Blog

  • Home
  • مقالات
  • مقالات
Screenshot 2026-02-19 at 12.32.24 PM

٢١ فبراير ٢٠٢٦ —  تأشيرة دخول إمارة أفغانستان الإسلامية قادما من باكستان عن طريق البر عن طريق معبر سبين بولداك جنوب قندهار في ربيع عام ٢٠٠٠


١٧ فبراير ٢٠٢٦ – “وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” – صناعة ميخائيل مهنا المقدسي، فلسطين، ١٨٨٥ – دار النمر – بيروت.


٧ فبراير ٢٠٢٦ – كان مهما ان اتذكر كيف يهمش المسيطرون كل الآخرين (اذلالا وانتهاكا وحرمانا وتلاعبا) حتى لو ادعوا تقديم يد المساعدة والعناية وبقايا الود والعطف والشفقة. هم فعلا ينزعون عنهم الانسانية ثم يسحقونهم كما علمنا ابستين ونتنياهو وبن زايد وغيرهم، وكافكا يبدأ بنزع الانسانية الفيزيقية فعليا عندما يستيقظ جريجوري سامسا من ليلة مضطربة الأحلام ليجد نفسه وقد تحول الى حشرة كبيرة، وتدريجيا ولكن بسرعة نسبية ما تتخلى عائلته عنه حتى يموت جوعا وحرمانا فتعود البهجة والعادية للحياة.


٢٣ يناير ٢٠٢٦ – أقرأ خطابات الاصدقاء (قبل عصر الايميل) وأنا أعمل على كتاب عني وعن أمي. الخطابات كلها من الثمانينيات والتسعينيات قبل ان يهيمن الأيميل على سبل التواصل.

واليوم قرأت خطابا من واحد من أرهف وألطف من التقيت بهم في حياتي وهو الصديق علي من أسوان. أرسل علي خطاباته من السعودية في ١٩٩٢ ، ١٩٩٣ وكانت فترة تصل لي فيها على مكتبي في وكالة رويترز في القاهرة خطابات من اصدقائي الذين اغتربوا في الخليج وفي اوروبا “من أجل المال أو من أجل العلم أو من أجل الأثنين” كما قال على الذي في الحقيقة لم يذكر الحرية او الديمقراطية لانه كان واضحا وصلبا ويركز علي الأدوات التي ستمكنّا من تحقيق أحلامنا ولم يكن أيا مننا متورطا في العمل السياسي بجد أو وضوح على أية حال.

قال علي وهو يفكر في كل تلك الأشياء التي قد يوفرها السفر والاغتراب: “ولكن لو توافرت لنا كل هذه الأشياء، أقصد العلم والثقافة والمال، هل كان يمكن لنا أن نظل معا، كل منا يذهب إلى عمله ثم يعود آخر النهار لنجلس معا، نحكي عما حدث لكل منا، في الطريق، في العمل، نتكلم في كل شيء، في الفن والأدب، في السياسة، (وأنا أسمع أكثر مما أتكلم كالعادة) … نستمع إلى أغانينا المفضلة فيروز، ومحمد منير … نأكل معا.

يعد لنا ع. الأكل وأنا أغسل الأطباق وانت تأتي من الخارج متعب من المشاوير الكثيرة والمواصلات المرهقة …

وبعد السهرة نذهب إلى النوم، أنا أحكي بعض الحكايات التي لا معنى لها، واثناء حديثي يقول ع وكأن شخصا ما ذكره بشيء مهم: أنا ح أنام دلوقتي وفعلا بعد لحظات يذهب في نوم عميق، أنت تنام أثناء حديثي وعندما لا أجد أحد يرد علي أعرف أنكم قد نمتم.”

يا علي، تعرف نفسك، تعرفها جيدا، وتعرف خطك، وتعرف أن السبل تقطعت بنّا، ولا طريقا واضحا لدي للوصول اليك، ولكني أحب أن أراك واسمع منك بعد كل هذه السنوات الثلاثين.

٢٣ يناير ٢٠٢٦ – ٣٥ سنة صحافة وكتابة ومن وكالة انباء الحكومة لصحفي حر ومن الصحفية العظيمة امينة شفيق للصحفي الشجاع خالد البلشي، كانت رحلة هايلة. خسرنا السذاجة والقلق وربحنا الخبرة والطمأنينة، والأمل


٧ يناير ٢٠٢٦ – بعد عامين من الإبادة المستمرة في فلسطين والاهانة والإذلال الممتدان من الشرق الأوسط البائس حتى فنزويلا المفشوخة، ليس على الأرض من السلام الكثير، وليس بالناس المسرة.

لا مخرج لنا سوى العمل والأمل واللطف الإلهي وقليل من المعجزات التي لا بد ان نفكر في امكانية حدوثها في يوم الاحتفال بعيد الميلاد المجيد المعجز ومعظم الناس يقفون عراة في مواجهة سلطات ونخب دموية ورعناء في الداخل وأخرى مرعبة أسكرتها قدراتها التدميرية وغطرستها في الخارج.

ومع هذا كل سنة واحنا طيبين قدر الإمكان، أو على الأقل لسنا أشرارا ونحافظ على ما نستطيع من طيبة وأمل وتفاؤل غير واقعي ولكنه صحي ومفيد لنا، أو على الأقل لمن سيأتون بعدنا.


٨ ديسمبر ٢٠٢٥ – لاحظتها عندما وقفت بالقرب مني في مطار واشنطن العاصمة. نحَّت السيدة العجوز زوجها المضطرب قليلا، بغطاء رأسها الابيض وجلبابها الاسود السابغ باتت تشد بما تبقى فيها من عزم حقيبة كبيرة تلو الأخر من على السير المتحرك، هب البعض لمساعدتها، ست حقائب سوداء قماشية بعضها مربوط بحبل اخضر، كومتها واحدة فوق الاخرى او بجوارها ثم اشارت للرجل الذي كان يرتدي شروالا ويتمنطق بحزام قماشي عريض ان يأتي.

حاول الرجل ان يحصل على عربة للحقائب غير انه من الواضح انه لا يفهم الطريقة، ذهبت اليه وسألته اذا كان يتكلم الانجليزية، حيث اعتقدت لوهلة انه هندي بسبب عدد كبير نسبيا من الركاب الهنود على الطائرة. لم يرد. تتكلم عربي؟ سألته. رد بابتسامة: كردي. ولجأنا للغة الاشارة. سحبت له العربة حتى ماكينة الدفع وسألته بالاشارة اذا كان معه ست دولارات. ثم ترددت قليلا وواصلت: او كريديت كارد (مشيرا لعلامات بطاقة الائتمان على ماكينة الدفع). مد يده في جيب صديريته واخرج محفظة واوراق ورزمة من فئة المائة دولار. سألت الموظفة على الكاونتر القريب اذا كان معها فكة لمائة دولار وشرحت لها الموقف والرجل ما زال مادا يده بالرزمة غير الصغيرة.

ابتسمت الشابة وسارت معنا للماكينة ثم اخرجت بطاقتها الائتمانية ودفعت للرجل. نظرت لها مبهورا وقلت لها بالانجليزية: انت اسرع واشطر مني، انا كمان كان مفروض اعمل كدة، بس عطلت. ابتسمت وقالت انه لا شيء.

منحنا الرجل ابتسامة ضخمة ووضع يده على صدره.

سألتها عن اسمها. زينة. منين؟ ردت بالعربية: من سورية.

زينة كانت تقف مساء اليوم في مطار دالاس بواشنطن العاصمة مندوبة لشركةً . انا لو مكان شركة الملكية الاردنية ابعت لزينة اللطيفة المبتسمة الكريمة جواب شكر ومكافأة.


٢٤ نوفمبر ٢٠٢٥ – دنيا عجيبة لما تقرا سطرين لكاتب روسي من ١٨٧٩ فتفتكر علطول ام كلثوم واحمد رامي من ١٩٤٩ بعدها بسبعين سنة

دوستيوفيسكي: “لم يشعر نحو هذه المرأة في يوم من الايام بمثل الحب الذي يشعر به الآن، لم يشعر نحوها في يوم من الأيام بمثل ما بشعر به الآن من عاطفة رقيقة حنون لا حدود لها، من عاطفة الخصوع والمذلة التي تدفعه لأن يريد نسيان ذاته، والتضحية بنفسه في سبيلها.” – الاخوة كارامازوف

احمد رامي: “

عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك

وتجيب خضوعى منين ولوعتى بهواك

فضلت احافظ على عهدى واسقى الوداد دمع عينيا.” – ياللي كان يشجيك انيني

المازوخية برضه عابرة للثقافات والانذلال والتذلل للمحبوب موجود من ايام قيس (مجنون ليلى)


٢٢  نوفمبر ٢٠٢٥ – يلخص دوستويفيسكي على لسان الراهب روسيما في “الأخوة كارامازوف” دور الكنيسة/الدين في ايجاد حل ناجع وسلمي ومستدام لعلاج الفجوة الهائلة بين الطبقات والظلم الفادح الواقع على اغلبية الناس بسبب فقرهم وعجزهم ومن احل مواجهة تصاعد المد الاشتراكي وغضب الفقراء من ناحية، ولا مبالاة الاغنياء واستغراقهم في المتع وفجور السلطة من ناحية اخرى (الرواية من روسيا سبعينيات القرن ال ١٩) .

