الفصل (١١) محطة أخيرة

هذا هو الفصل الحادي عشر والأخير من كتابي “خلف الستار: وجه آخر لأفغانستان” ويدور حول سنوات عملي في منظمات اغاثة في افغانستان ودول مجاورة اثناء وبعد حكم الطالبان. 

ها هو كتاب آخر عن أفغانستان أتمنى ألا يكون قد سقط بدوره فى غرفة المرايا الشريرة التى تشوه الواقع والبشر بل والكتاب أنفسهم، عندما يعيش المرء فى أفغانستان او يكتب عنها. صارت تلك البلاد واقعة طوال الوقت تحت عدسات المجاهر الإنتقائية لمئات الصحفيين والكتاب والمحللين وكاتبي تقارير المخابرات.  فى الثمانينيات كان الخطاب السائد فى الكتب عن أفغانستان (ومعظمها صادر فى الغرب) بإستثناء الكتابات الأكاديمية الرصينة يصور المجاهدين إما على أنهم عودة الى عصر ذهبي لإسلام قادر وقوي أو على أنهم ميليشيات مدافعة عن أرضها فى وجه طغيان نظام حكم شيوعي قمعي مستند إلى دعم إمبراطورية السوفييت الشريرة. هناك بعض الحق فى هذا الخطاب ولكنه قاصر. عشرات الكتب والمقالات تنتمى إلى هذا الخطاب وصار افضل أستعمال لها الآن هو إعادة تدوير ورقها لصنع كراسات للاطفال.


يعترف روب شولتيز مثلاً فى بداية كتابه أن حياته الشخصية كانت تمر بمنعطف صعب عندما قرر ان يرحل عن بلاده ليغطي الحرب فى افغانستان. يصف شولتيز المجاهدين بلغة أسطورية كأنما يصف محاربي الفايكنج. ورغم أنه كتاب عما حدث فى الثمانينيات من مواجهات بين جماعات الجهاد والجيش السوفيتي إلا أنه لا يتحدث سوى لماماً عن هذا العدو او عن الأفغان الذين قرروا العيش بل والتعاون مع النظام “العميل”. ويكرر ترهات لا يمكن التقاطها سوى على المقاهي أو من الأدلاء السياحيين وما شابه.*] 

ولا يتورع إريك مرجوليس عن القول بعد أن التقى مع بعض زعماء المجاهدين الافغان إنهم “يعانون من نفس النقص الواضح فى الموهبة الانسانية كما هو الحال فى المجتمعات المتخلفة.” ويسترسل قائلاً: “وغالبا فإن زعماء مثل هذه الامم يفتقرون الى العلوم السياسية والموهبة الإدارية والحنكة الإقتصادية والخبرة فى إدارة الأموال وأمور الصناعة. وقد تلقى معظمهم تدريبهم كأطباء ريفيين أو مدرسي إرساليات أو موظفي بريد او جنود عاديين … إنهم الطبقة العليا للفقراء والتى تصور على انها الطبقة المتعلمة فى المجتمعات ما بعد الكولونيالية المهترئة.” هو محق فى وصف هذه الطبقة غير أن العالم كله عاش عشرات القرون دون الطبقات المتعلمة على النسق الغربى. وتمكنت حضارات وثقافات متباينة فى بلدان عديدة أن تسوس أمورها عن طريق أنساق مختلفة. كما أن التدخل الإستعماري نفسه (البريطاني والسوفييتي والأمريكي والباكستاني وغيرهم) بجيوشه وفنييه وخبرائه وأمواله مسؤول عن نشأة وتولي هذه الطبقات إلى حد كبير. مشكلة هؤلاء الكتاب هو أنهم عندما يشاهدون امراً “مختلفاً” يعتقدونه أمرا “متخلفاً” عليه اللحاق بالركب المسرع لحضارة غربية مفترضة تتمتع بالديمقراطية وحقوق الإنسان وإقتصاد السوق. كما أنهم يظنون أن تدخلهم لا دور له فى هذه المأساة. 

