(الفصل ٧) باكستان

هذا هو الفصل السابع من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي .

جلست على المصطبة الأسمنتية المحيطة بمنزلي والمشرفة على الحديقة أراقب زينة تلعب مع قط صغير تبنته منذ عدة أشهر. هما الان يهرسان الشتلات الصغيرة فى حوض الزهور الجديد. سيدمرانه للمرة العاشرة، ومرة أخرى سيغضب محمود الذى يعمل ترزياً فى الصباح ويعتنى بحديقتى فى المساء ثلاث مرات إسبوعياً. رن الهاتف المحمول. أجري مقابلة صحفية أخرى حول أفغانستان والغزو الأمريكى الوشيك. أحذر من تناقص مخزون الغذاء بشكل حاد فى البلاد التى تعاني من الجفاف منذ اربع سنوات. أرفض الادلاء بأي رأي سياسي حول الطالبان او سياسة إدارة بوش.

زينة في حديقة المنزل في إسلام آباد

كانت نقرات قطرات المطر الثقيلة على سطح المنزل وارتطامها بارضية الشرفة وحشائش الحديقة مستمرة منذ ساعات المساء. استيقظ على نباح زينة القوى والمستمر. أقوم متكاسلاً من السرير واخرج من المنزل بعد قليل حاملاً مظلة تقيني قطرات المطر الضخمة النازلة كأنها من صنابير مياه متدفقة. كانت زينة تعدو خلف المنزل فى انزعاج وتوتر فى دوائر صغيرة وهى تواصل النباح. وقفت خلفها وهى تصرخ وتعوي وعيناها مثبتتان على فوهة الفرن الطيني غير المستعمل خلف المنزل وفجأة قفزت كرة بيضاء من فتحة الفرن المظلمة وتدحرجت على الارض وزينة تجري وراءها وانا وراءهما حتى توقفت الكرة فى زاوية الحديقة وقد حاصرتها زينة وكادت تمسكها بين أنيابها، عندما اوقفتها. حدقت في الزواية حتى اعتادت عينايّ الظلام. لم تكن الكرة سوى قط صغير يرتعش من إبتلاله بمياه المطر، ومن الجوع. وكانت هذه بداية حياة كوكو القصيرة معنا إذ فارقنا بعد أقل من عام إلى ما لست أعرف اثناء واحدة من سفرياتي العديدة. كان مدير المنزل والطباخ أشرف خائفاً قليلاً من غضبي لأنه ترك “كوكو” يهرب ولكني طمانته بان القط اختار الحياة معنا والان يبدو أنه قرر الإنتقال إلى منزل أخر.

رن الهاتف المحمول. صحفى أخر يستفسر عن أفغانستان.

نظرت إلى أحواض الزهور المتفتحة وقد اشتعل أحمرها وأصفرها خلف حوض زرعته بالريحان والنعناع والطماطم وأنا أستمع لسؤال صحفي سمعته الف مرة من قبل. أعيش مثل الاقطاعيين، فكرت فى نفسي وأنا انظر إلى بئر المياه القائم فى زواية الحديقة وتعريشة اللبلاب التى تغطى واجهة المنزل الذى لم أتردد كثيرا فى إستئجاره. فى واشنطن حيث عشت فى السنوات الاربع الماضية كان ايجار شقتي الصغيرة يزيد عن الف وخمسمائة دولاراً فى الشهر، ولذا وافقت على الفور على إستئجار هذا المنزل ذي الغرف الست بحديقته الجميلة وطابقيه من الغرف المزودة بحماماتها الخاصة وغرف الخدم الثلاث خلف المنزل باقل من ألف دولار فى الشهر. يا سلام. صفقة هائلة. ندمت على القرار لاحقاً. ماذا يفعل شخص يعيش بمفرده بست غرف ومطبخين وغرفتى معيشة هائلتين وحديقة مساحتها اربعمائة متر مربع؟  ربما شيئاًً واحداً وهو انه ينتقم حتى الثمالة من الغرف المقبضة التى عاش فيها فى حوارى الجيزة يطل على سوق للسمك بروائحه النفاذة والعطنة، او ينفتح شباكه على سطح الجيران بكل مخلفاته وقبحه. ضجة وصوت ومشاكل الزملاء عندما كانوا كثيرين من اجل إقتسام الايجار سويا (المائتا جنيه شهرياً فى أواخر الثمانينات). مشاعية الحياة فى مثل هذه الشقق، حتى عندما صار الدخل اكبر وزملاء السكن اقل عدداً، كانت تحرمني دائماً من الهدوء والخصوصية. ربما هو الإنتقام ولكنه كان أيضاً الدخول فى نمط الحياة المفروض. فى الجيزة عشت كما يعيش شباب الخريجين الجامعيين متوسطي الحال فى مصر (على قد فلوسهم) وفى باكستان عشت كما يعيش موظفو الاغاثة فى المنظمات الدولية (على قد فلوسهم أيضا) ولم أحاول التمرد فى الحالتين.

إسلام آباد مدينة خضراء تنام فى حضن تلال مارجالا. مدينة مصطنعة، تفتقد الروح والحياة التي تعشعش فى جوانب وجحور المدن القديمة مثل القاهرة وراولبندي ولاهور ونيودلهي ونيويورك. مدينة ولدت بعد أن قررت الطغمة العسكرية الحاكمة فى باكستان نقل العاصمة من مدينة كراتشي القديمة والضخمة على المحيط الهندى الى قلب إقليم البنجاب فى شمال البلاد، في أحضان تلال مارجالا التى تمنحها موقعا دفاعيا حصينا (تفكير عسكري نمطي). أتى مهندسون غربيون ورسموا مدينة تليق بعقد الستينيات حيث الشوارع كلها مستقيمة وتتقاطع متعامدة، وقسموا المدينة مثل رقعة الشطرنج لكل صف حرف يرمز له ولكل عمود رقم يدل عليه وبالتالى لكل مربع على قطعة الشطرنج حرف ورقم فكنت مثلاً اعيش فى حي “ف 7” . وكل حي ينقسم إلى اربعة مربعات، وبالتالى كنت أعيش فى المربع الاول من حي ف 7 . وفى وسط كل حي مركز تجارى وتفصل بين الاحياء شوارع واسعة متعددة الحارات. وأعطوا الشوارع أرقاماً غير متسلسلة فصرت اعيش فى شارع 51 وقبلي شارع 14 وبعدي شارع 20 وهكذا . اعتقد انهم فعلوا هذا من أجل تضليل “الجواسيس الأجانب” ولكن هذا العبث في التصميم لم يضلل سوى سكان المدينة وزوارها إذ قتل أي فائدة مرجوة من ترقيم الشوارع كما فعلت مدن مثل نيويورك. المدينة خضراء بفعل الحدائق الكبيرة للمنازل وبعض حدائق الشوارع، اضافة للتلال المخضرة دوماً والمطلة على المدينة من جهتين. الشوارع كلها مسفلتة وخالية من السيارات الكثيرة معظم الوقت. كانت المناطق العشوائية التى تعانى منها كل المدن الكبيرة فى انحاء العالم، وخاصة الثالث منه، قليلة للغاية فى إسلام آباد، واقتصرت فى منطقتي على حي عشوائي أقيم على منطقة فضاء وتم تسويره تماماً، وكان يعيش فيه أغلبية مسيحية يعمل معظمها فى اعمال النظافة والخدمات فى منازل الاحياء المحيطة بها.

قررت بعد ان إنتقلت إلى إسلام آباد أننى لن أقع فى شرك الخدم وعمال المنزل عندما رأيت ان لدى معظم زملاء العمل إثنين او ثلاثة منهم، ولكنى انتهيت خلال أول أسبوعين بتعيين أول خادم وهو أشرف (كنت ادعوه مدير المنزل وكان يطبخ وينظف البيت ويغسل ويكوي الملابس)، ولكن اشرف أبلغني بعد إسبوعين أن الحديقة ستموت بهذه الطريقة وإن وضعه الاجتماعى لا يسمح له إطلاقاً بالكنس وتنظيف الحمامات لأنه عمل تقوم به طبقة محددة فى باكستان، وبالتالى قمت بتعيين الترزي محمود الذى كان عمله فى الحياكة يمر بمرحلة صعبة مع انتشار الملابس الجاهزة ليعتني بالحديقة، ثم عينت جون ليقوم بالكنس وتنظيف الحمامات مرتين فى الاسبوع، وعندما أتت زوجتى من واشنطن للاقامة معي قمت بتعيين شريف ليقود السيارة، حيث فضلت ألا تقود السيارة فى بلد يتبع النظام الانجليزى فى القيادة على يسار الطريق. وفى النهاية عينت شاباً من كشمير ليتولى حراسة المنزل نهاراً وتمشية الكلبة أثناء سفرياتي الكثيرة. وصرت إقطاعياً بحق حيث كان علي أيضا الإعتناء بإحتياجات أسر من يعملون لدي والاستماع إلى مشاكلهم، ولكنى لم أعتد على حكاية الطاعة والاستخذاء التى يتعامل بها الخدم عادة فى هذه الترتيبات الاقطاعية، ولذا كنت سعيدا بالحارس الكشميرى الذى كان يعاملني معاملة الند فى احترام. صار لدي خلال اقل من عام خمسة عمال فى المنزل وأنا الذي كنت أنوي ألا أعين أحداً!! الاقتصاد والنظام الطبقي المسيطر فى باكستان والهند يقوم على توفر هائل للعمالة الرخيصة التى تعيش ببساطة على حد الكفاف. كان راتب السائق الشهري عادة خمسين دولاراً في المتوسط والخادم المقيم مائة دولاراً والكناس عشرين دولاراً والجناينى اربعين دولاراً. وكان الاجانب مثلى يدفعون تقريبا ضعف هذه المتوسطات ولكنها تظل لا شيء مقارنة بدخولنا، بينما الاقطاعيون الاصلاء (وليس الدخلاء مثلنا) من اهل البلاد لا يدفعون أي نقود احياناً. كان جاري من هؤلاء الاقطاعيين الاصلاء ويملك أراض تضم ثلاث قرى فى سهول اقليم السند. فى منزله ربما عشرون خادماُ وخادمة كلهم من القرية وراتبهم الشهري هو طعامهم وبعض الحبوب والطعام الاضافي الذى يقدم لاهلهم فى القرية.

انا وشريف في منطقة هونزا القبلية شمال شرق باكستان

تعلمت كثيراً عن الحياة القبلية من شريف الذي كانت أسرته الباشتونية تعيش شمال بيشاور فى منطقة قبلية فقيرة. دعاني للغداء فى منزله فى إسلام آباد حيث أكلت مع شقيقه واصدقائهما على الأرض دجاجاً طبخه بنفسه وتحدثنا عن عادات الزواج فى قبيلتهم حيث كان والد شريف يصر على تزويجه من إبنة عمه.

كان هناك توتر مستمر بين شريف وبين مدير المنزل أشرف بينما ظل الحارس الكشميري الصغير على الحياد. وبدأت أتلقى خطابات فى مكتبي تشكو أن أشرف كان يحتسي الكحول في المنزل فى كل مرة أسافر فيها وأنه ضرب القط حتى أضطره للهرب كما أنه يستقبل نساء مومسات فى غرفته خلف المنزل. أشرف شكا لي أن شريف يستعمل السيارة فى أغراضه الخاصة أثناء سفري. جمعتهم فى جلسة وأبلغتهم بكل ما وصلني من “معلومات” ثم قلت لهم انني لن أفعل شيئاً لهم طالما قاموا باشغالهم بصورة طيبة ولم يتخطوا الحدود التي اتفقنا عليها.

منازل الاغنياء تتكدس فى ثلاثة احياء  وهى “F6” و “F7” ثم ارقاهم وكان “E7” . كثيرون يشيدون منازلهم على غرار البيت الابيض، باعمدة رومانية يونانية شاهقة. بوابات حديدية كبيرة تفضى الى ممر من الحصى دائري حول الحديقة ويتسع أمام الباب الخشبي الكبير للبيت فى وسط واجهة شاهقة الارتفاع. البعض الاخر كان متأثراً بمنازل الضواحي الامريكية ذات الطابق الواحد والحديقة الكبيرة والمدخل الجانبي. كل المنازل لديها حدائق وغرف للخدم فى الخلف ومسار لدخول السيارات وخروجها وكشك خشبى للحارس امام المنزل ومطبخ كبير له باب خلفي يصل منه الطباخ ويغادر. فى العادة يقدم الطعام سفرجي ولكن الأسر الاقل قدرة تدمج وظيفتى الطباخ والسفرجي فى شخص واحد. هناك حوض للاغتسال قريب فى العادة من غرفة (او غرف) استقبال الضيوف وقريب منه أيضاً دورة مياه. وفى كل غرفة نوم حمام خاص بها عدا غرفة الطعام.

بيوت متوسطي الحال فى إسلام آباد هى أيضاً منازل وليست شققاً فى عمارات سكنية مثلما هو الحال فى القاهرة أو نيويورك، ولكنها منازل أقل بكثير فى المساحة والبذخ من مثيلاتها فى أحياء إسلام آباد الغنية.

فى طرف المدينة تقع مباني الحكومة مثل البرلمان والقصر الجمهورى وخلفهما الحي الدبلوماسي بسفاراته ومنها المصرية التى تم تفجيرها فى التسعينيات فقُتل فيها عدة أشخاص. وفى نفس الطرف وأقرب إلى التلال تقع مبانى الاذاعة والتلفزيون وفندق الماريوت الشهير الذى تم تفجيره فى عام 2008.

يوم هذا الإنفجار كنت أنظر الى شاشة التلفزيون فى الخرطوم، حيث أعمل، وأمامي واجهة الفندق المتفحمة التى تحولت إلى فوهات عش نحل لا تطرح عسلا بل دخاناً يخرج من غرف الفندق التى أختفت حوائطها الخارجية. عشرات من رجال الأمن والشرطة يحومون فى مدخل الفندق الذى غطاه الركام. كنت أعبر هذا المدخل يومياً طوال شهرين منذ عدة أعوام، أدخل من الباب الزجاجى العريض محيياً الحمالين المرتدين قبعات حمراء ضخمة محلاة بالريش، ثم أتجه إلى اليسار أمشى مسرعاً لكي ألحق ببداية المؤتمر الصحفى اليومي حول الأوضاع فى أفغانستان. كان هذا فى أواخر عام 2001. المطعم الصيني على يسار بهو الفندق يبدو وقد اختفى والمطعم التايلندي على اليمين لا أثر له على شاشة التلفزيون. ولا شك إختفى القبو الذى كان قبلة العشرات بل المئات من شباب إسلام آباد والأجانب المقيمين حيث يمكن الرقص بل واحتساء الكحول تحت الارض فى هذا القبو الذى تنزل له بعدة درجات. هل كان بعض الراقصين بين قتلى الانفجار الذى قتل العشرات؟

انفجار فندق ماريوت في اسلام اباد في عام ٢٠٠٨ قتل ٥٢ شخصا

بعد أشهر قليلة انفجر فندق اخر قضيت فيه وقتاً طويلاً، فندق بيرل كونتيننتال فى بيشاور. نفس الخطة تقريبا. سيارة نقل محملة بالمتفجرات تقتحم التحصينات امام الفندق ثم بوووم.

طالما أمنت ان العنف الطبقي واللفظي والاجتماعي الواقع على الطبقات والفئات المسحوقة فى باكستان وأفغانستان هو سبب رئيسي للعنف البالغ للحركة المضادة المتسربلة برداء الاسلام فى هذه البلاد. الحرمان والتهميش واليأس والإحباط والإهانة هى مصير الفقراء التعساء هناك. أما الفئات المهيمنة فقد قررت فى إنتهازية مرعبة أن تستغل الدين هى الاخرى لتبرير سيطرتها على الاوضاع، فصار الرئيس الجنرال القاتل هو ايضا الرئيس المؤمن المصلى البانى للمساجد. وصار السياسي المعروف عنه حبه لشرب كأس من الويسكى فى الخامسة مساء سياسي مهم فى تاريخ البلاد. ومن الناحية الاخرى يصير بعض من يتهربون من الضرائب ويتزوجون بناتاً بعمر حفيداتهم ويحرضون على قتل مخالفيهم فى الرأى زعماء لبعض الحركات الدينية. هناك عشرات الظلال بين هذين القطبين الكاريكاتوريين وعشرات الألاف من المخلصين المؤمنين (ومنهم من ينتحرون ليحققوا اهداف جماعتهم) الذين صاروا وقوداً لهذا الصراع.

فى المساء حضرت عرضاً راقصاً فى نادى إسلام آباد لامرأة باكستانية أعادت احياء نوع تقليدى من الرقص. جمهور النادى من الطبقة المتوسطة العليا من المهنيين ورجال الإعمال. بعد الحفل ذهبت إلى بيت صديقى الطبيب النفسى الباكستانى ك. اتحدث قليلاً معه ومع عائلته حول الحياة فى اسلام اباد فى ظل ديكتاتورية مشرف العسكرية واستمرار تغلغل الحركات الاسلامية المتشددة فى نواحى المجتمع.

وفى اليوم التالى سافرت الى كراتشي. 

ليس بعيداً عن المكان الذى قتل فيه مرتضى بوتو، وهو نجل رئيس الوزراء الباكستانى الاشهر ذو الفقار على بوتو، كنا نجلس على كراسي بلاستيك حمراء على جانب الطريق نلتهم قطعاً من اللحم المشوي الطري الذى يذوب فى الفم. اطلق رجال الشرطة النار على مرتضى فاردوه قتيلاً فى بداية التسعينيات، بينما فارق ابوه الحياة قبلها بعقدين معلقاً على حبل مشنقة أعدها له الجنرال ضياء الحق. طيور السمان الصغيرة اللذيذة نصف مدفونة فى اهرامات من الأرز البنى وحولها قطع من الجمبري المشوي الكبير على حواف الطبق مغطاة بقليل من معجون الخردل (المستردة)، وفي الطبق المجاور مكعبات صغيرة من الكباب الافغاني، وكبد الدجاج، الذى ظل عدة ساعات قبل شيه مغطى بالخل والثوم، يتسرب منه قليل من الدم عندما تنغرس فيه أسنان الشوكة. وفى وسط المائدة فخذ ضأن تم شيه ببطء على رمال ساخنة فيما يعرف بطريقة السادجي البالوش. خسر طبق الفراخ التيكا المنافسة الحادة مع هذه الاطعمة، وخاصة الضأن الذائب على اللسان بمجرد دخوله فى الفم بعد ان قضى ساعات طويلة يتخمر على سخونة الرمال.

مئات من اهالى كراتشي كانوا يتزاحمون كتفاً بكتف فى محال الشواء وحولها، وخاصة محل باربيكيو تونايت (الشواء الليلة)، بينما يرسل البحر القريب هبات قوية من الريح حتى ونحن نغادر المكان قرب منتصف الليل بعد عشاء باذخ إستمر ثلاث ساعات. كان مضيفونا وهم هندوس باكستانيون مصممين على إكرامنا وخلق إنطباع ايجابي لدينا فبذلوا أقصى جهدهم ولكنه جهد تركز فى مجال واحد: الطعام ومغريات المعدة واللسان.

احدى زجاجات الويسكي تقبع على الأرض تحت مائدة الطعام المغطاة بمفرش ابيض في نادى ميناء كراتشي المسموح فقط لكبار واغنياء المدينة بدخوله منذ تم تأسيسه فى عام 1881 على يد الإنجليز. وبين حين وأخر ينحني المضيف الجالس بجوارى ثم يملأ الكؤوس على المائدة من هذه الزجاجة قبل أن يعيدها لمكانها. تذكرت هذا المشهد بعد ثمانى سنوات تقريبا عندما تكرر بحذافيره فى الخرطوم فى أحد نوادي المدينة. ما أسخف الدولة وأفشلها عندما تسعى بالقانون لايقاف ممارسات لا تؤثر سوى على اصحابها بدلا من قصر الممارسات على اماكن محددة، أو عوضاً عن ترك المجتمع يتفاعل ويقرر ما يشاء دون اللجوء لعصا القانون. كان ضيف اخر يحتسي الجعة فى كوب شاي بينما الجرسون المحنك والمتواطيء يحضر كأساً من النبيذ الابيض لزوجة الضيف القادم من أستراليا. ابناء الطبقة العليا فى باكستان يفضلون الويسكي. عرفت هذا جيداً عندما انهى صديق باكستاني زجاجة ويسكي تقارب اللتر بمفرده فى عشاء الاسبوع الماضي، كان يشربها مضيفاً اليها الماء والثلج. باكستان مثال طيب على كيفية عمل قوانين الحظر والمنع (أو فى الحقيقة فشلها).

لم يكن هناك كحول فى جيم خانة كراتشي (الجيم خانة هو النادى الرياضي)، أو على الأقل لم أر أي كحول عندما ذهبت لتناول الغذاء هناك على الشرفة الهائلة الممتدة امام صالة الطعام المغلقة المكيفة الهواء. الحوائط مطلية بالابيض، بينما الشرفة مغطاة بمظلة خشبية تقيها شمس الصيف او مطر الشتاء، ولكنها لا تمنع النظر الممتد الى الحدائق والملاعب حيث تجرى مباريات الكريكيت التى يفتتن بها الباكستانيون. كانت مراوح السقف البيضاء تزن فوق رؤوسنا وتلطف الجو وتجفف قمصاننا التى التصقت بأجسادنا من أثر العرق المنهمر خلال ساعتين قضيناهما فى الميناء نحتفل بوصول شحنة من المساعدات.

ملعب الكريكيت في الجيم خانة

أنشيء الجيم خانة فى عام 1886 وهو المكان الذى اعتاد نواز شريف لعب الكريكيت فيه. وشريف رئيس الوزراء الحالي (فى عام 2009) كان ساعتها (عام 2000)  رئيس وزراء سابق ومعتقلاً متهماً بالفساد (فى الحقيقة بغض النظر عن مدى فساده كانت تهمته الحقيقية هى محاولة طرد الجنرال برفيز مشرف من الجيش ومنعه من الرجوع إلى البلاد). شريف كان يهزم منافسيه فى الكريكيت دائما لان المباريات كان يتم الاتفاق عليها من قبل بحيث يفوز بها رجل الاعمال المهم.

وقف مضيفنا وزميلي الاسترالي تحت لوحة النتائج الكبيرة وهما يتذكران بمتعة قصص كبار لاعبي الكريكيت. غير بعيد عنهما كان احد الجرسونات مستلقياً على الارض نائما بين مقعدين وقد سقط شبشبه البلاستيك المتهالك من قدميه، بينما تكرمش جلبابه وارتفع إلى وسطه. جو إنجليزى ثقيل ومناخ إستيطاني كوميدي ومنافق يخيم على المكان. اللوحة التى تحمل صور وأسماء رؤساء النادي منذ إنشائه تحمل اسماء بريطانيين، معظمهم ضباط إنجليز طوال 75 عاماً حتى تولى القاضي الباكستانى أيه أس فاروقي منصب رئيس النادي فى عام 1961. ولكى تحصل على العضوية الان عليك مثلما هو الحال فى نادى الجزيرة القاهرى أن تدفع عدة آلاف من الدولارات كتبرع عضوية جديدة. قال لى مضيفي هذه المعلومة وهو يخرج بنا من نادى الكريكيت. لم يكن يفوّت ابداً أى فرصة ليوضح لنا مكانته فى المجتمع، فأبلغنا أن عائلته من بين الاعضاء المؤسسين لهذا النادي.

وعلى مائدة الغداء شكت زوجته، وهى موظفة في منصب رفيع في الحكومة، من المحاولات الشاقة التى قامت بها فى السنوات القليلة الماضية من اجل إقناع زملائها فى الحكومة بالعمل على جذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية. “لدينا عمالة رخيصة كما تعرف، لو وفرت الحكومة الحوافز الصحيحة والاعفاءات الضريبية كما تعرف، ثم يقومون بحملة دعاية طيبة ستصبح باكستان مكاناً مختلفاً، كما تعرف، وستتوفر الوظائف للناس كما تعرف.” فى الحقيقة لم اكن موافقاً على كثير من حججها. في مناطق كثيرة فى باكستان، مثل مصر، صارت الحكومة، وخاصة أجهزتها المحلية، عبارة عن مؤسسات لهيكلة الفساد والجباية من المواطنين. لم تعد الحكومة واجهزتها مسؤولة أمام المواطنين او عنهم، وبالتالي صار تخيل ان تسعى هذه الحكومة بجدية وفعالية من أجل خلق وظائف، وإجتذاب إستثمارات، مجرد حديث يجرى تجاذب أطرافه فى جلسات النوادى مصحوباً بتنهدات الطبقى الوسطى المتعلمة والغيورة من تقدم الهند الصناعى والسياسي والعلمي مقارنة بركود إن لم يكن تراجع بلادهم، باكستان.

كان مضيفنا رجل الأعمال يثرثر عن الكريكيت مع زميلى الاسترالي منذ اكثر من ساعة. تدخل فى الحوار قائلاً “العمال فى كراتشي هم الأفضل فى العالم.” وافقته زوجته. اضافت “إنهم يتعلمون بسرعة ويمكنهم نسخ اى شىء.” وافقها زوجها، ولكنه قال بضيق: “المشكلة تكمن فى النقابات التى ينضمون لها… إنها الاسوأ من نوعها ودائما تثير المشاكل بشأن الاجور والرعاية الصحية وعدد ساعات العمل.” كانت زوجته الثانية. قضى هو وشقيقه سنوات طويلة فى بريطانيا عندما كان والدهما وعمهما يعملان فى الشحن فى كراتشي، حيث صارا من كبار رجال الاعمال الناجحين. فى مكاتب الشركة توزعت على الحوائط صور الابناء والاحفاد الذين يقيم معظمهم فى اوروبا. في الصور زوجات وازواج واطفال يبتسمون فى وضع معد للتصوير. أحد الاحفاد موظف كبير فى بنك دويتشة الالمانى ومتزوج من المانية تعمل موظفة فى بنك ياباني، حفيد اخر يقود سيارات سباق سريعة ويمتلك نصف ناد ليلي فى لندن. عدد كبير منهم مطلقون وتزوجوا للمرة الثانية او الثالثة ومنهم مضيفنا. كان طلاقه شائكاً ومثيرا للعديد من المشاكل التى بات معها عاجزا عن العودة إلى بريطانيا او رؤية ابنائه.

وحول احد الموائد العديدة التى تحلقنا من حولها في أيام زيارتنا الثلاثة لكراتشى حكت لي زوجته قصة نجاة. فى صباح مبكر فى اسلام اباد منذ 15 عاماً، وضعت الزوجة صديقتها نجاة فى صندوق سيارتها الخلفي وقادتها الى سفارتها التابعة لدولة عربية حتى تفر من أعين جواسيس زوج نجاة الغيور والذى كان يسيء معاملتها. “بمجرد وصولنا إلى السفارة صارت فى أمان، وبعد يومين تمكنت من تهريب ابنائها أيضاً”. كانت تتحدث وعيناها تلمعان فخراً بدورها فى إنقاذ صديقتها العزيزة. “عائلتي عارضت ما أقوم به بشدة وقالت أمي ان الزوج يجب ان يقرر مصير أسرته وليس الزوجة، ولماذا اقوم أنا بمساعدة صديقتي ضد رغبة زوجها. ولكن نجاة كانت تهدد بقتل نفسها والانتحار اذا أعادوها لزوجها ضد رغبتها. كانت صديقتي الوحيدة. كنا نجلس بالساعات فى منزلها. كانت جميلة وممشوقة القوام ونحيفة للغاية. علمتنى الرقص الشرقى. للأسف لم تتصل منذ غادرت البلاد.” صمتت قليلاً ثم قالت: “هل يمكنك أن ترسل لي شريطاً لموسيقى رقصات نجوى فؤاد او أي راقصة مشهورة؟” وعدتها بأن أرسل لها شريطين.

كانت السيارات وعربات الريكشا (التوك توك كما يسمونها فى مصر والسودان) تنحرف بمهارة امام بعضها البعض، وتتداخل مثل خيوط المكرونة الإسباجيتى اللدنة فى شوارع كراتشي، حتى يخيل لك انك لن تصل أبداً الى مقصدك. البشر يسيرون فى عرض الطريق بين السيارات، إذ انها مضيعة للوقت ان تسير على الارصفة التى تنقطع كل عدة امتار عند مدخل كل عمارة وبيت، فتضطر إلى صعود ونزول عدة درجات. كما ان الارصفة كانت مقر الاقامة المختار لألاف وألاف من عمال المياومة الافغان واللاجئين الاخرين القادمين إلى كراتشي حالمين بالعمل. تحت احد الجسور العلوية فوق تقاطع تخنقه السيارات بعادمها قرب الميناء كان المئات منهم ينامون مغطين ببطاطين وملاءات مهلهلة، بينما الباعة الجائلون الاطفال يعرضون عقود الفل والياسمين والمناديل الورقية وفوط تنظيف السيارات عند إشارات المرور الحمراء. آخرون يفضلون الشحاذة مباشرة دون محاولة بيعك اشياء لا تحتاجها، يستعرضون أجسادهم المشوهة: صدور عارية محترقة ومتآكلة تبرز خلفها حدود أقفاص صدرية، اطراف مبتورة، اعين بيضاء لا تبصر، .. معرض بؤس لا ينتهي، وبات واضحاً من ردود أفعال الباكستانيين من حولي، انه أيضا بات لا يؤثر على مشاعرهم كثيراً.

صارت كراتشي مع الوقت مركزاً للفقر وللعمال النقابيين ولحركة “القوم المهاجرين”، وهم الذين هاجروا للمدينة من أقاليم اخرى فى شبه الجزيرة الهندية بعد تقسيمها الى دولتي الهند وباكستان. الحركة تبنت أساليب العنف والقتل فى مواجهة أساليب مشابهة من الحكومة. كان برفيز مشرف، الجنرال الذى تخلت عنه الولايات المتحدة فى عام 2008 بعد عقد كامل فى السلطة، هو اول رجل من أصول المهاجرين يحكم البلاد إذ انه ولد فى مدينة دلهي.

محمد علي جناح

وصلت إلى بيت محمد علي جناح الذى تحول الى متحف. البيت من الطراز الاستعماري الانجليزي فى شبه القارة الهندية. لم يكن هناك اى زوار أخرين ساعتها للمتحف بطابقيه الاثنين وغرفه الستة. فى غرفة النوم كان هناك صندوق جميل محفور من خشب الصندل تفوح رائحته القوية المنعشة. قال الدليل ان القائد الاعظم كان يحتفظ بملفاته فى هذا الصندوق وسمح لنا بالتقاط بعض الصور، ثم قام برفع الحبال الحمراء التى تفصل المعروضات عن الزوار وهو يحثنا على الدخول ولمس المعروضات.

منزل القائد الاعظم محمد علي جناح مؤسس دولة باكستان وأول رئيس لها

نظر إلى النافذة بعيداً عنا عندما لمس أحدنا الملاءات التى كانت تغطى السرير. وفتح درجاً صغيرا فى الطاولة المجاورة للسرير ليعرض علينا صورة فتاة صغيرة جميلة قال ان عمرها وقت التقاط الصورة كان عشرين عاماً وهى ترتدى قلادة عنق رقيقة تنتهى بتميمة. كانت زوجة جناح وهى لم تكن مسلمة بل من طائفة البارسيين التى تؤمن بالعقيدة الزرادشتية. ماتت وهى تنجب له طفلتهما الوحيدة. فى درج أخر كانت هناك عدسات القراءة التى كان يستعملها. فى الحديقة عدة أشجار بانيان عتيقة هائلة الضخامة بجذورها وسيقانها المعروقة والممتدة  واوراقها الكبيرة.

غرفة نوم محمد علي جناح

عمارة البيت أكثر بعثاً للهدوء والسكينة مقارنة بالقبة الضخمة المشيدة من اجل الإبهار، والتى تقع فوق ضريح جناح. الضريح من تصميم فنان تركي،  وتغطى القبة بلاطات مربعة سكرية اللون من الرخام، تبدو من على مبعدة كأنها قشور على ظهر سمكة. وداخل الضريح تغطى القبة بلاطات زرقاء مهداة من اليابان، بينما ثريا خضراء هائلة متعددة الطبقات ومهداة من الصين تتدلى من منتصف القبة وترسل ضوءاً خافتاً على القبر الصغير المستطيل المحفورة على جوانبه عدد من الآيات القرأنية. تحيط اعمدة وقضبان فضية بسيطة بالقبر من الجهات الاربعة. يتبختر ثمانية جنود يرتدون زياً عسكرياً أبيضاً فى مشية الاوزة حول القبر فى نظام متقن على إيقاع صفارة صغيرة يحملها قائدهم ويستعملها كل عدة دقائق ليتبادلوا المواقع على جانبي القبر. وعلى جانبى العقود المدببة المفضية الى داخل الضريح تقف نماذج قبيحة ورديئة الصنع لصواريخ الغوري المتوسطة المدى التى طورتها باكستان. هى نفس النماذج التى تزين عديداً من ميادين باكستان سواء لصاروخ الغوري او لشقيقه الاخر، “حتف”. يتجمع المتسولون فى حلقات صغيرة قرب الضريح يستريحون من عناء مشاحنات يوم طويل وحار فى بدايات هذا الصيف الرطب. يفخر الباكستانيون وخاصة الفقراء الذين خرجوا مظاهرات صاخبة عقب أول تفجير نووى قامت به إسلام آباد بأن بلدهم صارت قوة ذرية ولديها صواريخ قادرة على ضرب الهند.

في مطعم القرية بجوار شاطيء البحر فى حى الدفاع القاصر على كبار الاغنياء شاهدنا الرجال والنساء يخوضون مياه بحر المحيط الهندى بجلاليبهم وعباءاتهن. الجمال والاحصنة تتهادى على الشاطىء تنتظر من يستأجرها من اجل ركوبة سياحية قصيرة . كانت المدينة هادئة خلال زيارتى، ولكن قبل وصولى بيوم قتل طبيب شيعى وإبنه على يد متطرفين سنة. وتظاهر الشيعة فى شوارع المدينة فى ذلك الصباح، وفى أعمال الشغب التالية تحطمت واجهات محال منها ماكدونالد. واعتقلت الشرطة بعض المتظاهرين. باكستان هى صراع الكل ضد الكل. الفقراء والاغنياء، الشيعة والسنة، المهاجرين والمقيمين “الأصلاء”، البالوش والبنجاب والباشتون، المتدينون والعلمانيون، الجيش والاقطاعيون، الخ.

بعض السيارات تحمل لوحاتها أرقاماً عربية ويملكها أمراء عرب تركوا أساطيل سيارات رباعية الدفع ومرسيدس فى كراتشي من اجل إستعمالها فى رحلات الصيد. كان مضيفنا وكيلاً لاحد امراء الخليج ولذا كانت سيارته تحمل لوحة أرقام من دبي. أوضح لنا أن مناطق الصيد فى باكستان مقسمة بين الامراء الخليجيين الذين يعشقون الصيد بالصقور. يأتون فى طائراتهم النفاثة الخاصة فى موسم الصيد عندما تصل أسراب الطيور الكبيرة من سيبيريا فى بدايات الشتاء فى طريقها الى السند وصحراء راجيستان. إعتذر وترك مائدتنا ليعنى ببقية ضيوفه المائة تقريبا وتركنا نكمل الفتك بما تبقى من طيور السمان المشوية على مائدتنا.

توسط الجندي المدجج بمدفع كلاشنيكوف الطريق السريع إلى المطار وامامه توقف رتل سيارات طويل ونحن في منتصفه. ومن طريق جانبى أمامنا وخلف الجندى برزت وتدفق عديد من سيارات الشرطة والجنود المسلحين يلوحون باسلحتهم مهددين من النوافذ ثم تبعتهم ثلاث سيارات سوداء مصفحة وخلفهم سيارات نصف نقل جلس جنود مسلحون فى صناديقها. قال أحد مضيفينا: يبدو انهم ينقلون معتقلاً على درجة كبيرة من الأهمية من السجن القريب. عادت حركة السير ببطء ولكن عندما أسرع سائقنا لوح لنا أحد الجنود من سيارة الشرطة امامنا كى نبطيء. بات موعد إقلاع طائرتنا وشيكاً لكننا رضخنا وأبطأنا السرعة. الكلاشنيكوف حجة كافية لكى نفعل ما يريدون. مر من جوارنا سائق دراجة نارية مسرعا ولكن ماسورة كلاشنيكوف قريبة ومصوبة تجاهه جعلته يضغط على الكوابح بقوة. ولكن من جواره مرت سيارة نقل ثقيلة مسرعة ثم دراجات أخرى وفقد الجنود أعصابهم وباتوا جميعهم يلوحون بالمدافع الرشاشة. كنت مذعورا من وقوع خطأ، بينما بدا السائقون الباكستانيون مستمتعين بإغاظة الجنود بما فيهم سائقنا الذى دفع عصا التروس وضغط على دواسة البنزين وانطلق خلف السيارات المخالفة وهو يضحك للجنود المهتاجين.

أتذكر سنيناً كان صدرى ينقبض منذ وصولى إلى أى مطار خوفاً على مصيرى وانا معلق فى الهواء لعدة ساعات. أتذكر رحلات عديدة جلست فيها قابضاً بيديّ الأثنتين على مسندي المقعد عند إقلاع الطائرة خاصة فى الثواني التى تعقب الإقلاع عندما تتوقف عجلات الطائرة المطاطية الضخمة عن الإحتكاك بمدرج المطار وتبدأ بالدوران خفيفة فى الهواء، وأضواء المطار والمبانى القريبة فى الليل تعبر سريعة وتهبط إلى أسفل ونحن نعلو. مرات عديدة أغمضت فيها عينيّ مردداً بعض ما أتذكر من آيات القرآن عندما تنتفض الطائرة مارةً فى مطبات هوائية، أو شاعراً بالفرحة عندما تتمايل فى رقصتها الاخيرة يمنة ويسرة، قبل أن تلامس عجلاتها الضخمة ممر المطار (سواء أكان ذلك بملامسة رفيقة سلسة تستحق تصفيق الركاب أو برجة وصدمة عنيفتين وهى ترتطم بأرضية الممر).

كانت سنيناً ومضت، عندما كنت أطير مرة او مرتين فقط فى العام. مرت سنوات عديدة وصرت الآن أحدث أمي من المطار أكثر مما أحدثها من منزلي، وألتقط تذكرة الطائرة أحيانا قبل الإقلاع بساعات، وأنام قبل إقلاع الطائرة لأستيقظ على الوجبة المقررة مع هزة كتف خشنة أو إبتسامة لطيفة، أو قد لا أستيقظ من أجل الوجبة بعد أن اكون قد وضعت إشارة عدم الإزعاج. صارت لدي الآن رحلات أنامها قبل الإقلاع وأصحو والطائرة تتهادى نحو أنفاق قاعات الوصول فى مطار أخر.

الآن، ياللخسارة (او ربما يا للمكسب)، لم يعد الطيران مغامرة بل وسيلة إنتقال. ركوب الطائرة النفاثة صار يهدهد أعصابي المتوترة ويبعث فى رأسي وأطرافي دبيب النوم. ليس فقط لأنى صرت أطير كثيراً ولكن أيضا لأننى خبرت معنى الطيران الأكثر بدائية، وصرت أشعر بأمان وإعتياد كبيرين وأنا فى الطائرات النفاثة الكبيرة. أضطر الآن أحيانا الى ركوب طائرات (من طراز سيسنا مثلاً) وحيدة المحرك يقلع بها طيار واحد، من مطار لا أسوار له، نحو مطار لا مدرج حقيقى فيه (بل مدق ترابي أو من الحصى)، ودون أبراج مراقبة فى مطاري الإقلاع والهبوط. وكانت بداية تغيير علاقتي بالطيران في أثيوبيا.

مطار أديس أبابا السادسة صباحاً – صيف عام ٢٠٠٠ 

سرت وزميل لي إلى طائرة من طراز سيسنا حمراء باهتة وداخلها مقعدان لطيارين فى المقدمة وخلفهما مباشرة مقعدان عريضان على جانبي الطائرة الصغيرة التى تقل ستة ركاب فقط حيث يجلس ثلاثة على كل مقعد متواجهين. جلست أمام زميلي نواصل حديثنا فنظر إلى الطيار من وراء مسند مقعده على بعد خطوة مني قائلاًً: سيدى إنتقل الى الناحية الأخرى بجوار زميلك من فضلك كى نحتفظ بتوازن الطائرة!

لم أفهم ماذا يعنى وبدا التساؤل واضحاً على وجهي فكرر طلبه قائلاً: هيا يا سيدي، من فضلك، حتى نتمكن من الإقلاع. “حاضر” (قلتها بالعربية ثم عدت الى الانجليزية متسائلاً):

  • “ولكن أسنطير قبل أن يأتى مساعد الطيار؟”
  • “أنا المساعد يا سيدى.”
  • “آسف. أسنطير قبل أن يأتى الطيار إذن؟”
  • “إنه مريض اليوم يا سيدى،” قالها وهو يضغط على زر بدأت بعده مروحة الطائرة الوحيدة فى الدوران.

كانت رياش مروحة هذه الطائرة العتيقة لا تزيد كثيرا فى طولها عن رياش مروحة هواء سقفية محلية الصنع أشتريتها فى اسلام أباد قبل أن أبدأ هذه الرحلة إلى أثيوبيا. لم اعرف كيف تسنى لهذه السيسنا العتيقة ان تقلع قبل نهاية الممر، ولكنها أقلعت بارتعادة وقفزة واحدة كالأرنب لامست فيها الارض مرة ثانية قبل ان تغادرها مرة أخرى. ولم تكن هناك مطبات هوائية متقطعة بل لحظات هدوء معدودة خلال ساعتين من لعب الرياح بنا وبطائرتنا كأننا راكبان على سنام جمل صاعد هابط طوال الرحلة. وبعد دقائق من القلق دفعنا هدوء الطيار المبتسم وشخير راكبين آخرين محنكين يغطان فى نوم عميق الى إستئناف حوارنا، أنا وصديقي.

وبدأ الطيار يطير بمحاذاة جبل مرتفع قليلا (ربما اربعة الاف متر او 12 الف قدم).

  • “جبل جميل ولكن لماذا لا نطير فوق الوادى؟”، سألته.
  • “إننى أبحث عن فتحة للعبور الى الناحية الاخرى يا سيدى،” قال الطيار وقد بدأ ينزعج من كثرة أسئلتى.
  • “الجبل ليس مرتفعاً كثيرا،” قلت ببعض دهشة.
  • “لا أستطيع ان أعلو اليوم أكثر من عشرة الاف قدم.” (وقبل أن اناوله سؤالي التالي المتوقع، أضاف) “أسباب تقنية عديدة لا يمكنى شرحها الآن لأنى مشغول.”
  • “آه.”
طائرة سيسنا تشبه التي طرنا بها في اثيوبيا

وجدنا فتحة فى الجبل، فأستدار الطيار بطائرته فى الوادي ثم عبر من خلال هذا الصدع الذى طرنا فيه دقيقتين انحبست فيهما أنفاسي وأخذت أستظهر كل اللعنات بكل اللغات التى أعرفها سراً ثم أمني نفسي بأن لدي قصة جديدة سأحكيها لأصدقائي فى واشنطن عن مغامراتي، إذا عدت سالماً من هذه الرحلة. وكانت النهاية اللائقة هى أن الطائرة بدأت بالهبوط وأنا لا أستطيع أن أرى اى مطار او ممر هبوط، وذلك لأن كليهما لم يكونا هناك. هبطنا فى أرض فسيحة بها مدق ترابي عليه طبقة رقيقة للغاية من الحصى الصغير الذى بان بعد أن صرنا على بعد عشرات الامتار منه. أستدار الطيار نحوي بعد الهبوط وقال:

  • “حمدا لله على السلامة،” قالها بإبتسامة فخر عريضة.
  • “وشكرا لك،” قلتها بوجه ممتقع ومعدة منقلبة وإحساس امتنان وعرفان بالجميل لهذا الرجل.

هذه وخبرات اخرى مماثلة علمتني أن أحب واركن واطمئن الى اى طائرة فيها أكثر من محرك واحد وطيار واحد، فما بالك لو كان المحرك نفاثاً والطيارون ثلاثة والطائرة ترتفع الى أربعين الف قدم. ساعتها أنام كأنى فى سريري.

كان يوما شائقاً فى شرق أثيوبيا الجرداء. الفقر مسألة نسبية، وتشعر ببشاعته أكثر كلما كان هناك وجه للمقارنة مع آخرين لديهم اكثر منك، ولكن إذا كان معظم اهل المنطقة يعيشون على حد الكفاف ولا يتميز عنهم سوى عمال منظمات الإغاثة عندها يصبح الفقر طبيعة حياة، كأنه قدر لا يرى المرء منه فكاكاً. وفى تلك المنطقة من شرق أثيوبيا بدا الفقر سنة الحياة. بدا طبيعياً.

مطار إسلام أباد – التاسعة صباحا – شتاء عام ٢٠٠٠ 

الخبرة تقلل من القلق ولكنها أيضاً تقلل من الحرص والحذر.

وصلت الى مطار إسلام أباد البسيط فى التاسعة صباحاً فى يوم شتوي فى بداية طريق طويل إلى واشنطن أغير فيه الطائرة في دبي ثم في فرانكفورت. زيارة أرى فيها زوجتي التى لم أرها منذ شهور. صار التوتر والحرص والقلق وتفادي المواجهة كلها تلف علاقتنا. تركتها منذ عام فى واشنطن بعد أن قبلت بالعمل مع الامم المتحدة فى باكستان. اتفقنا على أن نلتقي كل ثلاثة أشهر ورفضت هي أن تقضي كل أجازتها الصيفية من العمل استاذة جامعية فى واشنطن لتقيم معي في باكستان. قالت أنها تفضل البقاء فى واشنطن لإنهاء قدر أكبر من مخطوطة كتابها. 

مئات المودعين والمستقبلين فى مدخل المطار، تحديق الترقب والقلق يسود المنتظرين أمام بوابة صالة الوصول الزجاجية الضيقة، وخلفها وأمامها عساكر فى زيهم الأبيض بشاراتهم المختلفة وعصيهم القصيرة وشواربهم الكثة يتبادلون تحذير المستقبلين من عبور الحواجز الحديدية التى ترسم مربعا غير منتظم امام البوابة الالمنيوم الزرقاء. مسافر قادم يدفع أمامه بصعوبة عربة محملة بعدة حقائب سفر جلدية رخوة كبيرة، تؤمن كل منها حبال او يحيط بها بلاستيك مقوى، وتكاد بعض جوانب الحقائب ان تماثل بطن امراة حامل فى شهرها التاسع تخشى ان ينزل وليدها قبل أوانه. صندوق أو اثنان لأجهزة كهربائية وبطانية فى مغلفها البلاستيكي وعروس باربي صينية الصنع تظهر من فتحة شفافة فى صندوقها الوردي. نظرات زائغة تبحث عن الأهل حتى تلمح بشائرهم، فيقف المسافر مكانه ويتقافز أطفال نحوه بينما تغالب امرأة عجوز آلام المفاصل وتتثاقل بفرح وفخر باتجاه الابن العائد، وينتظر رجال برزانة بينما يعدو شباب يتمنون فى قرارة أنفسهم ان يلقوا نفس الإستقبال بعد عودة ظافرة من عقد عمل جيد فى الخليج. وينتحي المسافر جانبأ بعد ان يرفع إلى كتفه طفلاً صغيراً يحتضنه، بينما يربت على رأس امرأة تبدو زوجته ويعانق أمه.

المودعون واقفون أمام بوابة صالة السفر، وتنداح أعداد منهم إلى ساحة انتظار حافلات صغيرة أتت بهم منذ الفجر من القرى والمدن الصغيرة، ليودعوا أخاً او أباً ذاهباً للعمل فى الخليج، أو فتاة ترتدى الابيض يفوق توترها والبودرة البيضاء السميكة على وجهها والأحمر الفاقع على شفتيها فرحها المحتمل بزواج مقبل وعريس ينتظر فى نهاية أول رحلة لها بالطائرة، لتراه ربما للمرة الثانية فى حياتها وتبدأ معه ما تبقى من حياتها. رجال ونساء جالسون على الأرض أمام مدخل الإقلاع، بعضهم حزين بعد أن انتهت مراسم الوداع ولكنهم ينتظرون التلويحة الأخيرة بعد ان يعبر المسافر حواجز الأمن ويخفق قلبه أمام موظف الطيران الذى يرمق قراءة الميزان لأثقال تزيد فى الأغلب عن العشرين كيلوجراماً المسموح بها. جالسون تختلط تعابير التعب على وجوههم بإبتسامات واهنة تخلى مكانها بسرعة لدموع امرأة او لدخان كثيف يخرج من فم رجل تكاد أسنانه تهرس السيجارة. ينام أطفال صغار فى حجر أمهاتهم او على شالات فُردت على البلاط.

دلفت من وسط جماعات رجال يرتدون جلاليبا قصيرة على سراويل فضفاضة طويلة (الشالوار قميص، والذي بات يعرف فى مصر وبعض البلدان العربية على انه زى إسلامي للرجال!) أستميحهم عذراً كلما سدوا علي الطريق او ارتطمت حقيبتى الخضراء الضخمة بقدم أحدهم، حتى وصلت الى الشرطي الواقف أمام باب المغادرة طالبا تذكرة السفر وجوازي. حدق فى تذكرتي ملياً وزاد غضبي الخافت. لماذا يزعجني هؤلاء الذين يمارسون سلطة لا فائدة منها؟

  • “مالك تنظر فى تذكرتي هكذا؟ هل تريد الالتحاق بشركة طيران لتعمل فى حجز التذاكر؟” سألته بسخرية ممزوجة ببعض غضب.
  • “لا يا سيدي ولكن طائرتك أقلعت،” رد فى دهشة وهو ما زال يحدق فى التذكرة الوردية اللون.
  • “هذا غير صحيح وهذا ليس شغلك على أي حال. أنا أركب هذه الطائرة إلى دبى مرة شهرياً على الأقل. هيا، أعطنى التذكرة ودعنى أمر.”

نظر إلى بضيق، أعطانى التذكرة وهو يقول: “تمر إلى ماذا؟ لا توجد طائرة.”

كدت أنفجر فأنا فعلا أسافر الى دبى كثيراً وكل مرة تقلع الرحلة فى تمام العاشرة صباحاً. هذا الجاهل. سأضع التذكرة فى عينيه الآن بالضبط عند المربع المكتوب فيه توقيت الرحلة. الرحلة!! اللعنة!! من كتب فى هذا المربع السخيف تحت موعد الاقلاع أن الرحلة فى السابعة صباحاً. تلقيت التذكرة من المكتب مع السائق الذى أقلني من منزلي فى الصباح الباكر ولم أنظر إليها. كنت قد توقفت عن النظر الى بيانات التذاكر منذ وقت طويل وخاصة في الرحلات التى استقلها كثيراً.

  • “أين مسؤول شركة الأمارات للطيران؟” صرخت.
  • “لقد غادر يا سيدي بعد إقلاع الرحلة التى تغيرت مواعيدها الأسبوعية الى السابعة صباحا إعتباراً من اليوم. لست أول مسافر. ولكن لدى نصيحة لك.”
  • ……………….
  • “هناك طائرة للامارات تقلع فى الحادية عشر صباحاً من بيشاور وربما يمكنك اللحاق بها،” قال فى شبه سخرية وهو ينظر إلى ساعة الحائط التى دقت الثامنة والربع.
  • “ولكن لا يمكنني الوصول الى بيشاور فى ساعتين إلا لو كان لدى طائرة هيليكوبتر،” قلتها متلعثما وأنا خجل من معاملتى الفظة معه فى بداية حوارنا.

لم يكن جورج – سائق سيارة المكتب – ليخسر رهانه معى بعد أن وعدته بزجاجة من الويسكي الفاخر الذى يحبه إن قطعنا رحلة الساعات الثلاثة من إسلام أباد إلى بيشاور فى ساعتين فقط! هاتفت مكتب طيران الامارات فى بيشاور ووعدونى بالسماح لى بالدخول الى الطائرة لو وصلت قبل موعد الاقلاع بنصف ساعة. معظم المائة والسبعين مليون باكستانى مسلمون محظور عليهم تناول الكحول بفعل قانون البلاد. كان جورج مسيحياً من الأقليات المسموح لها قانوناً بشراء وتناول الخمور، والتى يُنتج معظمها محلياً فى معامل مري فى مدينة راولبندي. ورغم ان هذا يبدو متوقعاً فى دولة مثل باكستان (وتعنى أرض الأطهار بلغة الاوردو) نشأت من أجل الأقلية المسلمة فى شبه القارة الهندية فى عام 1947 إلا أن الحظر على الخمر لم يكن موجودا حتى عام 1977.

أبو الاعلى المودودي

كان الدافع لنشأة باكستان سياسياً أكثر منه دينياً، حتى أن زعيم الجماعة الاسلامية أنذاك أبو الأعلى المودودي عارض إقامة هذه الدولة ووقف بشدة ضد مقترحات محمد علي جناح، السياسي المخضرم الذى انزعج من السيطرة الهندوسية على حزب المؤتمر الهندي وحركة الإستقلال، ففضل، فى نهاية مفاوضات طويلة واخفاقات عديدة، أن تقام وحدة سياسية للمسلمين على ان يصبح مجرد عازف فى اوركسترا الحكم فى نيودلهي تحت قيادة المايسترو الهندوسى جواهر لال نهرو. العنف المتبادل بين الهندوس والمسلمين فى أشهر التقسيم قضى على قرابة نصف مليون شخص فى أقل التقديرات وشرد 12 مليوناً. ولم ينضم كل المسلمين لباكستان وحتى اليوم يوجد مسلمون فى دولة الهند يقارب عددهم عدد مسلمي باكستان .

كانت الخمر متاحة فى باكستان حتى عام 1977، عندما قرر رئيس الوزراء ذو الفقار على بوتو أن يحظرها تماماً سوى إلا للأقليات المسيحية والهندوسية والزرادشتية والسيخ، حيث يحق لكل من أفرادها ووفقاً لدخله الحصول على حصة شهرية من الجعة والمشروبات الكحولية الأخرى. تحريم الخمر فى باكستان كان خطوة سياسية أكثر منها دينية، حيث كان بوتو (والد السيدة بينظير التى لقت مصرعها بطريقة أكثر دموية بعد مقتل والدها شنقا على يد جنرالات الجيش بنحو ثلاثين عاما) هو نفسه من عشاق الشراب وفقاً لبعض معاصريه. جاء الحظر وبوتو يغير محاور تحالفاته مقترباً من اليمين الديني ومبتعداً عن اليسار الذى أتهم بوتو بتزوير الانتخابات. قاد اليسار تحالفاً سياسياً كبيراً نظم حركات إحتجاج وتظاهرات واسعة النطاق. كان حظر الخمر جزء من الصفقة التى تحالف بوتو بمقتضاها مع اليمين الديني.

كانت السيارة تقفز لأعلى ثم تحط على الأسفلت كل مائة متر تقريباً، على طريق تؤطره وتقطعه المطبات الصناعية والطبيعية. توقف مفاجىء كل دقائق بسبب العابرين للطريق من أبقار وأطفال وعربات جر بطيء. عبرنا بجوار بلدة تاكسيلا حيث للهندوس والبوذيين تاريخ عريق منذ اكثر من 25 قرنا وبها متحف فقير فى ترتيبه وإضاءته ولكنه غني بمعروضاته. وفي المدينة جالية مسيحية كبيرة منها ب. م. الذى كان يعلمنى لغة الاوردو، على الاقل حتى عام 2002، عندما حصل فى نهاية سنوات طويلة من الإنتظار على تأشيرة الهجرة الى الولايات المتحدة هو وزوجته الممرضة وابناؤهما فترك البلاد.

تقع تاكسيلا على بعد 35 كيلومترا فقط على الطريق من اسلام آباد إلى بيشاور، ولذا كان الوصول اليها فى 20 دقيقة امراً أثار ضيقي. علينا أن نسرع. منذ أسابيع قليلة زرت تاكسيلا المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث الانساني وتناولت الغذاء مع عائلة مدرسي اللطيفة فى منزلهم الصغير المؤلف من حجرتين فى مقر سكن ممرضات المستشفى الحكومى.

– “يجب أن نذهب يا عزيزي، من اجل مستقبل أولادي،” قال ب. م. فى تلهف لتأشيرات الهجرة التى استغرق الحصول عليها سنوات طويلة، “هل تعرف أحدا فى السفارة الامريكية؟”

عندما هاتفني فى نيويورك بعدها بعامين من المستشفى الذى يعمل فيه مسؤول نظافة، وحيث تعمل زوجته بالتمريض كان صوته غائماً لا أستطيع تخمين الشعور الكامن خلفه.

  • “كيف أنت وكيف العائلة؟” سألته.
  • “أنا سعيد هنا ولكن العمل شاق وكثير. لا أفتقد تاكسيلا ولكنى أشعر بوحدة. هل يمكنى أن أحدثك بين حين وآخر؟”
  • “بالتأكيد.”

أرسل خطابين بالبريد الالكترونى لم يكن فيهما سوى رغبة التواصل. وانقطعت علاقتنا.

قررت إغماض عيني بعد ان حول جورج رهاننا الأحمق الى ما يشبه المهمة الانتحارية.

– “المدرسة يا مستر خالد،” قال جورج بهدوء ونحن نقفز فى الهواء شبه طائرين بسيارتنا بعد مطب صناعي أخر.

وفتحت عيني لارى لافتة المدرسة الحقانية فى بلدة أكورا خطك. إذن وصلنا الى منتصف الطريق. لا بأس.

المدرسة الحقانية، أكورا ختك، شمال غرب باكستان

صارت المدرسة الحقانية معلماً يزوره الصحفيون الاجانب، وخاصة بعد صعود الطالبان الى السلطة فى أفغانستان فى منتصف التسعينيات، لان غالبية قادتهم تلقوا تعليمهم فى تلك المدرسة التى يقودها مولانا سميع الحق. باحة كبيرة متربة محاطة من ثلاثة جوانب بغرف متراصة على عدة طوابق، بعضها فصول وبعضها غرف نوم للطلاب المقيمين (وهم معظم الطلاب).

هناك آلاف المدارس الدينية الداخلية فى باكستان، ولكن الحقانية ومدرسة بنوري تاون فى كراتشي هما الأهم والأشهر. تتميز هذه المدارس بالإقامة الداخلية الشاملة للوجبات، مما يجعلها قبلة لأبناء الفقراء. ومع الفشل المستمر فى خطط التنمية والإنفاق المتنامى على العسكر والسلاح والمتدني على التعليم والخدمات تزايد عدد هذه المدارس من 248 مدرسة فى عام 1947، سنة نشأة باكستان، حتى قرابة سبعة الاف مدرسة بحلول عام 2001 المشؤوم. معظم الزيادة حدثت فى عصر الجنرال ضياء الحق (1977- 1988) بدعم من الحكومة ومن مؤسسات دينية عربية عديدة، وخاصة من تلك القادمة من السعودية والمهتمة بنشر المذهب الوهابي السلفي.

عبرنا بالقرب من التقاطع الذى انحرفت منه يساراً الأسبوع الماضي لأصل الى مخيم جالوزاي الجهنمى للاجئين الأفغان .

وصلنا جالوزاي (أنا وزميلان من المكتب) قبل عشر دقائق من وصول السفير الأوروبي الذى دعوته لزيارة المكان ليرى توزيع الدقيق الذى أرسلته بلاده على “المستفيدين” من اللاجئين. إستمتعت كثيراً بالرحلة، وتعرفت الى ستة صحفيين باكستانيين منهم رحيم الله يوسف زاى الذى كان مصدراً لكل وكالات الأنباء والصحفيين الأجانب عندما يكتبون عن الطالبان. هو والكاتب الشهير أحمد رشيد كانا حاملي المصابيح الكاشفة للصحفيين الأجانب الذين يصلون فى رحلات قصيرة، ويعتمدون على يوسف زاي ورشيد لملء الفراغات الهائلة فى معرفتهم بتاريخ المكان وتعقيداته.

في مخيم جالوزاي- تصوير الكاتب

أفضل تعريف للطالب (مفرد الطالبان) قرأته كان لرحيم الله الذى يقول أن الطالب هو فى المتوسط “تلميذ فقير وصغير فى مدرسة دينية، متدين ومحبط للغاية، مقتنع أن الولايات المتحدة هى عدو الأسلام، وأن الرئيس الباكستانى برفيز مشرف ما هو إلا إلعوبة فى يد واشنطن، يشير دائما إلى احتلال العراق وأفغانستان وفلسطين كدليل على عداء امريكا للإسلام… بطله الأعلى هو زعيم الطالبان الأفغان الملا محمد عمر، الذي خسر حكم أفغانستان وعائلته وزملاءه لأنه تحدى الولايات المتحدة ورفض تسليم أسامة بن لادن.” تعريف دقيق دون أحكام اخلاقية.

فى جالوزاي كان هناك ملعب لكرة السلة كان واضحاً أنه انشىء صباح نفس اليوم فقط من اجل زيارتنا، وعدة فصول مبنية من طوب لا بد أنه أتى من القمائن التى رأيناها على بعد كيلومترات قليلة من المخيم، ويعمل بها عشرات الأطفال الصغار يحملون على رؤوسهم قصعات الطين ثم يفرغونها واحدة تلو الاخرى فى نماذج خشبية، ويتركونها للشمس تجففها. تجمع اطفال اللاجئين ومعظمهم بنات صغيرات بعيونهم اللامعة الفضولية رغم كل الأسمال البالية التى تستر اجسادهم والكلمات الانجليزية الملفوظة بصعوبة من إجل أغنية الترحيب التعسة المعتادة. واضح أنهم تناولوا طعاماً طيباً وكافياً هذا الصباح إذ ظهر عليهم النشاط والحيوية، عكس الاطفال الاخرين الذين لايذهبون إلى المدرسة وكانوا قابعين في خيامهم المصنوع بعضها إعتباطاً من بقايا أكياس الطحين وعلب الزيت.

كنا نجلس فى صف من الكراسي ذات الهياكل المعدنية ومقاعدها من القش. رجال بيض يلبسون بذل سفاري ونظارات شمسية غامقة، باكستانيون يسبق ألقابهم العسكرية توصيف التقاعد، موظفون فى جمعيات أهلية بقمصانهم وسراويلهم، صحفيون باجهزة تسجيلهم وأقلامهم وكراساتهم الصغيرة، وسفير متحمس للغاية كما لو أنه كان فى مغامرة. كانت سيارته البيجو ال 604 التى خرجت لامعة من إسلام آباد مغطاة الآن بالتراب والطين، ولكنها ما زالت واقفة فى مقدمة موكب يضم 12 سيارة ضخمة.

سنحت الفرصة لاتجاذب أطراف الحديث مع بعض الباكستانيين العاملين فى منظمة أهلية محلية، وكان واحد منهم هو السائق الذى عاد مرة أخرى الى فندقي بعد انتهاء مواعيد العمل، وقضى ثلاث ساعات يدلني فى شوارع بيشاور التى تشبه المتاهة وخاصة قيصاخوانى بازار (سوق حكائى القصص)، حيث باعة الشاي والقهوة التقليديون ومطاعم الكباب ومحال الجلود والانتيكات والمصنوعات التقليدية والأثار المهربة. كان السوق قبلة للقوافل والمغامرين فى القرن التاسع عشر وكان الحكاؤون يمارسون مهنتهم كأحدى وسائل التسلية القليلة عن طريق رواية القصص لمن يتحلق حولهم فى الشوارع والمقاهي، ولكن المهنة إنقرضت وإن إحتفظ السوق بإسمه القديم.

تعنى بيشاور باللغة الفارسية “القلعة السامقة”، وهى الآن مدينة قبلية بامتياز وعاصمة قبائل الباشتون فى الناحية الباكستانية من الحدود مع أفغانستان تقابلها، من حيث الأهمية، من الناحية الأخرى مدينة جلال أباد وبينهما ممر خيبر الجبلى الشهير. الحدود الباكستانية الأفغانية، مثل عديد من الحدود فى تلك المنطقة، صنعها البريطانيون المحتلون ورسمها معتمد الشوؤن الخارجية البريطانى فى حكومة الهند البريطانية أنذاك السير مورتيمر دوراند. وجاءت الحدود لتفصل بين الأقاليم التى تسيطر عليها بريطانيا فى الهند من ناحية وبين أفغانستان، بعد فشل الجيش البريطانى فى حربين متتاليتين فى القرن التاسع عشر فى السيطرة على أفغانستان. مثل معظم الحدود الإستعمارية، جاء خط دوراند إعتباطياً يصلح لخرائط العسكريين ولكنه يتغافل (وربما عن عمد) عن الواقع الثقافي. ولم تقبل قبائل الباشتون فى تلك المنطقة أبداً بتقسيم عشائرهم على دولتين، أفغانستان وباكستان، وحاول بعضهم الأنضمام إلى أفغانستان حيث يسيطر الباشتون على السلطة عادة، عكس باكستان حيث السيطرة عادة للبنجابيين، بينما دعا البعض صراحة لاقامة باشتونستان كدولة جديدة مستقلة. ورفضت عدة حكومات أفغانية متعاقبة الإعتراف بالخط، وفى واقع الأمر، وأدت وعورة المنطقة وضعف السيطرة الحكومية على الجانبين إلى إستمرار تنقل الباشتون من ناحية إلى أخرى دون مشاكل تذكر، وهو نفس التنقل الذى ساعد الطالبان وربما بن لادن نفسه على الذوبان فى تلك المنطقة القبلية المنيعة فى وجه من لا يعرفها رغم مطاردات ومكافأت خيالية من جانب الولايات المتحدة وباكستان بعد انهيار نظام الطالبان فى كابول.

لم يتوقف جورج عند إشارة المرور الحمراء أمام قلعة بيشاور، وواصل طريقه عابراً بجوار مطعم “الشمال الغربي التقليدي” الذى تناولت فيه الطعام الأسبوع الماضي، بعد رحلة مرهقة من كابول إستمرت سبع ساعات. جلسنا أرضاً على طاولات منخفضة تغطيها ألحفة سحبنا أطرافها لتغطى سيقاننا الباردة وللتمتع بالدفء المنبعث من موقد فحم مشتعل موضوع تحت الطاولة.

–  “وصلنا يا مستر خالد،” قال جورج وهو يوقف السيارة امام صالة المغادرة قبل نصف ساعة من الموعد المقرر لإقلاع طائرتي. لقد كسب الرهان وكان الفخر يكسو وجهه.

لم تكن رحلة موفقة إلى واشنطن. خفت للمرة الألف أن أبوح بعصف مشاعري غير المؤكدة، خشيت وحدة الفراق، وكذبت. لم أسترخ إلا في طائرة العودة وكانت جامبو عملاقة نمت فى أحد مقاعدها الوثيرة غلى ان استيقظت وقمر مكتمل يرنو إلى من نافذة الطائرة المحلقة على إرتفاع أربعين الف قدم فوق وسط أسيا. أنظر إلى القمر والطيار يبلغنا أننا نطير فوق طاجيكستان متجهين جنوباً نحو باكستان عبر أفغانستان. نظرت إلى مشهد لم أره من قبل فى حياتي للقمر والنجوم فى ضوء الفجر، وتمنيت أن يتوقف الزمن ساعتها.

 دخلت الى قاعة كبار الزوار فى مطار إسلام آباد فى صباح ذلك اليوم، وانتظرت وصول المسؤول الكبير والوفد المرافق والحاشية من فندقهم. كان المسؤول الكبير فى هذا الصباح بسيطاً ومتواضعاً وإن كانت طفوليته مخيفة، إذ تجعله قادراً على ثورات عصبية هائلة، يتحول فيها الوجه الى كتلة من العروق المنتفخة الممتلئة بدمٍ احمر يكاد أن يفر من مجاريه وملامح كلمات نابية تحاول الافلات من شفاه مزمومةٍ. الجو متوتر اذ كانت هذه من اوائل الزيارات التى يقوم بها مسؤول دولي إلى أفغانستان بعد سقوط الطالبان. إنتقلنا سريعاً إلى طائرة صغيرة لتأخذنا إلى جلال أباد.

كان المصورون يدفعوننا داخل ممر صغير في مستشفى جلال آباد في محاولة منهم لجعلنا نتخذ أفضل وضع لالتقاط الصور. تحركت إلى مؤخرة القطيع، فإذا بامرأة أفغانية قصيرة بادية الهزال تجذب ذراعي، وفي لغة ألمانية صرفة سألتني إن كنت أتحدث الألمانية، فقلت لها القليل منها. بتلك الإجابة كنت كمن فتح بوابة الهويس لينهمر عليّ سيل من الحروف الحلقية. لم أفهم كثيرًا مما قالت ولكني فهمت أنها كانت تواقة إلى الحديث باللغة التي درستها في برلين، ربما منذ أكثر من 30 عامًا لمدة عامين أثناء دراستها للحصول على درجة علمية في الطب. ثم قالت: الآن أنا عجوز، عجوز جدًا. فقلت لها مغازلاً لا تقولي ذلك أنت لا زلت شابة وقوية، ونلت ثواب الغزل ابتسامة رقيقة تلألأت في عينيها الخضراوتين. ثم اتجهت بحديثها إلى صحفي أمريكي وقالت في إنجليزية مكسرة: أنا شابة وقوية، وشمرت عن ساعديها وأشارت إلى عضلاتها المتهدلة وجلدها المكرمش. سألها الصحفي عن أوضاع النساء تحت حكم الطالبان، بينما دفعه مصور تلفزيونى قفز على سرير للمستشفى خلفنا ليحصل على لقطة أفضل، وانتصب السيرك الأعلامي مصوباً أضوائه وكاميراته فى أنحاء المستشفى.

سيزور جلال آباد وهذا المستشفى عشرات من كبار وصغار المسؤولين فى عامى 2002 و 2003 قبل أن تتبدل الاوضاع تدريجياً، وتستعيد الطالبان قوتها فى وجه جماعات امراء الحرب الصغيرة التى سلحها ومولها الامريكان وغيرهم فى الحرب الدائرة ضد فلول الطالبان. لم يتغير المستشفى كثيرا فى السنوات التالية، وعادت زراعة المخدرات ببطء الى سابق مجدها وأصبحت جلال أباد مرة اخرى مركزاً مهما للتهريب الى باكستان.

بعد عدة أشهر من حرب أفغانستان بت مرهقاً للغاية. زواجي يترنح على صخرة برود العواطف، لا رغبة لدي فى العمل، لا أصدقاء أركن إليهم، وقلقي المقيم وصل إلى أفاق أو قيعان جديدة فصرت أستعمل الحبوب المهدئة أحياناً.

كان يوماً ربيعياً لطيفاً قررت ألا أذهب فيه للعمل، أمضيت معظم الوقت في المنزل، ودعوت الصحفي البريطاني الذى يريد أن يجري معي مقابلة ليأتي الى منزلي. يكتب لمجلة شهيرة ليبرالية مؤيدة لسياسات السوق. كان يريد أن يتعرف على جذور الخلاف بين وكالات المساعدات الإنسانية الكبرى والمنظمات غير الحكومية؛ حيث تستمر الأولى في ممارسة عملها ملقية أذنًا صماء للواقع السياسى، ومفاخرة بالنجاحات، متفادية الحديث عما يبدو أنه علاقة مباشرة بين العقبات التي تعوق عملها والحرب الحالية عالية التقنية على الإرهاب؛ بينما تصرخ الثانية في كل وقت وحين منادية بوقف الحرب وداعية لفترة استراحة وجيزة من القصف، لتتاح الفرصة للمساعدات الإنسانية للوصول إلى الفقراء الجوعى قبل فوات الأوان.

أتفقنا على ان نتحدث دون ان ينسب الحديث إليّ. “يمكنك ان تنسب ما أقوله الى مسؤول فى منظمة دولية.” ووافق. و لا أدري ما الذي حدث لهذه الموافقة، لأن المجلة نشرت تقريره كمقالة رئيسية، وفي قلب فقرتها الاولى جاء اسمى مذيلاً بإسم منظمتي وأنا اقول: “لقد وعدنا الامريكيون بانتقال منظم وديمقراطي، وها أنت ترى الفوضى الضاربة فى أنحاء البلاد. إنها مأساة.” وقد كانت.

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

5 تعليقات على “(الفصل ٧) باكستان”

  1. صباح الخير يا صديقي المبدع
    لعلك بخير، كما أتمنى لك دوما، وسلاما لأسرتكم.
    أسلوبك في الحكي مدهش بشكل فياض، كما أن مزجك ما بين الحكايات الشخصية الخفيفة، وبين الأحداث اليومية يشد الانتباه بشكل ملفت للنظر.
    أتمنى أن أحوز نسخة من هذا الكتاب وعليها توقيعكم
    وعلى فكرة أنا كمان بتاع حقوق انسان
    تحياتي
    دمت رقيقا وفياضا

    1. شكرا جزيلا .. للاسف الكتاب نفذت طبعته الاولى لكن ساسعى لطبعة جديدة اذا كان هناك طلب عليه. وعلى الاقل ساطبعه الكترونيا ليكون متاحا لمن يفضلون قراءة الكتاب كاملا نسخة بي دي اف او ما شابه. وانا مش دكتور بالمناسبة ! خالص التحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *