Blog

كيف نواجه منشورات الكراهية والتضليل في سوريا والعالم

نُشر في الجمهورية في ٢٥ أغسطس ٢٠٢٥

في مطلع الشهر انتشر بشكل فيروسيٍّ مشهد إعدام مرعب في ردهات مستشفى السويداء الوطني، حيث تهاوى جسد رجل بدا أنه أحد العاملين في المستشفى تحت طلقات جنود يرتدون زياً رسمياً، بينما ركع عشرات الأشخاص المرتدون ملابس معتادة للعاملين في المجال الطبي على البلاط رافعي الأيدي مذعورين تحت فوهات الأسلحة التي قتلت الرجل، زميلهم، بعد اشتباك قصير بالأيدي بينه وبين أحد المسلحين من غير الواضح لماذا بدأ. 

سيصير المقطع المصور جزءاً من وثائق عديدة وشهادات لما جرى في تلك المنطقة ذات الأغلبية الدرزية الشهر الماضي، وراح ضحيته مئات الأشخاص من أهالي المنطقة بصفة أساسية وممن هاجمهم من ميليشيات مسلحة ومن قوات الأمن التي ادعت أنها تدخلت لفض النزاع. سيُدرج هذا المقطع في أعمال لجان تحقيق وتقصي حقائق حكومية أو دولية، وفي كتب تاريخ. ولكنه مثل عشرات الوثائق المماثلة بدأ يلعب دوراً بالفعل منذ تسريبه وذلك في تأجيج الصراع وتجييش العواطف وتجنيد الطاقات في مواجهة صار وجهها الرئيسي الطائفي يُخفي جذورها المناطقية والسياسية.

لم يكن عالم منصات التواصل الاجتماعي قط مجرد ناقلٍ لما يجري في الواقع. إذ يصوغ المستخدمون وقائع العالم المادي وينشرونها ويستغلونها بشكل انتقائي، ليخدموا بها أغراضاً عديدة، أقلّها أهمية لدى معظمهم هي التوثيق من أجل الحقيقة والمحاسبة.

في ديسمبر(كانون الأول) الماضي، سادت حالة من الفرح الجماعي وسط الحسابات السورية على منصات التواصل الاجتماعي، مع عدد قليل من المنشورات التي تعبر عن مخاوف من هجمات انتقامية أو تجاوزات من قبل الميليشيات التي تواترت تقارير موثقة عن انتهاكاتها العنيفة لحقوق الإنسان على مدى السنوات الماضية. ابتهجت غالبية الشعب السوري بإسقاط النظام الذي قتل ما يقرب من نصف مليون شخص منذ مطلع العقد الماضي، وفرض مناخاً قمعياً دموياً قاتماً على البلاد كلها منذ الثمانينيات. غير أن شهر العسل الافتراضي لم يدم طويلاً، فخلال الأسابيع التالية ظهرت خطابات الكراهية والانتقام والتحريض على العنف – خاصة ضد الأقليات، أو المجموعات والأفراد المشتبه في تورطهم في الجرائم الأسدية – مصحوبة بحملات تضليل شبه ممنهجة على المنصات نفسها.

على سبيل المثال، خلال ثلاثة أيام مرعبة في مارس (آذار)، حفلت منصات التواصل الاجتماعي بدعوات للحشد والتجنيد والتوجه نحو منطقة الساحل ذات الأغلبية العلوية لتأديب ما قال أصحاب المنشورات إنها فلول للنظام القديم الساعية لقلب النظام الجديد. وقُتل قرابة 1500 شخص في منطقة الساحل، أغلبيتهم من المدنيين غير المسلحين من الأقلية العلوية، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال، وذلك بعد اشتباكات مع ما وصفته الحكومة الجديدة في دمشق بأنها ميليشيات انقلابية شكّلها بقايا نظام الأسد، قتل خلالها قرابة مائتين من الجنود التابعين للنظام الجديد. وبعد مقتل هؤلاء الجنود فيما يبدو أنه حملة منظمة من ضباط سابقين في الجيش السوري وجنود متضررين من تسريحهم من الطائفة العلوية وفقا لتقرير تفصيلي دامغ نشرته وكالة رويترز للأنباء، حشد النظام جنوده وميليشيات داعمة وتدفق أنصاره من أجل إيقاف هذه الهجمات وربما عقاب المسؤولين عنها سواء فعلياً أو عن طريق عقاب جماعي للطائفة كما أوحت منشورات التواصل الاجتماعي. 