بيد أن هناك كتباً أخرى مثل مؤلفات الكاتب والصحفي الباكستاني أحمد رشيد والأمريكى بارنيت روبين وغيرهم لا تقع فى فخ العدسات الاستشراقية التى تشوه الواقع وتلهث فى سعيها المحموم إلى المغامرة والأثارة مع المجاهدين المسلحين إلى حد قيام بعض هؤلاء الكتاب بالاشتراك الفعلى مع المجاهدين فى اطلاق النار على أعدائهم. ولا يقتصر الأستشراق او حب المغامرة الحمقاء على الغربيين فلن أنسى الصحفي العربي التلفزيوني الذى زار صحراء قندهار مع وفد إعلامي قبل بداية الحرب على الطالبان فى عام 2001: ناوله أحد جنود الطالبان سلاحه فأخذ المراسل السمين يتقافز فرحاً فى الصحراء وهو يطلق زخات بعد زخات من المدفع الرشاش فى الهواء.

فى التسعينيات وبعد خروج السوفييت من أفغانستان نساها العالم سنوات عدة، باستثناء باكستان والسعودية والجهاديون، إلى ان قفز الطالبان الى السلطة، وبعد شهر عسل قصير أصبح المجاهدون (والطالبان تنويعة جهادية) الشيطان فى وجهة نظر الغرب والدول العربية والأسلامية التى عاد لها المجاهدون الذين كانت قد تغاضت عن إرسالهم لأفغانستان فى المقام الأول. حسبت هذه الدول أنها تتخلص من الجهاديين المسلحين ليقاتلوا فى أرض أخرى فعادوا لها مدربين ومحنكين وممولين ومدفوعين بإنتصارهم على الامبراطورية السوفيتية من أجل ان يحققوا إنتصارات اخرى فى بلدانهم الأصلية. معظم الكتب أنذاك كانت تصدر عن مراكز الدراسات الإستراتيجية والسياسية المعنية بتقديم حلول وتوصيات لمراكز صنع القرار فى الحكومات، والتي هى معنية بدورها بإيجاد مخرج سريع لهذه الأزمة. 

ثم كانت هجمات 11 سبتمبر فى مستهل العقد الأول من القرن العشرين وقفزت أفغانستان إلى مقدمة المسرح مرة أخرى وما زالت هناك فى قلب الحرب الدائرة “ضد الأرهاب.”


كتابي ليس عن أفغانستان فقط او ما جاورها من بعض الدول. ولكنه أيضاً عن كيفية دخول عمال الأغاثة الأجانب فى تلافيف مثل هذه الصراعات ودورهم فيها وحيالها، على المستويات السياسية والعملية والعاطفية.

داخل منظمات الإغاثة والمعونات الدولية يميل أغلبية الموظفين الأجانب للتعامل مع الفقراء فى المجتمعات التى يعملون بها على أنهم متلقين، أناس ينتظرون المساعدات، ودونيون، وبالتالى يندر ويصعب أن يقوم هؤلاء المتلقون، اليد السفلى، بأى مشاركة حقيقية فى تحديد إحتياجاتهم، وكيفية تلبيتها. ويصير الفقراء وضحايا النزاعات والحروب هدفاً للمساعدات، متروكين فى مواجهة منظمات، وإن كانت تلتزم بقواعد ومبادىء دولية محددة، فإنها معنية دائماً بإستمرار عملها فى مجال تخصصها بغض النظر عما إذا كان هذا المجال ناجعاً وتلك المساعدات مفيدة فى إكتشاف وعلاج جذور الأزمة، فمنظمات الأغذية تقدم أطعمة، والطبية تقدم أدوية وعلاجاً، وهكذا. 

أحياناً تتحول المساعدات الإنسانية فى نظر البعض إلى عامل مساعد فى إذكاء الصراع، لأنها تزود كل الاطراف،وخاصة الأضعف منها، بالاحتياجات الإساسية مثلما كان الحال فى الصومال وجنوب السودان وأفغانستان لفترات طويلة، سامحة للأطراف المتحاربة هكذا بتكريس طاقاتهم ومواردهم للقتال.

طورت المنظمات الإنسانية ثقافة خاصة بها مع دأب العاملين فيها، ليس عن وعي وقصد دائمًا، على استمرار المؤسسة فى عملها حتى لو تغيرت الظروف أو الإحتياجات أوظهرت سياسات بديلة يمكنها حل المشكلة دون الحاجة لجهود هذه المنظمة أو تلك. تصبح بعض هذه المنظمات أحيانا كبائع الأغطية الثقيلة يصر على أنها الحائل الوحيد دون أن يقاسى الفقراء برد العراء بعد أن تحولت منازلهم إلى ركام بسبب صراع مسلح أو كارثة طبيعية. لا يفكر هذا البائع كثيراً فى أن هذه الأغطية، التي كانت مهمة فى الاسابيع والأشهر التالية مباشرة للازمة، لا تقدم حلاً جذرياً لمشكلة هؤلاء البائسين، وأن الحل المستدام هو مساعدة هؤلاء الضحايا فى بناء منازل جديدة تناسب ظروفهم. هذا الإفراط فى إعلاء مصلحة المؤسسة فوق رؤية الواقع والتعامي غير المقصود عن مصلحة الضحايا العليا يبدأ عادة فى التقارير المهمة التى تقدر الاحتياجات وتقدم إلى المانحين فى صورة مشاريع بلغة معينة تلمس أزراراً محددة وتعالج قضايا بعينها. كيفية وصف “الواقع” في التقارير، التي لا مندوحة لها عن إغفال الكثير من التفاصيل ودقائق الأمور، مجبرة على إتباع خطاب معين يتطور داخل تلك الوكالات الإنسانية (وفى أروقة الجامعات الغربية والمكاتب الرئيسية للمنظمات والأمم المتحدة وأيضاً فى المنظمات الأهلية) عبر العديد من السنوات في ممارسة العمل الدولي. هذا الخطاب يتحدد ويتطور فى جدال مستمر بين ممارسي العمل الإنساني فى المنظمات ودارسيه فى الجامعات ومعاهد الإبحاث والسياسات فى عواصم البلدان المتقدمة والمؤسسات المانحة فى نفس هذه الدول المسيطرة على صناعة المساعدات الإنسانية. إن مقولة أن مجتمع الإغاثة المكون من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية مليء بأصحاب النوايا الحسنة مقولة صحيحة، ولكنها لا تمس النقطة المهمة، فهذه النوايا الحسنة، التي تتجسد في مشروعات يطلقها القائمون على التنمية والمساعدات لمصلحة المستفيدين بالتنمية والمساعدات، دائمًا ما يشكلها المانحون ونخبة السلطة المحلية ودائمًا ما تُصاغ في مصطلحات استقرت في مجتمع المساعدات بحيث تتسق مع خطة أوسع بكثير لا تتجه في المقام الأول إلى رفع البؤس بصورة جذرية ومتكاملة عن “السكان المستهدفين”. ليست هناك مؤامرة واحدة كبيرة بل الكثير من المؤامرات الصغيرة. 

المشكلة ليست في المقام الأول في فشل جهود المساعدات، أو تأخر إيصالها، أو الفساد، ولكن المشكلة تكمن في تجاهل الطبيعة المفعمة بالسياسة لصناعة المساعدات الإنسانية التي إما يدعى أنها غير مسيسة من قبل الطوباويين والحالمين أو يدعى أنها مجرد ترس أخر فى مؤامرة إمبريالية متخيلة. 


فى بدايات عملي فى أفغانستان أقمت تدريجياً حاجزاً ما بيني وبين الضحايا، ربما بسبب طبيعتي الشخصية. وجدت أن غالبية العاملين فى مجال الاغاثة يقيمون مثل هذه الحواجز، ربما بشكل وظيفي، من أجل حماية أنفسهم وعواطفهم من المعاشرة اليومية للبؤس. بعضنا يتعامل بحيادية مع البؤس البشرى، ويتعامل مع مهامه اليومية بشكل مهنى بارد، وبعضنا يعنى أكثر بالصراعات الصغيرة على الترقيات والمكاتب والانتقال الى عملية إغاثة أكبر وأخطر أو مدينة أفضل، وبعضنا يتعامل مع وظيفته على انها رسالة ومهمة انسانية لتخفيف المعاناة. ولكن الأغلبية فى كل الاحوال تضع حاجزاً ما بين مشاعرها وبين المشاهد الدامية التى تتعرض لها، ربما احياناً شخصياً، فى المناطق التى تعمل فيها.

وفى الحقيقة فان معظم المعاناة الانسانية التى شاهدتها عبر عملي فى كثير من مناطق العالم فى السنوات العشر الماضية من فقر وجوع ومرض، هى معاناة تسبب فيها البشر لبشر اخرين، وليست نتيجة مباشرة للفيضانات والزلازل والجفاف وقسوة الطبيعة.


كانت افغانستان تجربة هائلة بالنسبة لي فى فهم طبيعة وديناميات المعاناة، إذ كان من الواضح أن النساء تعانين اكثر من الرجال، والاطفال اكثر من الكبار، والشيعة (أو الأقليات بصفة عامة) أكثر من السنة (أو الاغلبية)، وقبائل دون اخرى، وبالطبع الفقراء دون الاغنياء الذين حتى إذا استمروا فى العيش فى افغانستان، امراءاً للحرب او تجاراً للمخدرات او زعماء محليين، ارسلوا عائلاتهم الى باكستان المجاورة لتعيش فى أمن وسلم نسبي. وحتى داخل كل هذه الفئات وفى مخيمات النازحين واللاجئين تجد تراتبية للمعاناة، وتجد الضحايا مراتب، ومنهم من يتسبب فى معاناة الأخرين ويحرمهم من حقوقهم. حتى ضربات الطبيعة لاتتوزع بمساواة تامة بين القادرين والعاجزين، فأول ضحاياها الفقراء والضعفاء الذين لا يستطيعون تأمين منازلهم واجسادهم ضد المطر والفيضانات والزلازل والأمراض مثلما يستطيع الأغنياء. 

لم يكن لدي أي أوهام بفضل قراءة التاريخ عما يمكن ان ينحدر اليه البشر فى إضطهادهم لبعضهم، مفهوم الإنسانية الخيرة الطيبة محض مثال وضعناه بأنفسنا عبر تطورات تاريخية، وهو مثال أعتقد اننا جميعاً يجب أن نصبو إلي تحقيقه ولكن ليس لآنه فطرتنا وطبيعتنا البشرية بل لأنه أفضل لنا جميعاً . وصرت أؤمن أن التعاطف والاحساس بمأساة الاخرين ونحتها فى الذاكرة شرط لا غنى عنه من اجل تقدم البشرية نحو حل “سلمي” و”عادل” لمعظم مشاكلها وأولها الفقر والتهميش. لا يغنى هذا الشرط عن النضال السياسي والأجتماعي والفكري من أجل المساواة والحقوق الأساسية، ولكن هذه النضالات ستفتقد البوصلة وقد تضيع الهدف إذا فقدنا القدرة على التعاطف مع الآخر، وإذا نسينا معاناة الآخرين.

ولذا سأتذكر دائماً القبور الترابية الضئيلة لأطفال رضع ماتوا بردأً وجوعاً بالقرب من مدينة هيرات فى غرب افغانستان، والولد إبن السنوات السبعة الراقد هيكلاً عظمياً فى سرير فى آديس ابابا ينتظر موتاً لم يعرف قبله حياة تذكر بسبب فيروس الايدز، وعجوز طاجيكي خر منهاراً على الارض يحاول تقبيل قدمي بعد ان وصل الى مخيم لاجئين من قريته الجائعة، ورجل أوزبكى أخذ يلتهم الجراد والاعشاب المطهوة سوياً امامى ذات يوم شتائى بارد قائلا: “ها قد اصبحنا حيوانات”، والكهل الفلسطيني الذى بكى امامى فى قطاع غزة من هوان قبول الاعانة مع القدرة على العمل.

كلهم بشر. مثلنا. وكل معاناتهم بسبب بشر، مثل بعضنا. وكلنا على سفر ولكننا ننسى ذلك فى أحيان كثيرة لنكدس متاعاً أكثر وسلطاناً أكبر على حساب رفقاء الطريق رغم أننا نترك كل متاعنا مع القافلة عندما نصل إلى محطتنا الأخيرة.


       إحدى هذه الترهات أن أصل اسم “افغانستان” هو “ياغيستان” وتعنى “أرض المتمردين او* الذين لا يمكن حكمهم”. معظم المصادر الأكاديمية تعتقد أن افغانستان مركبة من شقين: الثانى “ستان” ويعنى ارض فى اللغات الهندوأرية الاصل (ومن هنا اسماء طاجيكستان اى ارض الطاجيك وباكستان اى ارض الاطهار، إلخ.) بينما يشير الشق الاول “افغان” الى “الفرسان” او “مروضي الخيول”. ومنذ العصور الوسطى تماهت كلمة افغان مع اسم قبائل الباشتون التى سرعان ما سيطرت على البلاد لتسحب أسمها عليها كلها بعد ان كانت مقسمة الى مناطق متعددة مثل إمارة بلخ ومملكة كابول. وظهرت كلمة افغانستان اول مرة فى كتاب لمؤرخ عربي مجهول صدر فى عام 982 ميلادية وهو كتاب “حدود العالم من المشرق الى المغرب.”

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *