الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٩ من ٩)

نُشرت نسخة سابقة من هذه المقالة في صحيفة التحرير التي لم يعد ارشيفها متاحا على الانترنت بتاريخ ٢٢ ديسمبر ٢٠١٣

دعونا نكرر الأسئلة التى أفتتحنا بها هذه السلسلة من المقالات: لماذا تدخلت الولايات المتحدة فى ليبيا عسكريًّا لكنها تقاعست وتراجعت فى سوريا؟ لماذا انتقدت بشار الأسد بقوة فى ٢٠١١ و٢٠١٢ بينما تعاملت بحرص وأناة مع حكومة البحرين رغم استعمال القوة المفرطة ضد المعارضة واستقدام قوات سعودية لفرض السيطرة على البلاد؟ لماذا ترددت واشنطن إزاء مبارك وكانت صبورة للغاية فى ما يتعلق بعلى عبد الله صالح؟ لا شك أن حجم الانتهاكات التى يلجأ إليها أى نظام فى التعامل مع الاحتجاجات يلعب دورا فى تحديد السياسة الأمريكية، فقد كان عدد الضحايا والقسوة فى التعامل فى البحرين طوال الأعوام الثلاثة السابقة على ٢٠١١ أقل مما قد يحدث فى سوريا فى أسبوع واحد الآن، لكن الإجابة الجيدة على هذه الأسئلة تبدأ من بحث مجموعات العوامل الأربعة المختلفة التى تتصارع فيما بينها على تشكيل سياسة خارجية أمريكية وهى المصالح، والقيم، والقدرة على التدخل، والمواقف المتباينة لمؤسسات النظام الأمريكى. ولا يوجد ملخص لإجابات عن هذه الأسئلة، وعلى أى تناول جاد لها فى كل منعطف سياسى فى الشرق الأوسط أن يدرس تأثيرات قضايا النفط وإسرائيل والحرب على الإرهاب والتحول الديمقراطى وحقوق الإنسان، وأن يرى كيف تتقاطع كل هذه القضايا وأن السياسة الخارجية أيضا محكومة بسياق اوسع يتعلق بالدول الكبرى المجاورة (تحديدا إيران وتركيا) وسياسة واشنطن فى ما يتعلق بالصين وآسيا والوضع الاقتصادى الأمريكى.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٩ من ٩)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٨ من ٩)

مع حلول العاشر من فبراير ٢٠١١ كان التوجه واضحاً لمن يسيرون في اروقة الخارجية والبيت الابيض في واشنطن أو كبار رجال المؤسسات الأمنية في مصر والسعودية واسرائيل وهو أن على مبارك أن يرحل وأن الجيش سيكون ضامن مرحلة الانتقال التي ستكون لا شك مضطربة في مصر. وتنفس الجميع في هذه الأروقة بارتياح مشوب بقلق. كان بعضهم يرغب في بقاء مبارك وأجرى اتصالات هاتفية علت فيها الاصوات احيانا  من الرياض وتل أبيب مع كبار المسؤولين الأمريكيين وفقا لعدة تقارير الصحفية. ولكن أوباما ومستشاريه المقربين صاروا على قناعة تامة ان مبارك مات سياسيا منذ الثاني من فبراير والتحدي كان في كيف يساعدون في ادارة الفترة الإنتقالية.

اتفقت كل الاصوات في واشنطن وعواصم اوروبية على أهمية الحفاظ على تماسك وقوة الجيش المصري لأنه بات الضامن الوحيد لأمن البلد والمانع الوحيد من وقوع زلزال قد تتردد توابعه في المنطقة كلها وخاصة في اسرائيل وجنوب اوروبا والخليج. كل هؤلاء كانوا يخشون أربعة أمور محددة وفقا لحوارات اجريتها مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين: (١) أعمال العنف المدفوع سياسياً أو الارهاب (خاصة عبر الحدود)، (٢) التهريب (مخدرات وسلاح وبشر وخاصة لأسرائيل وجنوب اوروبا)، (٣) ان تصبح قناة السويس ممراً غير أمن للملاحة، (٤) والأسوأ قاطبة، وهو ان ينهار السلام المستقر بين مصر واسرائيل.  لم تكن عناصر هذا السيناريو الكابوسي مستبعدة جزئياً او سوياً خاصة ان معظم مؤسسات الدولة في مصر، وفقا لعشرات التحليلات الأمريكية والأوروبية المنشورة، تفتقر الى الحد المطلوب من التماسك بعد عقود من النخر المستمر في أسسها والتدخل في عملها من جانب المؤسسات الأمنية. ومع سقوط الشرطة (المؤقت) في اواخر يناير ٢٠١١ بات الجيش (أو على الأقل تم تصويره هكذا بنجاح في مصر وخارجها)  حائط الصد الأخير ضد الفوضى الشاملة.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٨ من ٩)

“الشمندر” من خالد الخميسي: ولع مستحق

فشلت انتفاضة المصريين في يناير ٢٠١١ في تغيير النظام السياسي، ونجحت أو أعلنت بقوة تجلياتها تساقط اساطير وقيم متعددة حاكمة لحياتنا وكانت قد تفسخت ولكن اشباحها تكتم على انفاسنا، وما زالت. يظهر هذا في عدد كبير من الروايات التي تشرّح وتشرح تاريخنا وتستشرف مستقبلنا بطريقة تحطم بانتظام تخيلاتنا عما كنّاه وعما علمونا في المدارس وأجهزة الاعلام المترنحة ان نحلم بان نكون. ربما لم تنجح الثورة في بناء الجديد سياسيا وماديا ولكنها تفتح الطريق ببطء دق قطرات ماء على حجر حتى تنحته او تفتته نحو ما ليس نعرف.

وينتمي لهذا التيار رواية “الشمندر” للروائي خالد الخميسي (دار الشروق، ٢٠١٨). مدخل الشمندر للحياة يمر من خلال الجسد والعلاقات الجسدية الحميمية بين البطل/الرسام شهاب ونساء كثيرات عبرن في حياته – او في الاغلب عبر هو في حياتهن، ورجال هم هامشيين لحد كبير في الرواية ربما باستثناء الاب والجد. رغم هذا ف “الشمندر” ليست رواية عن الجنس بقدر ما هي عن طبقة وسطى او شريحة منها وخصوصا عن رجالها، ورغباتهم المشوَهة والمشوِهة، النساء في كثير من حالاتهن هدف للرغبة والعنف والامتلاك.

Read more

“صفقة القرن” المولودة ميتة

(نُشرت في موقع درج في ٩ يونيو ٢٠١٩)

في 26 حزيران/ يونيو، من المقرر أن تنعقد في البحرين ورشة عمل اقتصادية يشرف على تنظيمها جاريد كوشنر، المسؤول عن عملية السلام في البيت الأبيض وزوج ابنة الرئيس ترامب، ومن المتوقع أن يُكشف النقاب عن تفاصيل أكثر لما بات يُعرف بـ”صفقة القرن” أو مبادرة ترامب للسلام في الشرق الأوسط.

لم يمارس ترامب أو كوشنر السياسة ولم يقوما بمفاوضات سياسية محلياً أو دولياً، حتى تولي الأول منصب الرئاسة في أوائل عام 2017. ولكنهما ماهران للغاية في عقد صفقات مالية وعقارية عادت عليهما بمليارات الدولارات. ووفق تسريبات متعددة، تظل غير مؤكدة، يشمل الجزء الاقتصادي من هذه الصفقة الغامضة، إنفاق قرابة 70 مليار دولار معظمها من دول الخليج العربية، لخلق مشاريع صناعية وسياحية وتشغيلية في الأردن ومصر والسعودية، يعمل فيها فلسطينيون يقومون بتحويل أموالهم إلى الضفة الغربية وغزة. وربما يعتقد الرجلان أنهما إذا قدّما فرص عمل ومشاريع تنمية ضخمة للفلسطينيين، فسيتوقف هؤلاء عن المطالبة بحقوقهم في تقرير المصير والعودة وحرية التنظيم والتعبير والتنقل، الخ. وينتقد رجل الأعمال الفلسطيني زاهي خوري هذه المقاربة الساذجة حتى من المنظور الرأسمالي. ويقول خوري الذي يملك فروع شركة “كوكاكولا” في المناطق الفلسطينية المحتلة، إن ما يبدو من صفقة القرن يجعلها تشبه بوضوح “رشوة” أو “مكافأة نهاية خدمة”، وما يُعرَض في ظل الاحتلال الإسرائيلي هو أشبه بعرض لطلاء أظافر امرأة اثناء خنقها.

متابعة قراءة “صفقة القرن” المولودة ميتة

السودان: المجزرة نفذت بيد الجنجاويد

(نشرت درج هذا التحليل يوم ٤ يونيو ٢٠١٩(

توضح عشرات شرائط الفيديو مصرع  كثر من المحتجين والمتظاهرين في الخرطوم، حيث يشهر جنود العصي والمدافع الرشاشة وتتدافع سيارات نقلهم, بينما تُسمع طلقات رصاص جليّة في مشاهد متعددة. شرائط الفيديو مهتزة تنقل مشاهد ضرب وحشي، سقوط أجساد على الأرض، أصوات لهاث وصراخ، زخات نيران آلية، ظلام. تغريدات “تويتر” وحسابات “فيسبوك”، تتحدث عن عشرات القتلى ومئات الجرحى وحالات اغتصاب وتعذيب، فيما تقول مصادر متعددة أن عدد القتلى وصل الى 30 شخصاً، كما سقط مئات الجرحى بحلول مساء يوم الاثنين الدامي.

ادعى المتحدث باسم المجلس الانتقالي العسكري الحاكم أن تجاوزات أمنية في محيط الاعتصام تطلبت قيام “قوة مشتركة من القوات المسلحة والدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الشرطة… بتنفيذ عملية مشتركة… والقبض على المتفلتين ومعتادي الإجرام… وأثناء تنفيذ الحملة احتمت مجموعات كبيرة منهم بميدان الاعتصام، ما دفع القادة الميدانيين إلى ملاحقتهم، الأمر الذي أوقع خسائر وإصابات”. توقع كثيرون ذلك الانقضاض الوحشي والذي بانت مقدماته في محاولات فض متعددة من جانب قوات الأمن لأكبر اعتصام ممتد شهده السودان في تاريخه الحديث، في قلب العاصمة الخرطوم أمام وزارة الدفاع. وفي الهجمات المتكررة منذ نجح الاعتصام على إجبار الجيش على عزل الرئيس عمر البشير عن منصبه في 11 نيسان/ أبريل، ثم عزل أول رئيس للمجلس العسكري الحاكم بعدها بأيام، قُتل كثيرون، ولكن المعتصمين تمسكوا بمواقعهم مطالبين بنقل فوري للسلطة إلى حكومة مدنية.

ولم يكن متوقعاً أن يضبط آلاف من جنود قوة الدعم السريع أنفاسهم وهم يجوسون في شوارع الخرطوم، بعد أن يقوم ضباطهم بشحنهم نفسياً ضد المتظاهرين والمعتصمين بوصفهم “عملاء وخونة”. هذه القوات يقودها أهم شخصية سياسية/ عسكرية في الخرطوم الآن وهو محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس المجلس العسكري، جزء من التركة الثقيلة للرئيس المخلوع البشير الذي أنشأها منذ اكثر من عشر سنوات لتجميع ما تبقى من عصابات الجنجاويد، التي أزهقت بالتعاون مع قوات الجيش أرواح 300 ألف دارفوري في بداية الألفينيات.

ليس من المستبعد في ضوء هيمنة خليجية تفضل الاستقرار وحكم المؤسسات الأمنية وغياب اهتمام دولي جاد وشراسة النخب الأمنية المتشبثة بالسلطة، أن يسقط شمال البلاد في طاحونة عنف مدمر، هو هذا العنف الذي لطالما وجهته الخرطوم ضد جنوب البلاد وغربها وشرقها وبات الآن يهدد بابتلاعها.

وحمّل تجمع المهنيين السودانيين المجلس العسكري الحاكم منذ سقوط الرئيس عمر البشير في 11  نيسان مسؤولية وقوع القتلى والجرحى. ودعا إلى “تنفيذ العصيان المدني الشامل والإضراب السياسي” من أجل “إسقاط طغمة المجلس العسكري الانقلابي المجرم وجهاز أمنه وكتائب ظله وميليشيات جنجويده”. بينما أعلن رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان فجر اليوم الثلاثاء إقامة حكومة تسيير أعمال وتنظيم انتخابات عامة خلال 9 أشهر، واصفاً ما حدث بأنه كان مؤسفاً وغير مقصود ووقع أثناء عملية تنظيف أمنية لشارع النيل في الخرطوم. وهذه القرارات تعكس بالضبط موقف المجلس العسكري المتمسك بمقاليد السيادة داخل السودان، والذي عرض مراراً إقامة حكومة تسيير أعمال وانتخابات مبكرة وهي إجراءات رفضتها القوى السياسية المدنية المتفاوضة مع المجلس مطالبة، بأن يسيطر مدنيون على مجلس السيادة وأن تكون هناك فترة انتقالية مقبولة تسمح باستعادة قوى الحياة السياسية قبل عقد الانتخابات. وعلى الفور أعلن سياسي بارز في “قوى إعلان الحرية والتغيير”، وعضو في وفد هذه القوى للتفاوض مع الجيش، رفضه لقرارات المجلس واستمرار العمل من أجل إسقاطه وإقامة حكومة مدنية.

وربطت مصادر بين الفض العنيف للاعتصام وهو السلاح الرئيسي لقوى إعلان الحرية والتغيير (المظلة العلنية للقوى السياسية المدنية والتي تشمل تجمع المهنيين السودانيين)، وبين الدعم السياسي والمالي الذي حصل عليه المجلس العسكري في جولات قام بها رئيسه ونائبه في الإمارات والسعودية ومصر. وهناك وعود بتقديم مساعدات سعودية واماراتية تصل إلى ثلاثة مليارات دولار للسودان. وتعود العلاقات المتميزة بين حميدتي وقادة في الجيش النظامي من ناحية والسعودية والامارات من ناحية أخرى إلى مشاركة ما قد يصل إلى 14 ألفاً من المرتزقة السودانيين من هذه الميليشيات، وكثر منهم من دارفور، في الحرب ضد الحوثيين في اليمن. ويحصل الجندي السوداني على عشرة آلاف دولار مقابل ستة أشهر من القتال في اليمن، إضافة الى تكاليف المعيشة، وذلك أضعاف مرتب الطبيب في السودان الذي وصلت فيه نسبة التضخم العام الماضي إلى 70 في المئة.

ويرفض قادة الجيش وقوة الدعم السريع تشكيل مجلس سيادي يرأسه مدني بأغلبية من الأعضاء المدنيين بسبب خشيتهم المبررة من تآكل السيطرة على مفاصل السلطة والاقتصاد، في بلد حكمه الجيش معظم الوقت منذ استقلاله في أول كانون الثاني/ يناير 1956. وقد هدد بعض أعضاء المعارضة بالفعل بإجراء تحقيقات واسعة في امتيازات ميليشيات الدعم السريع في التنقيب عن الذهب وبيعه، ووضعها المتميز الذي جعلها جزءاً من المؤسسة العسكرية السودانية، بعدما كانت مجرد ميليشيات جندها البشير، من أجل تنفيذ أعمال قذرة في دارفور وتأمين مؤسسة الرئاسة في العاصمة وبخاصة في مواجهة تهديدات محتملة من أي أجهزة امنية.

وعلى مدى 63 عاماً، لم يحكم مدنيون السودان سوى نحو 11 عاماً، بينما امتد حكم البشير العسكري المتحالف مع الإسلاميين 30 عاماً، معتمدة علىقمع واسع وحروب مستمرة في أنحاء السودان، حتى أُجبر على توقيع اتفاق سلام، استقل الجنوب بمقتضاه عام 2011، بينما نجح في تفادي الخضوع للمحكمة الجنائية الدولية التي اتهمته وكبار قادته بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي قتلت مئات الآلاف من أهالي دارفور في غرب السودان.

لا يتوقع أي مراقب جاد للسودان طريقاً سياسياً أو اقتصادياً ممهداً أمام الخرطوم والنخب الأمنية والسياسية في السنوات القليلة الماضية. ويمكن أن يقدم هذا البلد الأفريقي العربي متعدد الثقافات والأعراق نموذجاً جديداً في خلق نظام حكم مقبول وفعال في تلك المنطقة، بخاصة بعدما أسقطت احتجاجات مدنية وعصيان واحتجاجات سلمية واسعة النطاق ثلاثة نظم حكم عسكرية من قبل. بيد أنه ليس من المستبعد في ضوء هيمنة خليجية تفضل الاستقرار وحكم المؤسسات الأمنية وغياب اهتمام دولي جاد وشراسة النخب الأمنية المتشبثة بالسلطة، أن يسقط شمال البلاد في طاحونة عنف مدمر، هو هذا العنف الذي لطالما وجهته الخرطوم ضد جنوب البلاد وغربها وشرقها وبات الآن يهدد بابتلاعها. مستقبل السودان مفتوح على احتمالات متعددة ويستحيل التنبؤ بمساراته، إذ تقبض عليه أيد تمسك بمدافع رشاشة أو بكاميرات هواتف محمولة، مثلما عرضت لنا عشرات الشرائط المصورة في الأسابيع القليلة الماضية.

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٧ من ٩)

(نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ١٥ ديسمبر ٢٠١٣ وللأسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

إن محاولة تفسير السياسة الخارجية الأمريكية عن طريق اللجوء إلى تفسيرات المدرسة الواقعية المسجونة في المصالح الاقتصادية البحتة والسيطرة السياسية المحضة وافتراض مشروع استعماري على الطراز القديم من السيطرة على بلدان المنطقة لن تساعدنا كثيرًا في فهم هذه السياسات. ولن يساعدنا أيضا افتراض أن الدول العربية أو شعوبها عاجزة طوال الوقت ومفعول بها تنتظر نتائج مؤامرة يكشف لنا تفاصيلها كل يوم صحفيون ومصادر سيادية يبدو أنهم لا يغادرون كراسيهم المثبتة أمام مواقع إنترنت تفتقر معظمها إلى المصداقية. لدينا في مصر وفي أي دولة عربية (فقيرة أو غنية نسبيًا على مقياس الدخل القومي) أدوات للدفاع عن المصالح القومية والوطنية ولكن مشكلتنا الأعوّص – بسبب غياب الديمقراطية والشفافية وتحكم فئات قليلة قوية في الموارد والسياسات– اننا نعجز عن بلورة هذه المصالح كما تراها اغلبية وازنة من الشعب وبنظرة طويلة الامد. وفي واقع الأمر انزلقت معظم الجمهوريات العربية في العقود القليلة الماضية إلى أنظمة عائلية لا مصلحة لها سوي استمرار العائلة أو الطائفة أو المجموعة الضيقة في السلطة بشكل صار معه غرض بعض هذه الدول ومؤسساتها الأمنية هو تنظيم السرقة والنهب المنظمين لموارد البلاد على يد الفئات والطوائف المسيطرة.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٧ من ٩)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة ٦ من ٩)

(نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ١٠ ديسمبر ٢٠١٣ وللأسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام ١٩٧٩ يُنظر إلى الجيش المصري في واشنطن على أنه لاعب بارز في الاستقرار الاقليمي وحليف مهم. حافظ الجيش على استمرارية السلام مع اسرائيل بينما زادت نسبة المعدات والاسلحة والنظم الأمريكية في عتاد الجيش المصري مع مرور الوقت مقارنة بالاسلحة الروسية او غيرها مما يجعل النظم العسكرية المصرية قابلة للتشغيل المتزامن والاتساق مع مثيلتها الأمريكية في أي مناورات او عمليات عسكرية مشتركة (اتضحت فائدة هذا في حرب الخليج في ١٩٩١). وتعمقت علاقات قوية على صعيد التسليح والتدريب والتنظيم وتبادل الخبرات بين الجيشين المصري والأمريكي. واضافة للعلاقات العسكرية المتميزة (التدريبات المشتركة والمشاركة في حرب الخليج) فان لمصر اهمية عسكرية اضافية للولايات المتحدة تشمل اولوية العبور في قناة السويس لقطع البحرية الأمريكية وحق عبور الطائرات العسكرية في الاجواء المصرية ودور مصر في تهدئة الاوضاع مع حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام ٢٠٠٦ (ولعبت مصر هذه الادوار دون توقف في عصور مبارك والمجلس العسكري ومرسي ولا توجد أي تقارير عن اي تغير حدث فيها مؤخراً.) وبالتالي فان التسهيلات المصرية تلعب دورا مهما في مساعدة القوة العسكرية الأمريكية في الانتشار والوصول السريع لأهدافها. ويقول باحث في الكونجرس في حوار في واشنطن في ٢٠١٣ انه على مدى الأعوام العشرة السابقة “كان لدينا مائة الف عسكري في العراق وأفغانستان، وكان علينا نقل جنود ومعدات إلى ومن المنطقة، ولذا كانت اولوية العبور في قناة السويس وحقوق الطيران في الاجواء المصرية مهمة للغاية. فكر لثانيتين كم ان هذين التسهيلين محوريين لو قررت واشنطن مهاجمة طهران.” (دار هذا الحوار قبل تراوح العلاقات الامريكية الايرانية من إنفراجة بسبب اتفاق الرئيس أوباما مع ايران في يوليو ٢٠١٥ حول الرقابة على المنشأت النووية الايرانية ثم تصعيد وتوتر شديد بعد مايو ٢٠١٨ عندما الغي الرئيس ترامب الاتفاقية وتزايد التصعيد نحو احتمالات حرب في منتصف ٢٠١٩).

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة ٦ من ٩)

(الفصل ٥) المزار الشريف .. المؤلم!

هذا هو الفصل الخامس من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي

على بعد بضعة كيلومترات إلى الشرق من مطار مزار الشريف يقع مخيم سخي (أي كريم، وهو أحد أسماء الإمام علي فى أفغانستان).  عندما زرت المخيم البائس عقب سقوط الطالبان كان هناك نحو15000 نسمة معظمهم من الطاجيك. معظم الأسر الباشتون التي كنت قد التقيت ببعضها في آخر زيارة لي للمعسكر اختفت، خوفًا من ثأر قطاع الطرق والسفاحين من الطاجيك الغاضبين من الطالبان والعاجزين عن الانتقام من هؤلاء الطلبة الباشتون، وبالتالى ينتقمون من هؤلاء النازحين المساكين الذين ينتمون لعرقية الباشتون. مولاي محمد، 45 سنة، يقول إنه يريد العودة إلى قريته ولكن ليس لديه تكاليف السفر. “نحن في الشتاء الآن وليس هناك شئ في القرية، ولكن لو أعطيتمونا ما يكفي من طعام ووسيلة انتقال، فقد نعود أدراجنا”. بيد أن العديد من الأسر لم يكن لديها من الحبوب ما يكفي للزراعة في موسم البذار الذي سيحل بعد أسابيع، وهو ما جعلها أكثر اعتمادًا على الهبات والمساعدات، على الأقل لعام آخر. إنهم سجناء مخيم الإغاثة بمعنى ما. اشتكى محمد من أن عيادة المخيم ليس بها سوى أربعة أنواع من الأقراص لعلاج كل الأمراض، وليس لديها أي علاج للسل الذي يزداد انتشارًا. نتدثر بشيلاننا لاتقاء برودة الرياح. ليس هناك سوى القليل من الخشب للتدفئة، والصحراء هي ما تراه في كل الاتجاهات حول المخيم.

متابعة قراءة (الفصل ٥) المزار الشريف .. المؤلم!

أهل غزة بين المصاحف والسيوف ورفض الموت بهدوء!

(نُشر في موقع درج اليوم ٧ مايو ٢٠١٩)

عندما أفكر في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والمتحدثين باسمه ومؤيديه من اليمين (صهيونياً وعربياً)، وهم أكثر صراحة وظهوراً الآن في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي العربية، يقفز أمامي مشهدان. المشهد الأول للممثلة المصرية اليهودية نجمة إبراهيم وهي تلعب دور القاتلة الشهيرة في فيلم “ريّا وسكينة”، حين قالت بامتعاض بعدما انتهت من إحدى ضحاياها “محدش بياكلها بالساهل، الولية وانا باخنقها عضتني فإيدي، أكونش عدوتها!”. أما المشهد الثاني فقبله بأكثر من 1300 سنة، عندما غضب معاوية بن أبي سفيان من ارتباك عمرو بن العاص خلال معركة صفين بعد مصرع الصحابي الجليل عمار بن ياسر، الذي كان يقاتل في صفوف خصمهم، الإمام علي بن أبي طالب. كان عمرو يفكر في كيفية تدوير زوايا حديث نبوي متواتر وناصع الوضوح، جاء فيه أن قتلة عمار سيكونون من “الفئة الباغية”. رد الداهية معاوية بسرعة وبساطة: قتله من أرسله، أي أن الخليفة الراشد الرابع هو المسؤول عن مقتل عمّار لأنه أرسله للقتال!

متابعة قراءة أهل غزة بين المصاحف والسيوف ورفض الموت بهدوء!