وفي أواخر شهر أبريل (نيسان) قُتل عشرات من الدروز منهم مدنيون ومسلحون وأيضاً جنود تابعون للأمن العام في مواجهات حول وداخل مناطق ذات غالبية درزية عقب ادعاءات بوجود تسريب صوتي لرجل دين درزي مسيئ للنبي محمد – على منصات التواصل. وجرى احتواء هذا الموقف بسرعة نسبية. ولكن السويداء، ذات الأغلبية الدرزية انفجرت لاحقاً بعد أن كانت تغلي من قبل، وخاصة في ضوء مشاحنات مع ميليشيات بدوية.

وفي كل هذه الحالات هيمنت منشورات التجييش الطائفي وتحقير الطوائف الدينية والمناطقية على منصات التواصل واحتوى كثير منها على معلومات مضللة أو مغلوطة ساهمت بدورها في تأجيج مشاعر الثأر والانتقام، وربما تسببت في سقوط المزيد من الضحايا على أرض الواقع وليس فقط إشعال الضغينة والغضب بين مستخدمي المنصات فحسب.

صدر حتى الآن تقريران عما جرى في منطقة الساحل، أحدهما من لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة وصدر في شهر آب (أغسطس)، والثاني قبله ببضع أسابيع من لجنة حكومية سورية، ولم يُنشر سوى ملخص له. والغرض الأساسي من مثل هذه التقارير هو توثيق ما جرى وتوصيفه وتحديد من قام بالانتهاكات والتجاوزات، وعلى الأخص من أمر بها وقادها ومعرفة ما إذا كانت سياسة منهجية. وهذه كلها أمور مهمة للغاية، ولكن لتفادى التكرار الذي يتوقعه كثيرون، للأسف، لمثل هذه المجازر، ينبغي النظر في جزء مهم من البنية التحتية التي مكنت لهذه المجازر أن تقع، بل وأن تحصل على قدر من الدعم الشعبي، وذلك هو الجزء الخاص بدور منشورات التواصل الاجتماعي. وهذا أمر مهم للغاية في بلد تتعدى نسبة حسابات الإنترنت فيها ثلث عدد السكان ويتجاوز عدد صفحات السوريين على منصة مثل فيسبوك 11 مليون صفحة وعلى إنستغرام ستة ملايين، بينما يعتمد كثيرون أيضاً على منصة تليجرام، غير الخاضغة لأي رقابة فعلية ولو حتى واهية مثلما هو الحال مع المنصات الأخرى.

أشار التقرير الأممي إلى أن أحداث الساحل التي أسفرت عن مقتل نحو 1500 شخص وقعت في «سياق استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المضللة وخطاب الكراهية» كما استخدمت هذه المنصات في نشر «دعوات للحشد الديني والنفير العام على نطاق واسع». 

ولم يتعرض ملخص التقرير الحكومي كثيراً لدورِ شبكات التواصل الاجتماعي مقتصراً على توصية حول «اتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية وتعليمية لمنع التحريض على العنف أو الفتنة أو إثارة النعرات الطائفية وكفالة رقابة ذلك في وسائط الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي». 

وفي مقابلة مع أحمد بريمو، قال مؤسس ومدير منصة «تأكد» السورية للتحقق من المعلومات «إن كثيراً من الحسابات التي تنشر الأكاذيب الضارة وتقوم بالتحريض في سورية تُدار من قبل أفراد أو شركات، ومُعدة بطريقة توحي بأنها تتحدث باسم مجموعة دينية أو عرقية معينة، وتعتمد على استخدام مقاطع فيديو أو صور مزيفة أو مُحرّفة – بعضها مأخوذ خارج سياقه – لنشر محتوى كراهية بهدف التحريض على العنف وإشعال العداوات عبر الطوائف والجماعات السياسية والمناطقية. وبمقتضى الحال فإن كثيراً من المتابعين يتبنون هذا المحتوى وينشرونه، معتقدين أنه صحيح». ويؤيد التقرير الأممي حول أحداث الساحل هذا مشيراً إلى «نشر معلومات كاذبة وخطاب كراهية والتحريض ضد العلويين في منشورات قيل أن مصدرها في كثير من الأحيان جاء من الخارج»، وأن هذا الخطاب ساهم في زيادة «المضايقات والانتهاكات ضد الطائفة العلوية».

ولا شك أن هناك أهمية توثيقية – خصوصاً من أجل عمل لجان تقصي الحقائق – في ترك كثير من هذه المنشورات على المنصات دون حذفها ولكن يمكن تقييدها تماماً للجمهور العام بل وجعلها متاحة فقط للجان التحقيق الرسمية وللباحثين في المنظمات ذات المصداقية وللصحفيين وهذا أمر سهل التنفيذ على إدارات شبكات التواصل الاجتماعي. ولكن تركها هكذا بما فيها فيديوهات صورها القتلة أنفسهم تشمل (الضرب المبرح والإعدامات) تؤدي إلى نشر الخوف والرعب بين الفئات والطوائف المستهدفة على هويتها وتكريس مناخ يعيش فيه المجرمون دون خوف من العقاب، وأخيراً تأجيج الشعور الانتقامي.

تاريخ التحريض القاتل

منذ مذابح ميانمار في 2017 بات واضحاً أن وسائل التواصل الاجتماعي لها قدرة فائقة على العمل كسلاح في النزاعات عندما تصبح الانتماءات الطائفية والإقليمية والعرقية وغيرها وقوداً لتسوية توترات سياسية واقتصادية واجتماعية في الأساس. ويُستخدم محتوى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبئة، والتجنيد، وجمع التبرعات، وتنظيم الأعمال العنيفة. وقد يكون الوضع أسوأ على تليجرام ومجموعات واتساب المغلقة مقارنةً بمنصات عامة مثل فيسبوك وتيك توك ما زالت تدعي أنها تبذل مجهوداً لمنع نشر المحتوى الذي يحرض على العنف وينشر الكراهية. وشدد التقرير الأممي حول أحداث الساحل على الدور الهدّام لمنصة تليجرام ضارباً كمثال صفحة قناة قيادة العمليات العسكرية صاحبة السبعين ألف متابع التي تشير للعلويين مستخدمة «لغة طائفية صريحة… وتوجيه تهديدات طائفية صريحة ومهينة».

بالطبع، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون أداة لبناء الجسور، ودحض الشائعات، ومكافحة التضليل. إنها بلا شك سيف ذو حدين، لكن الحد الذي يسفك الدماء يتطلب المزيد من الاهتمام. 

في ميانمار شنت قوات الأمن حملة «تطهير عرقي وحشية» ضد مسلمي الروهينجا حيث قُتل الآلاف بما فيهم أطفال صغار، وانتهكت نساء وفتيات، وأُحرقت مئات القرى. وفي الأشهر والسنوات التي سبقت المذابح كان فيسبوك منصة حشد ضد الروهينجا حيث نشر الجيش والجماعات القومية البوذية المتطرفة محتوى تحريضي ومعلومات مضللة حول استيلاء المسلمين الوشيك على البلاد. وبحسب تقرير للأمم المتحدة، لعب موقع فيسبوك دوراً أساسياً في تأجيج تطرف السكان المحليين والتحريض على العنف. وصورت هذه الحملات الروهينجا على أنهم دون مستوى البشر. سنسمع هذا التشبيه يُوجه للفلسطينيين على أنهم «حيوانات بشرية» من وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف جالانت في عام 2023 بعد أن بدأت الحملة العسكرية الإسرائيلية الإبادية في قطاع غزة المحتل.

المعلومات الخاطئة والمضللة وخطاب الكراهية – بما في ذلك تجريد الناس من إنسانيتهم – قد تؤدي إلى القتل، كما رأينا في رواندا وميانمار والآن في سوريا وغزة. ويكمن التحدي في التمييز بين النقد المباح وحمايته كحرية تعبير من ناحية وخطاب الكراهية والتحريض والسعي لتقييده والحد منه أو حظره من ناحية أخرى.

كيف يمكن التفريق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية

مواجهة خطاب الكراهية دون تقييد حرية التعبير عمل صعب للغاية، ويتعين بداية أن يتم التفريق بين نوعين متمايزين من الخطاب، الأول هو خطاب الكراهية ضد أفكار ومؤسسات ودول والذي قد يؤذي المشاعر وهو خطاب يدافع عن شرعية وجوده معظم مؤيدي حرية التعبير. والخطاب الثاني يحض على كراهية البشر بصفتهم أعضاء في جماعات دينية أو عرقية أو طائفية أو بناء على نوعهم الاجتماعي أو جنسيتهم، إلخ، وهو خطاب يتفق أغلب المعنيين بهذه المسألة على وجوب التعامل معه بتقييد الانتشار أو الحذف إذا كان من المحتمل بشكل واضح أن يؤدي لعنف على أرض الواقع.

وهكذا على سبيل المثال هناك فارق بين انتقاد اسرائيل وسياساتها بكافة الأوجه من ناحية، ومعاداة اليهود عموماً ووصمهم (العداء للسامية) كما هناك فارق بين وصم وتوجيه اتهامات مشينة لكل المسلمين من ناحية وهو خطاب كراهية ونشر تعليقات مزعجة للمتدينين بشأن الإسلام نفسه كدين. وهناك لا شك خطوط رفيعة وتداخلات يصعب معها أحياناً الفصل بين الخطاب الذي يجب الدفاع عنه من باب حرية التعبير عن الرأي والخطاب الذي يتعين مناهضته لأنه يحض على الكراهية وقد يؤدي للعنف غير المشروع. وهكذا فليس كل خطاب كريه هو خطاب كراهية يستلزم التقييد القانوني!

وضع إعلان الرباط في 2012 قواعد استرشادية لتعامل القانون مع خطاب الكراهية والتحريض على العنف منها: سياق الخطاب، وطبيعة صاحب الخطاب (الفرد أو المؤسسة)، ونية صاحب الخطاب، ومحتوى الخطاب، ومدى انتشار الخطاب، ومدى احتمال ونطاق وقوع ضرر بسبب هذا الخطاب. وعلى سبيل المثال فإن رجلاً ينشر خطاب كراهية ضد سكان القطب الشمالي وهو يعيش في أمريكا اللاتينية فحصل منشوره على اهتمام شخصين اثنين هو خطاب لا يحتاج في الأغلب للتدخل السريع والحظر، وإن تعيّن على المنصات عموماً ربما تقييد مثل هذه الخطابات وعدم المساهمة في توسيع نطاق نشرها.

خوارزميات ضبط المحتوى  

تقدم منصات التواصل الاجتماعي يومياً عدة مليارات من المنشورات (نصوص وفيديوهات وصور وتسجيلات صوتية) ومن المستحيل أن يقوم بشر بمراجعة كل هذا المحتوى قبل نشره للتأكد من عدم وجود خطاب كراهية أو تحريض يستلزم التقييد أو الحذف. هذا أمر سيتطلب وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. ولذا تستعمل كل المنصات برامج أو خوارزميات آلية تقوم عادة بأكثر من 95 بالمئة من إجراءات الحذف والتقييد وفرض جزاءات على المخالفين لقواعد المحتوى. ورغم التقدم المضطرد في عمل البرامج واعتمادها على تقنيات الذكاء الاصطناعي إلا أن قواعدها الحاكمة في نهاية الأمر موضوعة من قبل بشر وقد تخضع أحياناً لاعتبارات سياسية. وهناك تحديات تقنية تتعلق بقدرة الخوارزميات على التفريق بين الجد والهزل أو النشر الصحفي والأكاديمي لأمثلة من خطاب الكراهية وحتى توظيفه في حملات توعية ومناهضة.

ورغم هذه التحديات يتعين على هذه المنصات أن تراقب المحتوى الكاره والضار وتقلل من انتشاره أو تضع علامات تحذيرية عليه أو حتى تزيله، خاصة إذا بدأ بالانتشار السريع أو تم ترويجه من خلال حسابات ومجموعات مشبوهة. ويمكن بسهولة للمنصات الكبيرة جداً مثل ميتا وإكس وتيك توك أن تقوم على الأقل بتقليل انتشار المحتوى الضار أو شبه الضار عن طريق أنظمة التوصية التلقائية التي تدفع إلى شاشاتنا كثيراً من المحتوى غير القادم من أصدقائنا ودوائرنا المباشرة (إما لأنه مدفوع الأجر للمنصات بصفته إعلانات أو لأن الخوارزميات ترى أن المستخدم مهتم بهذه النوعية وهكذا تعمل أنظمة التوصية وترتيب المحتوى على خلق تأثير أكبر للمحتوى الإثاري والعنيف). 

وفي الواقع إن المنصات نفسها متهمة بترويج هذا الخطاب كما رأينا في حالة ميانمار. فمثلاً تُعطي خوارزميات ميتا الأولوية لبعض المحتوى الأكثر ضرراً وتُضخّمه، بما في ذلك الدعوة إلى الكراهية، والمعلومات المضللة، والمحتوى المُحرّض على العنف العنصري – كل ذلك باسم تعظيم «تفاعل المستخدمين»، وبالتالي الربح. وقد أظهرت الأبحاث أن هذه الخوارزميات تُعزّز باستمرار المحتوى الذي يُثير ردود فعل عاطفية قوية، أحياناً على حساب اعتبارات تتحسب للأضرار المتوقعة خاصة على الفئات والمجموعات الأكثر ضعفاً وتهميشاً. 

تقصي الحقائق والمعلومات 

وفي سورية وغيرها من مناطق الحروب والصراعات يتطوع مستخدمون أو مجموعات منظمة لدحض الأكاذيب أو كشف زيف صور وفيديوهات كان من الممكن أن تسبب المزيد من القتل والعنف لو تُركت دون رقابة. لكن المتطوعين لا يمتلكون الأدوات أو المصداقية نفسها التي يتمتع بها المحققون المحترفون، ولا يقتربون حتى من التأثير الذي يمكن أن تحققه المنصات نفسها إذا خصصت المزيد من الموارد والأدوات الفعالة. 

وظهرت منظمات التحقق من المعلومات في المنطقة العربية خلال جائحة كورونا عندما انهالت المعلومات المضللة حول الفيروس واللقاحات. وتأسست الشبكة العربية للتحقق من الأخبار (AFCN) عام 2020، وطورت منذ ذلك الحين برنامجاً تدريبياً، وكتيبات إرشادات مهنية، ومنصة إلكترونية لتدقيق المعلومات القادمة من أي مستخدم (chatbot)، وفقاً لـسجى مرتضى، منسقة الشبكة التي تضم حاليا 34 منظمة من 12 دولة عربية.  

وتعاني هذه المنظمات ومثيلاتها في أنحاء العالم من قلق شديد مع انخفاض الدعم المادي من المانحين ومن الشركات بسبب تحولات كبيرة في نظم تمويل المجتمع المدني وأيضاً في سياسات شركات سيليكون فالي الضخمة (جوجل، ميتا، إكس، إلخ). وعلى سبيل المثال ألغت ميتا التعامل مع شركات التحقق من المعلومات في الولايات المتحدة وخففت عمل الخوارزميات المكلفة برصد خطاب الكراهية وحذفه أو تقييده وفق قواعد معينة.

كان قرار ميتا (صاحبة منصات فيسبوك وإنستغرام وثريدز وواتساب) إعادة التفكير في نهجها تجاه مراقبة المحتوى وتدقيق الحقائق على منصاتها مدفوعاً بالحسابات السياسية في الأغلب، بخاصة وأن الرئيس دونالد ترامب وأنصاره يتهمون نظم وشركات تقصي الحقائق والمعلومات بأنها تمارس الرقابة على آراء المحافظين والجمهوريين. ويحيط بالرئيس الأميركي، الذي حذفت ميتا نفسها حسابه في 2020 بعد خسارته الانتخابات بسبب خشيتها من تحريضه لأنصاره على العنف، مجموعات تدعي الدفاع عن «الحرية المطلقة في التعبير»، وتعتقد أن معظم المحاولات لتقييد الكلمات أو الصور أو الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي هي بمثابة رقابة سياسية. 

هل تجدي مناهضة الأكاذيب والكراهية عن طريق نشر الوعي؟

يدعي البعض أن الوسيلة الناجعة لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة هي نشر الوعي المعلوماتي بداية من مناهج المدارس الابتدائية من أجل إكساب مستخدمي الإنترنت قدرة نقدية على التعرف بشكل أفضل على المحتوى الخاطئ والمضلل معتمدين على: محتوى الرسائل، طبيعة مرسلها، تماسكها المنطقي، علامات التلاعب في الصور والفيديوهات، إلخ، وبالتالي تكون لهم القدرة على فرز هذا السيل المنهمر واستبعاد الزائف منه. ولكن هذا في الأغلب لا يستغرق وقتاً طويلاً فحسب، ولكنه أيضاً قد لا يفيد كثيراً في مكافحة خطاب الكراهية العام بين فئات مستعدة ومؤيدة له. 

ويضع هذا الحكومات ومنصات التواصل الاجتماعي الكبرى أمام مسؤولية جسيمة، لتتعامل عن طريق التشريعات من ناحية، وخوارزميات إدارة محتوى المنصات من ناحية أخرى، لتقليل التحريض على العنف والتضليل خاصة أثناء الصراعات التي يُساهم مثل هذا المحتوى في تأجيجها، بل وتعميم توتراتها لأنحاء العالم في صورة عداء وأعمال عنف لفظي وفعلي ضد المهاجرين وأتباع أديان مختلفة وأقليات اجتماعية أو طائفية.

لم تخترع المنصات خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، فهي تقنيات قديمة مغروسة في قلب الصراعات الاجتماعية والسياسية منذ مئات السنين، ولكن الزيادة المذهلة في حجم هذه المنشورات وسرعة انتشارها كونياً وتأثير شركات ودول وجماعات تقف خلف بعض هذه الحملات وتمولها، والقدرة المتعاظمة على تزييف الصور والفيديوهات، والضعف المتزايد في قدرة وسائل الإعلام التقليدية الجادة على مواصلة العمل بسبب تحولات أنماط إنتاج واستهلاك المعلومات… كل هذا يحمّل هذه المنصات والحكومات مسؤولية أكبر في مواجهة تلك الكلمات والصور والفيديوهات القاتلة.

وهنا يكمن التحدي الأعمق والأكبر: من سيضغط على هذه الحكومات والمنصات للقيام بهذا العمل المهم؟ القانون، الناخبون، المستثمرون… من؟ الحكومات – الديمقراطية وأشباهها – معنية في النهاية بأصوات الناخبين، بينما الشركات معنية بأرباحها والمستثمرين في أسهمها.

كل هذه الطرق تبدو الآن مظلمة نوعاً ما أو مسدودة، فمنذ بداية الحرب الإبادية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة تآكلت بسرعة قوة وسلطان كثير من المنظمات الدولية وضعفت سطوة القانون الدولي ومشروعيته والتي كانت واهنة بالفعل وبات تعليق الأمل على قواعد قانونية حقوقية يشبه انتظار الظامئ للسراب المتلاشي، حيث ضعفت قدرة مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية على تولي مهامها بل وصارت مهددة من جانب قوى عظمى فرضت عقوبات على هذه المحكمة. يقف خلف كل هذا ضربات قاسية وجهت للقدرة على التعاطف الإنساني عبر الطبقات والحدود في العقدين الماضيين إلى جانب انتشار متزايد لخطابات الكراهية والإقصاء التي رفعت الأسوار عالية بين الفئات والطوائف والطبقات. ويُشكّل التعاطف الإنساني بين البشر والشعور بالتماثل أساس مناهضة خطاب الكراهية والحض على العنف ضد الآخرين، وهذا هو التحدي الأعمق الذي يواجه البشرية حالياً لمناهضة خطابات التضليل والكراهية والتحريض على العنف إذا أردنا أن يحدث ضغط منظم وناجع من قبل ناخبين ومستهلكين ومواطنين لدفع الحكومات والشركات إلى اتخاذ إجراءات أكثر فعالية في مواجهة هذه المنشورات القاتلة.

كاتب، صحفي، روائي، مصري، اشتغل كمان في حقوق الإنسان والأمم المتحدة قبل ان يتفرغ للكتابة وتقديم النصائح للراغبين