وبعده ببضعة عقود سعى المخرج فريتز لانج في فيلمه الصامت الابيض والاسود والعبقري “متروبوليس” (١٩٢٧) لحل مشابه في المانيا الممزقة بين الشيوعية وانحلال البرجوازية والجرح النازف في الكرامة القومية بسبب الهزيمة المذلة في الحرب العالمية الاولى. يقول لنا الفيلم ان العنف وتحطيم العالم القديم ليس حلا لان الاغنياء هم العقل والعمال هم الذراع ولكي يتفاهم الاثنان على حل وسط يحتاجان لتوسط القلب (او الرب او ابن الرب/الرجل الغني كما يحدث في نهاية الفيلم فعلا).

والان وقد مرت ١٠٠ عام على الفيلم الذي تلاه بعد سنوات صعود النازية في المانيا، و١٥٠ عاما على الرواية التي اعقبها بعقدين سقوط النظام القيصري، يبدو اننا ما زلنا نناضل في هذا الطريق الثالث بين انحلال وفجور السلطة ورأس المال من ناحية والغضب المبرر المتصاعد ونشدان حد ادنى من العدل من ناحية اخرى. وطبعا ما زال لدينا كثير من الرهبان واصحاب الحلول الوسط الاصلاحية الركيكة، والنازيون الجدد، ورهبان/شيوخ السلطان …

مفيد الواحد يقرا ويشوف ايه اللي اتغير وايه اللي ما اتغيرش في السنين دي، وليه.


٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥#فردوس_مفقود

مقطع من كتاب قيد الكتابة اتعشم نشره في منتصف ٢٠٢٦

“ولكن السياسة لم تترك أمي وابنائها في حالهم، واصابتها بهلع شديد عندما عندما استدعاني المقدم ش. ن. في مباحث أمن الدولة في محاولة لتجنيدي وانا في السنة الأولى من كلية الهندسة. كان في الأغلب يريدني أن اتجسس على زملائي الذين كانوا من الشيوعيين والإسلاميين. كنت مخبر لقطة بسبب علاقاتي السياسية المتعددة رغم انني لم اندرج تحت أي تنظيم. كان أقرب أصدقائي في الجامعة من أعضاء حزب التجمع علنا وبعضهم أعضاء في الحزب الشيوعي او منظمات سرية متعددة بينما كان رفاق الشارع والحي مزيج من الإخوان والجماعات الإسلامية.

كانت “الجماعة الإسلامية” أخر تنظيم اقتربت منه بجدية دون أن انضم له، وكنت أستمع أحيانا على شرائط كاسيت عند بعض الرفاق لخطب زعيم الجماعة آنذاك الشيخ عمر عبد الرحمن. كنت في الثالثة عشر وكنا نقف بالساعات على الناصية المواجهة لبيتنا والمستندة لجامع الرحمة وانا اتحدث مع طلبة جامعيين كانوا ربما قادة الجماعة في الحي، كانوا طلابا هادئين وتركزت المناقشات على العبادات والمحرمات والمكروهات والسلوك عموما. اتذكر جيدا ان زميلا من مدرستي سأل عصام، وكان طالبا بكلية الزراعة وأكثر المشاركين هدوءا ورفقا بالمراهقين، عما اذا كان عليه ان يتوقف عن ارتداء فانلة جديد اشتراها له ابيه لانها تحمل صلبان. نظرت للفانلة وقلت: “دي علامات زائد بتاعة الحساب.” ابتسم عصام وهو يقول اننا يجب ان نبتعد عن أوجه الشبهة وان ارتداء هذا الزي قد يكون مكروها.

وبعد صلاة الفجر خلال رمضان كنا نسير نحو العشرين مراهقا وطالبا جامعيا علي خطوط السكك الحديدية القريبة من البيت ونحن نردد أناشيد إسلامية خلف طالب كان جميل الصوت. وواظبت على اللقاء مع الجماعة حيث انتقلنا للجلوس في المسجد بين صلاتي المغرب والعشاء خاصة في فصل الشتاء البارد، وفي يوم طلب مننا الشيخ متولي، خادم ومقرئ المسجد، أن نغادر لانه يريد ان يغلق الباب. كان لديه عمل في صوان عزاء قريب سيقرأ فيه نصف ساعة قبل ان يعود بسرعة لصلاة العشاء، ولا يمكنه ان يترك الجامع بمصاحفه وسجاجيده واجهزته ومحتوياته مفتوحا هكذا. قال عصام انهم جالسون يحفظون القرآن “في بيت ربنا”، فغاب الشيخ متولي داخل دورة المياه ثم عاد وقد عقد ذيل جلبابه خلفه، ورفع مقشة كبيرة وهو يصرخ: “يللا اطلعوا برة يا ولاد الكلب، يا شيعة يا شيوعيين.”

كنا في عام ١٩٨٠ وكان التلفزيون والصحف كلها تتحدث عن الخطر الشيوعي في أفغانستان والخطر الشيعي في ايران، وكان الشيخ متولي غاضبا لان وجودنا كان سيحرمه من دخل إضافي يحتاجه بشدة لان جامعنا المسكين لم يكن ساعتها مسجلا في وزارة الأوقاف وما يدفعه الأهالي كمكافأة شهرية غير كاف بلا شك.

استمرت هذه اللقاءات عدة أشهر حتى توقفت عن المشاركة فيها بعد ان قرأت كتاب “الملل والنحل” للشهرستاني، فاكتشفت عالما أوسع وأرحب وأكثر تعقيدا، وخرجت من علاقتي القصيرة بالسلفية والاصولية والدين بمعناه وسلوكياته الشائعة. وتوقفت عن الصلاة اليومية في المسجد، ولعل هذا قد اسعد الشيخ متولي وازال عني اتهامات التشيع والشيوعية، ولكن ليس في عين أمن الدولة نصف المغمضة.”


١٩ نوفمبر ٢٠٢٥ – #فردوس_مفقود

من كتاب قيد الكتابة اتعشم ان انشره في ٢٠٢٦

“ننتقل لرأس البر شهرا كل عام في فصل الصيف، وينضم لنا أقارب ومعارف، نقضي أيامنا على الشاطئ، نذهب لاستاد المنصورة في الاجازات الدراسية كل يوم وفي شهور الدراسة نذهب أيام الجمعة، نتعلم السباحة ونلعب الكرة ونمارس أنشطة الكشافة ونتفرج على فتيات وشباب الطبقة العليا يلعبون التنس، وعلى الشباب الأكبر سنا يتدربون على الملاكمة، أو الفتيات تلعبن الجمباز، نلمح نجم كرة قدم النادي سعد سليط، فننظر ناحيته بوله وإعجاب.

ومعظم العام، كنا، نحن الصبيان واصدقاؤنا نذهب لسينما عدن يوم الجمعة كل أسبوع نشاهد فيلمين، مصري وأمريكي (وأحيانا هندي او أفلام بروس لي). العرض مستمر بشرط أن تدفع قرش صاغ كل مرة ينتهي فيها الفيلمان، وكنا أحيانا نشاهد كل فيلم مرتين فنظل ساعات طويلة في القاعة المظلمة، جالسين على “بنشات” بلا ظهر قريبا من شاشة العرض الضخمة، حيث توجد ارخص مقاعد، تتصلب اعناقنا من النظر لأعلى نحو الشاشة الضخمة ونرتعد عندما تعدو الأحصنة نحونا والقتلة يرفعون سيوفهم نحو البطل في فيلم لص بغداد (هل كان هذا النسخة الإنجليزية من انتاج ١٩٧٨؟)

نذهب كأسرة أحيانا لنادي الهابي لاند (الأرض السعيدة) لنجلس في حديقته المترامية ونأكل چيلاتي وفي أحيان قليلة نحاول، ونفشل، أن نتعلم السير على عجلات احذية التزلج (كنا نسميها الباتيناچ) في ساحة دائرية صغيرة مبلطة في منتصف الحديقة. نزور القاهرة لرؤية الأخوال والخالات في شبرا والترعة البولاقية، او الشرقية لرؤية العمات والأعمام في فاقوس والديدامون، نشتري ملابس جديدة في الأعياد ومع بداية السنة الدراسية، نذهب لسوق العيد لمشاهدة الأراجوز والساحر وركوب المراجيح مرتين في العام.

سجلت لنا كاميرا أبي الروسية الصنع صورا كثيرة منها تلك الصورة في شرفة منزلنا وأمي واقفة حافية بفستان قصير بلا أكمام وهي تضحك (كانت نادرا ما تضحك) وتمسك بيد أختي التي سقط طوق شعرها فغطى عينيها وهي تخرج لسانها لي (كنت خارج الصورة). البومات الصور الأبيض والأسود الباهتة قليلا تضم مشاهد قفز ولعب ونحن الأطفال الثلاثة واقفين في البحر او نكوّم الرمل على الشاطئ، واقفين في غرفة الصالون نرتدي ملابس الخروج ونتصنع الجدية من أجل الصورة، مرتدين زي المدرسة، نرسم تعبيرات كوميدية على وجوهنا، صور لحفلات عيد ميلاد، لأصدقاء الأسرة والمدرسة وعمل الوالدين، صور للأقارب. تبعث فيّ هذه الصور مزيجا من خفة المرح وشجن الفقد، حتى من ظل حيا بجسده من تلك الشخوص الماثلة في الصور تغير وصار شخصا أخر بما فيهم أنا ذاتي، ولا شك أمي أيضا، حتى رحلت وقد صارت منبتة الصلة بهذا العالم.

يبدو كل هذا الآن كمان لو كان عالما ضيقا، ولكنه كان رحيبا واسعا مليئا بالمتع الصغيرة وترقبها، مطمئنا بالتوقعات القابلة للتحقق، واعدا بالأحلام الكبيرة.

صار كل هذا صعبا وبعيدا وقاربت الحياة على الكابوس في أواخر السبعينيات مع التحولات الاقتصادية الكاسحة في مصر ونهاية عصر الدولة الراعية وتسارع خفض الانفاق على الرعاية الصحية والتعليم المجاني وكافة الخدمات العامة بينما صارت السلع المستوردة (ما كنا نسميه ببضائع بورسعيد آنذاك) متاحة أكثر فأكثر. وقفت انا واصحابي طابورا طويلا امام كشك مواجه لمسجد الجمعية الشرعية لنشتري ونشرب اول زجاجة كوكاكولا في حياتنا (اشترينا واحدة لكل اثنين بسبب سعرها).

ماذا تفعل أم ممرضة وأب محاسب يعملان في وزارة الصحة برواتبهم التي تنكمش شهرا بعد شهر؟ لم تعد الرواتب المتدنية لموظفي الحكومة قادرة على مواجهة التضخم المتصاعد. زادت مصاريف الأطفال واحتياجهم لدروس خصوصية مع تدهور التعليم الحكومي، ولطبيب خاص مع تدني خدمات المستشفيات والمراكز الصحية العامة. صارت أمي تخرج عدة مرات في الأسبوع لمتابعة حالات ولادة خاصة في “أنصاص الليالي” بينما صار أبي يعمل في وظيفتين أو أكثر أحيانا، بل وحاول بفشل ساحق أن يفتتح مشروعا خاصا في مجال السياحة انتهى به مقبوضا عليه لعدة ساعات بسبب غياب التراخيص الحكومية.”


١٨ نوفمبر ٢٠٢٥ – هذا نص عن ربطة عنق تخليت عنها منذ ١٤ عاما! تذكرته اليوم لانني تذكرت أبي الذي رحل منذ ٢١ عاما!

“مانهاتن – نيويورك – ٢٠١١

تظل ربطة العنق هذه أغلى ما اشتريت من كرافتات في حياتي. اليوم سأضعها في حقيبة حمراء مع قمصان وبلوفرات وجواكت وبناطيل قررت التخلي عنها لكنيسة أو مسجد أو جمعية خيرية في مانهاتن. الانتقال من منزل لأخر فرصة للتخفف مما يحمله المرأ دون احتياج مادي له.

قبل ان أضعها في الحقيبة فردتها أمامي على المكتب. قيمتها لم تكمن بالضرورة في ثمنها بل فيما تحمله من ذكريات. ولشخص مثلي كان ضعيف الذاكرة معظم حياته ولكنه بدأ في إستعادة بعض ما فقد في العامين السابقين بعد عمل شاق مع محللة نفسية، فمن المهم الإحتفاظ ببعض العلامات التى ما أن تراها حتى تتهادى ذكريات أخرى لرأسك.

لماذا اذن اترك ربطة العنق هذه تذهب؟ هل لانها تثقلني كعديد مما حملته على ظهري وفي عقلي في العشرين سنة الماضية منذ بدأت أراكم الأشياء ثم باشرت السفر والرحيل؟ لماذا احتفظ بها؟ لتشدني لماضي يهرب دائماً من خلايا الذاكرة في مخي؟ ولماذا الذكريات إن لم تكن سعيدة؟ ولماذا إذا كانت باهتة ولا معني لها؟ وهل إذا كتبت عنها سيخلو مكان مغلق في رأسي كان ينتظر عودة تلك الذاكرة الصغيرة إليه ويتفرغ لحاضر أو مستقبل يسجله ويحتفظ به؟ هل يسعد المرأ أكثر إذا عاش في الحاضر فقط كما تقول الكتب الشعبية الأمريكية التي يسوقونها لمساعدة القلقين والمكتئبين في مجتمع ينجب العديد منهم كل يوم؟ ويعني ايه الكلام الفارغ ده حول ان تعيش في الحاضر فقط؟

وسط البلد – القاهرة – ١٩٨٨:

سرنا في شارع طلعت حرب أنا وأبي نبحث عن محل لنشتري أول بذلة سأمتلكها في حياتي — وأول كرافتة. لم يكن أبي يرتدي الكرافتات إلا نادرا، واحتفظ باثنين او ثلاثة من اجل المناسبات. وقفنا في المحل وعرف البائع أننا نشتري هذا الطاقم من اجل مقابلة عمل مع شركة أجنبية وكان واضحاً اننا نقوم بهذا لأول مرة في حياتنا. هل قلنا له إننا من المنصورة أم حذر هو تلك العلاقة من ملابسنا وترددنا وسلوك المدن الصغيرة الواقع ما بين الريف وبين القاهرة.

ربطة العنق تمتزج فيها الوان السكر بالعسل بالتوت الأزرق، مصممة على غرار خلايا النحل السداسية بلون السكر الغامق ومسحة من الأزرق في حواشيه، وبين كل خلية واخرى مربعان أزرقان عريضان يفصل بينهما مساحة من البياض السكري. ليست جميلة ولا ماركة عالمية او محلية . قال البائع انها اوروبية وحرير مئة في المئة وهو ما أشعره في ملمسها حتى الآن: الحرير وليس الاوروبية! دفع أبي مائة جنيه ثمنها (كان هذا يعادل اكثر من ٣٠ دولارا باسعار تلك الايام) وهو مبلغ ضخم للغاية بالنسبة له (كان نصف مرتبي الشهري كمهندس مبيعات أو جزء كبير من مرتبه الشهري كموظف حكومي). لا شك خدعنا ولكني حصلت على الوظيفة في المقابلة بعدها بيومين (طبعا ليس بفضل الكراڤتة التي ارتديتها دخل كبير) وكان راتبها في الشهر يقارب ما يحصل عليه أبي في عام بأكمله، واحتفلنا رغم انني قضيت بالشركة ثلاثة أشهر فقط ثم استقلت لأعمل بالترجمة والصحافة (وهذه حكاية أخرى) حيث لا احتاج لشراء كراڤتات كما كان اول راتب شهري لي من وكالة انباء الشرق الأوسط ٨٩ جنيها — يعني لا يشتري حتى كراڤتة واحدة من هذا المستوى، وعدت مرة اخرى للاستدانة من أبي كل شهرين أو ثلاثة.

مانهاتن – نيويورك – ٢٠١١

نظرت للكراڤتة قبل أن نفترق للمرة الأخيرة، بقع من أثار قهوة او نبيذ وبعض الخيوط انسلت في الأطراف والحواشي، الالوان باهتة وعتيقة. لم أرتديها منذ سنوات طويلة ولكني تمسكت بها خاصة بعد رحيله، الآن ستكون لها حياة جديدة، واتعشم ان تكون لي ايضا حياة جديدة.”

١٥ نوفمبر ٢٠٢٥ – “إنه لشىء رائع يشحذ العزيمة أن يعرف المرأ أنه سيبقى في هذا العالم إلى الأبد سادةٌ وخدم، ففي هذه الحال سيظل هناك صغيرة رثة ما يحلو لها أن تُفرح سيدها ومولاها. تلك هي سعادة الحياة …” —- جملة من شخصية فيدور باڤلوفتش الدنيئة في “الأخوة كارامازوف” ذكرتني بترامب وإبستين، وكل هذه الوضاعة التي لا تنتهي.


١٣ نوفمبر ٢٠٢٥ – للاسف لن يمكني المشاركة في لقاء تأبين الغالي / احمد مكاوي .. للاسف لن القاه كالعادة في زيارتي للقاهرة كما اتفقنا عندما التقينا منذ عدة اسابيع في مول في الشيخ زايد .. لحسن الحظ اني التقيته وتعلمت منه، ليس امورا تقنية فحسب، بل بعضا من الطيبة والخجل والتواضع والاصرار والذكاء والخيال العلمي (اعني قراءة ذلك الصنف من الكتب) والدأب، لحسن الحظ انني عرفته، ولحسن الحظ ان هذا لقاء سيمتد أثره حتى النهاية، أمر كنت اعتقد انني ساسبقه اليه، الموت فعلا عمل شاق على من يخلفهم الراحل وراءه خاصة اذا كان مثل احمد.


٧ نوفمبر ٢٠٢٥#فردوس_مفقود

من كتاب عن الأمومة والبنوّة أعمل عليه حاليا:

“في قاعات الأوبرا التي أحبها، لم أعد أتطلع كثيرا لكلمات نصوص الأغاني والحوار المتتالية على شاشة مضيئة أعلى المسرح. لا أنظر لهذه الشاشة، حتى لو أكن أعرف سوى الخطوط العريضة للغاية للقصة التي تدور على خشبة المسرح، ماذا تضيف الكلمات للصوت الرخيم المتهادي من صدر عريض لمغني باريتون؟ ماذا تضيف لصرخات التضرع والوله من أعلى طبقات مغنية سوبرانو سامقة الطول مرتعدة وهي تهدر في وسط المشهد؟ لا تحتاج أن تتعرف على الكلمات، ستلمس قلبك وذاكرتك مشاعر الشوق والحنين، اللوعة والأسى، الحزن والغضب، كل هذه العواطف الخارجة من الصوت والنبرات والوقفات والطبقات والنغمات وتداخلها جميعا.

يحمل الغناء الأوبرالي في تموجات وتحولات الصوت واللفظ أدق تفاصيل العواطف والمشاعر التي تسعى كلمات اللغة للتعبير عنها، غير أن اللغة تريحنا لأننا نظن أن معاني كلماتها أكثر تحديدا ووضوحا، بينما الكلمات المبهمة، الصرخات، الأنّات، الحشرجات، لا تحمل سوى مشاعر خام تلقي بنا نحو شهور الطفولة الأولى، عندما كانت نبرات الصوت وتدفقاته وانقطاعاته وطبقاته والآهات والتأوهات والأنّات والغمغمات كلها سويا تشكل لغة مكتملة متداخلة مع لمسات الأم الراعية الحانية الملطفة، أو زجرها المخيف، أو لا مبالاتها المرعبة، مع احضانها المحتوية أو تناءيها المهدد، مع حرارة جسدها أو برودة وتباعد نظراتها، مع تحول ملامحها، تعبيرات وجهها، مع كل هذه اللغة الغنية دون كلمات. هذه اللغة أكثر غِنَىٌ على المستوى الشعوري من الكلمات التي نتعرف عليها وندرسها ونكبر لنلفظها في جمل لنعبر عن أنفسنا، إذ تفتح هذه اللغة عديمة الكلمات غرفا موصدة في القلب، تزيح أقفال الكلمات المتعارف عليها ليدلف الواحد لحجرات طال هجرها فباتت تحمل معانٍ كثيرة بلا نهاية.

وهكذا عدت في عقدي الرابع للتعرف على آهات أم كلثوم وتفاريدها الشجيّة في تسجيلات حفلاتها ثم على تواشيح الشيخ طه الفشني بعد أن تخلصت من تعجل المراهقة والشباب المتعطش للسرعة ووضوح المعنى ومتابعة الكلمات، وهكذا صرت استمتع بالغموض والطرب والصوت المحض. وهكذا بات باڤاروتي والفشني وماريا كالاس وأم كلثوم كلهم يلعبون نفس الدور معي بأشكال مختلفة دون الحاجة للكلمات، الواضحة منها على الأقل.

ها قد نسيتك مرة أخرى، وانسقت خلف افكاري وتنظيراتي.

أغمغم بصوت خفيض وأنا أدلك أصابعها برفق: “عايزة إيه؟ إيه اللي مضايقك؟ أساعدك إزاي؟”

ترنو إليّ مستفهمة.

لمَّ تهم هذه الأسئلة؟ ما الذي يصل لها منها؟ أذناها تعملان مثلما أكد الطبيب، تسمعكم بلا شك كما قال، تصل الإشارات لرأسها ولكن هناك في داخل هذا المخ المتهتك تتداخل الإشارات ولا تلتقي مع قاموس المعاني فتظل مجرد أصوات.”

٥ نوفمبر ٢٠٢٥ – كل هذه النشوة والفرح بفوز زُهران ممداني بعمودية مدينة نيويورك وسط أهل منطقتنا ولغتنا تخفى كثيرا من الأمل والإيمان بأن هناك طريقا أخر أفضل وان فتح هذا الطريق يمكن ان يتقدمه شخص مثلهم في بعض جوانب الهوية — مسلم المولد من ناحية الأب، يتحدث بعض العربية وبلكنة شامية، ومناصر للحقوق الفلسطينية، ولا يشبه الرجل الأبيض في ملامحه وتعبيراته ولغته.

لكن، من المهم تذكر مسألتين:

١- ممداني وصل بفضل نظام انتخابي ديمقراطي (له ما له وعليه ما عليه) رغم محاولات مذهلة من كبار رجال الاعمال انفقوا عشرات الملايين وأكثر على منافسه، وذلك بفضل عشرات الالاف من المتطوعين والشباب وقفوا معه حتى ضد الحرس القديم في الحزب الديمقراطي ذاته والذي كان يمثله في الانتخابات.

٢- ممداني (في اصول ابيه) مسلم شيعي، وأمه هندوسية، ومنذ ليلتين في احد الفعاليات التي قام بها دون توقف لمدة عام قضي وقتا في بار للمثليين، واشار في خطبة الانتصار إلى أن مجلس المدنية سيقف بحزم ضد معاداة السامية، وسيدعم حقوق العابرين للهوية الجنسية (الترانس)، وكل الاقليات المهددة بشكل ما او بأخر. زهران فخور بانه مسلم واشتراكي وديمقراطي ومهاجر وابن مهاجرين.

الطريق الأخر الأفضل لنا نحن في هذه المنطقة البائسة هو انجاز وعود متأخرة منذ صرنا نحكم نفسنا بنفسنا بعد الزوال الشكلي للاستعمار، وأهم هذه الوعود هي المواطنة السياسية والحقوق المتساوية في كل بلد، مساواة ضد التمييز الديني، ضد الطائفية، ضد الطبقية وتوريث المنصب والثروة، ضد الجهوية، ومن أجل ديمقراطية لا تمنح سلطة مطلقة لنخب أمنية وملوكية وطائفية وطبقية لا يحاسبها احد بحق.

انتصار زُهران هو انتصار للمساواة في بلد صار فيه التفاوت هو الأعلي من نوعه وسط البلدان المماثلة اقتصاديا. لكن تذكروا ان المنطقة الناطقة بالعربية هي صاحبة اعلى نسب تفاوت في الدخل والثروة في العالم كله وان هذا هو تحدينا الاضخم والأهم بالنسبة لغالبية الناس (مع الاقرار بوجود تحديات اخرى كثيرة أهمها حقوق الاقليات والنساء، وانهاء اخر حالة استعمارية حقيقية في العالم، الخ الخ) .

انتصار زُهران ليس انتصارا للرجال والمسلمين والناس اللي شبهنا، هو انتصار للديمقراطية والاشتراكية وحقوق الاقليات بكل اشكالها في نيويورك، وهذا ما يجب ان نطمح اليه في بلادنا — بعد عمر طويل وعمل كثير.


٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥ – الحكومة المصرية لاسباب مجهولة لدي تضع المهنة في جواز السفر. والحكومات العربية توقفني في المطار عادة لهذا السبب:

– صحفي فين؟

– لا انا صحفي حر مش في مؤسسة معينة .. وبكتب ساعات كدة.

– وجاي بلدنا تكتب عن ايه؟

– لا .. زيارة اشوف اصحابي. سياحة يعني.

– يعني مش ح تكتب؟

– لا ..

وساعتها يبدأ الضابط يتكلم في التليفون والواتساب ويرجع يسأل نفس الاسئلة مرة تانية وهكذا. وفي مرة حبيت اعمل ناصح فقلت للضابط:

– انا متقاعد

– وهو في صحفي بيتقاعد؟ وبعدين لساك صغير!

وهكذا في البلد العربي الثالث قررت ان اقول للضابط:

– كاتب صحفي يعني بكتب كتب.

– كتب عن ايه يا استاذ؟

– روايات.

– يعني عن اللي بيحصل في البلاد؟

– روايات تاريخية.

ابتسم وبرضه راح يكلم رؤساءه في التليفون.

المسخرة طبعا انني في كل هذه الزيارات اكون فعلا سائحا وزائرا للاصدقاء.


٢٣ أكتوبر ٢٠٢٥ – #حواديت_فردوس

كتاب قيد الكتابة

“شكل عدم الرضا والسخط حياتها، وكان يغذيهما شعور غير مفهوم لي في أحيان كثيرة بالأفضلية عَمْنّ حولها، من جارات لم تتعلمن أصلا أو من مستوى اجتماعي أو طبقي تراه أقل، النظرة الفوقية لنساء يذهبن بحلل الطبيخ لحمام سباحة الاستاد الرياضي، لعائلة زوجها المغروسة في أصولها الفلاحية (“مهما اتعلموا وعملوا ح يفضلوا فلاحين”) والذين ساء موقفهم في عينيها لأنهم كما ظلت دائما تعتقد استولوا على حقه في ميراث قراريط قليلة من الأرض ثم خدعوه في بيت بناه بالاشتراك مع عمي.

ترى حظها سيئا، وتنقم على آخرين كثيرين منهم بعض المقربين لها. ولم تكن كل هذه المظالم ومصادر الغبن بلا أصل في الحقيقة، بل ربما كان قدرا معقولا منها حقيقيا دون مبالغة، لم يكن هذا مصدر امتعاضي الذي تحول لتباعد، بقدر ما أن كل هذه الضغائن حولتها تدريجيا إلى امرأة “نكدية” صاحبة شكوى، ويرافقها شعور بالمرارة، غير قادرة على الاستمتاع بالحياة، بالطبيخ، والفن، والاصحاب، والنكات، والحيل الصغيرة، والمؤامرات في المكتب وبين الجيران، والخناقات، وعموما كل ما يستدعيه وجود الأخرين.

كان ابي طباخ البيت طوال سنوات طفولتنا، والمسؤول عن دخول الموسيقى والفن للبيت بداية من أغاني ام كلثوم لتواشيح النقشبندي ونصر الدين طوبار وغيرهم من صغار المنشدين التي سجلها بنفسه في موالد العارفين بالله من المتصوفة أو آل البيت. كان لدينا جهاز شرائط جرونديج داخل علبة جلدية يُحمل فيها كان أبي يصحبه ويده الأخرى تقبض على يدي لنذهب لمولد الشيخ حسانين في المنصورة، أحيانا مع أصدقائه الذين طاردتهم أمي بكفاءة حتى اختفى معظمهم من حياتنا.

مع هذا ارتكن البيت كله على كتفي أمي فقد مكنّا دخلها من عملها الخاص في الولادة كممرضة نساء محترفة، ومغامرتها في السفر للعمل في الخليج عدة سنوات من الاحتفاظ بحياة كريمة والتعلم حتى نهاية المرحلة الجامعية والذهاب للنادي وقضاء اجازة على الشاطئ في راس البر والحصول على حذاء جديد كل عام وملابس جديدة في العيد.

