(الفصل ٦) حديقة الجنوب فايز آباد وسقف العالم

هذا هو الفصل السادس من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي .

تقدمت السيارة البيضاء الضخمة التويوتا اللاند كروزر مثل حصان بري يجري ترويضه فى شريط سينمائي بطيء من افلام الغرب الامريكي، تتلوى وترتفع مقدمتها لاعلى عبر المدقات والحواري الضيقة لسوق بلدة فايز اباد ثم تنخفض مرة أخرى . وبينما كانت مقدمة السيارة تخرج من حفرة تعجز عن التعامل معها سيارات البشر العادية شاهدت شخصية “كيني” وبقية ابطال مسلسل ساوث بارك (أى حديقة الجنوب) للرسوم المتحركة ينظرون الي من على صدر فانلة معلقة على عمود حديدي لأحد المحال أعلى الطريق. أعتقد أنني كنت الوحيد فى السيارة، وربما فى السوق كله ان لم يكن فى تلك المنطقة النائية كلها من أفغانستان، الذى تعرف على هذه الشخصيات وشعر باغترابها عن المكان. تعرفت على كينى ورفاقه بفضل مشاهدة عشرات الحلقات من هذا العمل الفكاهى المذهل اثناء اقامتي فى واشنطن العاصمة طوال اربع سنوات سابقة على سفري إلى افغانستان.

تي شيرت لمسلسل ساوث بارك الامريكي الشهير من التسعينيات

لمعظم سكان فايز اباد، لا بد أن كيني المختفي دائما تحت غطاء رأس بني اللون والذى يلقى مصرعه فى نهاية كل حلقة بشكل مأساوي ساخر، يمثل هو ورفاقه ما كانت شخصيات المجلات المصورة منذ أكثر من عشرين سنة تمثل بالنسبة لى فى مدينة المنصورة فى دلتا مصر وانا ابحث فى كوم من عشرات المجلات القديمة عن اعداد معينة من مجلتى المفضلة تان تان فى محل صغير للغاية فى شارع محمد فتحي. شخصيات كارتونية تأتى من ثقافة مختلفة ومغايرة لا أعرفها ولا أعرف لغتها ولكنى أحب إنتاجها النهائي ممثلا فى المجلة التى كنت أشتريها كل يوم سبت مترجمة بالعربية. وحديقة الجنوب (أو ساوث بارك) فى كل حلقاته وفى الفيلم الذى ظهر بنفس الأسم يسخر دون هوادة من العادات والتقاليد الامريكية وخاصة فى منطقة وسط الغرب الأمريكي. الابطال الاربعة وهم أطفال يسخرون فى مواقف مضحكة فى سوداويتها من المؤسسة الدينية والسياسية والثقافية الامريكية ومن النظام الدولي (يظهر صدام حسين فى الفيلم وهو فى الجحيم بينما جورج بوش يسعى الى قتال السماء من أجل تدمير ترسانة أسلحة الدمار الشامل التى أخذها صدام حسين معه الى الجحيم!!). ويستخدم كيني ورفاقه الثلاثة لغة تستحي منها الطبقة الوسطى فى الولايات المتحدة وغيرها مما يمنع التلفزيون الامريكي المفتوح من بثه ولذا تذاع الحلقات على قناة متاحة على الكابل للمشتركين فقط. وعندما رأيت صور كيني ورفاقه فى سوق فايز أباد فكرت فى الكاتب الصحفي الامريكى توماس فريدمان* وأنه لو كان مكاني سيسهب حتماً فى وصف اثار العولمة الممتدة حتى اخر اصقاع الارض (وفايز اباد مكان منعزل للغاية حتى أن الجبال القريبة منها تدعى بامير وتعنى “سقف العالم”). فريدمان سيقول فى الاغلب انه لو انتشرت فانلات شخصيات المسلسل الامريكى من فايز اباد حيث كان التحالف الشمالي ساعتها مسيطراً (قمت بزيارتي الاولى قبل انهيار نظام الطالبان فى وجه الغزو الامريكي) إلى قندهار حيث كان معقل ومنشأ الطالبان لما كان لهؤلاء المتشددين الباشتون المسلمين من الطالبان الشبان ان يواصلوا حربهم الدموية ضد الطاجيك. ألم يقل فريدمان انه لا يمكن لدولتين بهما فروع لمطاعم ماكدونالد ان تتقاتلا لان وجود هذه السلسلة من المطاعم فى البلدين إشارة الى التقارب الفكري والاقتصادي والاجتماعي الذى تنتفي معه أسباب الحرب. وقررت اننى فى زيارتي المقبلة لقندهار سابحث جيدا عن فانلات ساوث بارك! واذا وجدتها ساثبت خطأ فريدمان!! إلا إذا أحتج علي بأن نظريته تنطبق فقط على مطاعم مكدونالد!

منظر جوي لنهر بادخشان ومدينة فايزاباد

على جانبي الشارع الضيق فى وسط سوق فايز أباد تتراص المحال وامامها لفائف مرتفعة من الاقمشة وحلي فضية تركمانية خلف الواح زجاجية فى خزائن عرض بدائية من الخشب والزجاج وطاولات خشبية مترنحة تحمل طماطم وخيار وخضروات أخرى متغضنة، وتتدلى امام معظم محال البقالة شرائط خضراء طويلة من البلاستيك يقتطع البائع قسما منها كلما عنّ على بال زبون ان يشتري من هذا الشيء. اقتربت منه، يا سلام، انه شريط من شامبو صن سيلك مقسم الى عبوات صغيرة يمكن فصلها عن بعضها البعض. الراغبون فى شراء الشامبو المنتشر فى كل أنحاء العالم ولكنهم عاجزين عن تحمل ثمن العبوة الكبيرة يمكنهم إبتياع هذه العبوات الصغيرة والتمتع بالماركة العالمية. العولمة بخير رغم سعير القتال فى أفغانستان ساعتها!

ذبائح الضآن معلقة من خطاطيف حديدية عند الجزارين وعدد من الباعة الجوالين، وكثير منهم أطفال، يحملون صناديق لمسح الاحذية القليلة المتوفرة ويبيعون السجائر والمناديل الورقية، واخيراً السادة الصرافون وامامهم اكوام هائلة، مرتفعة فى انضباط، لملايين الملايين من العملة المحلية.

يمكن أن يذهب المرؤ إلى فايز أباد براً من كابول فى طريق يستغرق ساعات يتوقف عددها على مكان وزمان نشوب المواجهات الحربية المتنقلة وهل سقط الجليد صباح ذلك اليوم فمنع المرور فى طريق دون أخر وهل النفق الموجود شمال كابول مفتوح ام أغلقته قوات مسعود، ولكن يمكن الذهاب أيضاً بالطائرة. ممر الطائرات فى فايز اباد مكون من ألواح حديدية متصل بعضها ببعض بصواميل (نصفها مفقود او ربما باعه واشتراه تجار الخردة). وبالتالى بمجرد ان تلمس الطائرة هذا السطح المجعد تبدأ بالاهتزاز بعنف الى أعلى وأسفل ويمنة ويسرة ويزعق الممر المعدني الاخضر بصوت يصم الاذان (وتأتى خضرة الممر من لون الاعشاب البرية النامية عبر ثقوب الصواميل المفقودة). ويستحيل الهبوط فى الشتاء اذا تساقطت الثلوج بغزارة اذ يصبح الممر المعدني زلقاً بصورة تحول الاهتزاز الى انزلاق وما لا يحمد عقباه. الممر ينام فى حضن نفس الجبل الملتف حول المطار من جهات ثلاث.

قائد فصيل مجاهدين جماعة اسلامي الطاجيكي احمد شاه مسعود

أمام مبانى المطار المهجورة قبع النصف الامامى من طائرة عسكرية روسية تدور مروحتها ببطء مع الريح، بقايا سيارات عسكرية مدرعة تتناثر على الجانب الاخر من الممر وقريب منها كان بعض الاوزبك الآفغان المزارعين يدرسون القمح بالضبط كما كانوا يفعلون فى قريتي فى الشرقية قبل ان تظهر ماكينة الدريس.

وبينما تدرج طائرتنا الصغيرة على الممر كان راعي أغنام صغير يعدو على بعد أمتار ليست بالكثيرة من الطائرة وهو يلوح بعصاه القصيرة لنا ويضحك. كنت ربما أكثر سعادة منه فنحن نهبط اخيراً بعد أن تأرجحت بنا الطائرة فى اخر ثلاثين دقيقة قبل الهبوط فوق واد ضيق بين قمم سلاسل جبلية نبعد عن حوائطها الصلدة العارية عشرات الأمتار. و عندما وصلنا إلى نهاية الوادي نظرت امامى والطائرة تتجه الى حائط اسود هائل كأنما السلاسل الجبلية على الجانبين تلتقيان وينتهى الطريق، علينا أن نرتفع بسرعة قبل أن نصطدم بالجبل. امسكت بذراعي المقعد وانا فى حالة ذهول، ما الذى يفعله الطيار اللعين؟ وقبل بضع عشرات من الامتار من الحائط الجبلي الشاهق والطائرة مستمرة فى الهبوط، إنحرف الطيار يساراً بحدة قذفت ببقايا الطعام فى معدتي من جانب إلى أخر لنرى أمامنا فجأة بداية ممر الهبوط الحديدي الاخضر.

التفت الطيار الدنمركي الاشقر ومنحنا إحدى ابتساماته الطفولية قائلا: “مرحبا بكم فى فايز اباد” بينما كان يدلي الدرجات الثلاثة من قلب الطائرة الى ارض الممر لنندفع خارجين، سعداء أننا على قيد الحياة.

الى جنوب ممر الطائرات تساندت ثلاثة مبان آيلة للسقوط، كل منها من دور واحد، على بعضها البعض، انه مبنى المطار، لا سور. كان قطيع خراف يرعى قرب الممر. لم يكن هناك موظفون فى مبنى المطار لختم جوازاتنا. لم يكن هناك مكاتب فى الحقيقة. لم يكن المرؤ يحتاج الى تأشيرة ليطير من اسلام اباد فى باكستان الى فايز اباد، البلدة الكبيرة الوحيدة فى أفغانستان التى عجز الطالبان عن السيطرة عليها. شمالها تقع دولة طاجيكستان الفقيرة الخارجة هى الاخرى من حرب أهلية كان لبعض اطرافها صبغة اسلامية وشرقها اقليم شينكيانج الصينى ذو أغلبية الأويجور المسلمة وجنوبها وادى بانجشير الافغانى.

وفايز اباد هى عاصمة اقليم باداخشان، الاقليم البديع الجبال والمناظر والنهيرات، بيد انها طبيعة قاسية وصارمة ليس فيها ما قد تحصل عليه فى جبال الالب الاوروبية اذا ذهبت للتزلج (وانا لا اتزلج فى الحقيقة ولكنى شاهدت هذه القمم البديعة من نافذة الطائرة مرات عديدة). نصف مليون شخص يعيشون فى هذا الأقليم الذى يضم لسان او ممر واخان الشهير الذى وضعه الانجليز والروس داخل الاراضى الافغانية عندما قسموا الحدود فى اسيا الوسطى فى أواخر القرن التاسع عشر، وضعوه لسبب بسيط: خلق حاجز جغرافي بين مناطق سيطرة بريطانيا من ناحية (خاصة فى الهند ساعتها) وبين مناطق السيطرة الروسية.

ولكن لا احد يسيطر الان على بلدة فايزاباد رغم انه عند زيارتي لها كان برهان الدين رباني البالغ من العمر أنذاك ستين عاماً ما زال يتمسك بلقب رئيس افغانستان وهو المنصب الذى شغله قليلا قبل ان تقتحم جماعات الطالبان كابول فى عام 1996. وكان التحدي الذى يواجه رباني كل يوم هو السيطرة على امراء الحرب الذين تتوزع مناطق نفوذهم على المقاطعات والقرى الجبلية المتناثرة. ولم اتمكن من لقاء السيد رباني الحاصل على درجة ماجستير فى الدراسات الاسلامية من جامعة الازهر فى الستينيات. ولكني رأيت منزله المؤلف من طابقين رماديين بشرفات خضراء يرتفع قليلا فى وسط البلد خلف السوق.

برهان الدين رباني زعيم فصيل جماعة اسلامي من المجاهدين الافغان في لقاء مع الرئيس الامريكي رونالد ريجان في منتصف الثمانينيات في البيت الابيض في واشنطن

لأفغانستان تاريخ طويل من الحروب، الأهلية بيت أقوامها والخارجية مع عدو قريب أو بعيد، ولا توجد قوة عظمى لم تحتل أو تحارب فى أفغانستان منذ الأسكندر الأكبر والعرب والمغول وحتى حربين مع بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر حتى تغلغل النفوذ السوفيتى منذ أواسط القرن العشرين إنتهاء بالغزو الشامل عام 1979. وبدلا من حقل صراع جامد بين البريطانيين والروس فى القرن التاسع عشر صارت أفغانستان أخر ميادين المواجهة فى الحرب الباردة وفى الحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى اواخر القرن العشرين. والآن صارت أفغانستان الساحة الرئيسية للحرب ضد الإرهاب فى اول عقد من القرن الواحد والعشرين. فصل الجهاد فى كتاب أفغانستان طويل ومعقد تمرح فيه شخصيات خيالية وأجهزة مخابرات وشيوخ نفط وأبطال ضحوا بأنفسهم ومخدوعون راحت تضحياتهم هدراً. تراجيديا مفزعة. تبنت الحكومة الأمريكية فى فترة الجهاد عدة فرق من المجاهدين الافغان. كان معظم المجاهدين صادقي النية فى دحر محتل غاشم دفاعاً عن ارضهم وعرضهم ودينهم ولكن مصالحهم التقت مع مصالح واشنطن واسلام أباد فسلحتهم الاولى بشراهة ومنحتهم الثانية اراض للتدريب ومدربين وتغاضت عن تجارة المخدرات الضخمة والمتنامية. ودخل كثيرون فى الثمانينيات ساحة هذه الحرب.

ويصف جوناثان راندل المشهد بدقة قائلا “ما دام المسرح مصمماً ومفتوحاً بهذه الطريقة فقد رأينا الممثلين من كل المشارب والأهواء يصعدون إلى الخشبة بمباركة أمريكية. دخلت الصين بائعاً للسلاح مقابل الدولارات ولأضعاف خصمها الشيوعي فى الكرملين، وكذلك فعلت مصر تخلصاً من آليات وأسلحة باتت غير ذات نفع، أما أسرائيل فوجدتها فرصة سانحة لتبيع تشكيلة من الأسلحة السوفيتية غنمتها من العرب فى حروبها المتعددة معهم. لكن السمكة الكبرى التى ابتلعت الطعم الأمريكية هى المملكة العربية السعودية، فمنذ لحظات الحرب الأولى جاءت الولايات المتحدة بالعائلة المالكة السعودية إلى مسرح الحدث وقام آل سعود بالدور الذى لا يتقنون دوراً أفضل منه: فتحوا صناديق المال … كان السعوديون يدفعون فواتير الحرب مناصفة تماماً مع الأمريكيين بحيث بلغ ما كان يدفعه كل من الطرفين خمسمائة مليون دولار سنوياً”[1]

إعلانات شوارع القاهرة فى الثمانينيات والتى أشرت لها فى فصل سابق كانت تعلن فى بنط ضخم “إدفع جنيها .. تنقذ مسلما.” لم تكن هناك حاجة فى الحقيقة لهذه الجنيهات القليلة مقارنة بتدفقات هائلة من الاموال القادمة من الولايات المتحدة والسعودية. ولكن الحكومة المصرية كانت تغض الطرف عن جمع الأموال وربما تشجعه لأنه كان أنذاك جزء من رؤية إستراتيجية أوسع تتخلص بمقتضاها من متشدديها الأسلاميين وتشحنهم إلى جهاد فى أراض بعيدة ليفرغوا طاقاتهم بعيداً عن تحدي النظام الذى إغتالوا رأسه فى عام 1981. رؤية مشابهة فى الأغلب صاغت أيضاً الدعم السعودى السياسى للجهاد فيما يتعلق بالمردود الداخلي لهذا الدعم. لم تكن الرياض قد نست بعد هجمات 1979 عندما أستولت مجموعة متطرفة على الحرم المكي وسيطرت عليه لمدة طويلة. وربما كان المخططون فى الدولتين وغيرهما ساعتها يفركون أيديهم سعادة وهم يفكرون أن هؤلاء الشباب، الذين يمثلون مشكلة كبيرة لهم، سيفرغوا طاقاتهم فى جهاد ضد السوفييت بعيداً عن الرياض والقاهرة وإذا حصلوا على الشهادة سيغنمون وتغنم العاصمتان أيضاً. ولم تصبح التبرعات الخاصة من الخليج مهمة حتى عام 1991 عندما فرضت واشنطن على الرياض أن توقف التحويلات المالية لأفغانستان.

إنسحب السوفييت تحت وطأة خسائرهم الفادحة وبسبب التغير الإستراتيجي الذى أحدثه ميخائيل جورباتشوف أخر رئيس للاتحاد السوفيتي وهو التغير الذى بدأ بسياسة المصارحة والمكاشفة مرورا بالانسحاب من افغانستان ثم تفكك الاتحاد السوفيتى نفسه وفورة الحروب الاهلية فيه بين وداخل ما كان يشكل جمهورياته وأقاليمه المختلفة. ولكن الانسحاب السوفيتي كان نهاية لمرحلة فى الحرب الافغانية وليس للحرب نفسها، إذ راح كل طرف من الأحزاب الجهادية يؤكد أنه أحق بحكم أفغانستان من غيره، ووصل النزاع إلى حد الاقتتال الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من الأفغان. وأعتقد البعض، واهمين، أنه بعد توقيع اتفاق بيشاور فى 1992، أن الحرب قد إنتهت، غير أن الستار كان يرتفع شيئاً فشيئاً عن أكثر فصولها دموية. وقع الإتفاق أحزاب الإتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان السبعة وحزبان شيعيان، وعلى أساسه جرى تشكيل حكومة مؤقتة لمدة شهرين على رأسها صبغة الله مجددي، ثم يتبعه ولمدة أربعة أشهر برهان الدين رباني. ورغم انه وقع الإتفاقية إلا أن الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار رفض تنفيذها، وهاجمت ميليشياته كابول لتنهار الإتفاقية تماماً قبل ان تنتهى فترة حكم رباني، وبالتالى ظل الرجل رئيسا لدولة حتى بعد أن انهارت تلك الدولة. واستمر الصراع الدموي سنوات عدة بين كل الفئات وفقد العالم اهتمامه بما يجرى فى أفغانستان عدا المخابرات الباكستانية وبعض المهتمين من دول الخليج، إلى أن ظهر الطالبان كالمفاجأة الطيبة والقاسية في آن واحد. كانت مفاجأة طيبة فى البداية لانهم إستطاعوا سريعاً بعد ظهورهم أواخر 1994 أن ينزعوا سلاح كل الميليشيات ويوفروا الأمن فى المناطق التى سيطروا عليها. ودخل الطالبان كابول عام 1996 وأعلنت الحركة نفسها حاكمة للبلاد وأزاحت رباني وحكمتيار، وصارت المفاجأة قاسية بعد أن أكتشف العالم وخاصة أقسامه الغربى دولاً وجماعات مدى تطرف الطالبان فى تطبيق أفكارهم عن الشريعة والحكم الإسلامى. معظم مراكز صنع القرار الغربية كانت تشيح بوجهها بعيدا وتكتفى بالتنديد بسياسات الطالبان تجاه المرأة وتجاه معارضيهم. حتى مستشار الأمن القومى الأمريكي زبجينيو بريجنسكى وهو رجل نابه وكان مسؤولاً عن قسم كبير من سياسات امريكا فى دعم المجاهدين لم ينزعج عندما سئل فى عام 1998 عما إذا كانت السياسات الأمريكية والباكستانية مسؤولة فى نهاية المطاف عن ظهور الطالبان. رد بريجنسكى بسؤال قائلاً: ” ما هو المهم بالنسبة لتاريخ العالم؟ هل هم الطالبان أم انهيار الإمبراطورية السوفيتية؟ هل هم بعض المسلمين الذين حركتهم عوامل التحريض والعصبية أم أنه تحرير اوروبا الوسطى ونهاية الحرب الباردة.” سيفكر عديدون فى واشنطن ولندن وباريس وفى القاهرة والرياض بنفس المنطق حتى يرتد بعض السحر على الساحر فتندلع نيران العائدين من أفغانستان فى الجزائر وفى مصر فى التسعينيات وتمتد فتلسع نيويورك وواشنطن بقسوة فى عام 2001.

كان إندفاع الطالبان إلى أحضان بن لادن بداية النهاية لهذه الحركة او على الأقل لسيطرتها على أفغانستان. التحالف مع بن لادن والقاعدة حول الطالبان من حكومة لبلد فى أسيا الوسطى إلى ملجأ آمن للمتشددين الإسلاميين من دول عدة مجاورة ومن الشرق الاوسط وأسيا بل وأفريقيا. وبالتالى حولهم من هدف للامتعاض الأخلاقي وانتقاد منظمات حقوق الانسان لتهديد سياسى للمنطقة بل وللعالم. أسباب ظهور الطالبان الداخلية وظروف تنامي قوتها لم تختفى بعد ولذا ما زال الطالبان يقاتلون أعتى جيوش العالم حتى بعد مرور أكثر من ثمانى سنوات على سقوطهم من على قمة السلطة الإسمية فى أفغانستان. ولكنهم، إذا عادوا للسلطة، سيكونون فى الأغلب أكثر حكمة فى التورط فى نزاعات خارج حدودهم.

إستمرت سيطرة طالبان على معظم افغانستان بل واخذت فى الاتساع تدريجياً فى النصف الثانى من التسعينيات حتى بات رباني وأمير حربه شاه مسعود لا يسيطران فقط سوى على اقليم باداخشان وسهل بانجشير جنوبه. وكانت نهاية الطالبان خاطفة وسريعة فى شهرى أكتوبر ونوفمبر عام 2001 فى حرب بالوكالة حيث نشرت الولايات المتحدة وحدات خاصة قليلة العدد فى شمال أفغانستان ووكلت عنها التحالف الشمالى لخوض الحرب (وهو تحالف طاجيك شاه مسعود وأوزبك دستم وغيرهم) فى مواجهة الطالبان الباشتون. وكانت المشكلة العويصة بعد دحر الطالبان ان المنتصرين (الطاجيك والاوزبك) لا يمكنهم حكم البلاد لأن الباشتون يحكمونها منذ مائتى عام وهم أكبر مجموعة عرقية فى البلاد. وهنا يبزغ دور حامد قرضاى الذى ينتمى لعشيرةمهمة من الباشتون وعلى علاقات طيبة بالولايات المتحدة. وعن طريق مساومات وتنازلات من كل الأطراف صار قرضاى رئيساً لأفغانستان وتولى الطاجيك والاوزبك الأمن والدفاع وتم الاتفاق على بقاء سيطرة كل أمراء الحرب على ميليشياتهم بل وفى حالات عدة على سلطاتهم. خسرت الولايات المتحدة فرصة لتخليص أفغانستان من داء أمراء الحرب، الذي ساهمت فى خلقه، والذي كان السبب الرئيسى بدوره فى ظهور الطالبان، ولذا كان متوقعاً لدى عديد ممن يراقبون أفغانستان منذ عقود أن يعود الطالبان إلى الظهور بسرعة فى مواجهة دولة أجهزتها البيروقراطية فاسدة، وأموال المساعدات الطائلة لها لا تظهر فى صورة مستشفيات وطرق ومدارس، وامراء الحرب الذين اوصلوها إلى حالتها البائسة عادوا للسيطرة مرة أخرى عليها (حكمتيار وربانى وفهيم وإسماعيل خان وغيرهم) حتى لو من وراء ستار.

بعد وصولي بعدة ساعات إلى فايز أباد بدأ الرصاص فى التطاير ثم تلته صواريخ صغيرة يمكن سماع صوتها وهى تمرق فى السماء من المكتب حيث كنت احتسي شاياً اخضرً. نظر إليّ زميل افغاني يعمل فى وكالة اغاثة اخرى وعيناه تقولان لى “لا تأبه”، خوفى لا شك كان ظاهرا مما دفعه للحديث ليطمئني قائلاً: “انه مجرد نزاع على اراض.” وفيما بعد سمعت تفاصيل اكثر حول النزاع الدائر بين القائدين العسكريين امين ونذير وجنودهما المتمركزين على التلال القريبة. كان أمين حتى وقت قريب أحد القادة المفضلين لدى رباني، ولكنه رفض التخلي عن بعض الاراضي التى اراد رباني ان يوزعها بين بعض القادة الاخرين الموالين له. ويتبادل الأهالي الحديث حول أكواب الشاي عن أن رباني طلب من نذير (الذى كان عدواً لدوداً لرباني ثم انقلب صديقاً له) أن يجبر امين على الطاعة والولاء. وظل التراشق مستمراً بين أمين ونذير حتى غادرت فايزاباد بعد ذلك بيومين. ولقى أثنان من الأهالى غير المسلحين مصرعهما وهما فى طريقهما الى السوق من قرية قريبة لبيع محصولهما من الخيار. هناك عشرات من هؤلاء القادة العسكريين فى بادخشان.

وكان القائد الطاجيكي الاشهر شاه مسعود لا يمكث سوى قليلاً من الوقت فى الاقليم ويفضل العيش مع قواته فى معقله فى وادى بانجشير (وادي الاسود الخمسة) فى اقصى جنوب باداخشان على بعد خمسين كيلومتراً من كابول حيث يمكن لقواته ان تصل الى خطوط الطالبان الامامية بسرعة. وكان شاه مسعود (الذى لو عاش لصار له شأو كبير بعد الغزوة الامريكية) ساعتها وزيرا للدفاع وعلى اتصال مستمر مع رباني – بصفة الاخير رئيس البلاد (طبعا لم تكن هناك حكومة ولا دولة ولكن يجب مراعاة المظاهر على أي حال)، وربما كانت سلطة رباني الوحيدة غير المعنوية هى أنه كان يسيطر على وزارة المالية وتعاقدات طباعة البنكنوت فى المصانع الروسية وبلدان اخرى.

وحتى وصول قوات الولايات المتحدة كانت هناك ثلاث أسعار صرف مختلفة للأفغانى وهو عملة البلاد المتداولة. كان هناك سعر للأفغاني فى المناطق التى يسيطر عليها الطالبان وشعر ثانى للأفغانى الشمالي فى إقليم باداخشان وسعر ثالث للأفغانى الذى كان أمير الحرب دوستم يتداوله فى مناطق سيطرته حول مزار الشريف.

فى قرية “حافظ موغل” عاصمة مقاطعة “ارجو” على بعد اربعين كيلومترا غرب فايزاباد جلست على الارض متربعا امام الجنرال مصدق فى بيته بعد ان زرت بعض المدارس فى منطقة نفوذه. والجنرال مصدق اوزبكي مرهوب الجانب فى المنطقة التى تقيم بها اغلبية من العرقية الأوزبكية (رغم ان باداخشان ذات أغلبية طاجيكية إلا أن الاوزبك اكبر اقلية عرقية هناك). فمه المعوج وعظام وجهه البارزة فى غرابة تذكار جرح بالغ خلال سنوات القتال الطويلة. فى حديقته الجرداء انتصب مدفع مضاد للطائرات لا يحارب الان سوى الصدأ بينما سيارة لاندكروزر ضخمة تقف مغطاة بالخيش. وللجنرال مصدق شهرة واسعة بسبب كرمه واهتمامه بتعليم الاطفال، فعندما عجزت الحكومة الاقليمية عن دفع رواتب المعلمين (وكانت دولارا واحدا فى الشهر لكل معلم) تدخل الجنرال وساعد كثيرا من المعلمين وظلت المدارس مفتوحة كما اكد لي ناظر مدرسة آبى باريك. وبينما كنا نتناول طعامنا كانت أصابع الجنرال تتداول حبات مسبحته السوداء وهو يلملم اطراف عباءته الخضراء المطرزة حول كتفيه. الجنرال قلق بسبب الجفاف. نظر الى ثم قال: “ليس لدينا علف للحيوانات لاكثر من ثلاثة اشهر واسعار القمح ضعف أسعار العام الماضى. الان نعيش على الكفاف.” ولم يمد الجنرال يده الى الكباب واللحم الدافيء الموزع على اهرام من الارز المصفر المحاط بشرائح من الجزر وبعض رائحة من زعفران فى اطباق كبيرة على مفرش بلاستيكي توسط الحجرة. أكلنا جميعا إلا الجنرال مصدق.

تشابهت معظم المدارس السبع التى زرتها فى باداخشان، وكلها مثل مدارس عديدة فى انحاء افغانستان صنيعة الفقر وقلة الحيلة. حجرة او عدة حجرات يجلس فيها معظم الطلاب على الحصير او الارض. فى العادة لا دورات مياه أو سور محيط بالمدرسة او ملعب للاطفال ناهيك عن المختبر أو المكتبة وأساسيات التعليم الاخرى. فى مدرسة آبى باريك عدة حجرات لها سقف خشبي (لا شبابيك، لا مقاعد، لا مناضد، ..) ويجلس الطلاب على الارض واحيانا على حصائر من البلاستيك فى صفوف. الكتب المتوفرة قليلة فيشترك كل خمسة او ستة طلاب فى كتاب واحد، ولا مياه فى المدارس او دورات مياه (هناك بعض الحفر العميقة فى الارض من اجل قضاء الحاجة) ولا طباشير (يستعملون الحجر الجيرى لهذا الغرض ) ولا سبورات (يستعملون طلاء اسودا على الحائط) ولا كهرباء (لا توجد الكهرباء عند أي من السكان على اى حال عدا بعض الاغنياء القلائل الذين يمكنهم تحمل نفقات مولد كهرباء يعمل بوقود الديزل .)

وفى مدرسة حافظ مغل الثانوية للبنين قمت بالتقاط بعض الصور فى حصة الكيمياء حيث استظهر طالب كل عناصر المذيبات وكيف يمكن تحضير بعضها فى المختبر (بطبيعة الامور لا توجد أى مختبرات ولا وسائل شرح سوى الكتب القليلة فى كل المدارس التى زرتها). وابتسم لى نفس الطالب قائلاً أنه يريد الانتهاء من اخر عام دراسي فى الصف الثاني عشر ذلك العام ليلتحق بكلية الطب فى فايز آباد. فى مدرسة البنات القريبة كانت الاوضاع أسوأ، حيث أكوام من الطوب اللبن تشغل اكثر من نصف الفصول فى انتظار من يرصها حوائطا، بيد أن الفتيات الصغيرات كن أكثر تحمساً واندفاعاً مقارنة بالفتيان وشغلتهن كاميرا الفيديو التى احملها كثيراً فتنافسن على الوقوف امام الصف من اجل ترديد الابجدية المكتوبة على سبورة صغيرة وضعت على الارض مستندة إلى برميل قديم. وتتألف مدرسة البنات من اربعة فصول فى منزل حديث البناء وبغض النظر عن الطوب لم يكن هناك شىء اخر فى المنزل . وزينت ازهار خشخاش زاهية الامتار المربعة القليلة فى الحديقة المجاورة للمبنى.

لا تقدم هذه المدارس تعليماً جيداً ونجاحها الكبير هو في تعليم مبادىء القراءة والحساب، وبالتالى، فان الدعم المتزايد من جانب منظمات التنمية لها يمكن ان ننظر إليه على انه في جانب منه إرضاء لمجتمع دولي يريد ان يتباهى بازدياد أعداد الفتيات والفتية الذين يلتحقون بالتعليم الاساسي، بغض النظر عن المستوى التعليمي المتدني لهذه المدارس وللمدرسين انفسهم. ولكنى شخصيا أعتقد ان مساعدة المدرسات والبنات على الخروج من محابس منازلهن فى بلد مثل أفغانستان وقضاء سويعات سوياً كل يوم وتلقى راتب فى المقابل (نقدا وعينا) هو مبرر كاف من اجل الإستمرار فى مثل هذه المشاريع، حتى لو لم تكن الفتيات تتلقين تعليما حقيقيا. وتؤدي مشاريع توزيع الاغذية على عائلات التلميذات وربط الخدمات الصحية والاجتماعية بمواظبة العائلات على ارسال بناتها إلى مزيد من المواظبة بل وإزدحام مزيد من الفتيات فى اكثر المدارس البدائية حيث لا يتعلمون الكثير، ولكنها تظل مشاريع ناجحة إذا نظرنا إلى الهدف منها على أنه مساعدة الفتيات والنساء على التحرر من القيود والعزلة المفروضة عليهن على الاقل عدة ساعات كل يوم. ولو أبعدت هذه المشاريع عن الصبية لبضع سنوات عبء العمل المبكر فى سن صغير وهو فى العادة عمل قاصم للظهر مثل صناعة الطوب اللبن فقد منحتهم الكثير.

جلست على مقعد خشبي واطيء خلف مكتب صغير فى غرفة المدرسات فى مدرسة ليسيه مخفي فى قلب سوق فايز آباد. بناء يلخص مقولة “عزيز قوم ذل”. المدرسة الشابة الجالسة أمامي عمرها 24 عاماً وهى خريجة المدرسة نفسها وتتذكر فى حسرة أن المدرسة كان بها مختبر ومكتبة بل أن الرئيس رباني نفسه تتلمذ فيها حتى الفصل السابع. مخفي التى منحت المدرسة اسمها هى شاعرة باداخشان الاشهر.

ويعتقد أن مخفي هى الأميرة زيب النساء إبنة اورانج زيب أحد اعظم ملوك امبراطورية المغول فى جنوب أسيا، ولدت فى اواسط القرن السابع عشر وتلقت تعليمها على يد امرأة اخرى تدعى مريم حيث حفظت القرأن كله فى ثلاث سنوات فقط، وبعدها تلقت دروساً فى الفلسفة والفلك والادب وتعلمت اللغات الفارسية والعربية والهندية والخط. وبدأت فى كتابة الشعر فى سن الرابعة عشر ولأن والدها كان صارما للغاية ولن يقبل ان تصبح ابنته شاعرة قامت بإخفاء كتاباتها، ونشرتها تحت أسم “مخفي”. وتظهر قصائدها شعوراً حاداً بالوحدة والحنين والتوق إلى رفيق.

“آه يا مخفي إنه طريق العشق ووحدك ستسيرين فيه

لا أحد ملائم لصداقتك حتى لو كان المسيح.”

وعلى قبرها فى دلهي من شعرها:

“لا سراج على قبرى ولا زهرة

ولا فراشة تحترق او طائر يغني.”

وتزين صورة زيتية كبيرة للشاعرة المتوفية منذ اربعة قرون حجرة المدرسين البسيطة فى المدرسة التى تحمل إسمها اليوم فى فايز آباد.

على طاولة صغيرة قرب مدخل الحجرة تكومت البوركات التى ترتديها المدرسات عند الخروج من المدرسة. نظرت مديرة المدرسة الى وجه الشاعرة مخفي والمكشوف فى اللوحة قائلة “فى السبعينيات كنا متحررات من هذا الشيء” مشيرة الى البوركا. “كنا نسافر من هنا الى كابول بدونه ولكن الآن حتى من أجل عبور الشارع تحتاج المرأة الى وضعه. لقد تخرجت انا نفسي من هذه المدرسة فى عام 1971. حينذاك كان الطلاب قادرين على قراءة الصحف والكتابة بصورة جيدة بحلول الصف الثالث، ولكن الان طلاب الصف السادس جهلة واميين تقريبا. حتى سبع سنوات مضت كان لدينا مختبر ومكتبة مجهزة ولكن عندما تأسست الجمهورية الاسلامية هنا …”  ثم توقفت عن الحديث ربما خوفاً من أنها قالت اكثر مما ينبغي. وربما من اجل تدارك الخطأ الذى لم يقع اضافت: “الحمد لله اننا على أي حال لسنا تحت سيطرة الطالبان.”

ولكن هل كان هناك فرق كبير بين المناطق التى يسيطر عليها الطالبان وتلك التي لم يسيطروا عليها، على الأقل بالنسبة للنساء؟ فى مناطق الطالبان لم يكن لدى النساء اى حقوق للعمل إلا فى إعمال محدودة مثل مدرسات داخل المنازل او طبيبات فى عيادات النساء. واستعملت عدة منظمات اغاثة غربية بضع مئات من النساء ولكن بعد مفاوضات مريرة مع الطالبان وعلى أساس مؤقت.

بات الوضع مع الطالبان عصيباً على النساء وعلى بعض الرجال الذين أذلهم استضعاف شقيقاتهم وبناتهم بهذا الشكل، كما يصف لى زميل افغاني كبير السن فى فايز آباد وهو غاضب كيف كان من المهين له ان يرى إبنته التى ما زالت تعيش فى كابول مع زوجها ممنوعة من مواصلة دراستها اوالعمل: ” لقد احتلت المرتبة الثانية فى المدرسة الثانوية رغم أنها كانت تعمل ايضا خلال الدراسة فى منظمة إغاثة اجنبية من أجل مساعدتي فى اطعام العائلة. والآن مع وجود الطالبان فى الحكم لا يمكنها العمل وتجلس في المنزل.”

فى اقليم باداخشان يمكن للنساء العمل والدراسة. وهذا هوالفرق الرئيسي بين مناطق الطالبان وباداخشان. فى كابول تمكنت من التسلل الى مخبز تديره النساء واجراء عدة مقابلات فيه وكان الجميع قلقين كثيراً، بينما فى باداخشان تمكنت من اجراء محادثات مطولة مسترخية فى مكتب مدير معهد الايتام الرئيسى مع بعض الاخصائيات الاجتماعيات ومشرفة من النساء. وقال المدير انهم لا يرغمون البنات على ارتداء النقاب إذا لم ترغبن في ذلك ولكنى لم أر فتاة واحدة يتعدى عمرها 12 سنة فى شوارع فايز آباد دون البوركا/النقاب.

يظل هامش الحرية أمام نساء فايز أباد عندما زرتها افضل من سجن الطالبان للنساء فى بيوتهن. على الاقل يمكن تكبير الهامش وإن كان السجن سجناً مهما اتسعت رقعته وقد صارت بحجم الوطن تحت الطالبان – على الأقل بالنسبة للنساء. ولأن جذور تقييد حرية النساء إجتماعية المنشأ فى أفغانستان فحتى بعد رحيل الطالبان ما زالت النساء هناك تعانين من اكثر التشديدات قاطبة مقارنة بكل الدول الإسلامية لأن وضع النساء هناك محكوم بتقاليد قبلية أكثر منها أحكام دينية. وما زال أمام نضال النساء الأفغانيات طريق طويل لتحقيق الحد الأدنى من المساواة القانونية وفى الحياة العملية.

هانم وعمرها 25 عاما استغلت هامش الحرية المتاح في فايز آباد لتصبح سيدة أعمال بكل معنى الكلمة حيث تدير مصنعاً صغيراً للسجاد تعمل فيه 44 إمرآة كلهن يتيمات او أرامل . وفى المشغل الذى يقع فى منزل واسع مؤلف من ست حجرات تعمل النساء يوميا من الثامنة صباحا حتى السادسة مساء تغزلن وتنسجن وتصبغن الشراشف والمناشف والشالات ومفارش المائدة والبطانيات والأكلمة. بدأت هانم مشروعها بقرض قدره 1300 دولار من منظمة تابعة للامم المتحدة واستطاعت تسديده فى اقل من عام، وتدفع للنساء العاملات معها راتباً عشرة دولارات في الشهر (عشرة أضعاف متوسط راتب المدرس– هذا إذا تلقى المدرس راتبه لأن معظمهم لا يتلقون رواتبهم طوال أشهر وصلت إلى عام عندما زرت المنطقة).

تقول هانم بفخر يظهر قليلاً تحت كثير من الخجل: “لدى الان طلبيات عديدة من السوق.” ثم تسحب شالها الذى إنحسر قليلاً لتغطى مقدمة شعرها الأسود. أضطرت هانم للتوقف عن دراسة الطب فى كابول بعد وصول الطالبان إلى الحكم ولكنها ما زالت تحلم بان تصبح طبيبة اطفال.

“ذهبت عائلتي الى باكستان ومكثنا هناك حوالى السنة، ولكننا عدنا إلى هنا حيث وجد شقيقي عملاً مع منظمة اغاثة غربية.” وتجيد هانم الانجليزية وهو أمر مهم لها، وربما سبب كبير فى أنها تمكنت من خلق علاقات طيبة مع المنظمات الأهلية الأجنبية فى المدينة مقارنة بالنساء الأخريات فى فايز آباد. والمنافسة بين هاته النساء مستعرة، ولا سيما أن عديداً من المانحين يسعون بقوة لتمويل اى مشروع له علاقة بالنساء من قريب أاو بعيد. عائلة هانم سعيدة بنجاحها رغم ان ابنتهم تعمل كثيرا ويتقول عليها البعض.

نحتسى كؤوس الشاي واحدا تلو الاخر:

– ماذا تقول أمك؟

– امي فخورة بي.

– وماذا عن والدك؟

– أبي مات فى السجن عندما كان الشيوعيون فى السلطة فى السبعينيات. كان عمري اربع سنوات عندما اعتقلوه ثم أستشهد فى السجن.

– وكيف تفكرين فى المستقبل؟

– املي انه فى المستقبل سيكون لدى 500 عاملة وافتح فروعا فى بهراك وارجو واشكاشيم (مدن فى مقاطعة باداخشان) وقريباً سوف اوظف رجلاً من أجل إدارة محل فى السوق لبيع منتجاتنا مباشرة فى فايز آباد.

– وكيف ستعملين معه؟

– حسناً. انا المديرة وهو يعمل عندي.

– لا تتوقعين أي مشاكل كإمرأة فى مثل هذا الموقف؟

– لا. لماذا؟

وحتى الان فإن المشكلة الوحيدة التى واجهتها هانم كانت مع الجمعيات الأهلية الافغانية المنافسة، ونساء أخريات طموحات كلهن تتنافسن من اجل الحصول على دعم منظمات الأمم المتحدة والجمعيات الغربية المانحة. وبعضهن غيورات من نجاحها، وتبتسم هانم وهى تتحدث عن هذه الغيرة:” يقولون أنني صغيرة على الحصول على كل هذا الدخل.” وفى احدى حجرات مشغل هانم جلست عشرون إمرأة على الارض متلاصقات الاكتاف تعملن على كومة هائلة من الصوف المجزوز حديثا بينما تسير أخريات فى الحديقة الصغيرة وهن يستعملن مغازل يدوية صغيرة، ومعهن كرات صوفية تتحول الى خيوط على وقع خطواتهن.

وتنظر هانم إليهن قائلة: “ننتظر ماكينة غزل كبيرة ستمكننا من زيادة إنتاج الغزل من الصوف والقطن أربعة أضعاف حتى نتوقف عن إستيراد الخيوط من باكستان.” زعق صاروخان على مبعدة وأنا أحتسي الشاي جالساً على حشية فى مكتب هانم. من المقرر أن أغادر فايز أباد خلال ساعتين. نظر إلى زميلي الافغاني وكأنه يقرأ أفكارى: “لا تقلق. القتال على الجانب الاخر من فايز آباد.” إنه يقصد الجانب الاخر البعيد عن المطار. سيمكني السفر اذن والعودة الى منزلى فى أسلام أباد. اسبوعان استهلكتهما هذه السفرة واشتقت إلى حديقتى وزهوري ومحال الكتب القديمة و .. رغد العيش فى سلام نسبي بعيداً عن الحرب.

يقع المطار على بعد عشرة كيلومترات على الضفة الغربية من نهر كوكشا وهو أحد فروع نهر آمو داريا الذى يمثل الحدود الطبيعية بين افغانستان وطاجكستان. وعلى جانبى الطريق الى المطار قطع اراض زراعية صغيرة متناثرة تتفجر بالوان زهور الخشخاش الزاهية بينما تحمل أطلال منازل على ما تبقى من حوائطها شعارات بالانجليزية (موجهة بالطبع للزوار الاجانب من أمثالي) تعلن أن “زراعة وتجارة واستعمال المخدرات محظور قطعا فى الاسلام.” وعلى جانبي الطريق المتهدم المرصع بالحفر التى خلفتها انفجارات قنابل، والذى فقد كل أسفلته منذ زمن بعيد تتهادى حمير المزارعين الافغان الاوزبك، والمميزة بسروجها ذات المقدمة المدببة. النساء كلهن سائرات على أقدامهن مختفيات فى ازرق بوركاتهن بينما الاطفال المرحين دائما يتقافزون حول الجميع وحول سيارتنا التى تتهادى بسرعة لا تختلف كثيرا عن سرعة الدواب، وهم يحملون أكياسهم البلاستيكية الصفراء عائدين الى منازلهم من المدرسة ويزقزقزون باصواتهم الرفيعة فى اتجاهنا بانجليزية واضحة: “هاو أر يو؟ هاو أر يو؟” (كيف حالك؟ كيف حالك؟)

أسال زميلى الافغاني اثر سماع صوت صاروخ اخر ارتطم بعيدا بارض لن أراها: “حتى متى سيتقاتلون؟” لخص الموقف بكثير من القدرية التى يلجأ إليها الافغان (وربما مثل معظم الشعوب فاقدة السيطرة على مجريات الامور فى بلدانها): “الطالبان وأمراء الحرب مثل الكلاب المسعورة سيتقاتلون حتى ينتصر طرف بالكامل.” وكسر افغانى أخر يعمل فى منظمة إغاثة اوروبية الصمت العاجز المطبق على السيارة قائلا:”على جانب لدينا لصوص وعلى الجانب الاخر جهلة. ونحن فى المنتصف بينهم.”

بعد ساعتين كنت واقفاً وسط عشرة من هؤلاء “الجهلة” في مطار مزار الشريف حيث حطت الطائرة من اجل التزود بالوقود. وبدأ أحد زملائى المسافرين معى وهو سودانى فى الاستشهاد ببعض آيات القرآن فى حديثه الممزق معهم (ممزق لغياب لغة مشتركة فلا أنا ولا هو نعرف الفارسية او الأوزبكية او الباشتونية وهى أهم ثلاث لغات فى أفغانستان ولاهم يعرفون العربية ولا الانجليزية رغم أنهم يحفظون القرآن بالعربية عن ظهر قلب.)

لا بد أن زميلي أعتقد انه باستشهاده بالقرآن سيجعلهم يشعرون أنه كمسلم أقرب إليهم من عمال الاغاثة البيض الأوروبيين فى العادة. أشار الى قائلا ببطء “مسلم.. مسلم.” فحدق فيّ زعيم الطلبة الطالبان بعينيه المكحلتين وهو بادى الانزعاج المختلط ببعض الحنق مشيرا الى لحيته ولحية زميلي ثم الى ذقني الحليق مردداً كلمات بالباشتو. ثم أنتقل الى الاورود التى تعلمتها قليلا فى باكستان قائلا:” أنت .. أنت باكستاني .. أين اللحية؟” وبمعجمى الهزيل من الاوردو أفهمته أننى لست باكستانيا. تصاعد غضبه، فاكملت قائلاً: “ولست مسلماً مثلك.” لم أكن أكذب فلست مسلماً مثله على أى حال من الاحوال. وقد صرت أعرف جيداً ان الطالبان مثلهم مثل الخوارج فى بعض الاحيان يقتلون المسلمين الذين يختلفون معهم قبل أن يقتلوا من يختلفون معهم فى الدين تماما. فمع غير المسلمين يمارسون الدعوة وحسن الاخلاق لتحبيب الاخر فى الاسلام وطريق الصواب. ولما لم أكن أريد لهم ان يقتلوني او أن أهتدي الى “صوابهم” سرت ببطء عائدا الى الطائرة التي كانت تستعد للاقلاع.


*           توماس فريدمان كاتب أمريكي ينشر مقالات رأى دورية فى جريدة نيويورك تايمز..

[1]          جوناثان راندل، “أسامة: السبيل إلى الأرهاب” ترجمة: شكرى رحيم. بيروت: دار النهار (2004) . ص. 99

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *