يأت سوى صيف حار خلف صيف أشد حرارة وربما لن نتجمد من برد شتاء قارس تحت حكم جحافل الأموات كما حذرونا، ولكن يبدو أننا قد نذوب من الحَرْ بسبب جشع وطمع وحماقة المليارديرات وحكوماتهم.

٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ — كلما مرّ هذا اليوم من اغسطس وتذكرت انني هنا على قيد الحياة بسبب صدفة عبثية وقعت في عام ٢٠٠٣، تصير كل المشاكل والمخاوف والعقبات ودواعي القلق أقل أهمية وأضعف تأثيرا. عرفت منذ ٢٣ سنة كم هي هشة حياتنا وكم هو سخيف ذلك الاحساس والتصرف اننا باقون للأبد، وكم هو باعث على القوة والتحدي والمغامرة ان نقرّ أننا زائلون.
في ١٩ اغسطس ٢٠٠٣ نجوت من الموت عكس ما جري ل ٢٢ من زملائي في الأمم المتحدة في بغداد لأني تأخرت ربع ساعة عن العودة لمكتبي بسبب كوب شاي أصر زميلي خالد الجندي أن أتناوله في مكتب برنامج الأغذية العالمي في العراق.
شعرت بالانفجار المرعب وسيارتي تسير نحو المكتب واعتقدت أنه زلزال ولما وصلت ورأيت الدمار المرعب وكيف اخترقت شظايا ضخمة من الزجاج الكرسي الذي أجلس عليه في مكتبي (كانت ستخترق جسدي لو كنت رفضت كأس الشاي) أدركت أنني نجوت من الموت ولم أرد أن تكون هذه النجاة عبثا. ظل شعور عميق بالذنب يلاحقني منذ ذلك الوقت، ذنب الناجي. خرجت من هذه التجربة باستخفاف أكبر بالحياة وبإيمان أكبر بجدوى العمل والنضال دون خوف لأن حياتنا يمكن ان تنتهي بقرار عبثي من الزرقاوي أو بوش او ترامب او صغار الديكتاتوريين من الجنرالات والامراء ورؤساء الشركات الكبري الذين يسعون لتضخيم سلطتهم وارباحهم على حساب حياتنا.
نناضل من أجل ان نبتكر ونحدد ماذا يعني أن نكون بشرا متساويين، نناضل لنرفض هذا المصير ولنسعى من أجل خيارات أفضل. نناضل لأن هناك خيارات أخرى غير كل هذه الطرق القاتمة المسدودة المطروحة امامنا ولأن في اعناقنا دين للقادمين من بعدنا
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ — اليوم ارسلت النص النهائي لكتابي القادم #فردوس_مستحيل للناشر، وأتمنى ان يكون متاحا للقراءة الورقية قبل نهاية العام، والكترونيا بعدها.
عملت نحو العامين على هذا الكتاب منذ وفاة أمي، فردوس، في سبتمبر ٢٠٢٤، بدأ عنها ثم صار عني ثم انتهى عنا وعن تاريخنا وحياتنا، وعن الموت، وعن الحياة. ربما يكون الفردوس مستحيلا في هذا العالم لكن الرضا والحب والتسامح، وقليلا من السخرية والخفة، يجعلون عالمنا الصعب محتملا، ويبقون على الأمل في الفردوس الممكن.
وهذه فقرات من الفصل الأخير:
“في جامع عمر مكرم كنت محاطا بدفء الأصدقاء في ساعات العزاء، وفي الأيام التالية تلقيت اتصالات هاتفية تنقل لي تعبيرات العزاء العفوي منها والمعلبة، ويقول بعضهم الحمد لله فهي لم تعد تتألم كما كانت في شهورها الأخير فتتذكر تساؤلات بارت: “على من يعود الضمير هي في جملة “إنها لم تعد تتألم”؟ وماذا يعني هذا الفعل المضارع؟” ، لقد ماتت ولم تعدّ هناك. الموت نقطة توقف كاملة، للجملة والفقرة والكتاب، توقف تذهب معه أي إمكانيات لشعور الجسد الراحل بالألم أو الأمل. نحن في الحقيقة، أهلها ومن يحبونها، هم الذين لم يعودوا يتألمون كما كانوا في شهورها الأخيرة وهي تعاني وتذوي أمامنا بينما نحن عاجزون عن إيقاف الألم، عن تربية أي نوع من الأمل، نحن الذين يصدق علينا الدعاء المنسوب للنبي محمد “وأجعل الموت راحة لي من كل شرّْ” حيث يذهب شرّْ المرض والعجز والغضب ويحل محلهم لوعة الفقد وشعور الحزن وشهور الحداد.
نجت جنازة أمي من الصراخ والعويل اللذان ميّزا جنازات طفولتي في شوارعنا، وحصلنا على أهم ما يحتاجه المكلوم بالفقدان، وجود أصدقاء واحباء يحتضنونه ويبتسمون في وجهه ويطمئنونه دون كلمات أنه ليس وحيدا، يعطونه شربة ماء في صحراء الحداد، يصحبونه للبيت ويبقون معه، يتولون عنه المهام العملية. ثم يتركونه في مهمة يستحيل أن يساعده فيها أحد: الحداد، مواجهة الفراغ والغياب الساحق.
ربما الأمر ليس الفقد، أن تخسر شيئا، ولكن ان تشعر ان الذي فقدته قد تركك وتخلى عنك وليس العكس، فاليتيم تركته أمه والرضيع تركه الرحم والمسافر تركه الوطن، والواحد منا كأنما يكرر تجربة آدم، أبو البشر، عندما نفاه الله وارسله للأرض وحيدا، متروكا. وربما لهذا صرخ المسيح على صليبه: “إلهي لما تركتني” متسائلا من ناحية عما هو مقبل عليه في ساعاته القادمة من العذاب ومندهشا من سبب هذا الترك. أيام وشهور الحداد هي شعورك بانك مثبت بمسامير على صليب، وأكثر ما يؤلمك فيها هو أن هذا الكائن الذي كان جزء من كل حياتك، الذي وهبك حياتك، لم يعد هناك، تركك ومضى.
لا اكتب لتخليد الذكرى، لا شيء خالد، فلنكن شجعان كما تقول شواهد القبور الرومانية القديمة، كله يندثر، ولا تبقى سوى الشواهد، وتلك بدورها تتهاوى مع الوقت. كانت حياة أمي ملحمة دون بطولات خارقة: تعلمت كما رغبت وعملت كما ارادت وتزوجت من أحبت وتمكنت من رعاية وتربية وإنضاج أبنائها قدر الإمكان لتجعلهم أقرب لما كانت تطمح إليه واقل عرضة لمنغصات الحياة سوى باختيارهم – نجاحات مذهلة لامرأة بدأت هذا النضال بأدوات قليلة في مواجهة عقبات هائلة. وبنفس المنطق كانت حياة أمي مثل حيوات أغلبية البشر، وهذا يمنحني الأمل في أننا جميعا قادرون على التجاوز، ولا نحتاج لملاحم أو أبطال خارقين.”
٥ أغسطس ٢٠٢٦ — تبهرني قدرة بعض المهاجرين على إغلاق الأبواب خلفهم في وجه المهاجرين القادمين بعدهم او المختلفين عنهم وتبني وجهات نظر اقصائية تقترب من العنصرية … واليوم أبهرني أحدهم في الولايات المتحدة وهو ينتقد فوز عبدول مصري الأصل بسباق الترشح الديمقراطي من اجل مجلس الشيوخ قائلا ان عبدول متدين واخوانجي ومرفوض من النظام الامريكي ولن يُسمح له بالوصول للكونجرس! ما أتعس عبيد المنزل الذين يسعون رغم الفشل المحتوم للتماهي مع من يدعون انهم اصحاب المنزل لوحدهم وعلى الباقين الرحيل او الانصياع. عبيد المنزل يبقون عبيدا بينما عبيد الحقل من يمنحوننا الأمل
أول أغسطس ٢٠٢٦ — لا توجد تحليلات أو تعليقات سياسية تخلو من حكم القيمة او الاعتبارات الاخلاقية او ما شابه، وعشان كدة كل الناس اللي بتقول “بطلوا تحليل رغائبي” أو “خليكوا واقعيين” لا يدركون أنهم ايضا ينطلقون اساسا من اعتبارات اخلاقية ورغبات وسلم قيم معينة، حتى لو علقوا لافتة المدرسة الواقعية على باب تحليلاتهم.
يتبارى أصحاب هذه المدرسة الواقعية المهيمنة في تسخيف وتجاهل الاخرين الذين يحاولون العمل في السياسة أو فهمها وتحليلها وتغييرها من منطلقات اخلاقية وحقوقية وقيمية مختلفة. والحقيقة ان كل هذه المدارس تستند على منظومات قيم وأخلاق وافتراضات ميتافيزيقية. فالمدرسة الواقعية تفترض في اساسها ان الانسان كائن وفاعل عقلاني وان البقاء والتسيّد هو للأقوى، وأن مقياس النجاح هو إخضاع البشر والحجر، ومقياس الانتصار المادي هو السيطرة على مزيد من الارض والموارد الطبيعية والبشر، وأن التاريخ كله وصراعاته كانت هكذا (وهذا درك أسفل من درك أولئك الذين ادعوا فترة في التسعينيات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومعسكره ان التاريخ نفسه قد انتهي).
اسرائيل وإيران والولايات المتحدة والامارات والدول والجماعات المسلحة والشركات الضخمة وكل اللاعبين الاخرين على الساحة الدولية يستندون في نهاية المطاف على مبررات أخلاقية وعلى قيم معينة وعلى تصور ما للتاريخ. ومن حقنا ان نقاوم هذه الهيمنة الواقعية المدعاة ونحاول فهم العالم من وجهات نظر اخرى وان نحاول تغييره، حتى لو بدا كل هذا مستحيلا الآن، علينا السعي وليس الوصول بالضرورة، وهذا في حد ذاته انحياز أخلاقي، حتى لو لم يعجب الواقعية النيوليبرالية.
٢٠ يونيو ٢٠٢٦ — وبعد مقتل بضعة مصريين يقودون دراجات بخارية قال لي: ما هو برضه سلوك انتحاري الناس تسوق موتوسيكلات على الطريق السريع في مصر، غلطانين بصراحة.
ترددت ثم قلت إن منطقه يعني أنه من الافضل للناس إذن، لتفادي القتل والاهانة ومواجهة احتمال قوي ألا تتحقق لهم أي عدالة، هو ألا يقودوا أي وسيلة انتقال بعجلتين في مصر، والافضل للنساء ألا تلدن في مستشفيات وأن يتوقفن قدر الامكان عن الخروج للشارع، وللمسيحيين أن يقبلوا كل ما يجري لهم دون اعتراض، وللمدنيين ان يبتعدوا عن العمل العام (وأحيانا الخاص)، ولنا جميعا أن نخرس.
اعجبته الفكرة الأخيرة وانخرَّسْ فانخرست انا كمان.
٢٨ مايو ٢٠٢٦ — احتفالا بالذكرى المئوية لصدور الكتاب .. ويستحق القراءة لأسباب عديدة ليس اقلها اللغة.