رشفت أمي بعض الينسون بعد ان نفخت في الكوب الساخن وأنا أتذكر صورة زفافها التي انزلتها من على جدار الصالون في الثمانينيات مع الصحوة الإسلامية في مصر. واقفة في فستان ابيض يقف عند الركبة بتاج بسيط يحيط بمقدمة شعرها بجوار أبي الطويل الوسيم الذي يبدو في تلك الصورة مراهقا ما زال (تزوجا وعمره ٢١ عاما وكان أصغر منها بأربعة أعوام على الأقل). نظرت نحوي متسائلة فحكيت لها عما كنت أفكر فيه قائلا: “كنتي زي القمر، حد برضه يخبي صورة زي دي.” رسمت ابتسامة خجل تخفي بعض الاعجاب بنفسها وبما كانت عليه في يوم ما. “

٢٣ أكتوبر ٢٠٢٥ – الناس بتتكلم عن ان الخليج ح يكون فيه مراكز معلومات Data Centers لمشاريع الذكاء الاصطناعي في اتفاقيات بمليارات الدولارات، وبلاد زي مصر وكينيا والمكسيك والهند وغيرها داخلة سبق عشان ينولها من هذا الحظ جانب، ومشكلتها ان معندهاش طاقة ولا مياه كافية لتشغيل هذه المراكز الشرهة جدا.

البلاد دي عارفة ان الداتا سنترز دي ح تحل محل حاجات كتير عن طريق تطبيقاتها ومنها مثلا الكول سنترز (مراكز خدمة العملاء) اللي بقت بتشغل ناس مش قليلة في مصر وفي البلاد اللي شبهها. هذا غير ان هذه المراكز ستحوي كميات هائلة فوق التصور من المعلومات يمكن استعمالها في الرقابة ولاغراض عسكرية وفي مشاريع اقتصادية لتوليد الربح الخ.

محتاجين كمان نبص على ان الخليج (الإمارات في المقدمة) ح يعملوا ده عشان عندهم طاقة رخيصة جدا وح يستعملوا مياه البحر في التبريد. المياه والطاقة عنصران مهمان جدا للمراكز دي.

بس ايه بقى اللي بيحصل في الواقع: مثلا بعد ما مدينة اسبيرانزا في وسط المكسيك استضافت مركز معلومات كبير تابع لميكروسوفت السنة الماضية، بدأت الكهرباء تنقطع فترات اطول. دكتور من هناك قال لصحفي امريكاني انه اضطر يخيط جروح الاطفال على ضوء كشاف ببطارية، وبعدين صرف باقي المرضى لما اجهزة المستشفى بطلت تشتغل. وفي مدينة كوريتارو القريبة من العاصمة المواطنين اشتركوا سوا عشان يشتروا مياه لان المياه العامة بدأت تنقطع لفترة اطول (ربما بسبب استعمالها في التبريد في هذه المراكز). في ايرلندا وهي بلد فيها مقار لكبرى شركات التكنولوجيا عشرين في المئة (٢٠٪) من طاقة البلد بيجرى استهلاكها في مراكز المعلومات الخاصة بهذه الشركات لدرجة ان الحكومة فرضت حظر مؤقت على البناء حول دبلن العاصمة.

هناك ٣ شركات كبرى أمريكية تسيطر على هذه المراكز وهي امازون في المقدمة ووراها ميكروسوفت ثم جوجل، والشركة الرابعة هي المورد الاساسي للاجهزة او اشباه الموصلات/الرقائق هي انڤيديا وبرضه امريكانية.

تطبيقات الذكاء الاصطناعي عديدة ومتنوعة والاستثمارات فيها بمئات المليارات سنويا، لكن الوعود والاحلام حواليها فيها مبالغات ضخمة باستثناء تطبيقات في البحث العلمي او تسريع هضم واعادة تقديم المعلومات لمستويات مذهلة أو في البحث على الانترنت وتلخيص المتاح (تشات جي بي تي) بشكل لطيف ومختصر وتقديم مراجع لو حبيت (كلود وبربليكستي)، ده بقى غير تطبيقات الرقابة وقتل البشر زي ما اسرائيل قدمت لنا مثالا عمليا عليها في غزة.

طبعا فيه عشرات التطبيقات اللطيفة او السخيفة وأكيد المؤذية اللي خلت كل الأموات يتكلموا في فيديوهات ويطلعوا في صور مع احفادهم، أو طلعت بنات مراهقات من غير ملابسهن نكاية من زمايلهم في المدرسة او فيديوهات ترامب عن الريفيرا اللي ح يبنيها في غزة بعد ما يتخلص من الفلسطينيين أو لما طلع لابس تاج الملك وبيرمي مخلفات ممن طيارة مقاتلة نفاثة على المتظاهرين المعارضين له ولانه عامل فيها ملك، الخ الخ الخ.

التحدي الرئيسي مش في اذا كانت التطبيقات دي ح تكون مفيدة ولاى مدى، لكن مين اللي ح يدفع ومين اللي ح يكسب، وشكلها لغاية دلوقتي انه لسنين طويلة قدام الكسبانين ح يكونوا ناس من عينة چيف بيزوس والمساهمين في شركاته والخسرانين معظم بقية الناس وخصوصا في عالم الجنوب، عالمنا يعني احنا اغلبية البشر. وعشان كدة محتاجين نفهم اكتر مين بيعمل ايه في المجال ده من الشركات الكبرى والدول ونفهم كمان مين اللي بيدفع ومين ح يكسب ومين ح يخسر، وايه تأثير ده علينا وايه مكاسبه، واحنا بنتكلم ونحلل في ده كمان لازم نعرف ان احنا مش حاجة واحدة وان ح يكون فيه مستفيدين وخسرانين في كل مجتمع وفي العالم وان الخوف انه النظام الاقتصادي السياسي المهيمن على عالمنا دلوقت بيخلي الكسبانين اقلية ضئيلة والخسرانين بقية العالم.


٢٢ أكتوبر ٢٠٢٥ – #حواديت_فردوس

كتاب قيد التأليف عن الأمومة والبنوّة

“نشأت أمي في أسرة بها سبعة أشقاء وشقيقات في بيت من ثلاثة طوابق من الخشب والحجارة في حارة سلامة المتفرعة من شارع البكري في جزيرة بدران في شبرا.

الأب يذهب لعمله القريب خادما في مسجد، والأم تربي كل هؤلاء الأطفال وتخدمهم، هم وابيهم. لم تتعلم الشقيقات الثلاثة، بينما صار أحد الابناء نجارا والثاني موظفا بالسكك الحديدية والأصغر مدرسا. تزوجت كل البنات قبل ان يصلن عامهن الثامن عشر كما تقول أمي.

“كنت قبل الأخيرة في الترتيب وبعدي صباح اللي ما كانتش عايزة تتعلم. إخواتي البنات ما راحوش المدرسة أو يمكن قعدوا سنين قليلة في التعليم الابتدائي. نجحت فوزية حتى الصف الثالث فصارت تعرف الكتابة والقراءة.” وهكذا من بين كل الشقيقات، بل وبنات الخالات لم تكمل احداهن تعليمها أو تشتغل عداها (قالت هذا بفخر)، وكان هناك استثناء لا يكسر القاعدة لابنة خالة تحمل نفس الاسم (فردوس) قضت سنوات أكثر من كل الأخريات في التعليم، ولكنها لم تصل لنهاية المشوار مثل أمي لأنها تزوجت ولم تعمل.

لم تتعلم جدتي لأمي، نجّية، ولكنها أدركت ربما مع الاضطرابات الاقتصادية المتلاحقة في الثلاثينيات والاربعينيات في فترة الكساد الاقتصادي العظيم ثم الحرب العالمية الثانية والتحولات المتلاحقة المترتبة عليها في مصر كيف أن التعليم والعمل خارج البيت صار مهما للبنات خاصة الراغبات فيه، فدفعت أمي وشجعتها على الالتحاق بالمدرسة طوال حياتها، ووقفت بجوارها في رغبتها في مواصلة تعليمها بعد الإعدادية.

ورثت أمي هذا من جدتي نجّية فكانت تدفعنا بشدة في الدراسة لان التعليم بالنسبة لها كان مخرجنا الوحيد من التهديد بالفقر او الفشل او ازدراء المجتمع لنا وهي الشياطين الثلاثة التي كانت ترعبها دائما ونحن نعيش على الحافة، مستورة دائما بيّد أننا كنا نسير غالبا على حبل مشدود ماديا. ساهم ضغطها الشديد في خلق هوس مفرط بالنجاح لدي، الذي بات مفهومه معوجا ومرتبطا بحد أقصى من رضا الأخرين منذ سن مبكرة. أتذكر دهشة أبي عندما وصلت البيت باكيا خوفا من رد فعلها لأنني رسبت في اختبار الأملاء. نظر الرجل نحوي أنا التلميذ في الصف الثاني الابتدائي وأنا اتلعثم ساردا مشكلتي المرعبة محاولا التغلب على خوفي الشديد من أمي. سألني أبي الطيب الذي طالما أنقذني من ثوراتها، عن النتيجة، فقلت له انني ساقط ولم احصل سوى على تسع درجات. نظر لي ضاحكا: “ولكن الدرجة النهائية عشرة”. ارتعشت، يا لفشلي المهين فقد فصلتني درجة واحدة عن النجاح. لم أفهم يومها كيف يمكن ان تُعتبر ناجحا ودرجاتك أقل من الدرجة النهائية. ضحكت أمي لما عرفت الحكاية من أبي وقالت لي أنني مثلها أحب المذاكرة والدرجات النهائية. كان يجب أن اسألها إذا ما كانت تخاف من أمها حد الرعب مثلي ولذا كانت تذاكر بجنون.”


١٩ أكتوبر ٢٠٢٥ – #حواديت_فردوس

من كتاب قيد العمل:

“أردت امتلاك ذلك الشعور بالمهارة والبراعة والقسوة في خداع الأخرين والحصول على ما أريد قبلهم ودفعهم خارج السباق وابتزازهم لهذا الغرض لو تطلب الأمر … وكنت انجذب كثيرا في تلك السنوات للقساة من الأولاد وكان أقربهم لي مراهق خارق الذكاء مثله الشعبي المفضل: “اضرب الاعمى واكسر عصاه، مش ح تكون أحنّ عليه من اللي عماه.”

كم تمنيت أن أكون شريرا، اضرب العيال في الشارع بلا سبب، اقذف القطارات العابرة خلف شوارعنا المتربة بالطوب، احمل موسا في نهاية حبل رفيع طويل اقذفه لأقطع وأشوه شرائط الزينة العابرة لشوارعنا الضيقة في شهر رمضان، وأن يغادرني خوف وقلق طوال الوقت من وقوعي في الخطأ، من العار والعقاب. أن ارتكب كل المحظورات وان يعرف العالم أنني قمت بهذا وألا يلومني أحد، وألا ألوم نفسي! أن أكون شريرا احصل على كل ما أريد، خاصة الحب والأعجاب.”


١٩ أكتوبر ٢٠٢٥ – قرأت مقالات صالح بشير للمرة الثانية بقد ما هي طازجة ومثيرة للعقل والتفكير في اوضاع بلادنا. طازجة رغم ان بشير نشرها منذ أكثر من ١٧ عاما (تُوفي هذا الكاتب التونسي المولد الفذ في ٢٠٠٩).

اقرأ مقالة يقول فيها ان مشكلة الفلسطينيين ليست الاستعمار الاستيطاني Settler Colonialism بل كون المشروع الصهيوني مشروع إبادة! مقالة اخرى يتحدث فيها عن مروان البرغوثي كبديل ناجع للسلطة الفلسطينية المترنحة، قراءة بديعة عن السياسة الامريكية، عن النيوليبرالية المتوحشة (كأنما كتبه عن ترامب)، وعن الفيدرالية ونقادها (كأنه يتحدث عن سوريا اليوم) وعن الوحدة العربية المتوهمة وكيف ان المشكلة ليست في التقسيم بل في التوحيد القسري الذي جرى في بلدان الشام مثلا.

ومع كل هذا لغة فاخرة متعوب عليها، تعيد العربية لقدرتها على تناول ما تريد من موضوعات بجزالة ووضوح ودقة.


١٤ أكتوبر ٢٠٢٥ – فارقنا اليوم احمد مكاوي، الطف واجدع وأوضّح من عرفت من خبراء تقنيات وأمن الانترنت والبرمجة المفتوحة المصدر والهاكينج. احمد الاسكندراني الكريم، صاحب صاحبه. احمد الغير اجتماعي اللي كان يعرف طوب الارض وله علينا كلنا جمايل ما تتعدش، كان بيعملها بكرم وأريّحية وابتسامة لا تفارق وجهه.

الواحد في سني بيتعود على او بيتوقع فراق اصدقائه الاكبر منه، ولكن احمد اصغر مني بعشرين سنة، وكنت اروح له زايد مكان ما كان ساكن عشان باتعلم من الكلام معاه. من شهر وشوية في اخر مرة اتقابلنا كان بيجادلني في اشكاليات ما يسمى بالذكاء الاصطناعي وبيشجعني اقرأ روايات ازيموف، واسمع بودكاستات معرفهاش، وبيقول لي اخر نظرية عما يجري داخل دهاليز الدولة.

انا عارف ان احنا ، اصحاب كتير وانا بكتب ده عشان احاول اعزينا، ولكن لا عزاء هناك في موت عبثي مفاجىء صادم لم نصدق حدوثه بعد.


١٠ أكتوبر ٢٠٢٥ – #حواديت_فردوس

مقاطع من كتاب قيد التأليف:

“بعد كل مرة نظرت لي فيها بحب عميق يقفز من عينيها اللتان تلمعان ساعتها على حافة البكاء عشقا، كانت تجد الوقت لتقصّ عليّ وعلى آخرين كم عانت بسببي، جسديا ونفسيا. الحدوتة الرئيسية تبدأ في يوم ميلادي حيث كنت جنينا مستلقيا من جانب رحمها للجانب الأخر في وضع يسمونه “مستعرض” فلا تشير رأسي لمهبلها وممر خروج سهل نسبيا للحياة. حاول الطبيب كما يفعلون في تلك الحالات (وكما كانت هي تفعل أحيانا كممرضة محترفة مع نساء أخريات قامت بتوليدهن) تحريك الجنين بالضغط على جسده من الخارج حتى يستدير ويأخذ وضعا طبيعيا لا يضطرون معه لشق بطن الأم. فشلوا في تحريكي وكان مشرط الجراح الشهير مخرجي للحياة في عملية قيصرية. طالما سردت هذه الحكاية، وتحدثت عن الآلام المبرحة التي عانتها: “أنا اللي فتحت بطني علشانك”.

كلي يقين أنها أحبتني في طفولتي، وكلي شك أن الرضيع الذي كنته تعرّف على هذا الحب وعلاماته وهو يرى علامات القلق على وجه أمه. من ناحيته لا يعرف الرضيع كيف يُظهر الامتنان سوى بتعبيرات الامتلاء والشبع على وجهه: بعدم البكاء، بانفراج الأسارير فيما يبدو أنه شبح ابتسامة، في النوم والهدوء ومنح الأم وقتا كي تستريح.

تدفع الرضيع حاجته للأمان، للاحتواء والاحتضان منذ أن يترك الرحم، حاجته للامتصاص، للامتلاء. وعندما يحصل على حاجاته قد يمنح نظرات تفهمها الأم على أنها علامات رضا وشبع وإقرار بفضلها عليه، وربما هي كذلك بطريقة ملتوية وغير واعية من جانب الطفل تجاه الأم التي هي مصدر إشباع احتياجاته ضد الجوع والعطش والخوف، خاصة في الأشهر الأولي بعد أن فارق الرحم ولم يعد جزء من جسد الأم. في هذه الفترة يكون الجسدان قد انفصلا غير أن الأم تظل لشهور طويلة امتدادا للطفل ويتعامل معها على أنها جزء منه هو ذاته وليس كما كان الوضع قبل الميلاد عندما كان جزءً منها. يحتاج الرضيع للشعور بالأمن خاصة في عامه الأول وهو العاجز عن الحركة، واطعام نفسه، ودون مساعدة الأم او من يرعاه يستحيل ان يظل على قيد الحياة، حيث يحتاج لمن يحيط به ويطعمه ويسقيه وينظفه ومن يحركه ومن يحافظ عليه من الحرارة ومن البرودة ومن مفاجأت البيئة المحيطة. التحدي انه في الأعوام التالية – وإذا نجحت الأم والأسرة في إشعار الطفل بالأمن وليصبح هذا الطفل انسانا مستقلا قادرا على تأمين نفسه – يتعين عليه ان يتحدى كل هذا الاحتضان والتأمين وان يخاطر وان يكتشف كيف يحمي نفسه بنفسه. بلا تأمين فعّال يصبح الرضيع معرضا لخطر وجودي، ودون تحدي لإجراءات أمان مفروضة عليها من الخارج لن ينضج هذا الطفل ويصير انسانا قادرا على رعاية نفسه والآخرين.

الآن انقلبت الأدوار يا أمي، وصار عليّ أن أخاطبك بينما أنت مثل الرضيع بلا لغة. هل يختزن عقلك في مكان ما ذكريات كثير مما جرى في أكثر من ثمانين عاما؟ صور وأصوات على الأقل؟ هل راحت اللغة والذاكرة كلها، فصرت حقا مثل الرضيع، خائفة وتحتاجين الأمان. لم تتعرفي عليّ، لا يظهر هذا على وجهك، يحدث هذا لمرضى الخرف، ولكنهم يستطيعون التعبير عن احتياجاتهم ومخاوفهم المباشرة، بينما انت صرت طفلة، أو هكذا اعتقد، ولكن لا أستطيع ان اتصرف على هذا الأساس، عاجز عن أن أعاملك كطفلة، ربما عليّ أن أفعل ما يفعله الآباء والأمهات عندما يتحدثون لرضيعهم كأنه يفهمهم، ولكنهم يركزون على النبرات والملامح، على الحب والاحتضان والتطمين والتهدئة. الفارق بين الأم والرضيع هو ان لديها ذكريات عن طفولتها، ذكريات يمكن وصفها والشعور بها في شكل كلمات ولغة، بينما الرضيع لا لغة لديه ولا ذكريات متبلورة، ولا فارق حتى بين ما يخصه وبين ما يخص العالم.

هل ستفهمينني ساعتها، لو تحدثت اليك كأنما أنا الأم وانت الرضيع؟ ليس مهما أن تفهمي معاني الكلمات، المهم ان تطمأني قليلا، أن يزول الذعر البادي في عينيك. ربما يكمن سوء التفاهم في هذه التوقعات المتباينة بين الرضيع والأم عندما يعجزان عن طمأنة أحدهما الأخر، وهكذا يعجزان مع الوقت عن المضي بسلاسة في انفصال حقيقي، جسديا ونفسيا، انفصال دون فراق، حب دون التصاق. هذا الفشل المبكر في الانفصال الصحي يسحب أذياله ربما طول العمر حيث يعجز الطرفان أو أحدهما عن الحديث بشكل مفهوم للآخر، عن الاعتراف بتضارب المشاعر حيال الأخر دون إثارة ذعره. يتعمق العجز عن التواصل والخوف من خيبة الأمل إذا ما بعثنا رسالة خاطئة أدت للهجران. هذا الخوف من الفقد المحتمل يمكنه بسهولة أن ينتج، للمفارقة، خسارة فعلية. وكان عجزنا سويا عن أن نفطم أحدنا الأخر هو السبب في عجزنا عن التواصل لأعوام طويلة، “الانفصال لا التماهي هو شرط النجاة” كما تقول ايمان مرسال.”


٩ أكتوبر ٢٠٢٥ – أول ديوان شعر اقرأه فأشم رائحة عادم السيارات وأشعر بمطبات الطريق المتكررة من القاهرة وحتى المنصورة وربما إلى دمياط، واتذكر سائقين سبوا أمي فرددت عليهم بسباب ابائهم، ولم يسمع احدنا الأخر ولكن وجوهنا كانت تنضح بالغضب، ولم يكن إي منا مخطئا ولكننا كنا جميعا غاضبين بقدر ويائسين بقدر، ارى النساء بائعات الجزر والخبز، والرجال بائعي المنتجات الصينية من مظلات وفوط وفرش وبلاهات بلاستيكية لا تنتهي، لحوم الخرفان والبقر المعلقة على خطاطيف يسيل منها الدم، مداخن الطوب في ميت غمر، مقاهي كفر شكر، حواجز الطريق والشرطة والكارتة والتي لا تفعل شيئا سوى تضييع وقتك وجباية الاتاوات، الكلاب الكسولة عابرة الطريق وعربات التيك توك الانتحارية المترنحة بعرض الشارع.

اول ديوان شعر يفعل كل هذا وأكثر بكثير برقة قاطعة وتعاطف عميق مع كل الموجودات بما فيهم الملاعين سائقي الميكروباصات والمجانين سائقي البيچو السبعة راكب، واول ديون شعر يفسر الفارق بين العرص وابن الكلب ..

تسلم ايديك يا أسماء يس … وانت لا تشبهين الآخرين في شعرك وهذا جميل.


٧ أكتوبر ٢٠٢٥ – في وصف الغياب الحاضر من كتاب أعمل عليه عن البنوة والأمومة:

“خلال أيام راحت الصدمة والدهشة وشحب الأمل، وحلّ ترقب يتصاعد مع أي إشارة باحتمال التغيير، نظرة تحمل معنى ما، غمغمة تشبه كلمة أو اسم شخص، تعبيرها المفضل عن الزهق وهي تمط الكلمة متصاعدة الصوت: “يوووه”، ثم يخلي الترقب الساحة للتعب والملل، والغضب. ويمتد الزمن أطول فأطول بين كل إشارة وإحتمال والتالية، مفسحا مزيدا من الوقت أمام الاستسلام والتعود.

كيف يختفي انسان ويظل موجودا في نفس الوقت؟ أو يختفي، ثم يعود، ثم يختفي مرة أخرى لنكتشف لخيبة أملنا أن العودة كانت وهمية، وأن هناك روحا بحق، وأنها يمكن أن تغادر الجسد دون أن يموت هذا الوعاء، فيختفي الإنسان ويظل موجودا في نفس الوقت، وتصبح الحياة مثل تلك اللعبة مع الأطفال الصغار؛ يغطى الواحد وجهه بكفيه فيختفي أمام عيني الطفل المندهشتين، ثم يكشف اللاعب عن وجهه، فيضحك الطفل الذي لم يتعلم الكلام بعد، فقد عاد الغائب.

كان غياب هذا الجسد المترهل أمامي حاضرا بقسوة. ملامح الوجه مألوفة، الملامح والتضاريس فحسب بينما توارت النظرات والتعبيرات المعتادة المحملة عادة بمشاعر متباينة، وحل محلها اندهاش ممزوج بخوف مقيم في وجه يقطّر قلقا. يعتاد الواحد على غياب الأخرين مع الوقت، حتى لو تألم في البدايات، ولكن نصف الغياب هذا مفزع، ومهين. لا يظل الجسد الحاضر منتميا لنفس الشخص. تقول لك العينان المفتوحتان واليد المرتعشة أن هناك حياة ما زالت هناك، فتتواصل حوارات الزوّار الفارغة والموجهة بعض كلماتها نحو هذا الجسد العاجز عن الرد والعاجز عن الصمت. غيابها الحاضر ليس مثل اللعب مع الأطفال، ليس مثل راحتي اليد اللتين تغطيان الوجه أمام الطفل، ثم تنفتحان كالباب لتزيح قلق الطفل وخوفه من اختفاء الحماية. في حالتنا كانت الايدي والتعبيرات تنفتح على الغياب الحقيقي، عن مشاعر حداد متعطلة في طريقها للقلب، مصمصات شفاه صامتة وكلمات مواساة ممضوغة، واحضان في مدخل سرادق عزاء وتربيت على الظهر ….. كل هذا يعري أقنعة الغياب، يعمقه، ينكأ الجرح، كل هذه الكلمات التي لا تنتهي …

كلمات، كلمات، كلمات …

في قاعات الأوبرا، لم أعد أتطلع كثيرا لكلمات نصوص الأغاني والحوار المتتالية على شاشة مضيئة أعلى المسرح. لا أنظر لهذه الشاشة، حتى لو أكن أعرف سوى الخطوط العريضة للغاية للقصة التي تدور على خشبة المسرح، ماذا تضيف الكلمات للصوت الرخيم المتهادي من صدر عريض لمغني باريتون أو لصرخات التضرع والوله من أعلى طبقات مغنية سوبرانو سامقة الطول مرتعدة وهي تهدر في وسط المشهد، لا تحتاج أن تتعرف على الكلمات، ستتعرف على الشوق والحنين، اللوعة والأسى، الحزن والغضب. يحمل الغناء الأوبرالي في تموجاته أدق تفاصيل العواطف التي تسعى كلمات اللغة للتعبير عنها. غير أن اللغة تريحنا لأننا نظن أن معاني كلماتها أكثر تحديدا ووضوحا، بينما الكلمات المبهمة، الصرخات، الأنّات، الحشرجات، لا تحمل سوى مشاعر خام تلقي بنا نحو شهور الطفولة الأولى، عندما كانت نبرات الصوت وتدفقاته وانقطاعاته وطبقاته كلها سويا لغة مكتملة متداخلة مع لمسات الأم الراعية الحانية الملطفة، واحضانها المحتوية، وحرارة جسدها، وملامح، وجهها، وتعبيراته. هذه اللغة غير مفهومة الكلمات للطفل أكثر غِنَى من الكلمات التي نتعرف عليها وندرسها ونكبر لنلفظها في جمل لنعبر عن أنفسنا، إذ تفتح هذه اللغة عديمة الكلمات غرفا موصدة في القلب، تزيح أقفال الكلمات المتعارف عليها ليدلف الواحد لحجرات طال هجرها فباتت تحمل معانٍ كثيرة بلا نهاية. وهكذا تتهادى لنا الآهات والتأوهات والأنّات والغمغمات مع معانٍ كثيرة عميقة مثل لوحة فنية. عدت للتعرف على آهات أم كلثوم وتفاريدها الشجيّة في تسجيلات حفلاتها أو تواشيح الشيخ طه الفشني بعد أن تخلصت من تعجل المراهقة المتعطش للسرعة ووضوح المعنى وصرت استمتع بالغموض والطرب والصوت المحض. وهكذا بات باڤاروتي والفشني وماريا كالاس وأم كلثوم كلهم يلعبون نفس الدور معي بأشكال مختلفة دون الحاجة للكلمات، الواضحة منها على الأقل.

ها قد نسيتك مرة أخرى، وانسقت خلف افكاري وتنظيراتي.

أغمغم بصوت خفيض: “ماذا تريدين؟ ما الذي يؤلمك؟ كيف يمكنني أن اساعدك؟” ترنو إليّ مستفهمة.

لمّا تهم هذه الأسئلة؟ ما الذي يصل لها منها؟ تومئ برأسها، انظر تجاهها، احتوى يدها في يديّ، أمسدها، يستريح قلبي المنقبض وتنفتح رئتاي لنفس عميق، ويلوح بعض وهم أنني ما زلت أستطيع التواصل معها. يشحب الأمل في التواصل يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة ثم يتلاشى. “

٣٠ سبتمبر ٢٠٢٥ – سعيد وحزين للحديث في وحضور احتفالية جائزة خالد خليفة للرواية في المكتبة الوطنية في دمشق اليوم، سعيد لاننا نحن اصدقاؤه وبدعم معنوي ومادي وادبي وعيني تمكنّا جميعا من خلق هذه الجائزة، حزين لانه لم يعد معنا، فلم تعد الشام كما كانت بوجوده، كان ربما سيخرسني بضحكة طويلة لانه لا يحب الحزن ولا الميلودراما .. وكان سيأخذنا سريعا من هنا ونذهب للعشاء والشرب والرقص والغناء.

قلت لك كم احببت “لم يُصلّْ عليهم أحد” ففرحت، والآن اريدك ان تعرف انني احببت عملك الاخير “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” أكثر وأكثر ..

كاسك يا خالد، شكرا على كل شىء وعلى وجودك في حياتنا واستمراره في رواياتك.


٢١ سبتمبر ٢٠٢٥ – تحدثت اليوم في ختام مؤتمر الإعلام والاتصال في عمّان وقلت ان رهانات التحديث والديمقراطية ليست مؤجلة بل هي على الطاولة ومنذ عقود وان حرية الإعلام مرتبطة بايجاد الصحفيين وقطاع من النخبة لحلول وسط ومساحات عمل تسمح بصحافة مستقلة قدر الامكان، ومواجهة الشركات الكبرى التي تهيمن على معظم وسائل الاتصال والبحث وصارت مولداتها للذكاء الاصطناعي تحتجز معظم المشاهدات والمتصفحين.

الواقع قاتم ولكن هناك مساحات للمقاومة والتغيير تستغل ايضا هذا التقدم التقني عن طريق الضغط على وايجاد حلول وسط في اقتصاد السوق المهيمن يشركاته والعمل مع وضد نخبنا الحاكمة التي تميل للقمع والسيطرة.


١٩ سبتمبر ٢٠٢٥ – تطبيقات الذكاء الإصطناعي مفيدة للغاية وخاصة في الفهرسة والتصنيف والتلخيص والبحث المبدئي ولكن اخطارها كثيرة وعديدة، كما ان الاعتماد المبالغ عليها في الأمور العاطفية، والطبية، والقرارات ذات التأثير على حياة البشر خطر للغاية.

هذا العام فقط هناك عشرات الحوادث والمشاكل. مثالان: ١- طفل امريكي في كاليفورنيا يعاني من الاكتئاب انتحر في ربيع هذا العام بمساعدة ChatGPT الذي وصل لدرجة مساعدته في تحديد افضل وسائل الانتحار واقلها ألما وكيف يمكن ان يخفي هذا عن أسرته التي يعيش مها، ٢- ورجل يعيش في شرق الولايات المتحدة يتعافى من جلطة بالمخ سافر لوحده ليلتقي برفيقة لطيفة مغرية اعطته عنوانها ودفعته لزيارتها، ولكنه فقد حياته في سقطة بعد رحلته الطويلة نسبيا بالقرب من عنوانها — الرفيقة لم تكن سوى برنامج من شركة ميتا.

التطبيقان كلاهما يعتمدان على ما يسمي بالذكاء الاصطناعي التوليدي وليس فقط مجرد التصنيف والتوقع بناء على الماضي، وتحديدا على النماذج اللغوية الضخمة Large Language Models.

هذه مآسي لكن المشاكل العادية الأكثر انتشارا تنبع من الاعتماد المفرط في التشخيص الطبي الذاتي او حتى كتابة بحث للمدرسة ناهيك عن الاف الصفحات التي تدعي انها تقدم معلومات او صحافة وهي لا تفعل شيئا غير استعمال النماذج اللغوية الضخمة التي صارت تحل محل محركات جوجل في البحث: ChatGPT, Claude, Perlexity, DeepSeek. الخ الخ الخ

المشكلة التي اواجهها انا وكل الباحثين بغير الإنجليزية ان هذه النماذج ضعيفة لحد كبير في اللغة العربية، وكل اللغات غير الانجليزية (مفيدة ولكن ضعيفة ويظهر هذا في هراء المواقع الصحفية والاخبارية مفرطة الاعتماد عليها.)

اليوم مثلا وانا اكتب مقالا عن استعمال العامية المصرية اردت ان اعرف اهم الكتب التي ظهرت بهذه العامية واذا ما كان هناك كتب لا اعرفها. وكانت النتيجة كما في الصور المرفقة، استعملت ثلاثة نماذج مختلفة وعجزت كلها عن ايراد واحد من اهم ثلاثة كتب بالعامية وهو “مذكرات طالب بعثة” للدكتور لويس عوض. وعندما قلت لواحد منهم كيف ارتكب هذا الخطأ رد علي معتذرا وقائلا انه كتاب مهم للدكتور مصطفى محمود!! بينما قال لي الاخر ان مصطفى مشرفة كتب رواية اسمها “العريس” في ٢٠١٥. اثنان منهما لم يذكرا “المولودة” لنادية كامل، ناهيك طبعا عن الهراء المسطح المصاحب للقوائم.


١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ – ومن فوائد زيارة المتحف الزراعي معرفة امور كثيرة جرت في مصر منها كيفية صناعة الحلم بعد انقلاب/ثورة ١٩٥٢ حيث انتشرت اغاني عن المهندس جاي المهندس جاي يا صحرا المهندس جاي (تهديدا للرمال بانها ستصير اراضي زراعية — وهي اغنية من ١٩٥٠) وعن الفدادين الخمسة خمس فدادين التي سيحصل عليها كل فلاح معدم من الاصلاح الزراعي، وقد جرى الاصلاح الزراعي فعلا ولكن بصورة محدودة وباثار متعددة بعضها سلبي كما سعت الدولة المعسكرة لاستصلاح الصحراء فعلا في مشروع مديرية التحرير وجرى لها ما جرى.

لكن يصعب عدم التعاطف مع الحلم والآسى على ما جرى عندما ترى صورتين من خيال الرسام لما كانت عليه القرية المصرية قبل نهاية حكم اسرة محمد علي وتخيله لما ستصبح قريبا. فلا كانت ولا اصبحت!


١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ – من فوائد زيارة المتحف الزراعي معرفة فنون مصرية مثل الابداع في النفاق على اجنحة الفراشات!


١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ – له عشر سنوات على رفوف مكتبتي لم يُمّس. صباح اليوم في طريقي لموعد طبي يتطلب الانتظار كان الاقرب ليدي وانا مسرع لباب البيت فاخذته معي. ومن ساعتها في التاكسي وعند الدكتور وبعدها ودلوقتي غرقان في مسَرّات وأوجاع الروائي العراقي فؤاد التكرلي.

هذا بالضبط نوع الكتابة والدراما وتركيب الشخصيات السهل الممتنع الذي يسحبك معه لعالم بلد باكمله في فترة تاريخية بعينها (العراق منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي ولعقود تالية). ادب وتاريخ عاطفي وتشريح لنفوس بشرية بسلاسة وحكي مسلٍ ومحكم.

(تحديث: وبعد ٢٤ ساعة من الحظ السعيد الذي منحني الوقت انتهيت من قراءة الكتاب – ٤٦٤ صفحة – ولا مسرّات عميقة دون أوجاع هائلة أو هكذا وصف التكرلي حياة بطله توفيق ضمنيا في روايته الني لخصت العراق الآخر وحياة الناس منذ الملكية في العشرينيات حتى حرب ايران في الثمانينات دون حديث مباشر عن السياسة .. عمل لم يكن من الممكن وبما ان يقوم به سوى رجل عمل في الدولة العراقية موظفا وقاضيا، وحافظ على مقاربة وجودية حداثية عميقة لوضع الفرد امام كل هذا الآلات والنظم التي داومت على هرس العراقيين.)


١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ – حضرتك اللي في الصف الاول قلت رأيك في مقتل تشارلي؟ وانت يا استاذة في الصف التاني عملت بوست عن الموضوع ولا لأ؟ وتمام عليكم اسقطتم عليه كل حواراتنا وجدالاتنا المحلية والطائفية والتحررية واللوذعية في منطقتنا المفشوخة!؟ بتقولي موقف اخلاقي؟ ماشي ماشي؟ وليه لأ؟ اه انت اخلاقي وضد اغتيال الفكر المخالف؟ تمام! والباشمهندس اللي هناك شايف انه كان معلق يميني عنصري معادي للمرأة والمسلمين والفلسطينيين والمهاجرين والموقف الاخلاقي هو الارتياح لذهابه؟ هممم!! بتقول ايه؟ مؤامرة اسرائيلية؟ بجد؟ لا معقول؟

الاسلاميين احتفلوا؟ مش كلهم؟ مش كلهم عشان المحافظين منهم وجمعية محبي ترامب كانوا بيأيدوه؟ صح برضه مش في مشايخ اوروبيين راحوا سلموا على وزير اسرائيلي في القدس الشهر اللي فات؟ والمسيحيين الصهاينة ولا اسمهم الايڤانجليكايين (لخبطونا يا اخي) دول زعلانين فعلا؟ ومنهم مسيحيين مصريين؟ ليه لأ؟ علشان بس بيكرهوا المثليين والترانس زي تشارلي وخايفين على عيالهم! اه بس اليمينيين المتأسرلين من المسيحيين الصهاينة عموما منهم بدأوا يزعلوا منه! ليه؟ لأ؟ يصح برضه!؟

الله يرحمه ويرحمنا ويحاسب الجميع بحكمته ويجعل في الموت راحة لنا من كل شر.

وحتى يحدث هذا، ممكن نركز شوية في مصائبنا المتلتلة وامكانيات الخروج منها.


١١ أغسطس ٢٠٢٥ – تركت ديوان شعر هائل اقرأه وقمت لأفتح الباب وأنا أفكر كم يكشف لنا الشعر الجيد عن طرق دقيقة وناعمة في النفاذ لتلافيف وتعقيدات مشاعر وعواطف تستولي علينا ولا يمكنّا التعبير عنها في كلمات بسهولة، رائع كان الشعر الذي قرأت في التعبير عن الجسد والجنس والحب المخلوط بكراهية والشرّ الذي ينجذب له الإنسان والسخرية مما قُدِّر لنا.

لمح الزائر الديوان ومبتسما ابلغني كيف كان نفس هذا الشاعر في ايام الجامعة منذ نحو اربعين عاما يفض ندواتهم الثقافية والشعرية ويعاديهم عندما كان اسلاميا متشدد.

وفكرت كم يتغير البشر وكم حقا هو خفي ذلك اللطف الألهي الذي يمنحنا جميعا فرصة اخرى.

كاتب، صحفي، روائي، مصري، اشتغل كمان في حقوق الإنسان والأمم المتحدة قبل ان يتفرغ للكتابة وتقديم النصائح للراغبين