خواطر سائق على الطريق الزراعي

أوضاع فيسبوكية: أينما فتحت اذنيك أو سرحت عينيك في طرق وشوارع مصر ح تلاقي اغنية او لافتة عن مصر امنا اللي هي اولا، وفوق الكل، وستنا وتاج راسنا، وتحيا ابدا وعشانها نموت، الخ . ده طبعا كله علامات وطنية “على ما تفرج” وقومية “متأخرة على مواعيد التاريخ” ونازية بلا رأس — لكنها ايضا علامات قلق شديد وخوف عميق وافلاس شديد في اوساط النخبة المتسلطة.

مين بقى الناس دول اللي في النخبة دي يا كابتن مدحت؟ منهم اللي ساكنين في القاهرة الجديدة والرحاب والتجمع الخامس وزايد والعمارات الجديدة ع الكورنيش في اسكندرية وابراج مدن مصر الكبرى سواء المقيمين منهم او العائدين في زياراتهم السنوية من الخليج او غيرها. ومنهم العاملون في مؤسسات الدولة الكبرى (الكبرى) من قسم الشرطة لغاية اعلى محكمة وارفع جهاز، ومنهم رجال اعمال متوسطين وابناء طبقة وسطى مهنية، وبينهم المتقاعدون اصحاب المعاشات اللي معادش عندها همة تحمل الاضطرابات. وتملأ صفوف هذه النخبة عائلات مرتاحة ماديا حتى لو كانت هذه الراحة هي مجرد تلبية كل الاحتياجات الاساسية وعلاج المريض وتعليم الابناء والمصيف اسبوعين في العام وسيارة يضطرب قلبهم لو تعطلت. ناس كتير خايفة ان لو ان الصيغة الهشة الشغالة اختفت ح يتدهوروا في سلم الحياة الاستهلاكية المرعبة من حوالينا أو ممكن حتى يسفوا التراب وما يعرفوش ح يروحوا فين.

النخب دي مش جاهلة ومش عبيطة. وهي فعلا خايفة – وعندها حق تخاف – على نفسها وعلى عيالها وعلى اللي عندها. نخب (من حيث السيطرة على مفاصل شبكات علاقات المال والسلطة والوجاهة والنفوذ الايدولوجي). والنخب دي معظم رجالتها وستاتها نفسهم يفتحوا ويغمضوا يكونوا في بلد “حلو متقدم” (بس من غير ما يشتغلوا لان معظمهم – ربما دون قصد – ما بيشتغلوش بجد بجد هنا اصلا وغير مؤهلين جيدا لاسواق معقدة. وطبعا تلات ارباعهم محافظين او فوضوييين او فهلوية ف مش عايزين حد يحرجهم بشأن الجهل بعادات وتقاليد البلد المضيف ووجوب الاندماج. الحاجات دي بتعمق عقدة النقص والتفوق عندهم. اه والله يعني تلاقي فيهم اللي يحس ان اسرائيل احسن مننا بس الحمد لله طلعوا يهود وح ينسخطوا قردة وخنازير او اللي يتمحلس للسعودي الغني بتاع الرز ويشتمه في اول مناسبة “عشان هو جاهل واحنا علمناه”. بس على اي حال حتى خيار السفر ده لم يعد متاحا بسهولة. خلاص كلنا عارفين ان اللي مش عاجبه مش ح يقدر يروح استراليا او كندا زي ما شيخ سلفي نصح المصريين اللي مش عاجبهم حكم مرسي من ست سبع سنين، ولا السعودية زي ما نصحهم تنويري اصولي سعيد ب “ثورة” ٣٠ يونيو. وطبعا النصيحة دلوقتي ان اللي مش عاجبه يحط لسانه في بقه او يخرس.

. كلنا عارفيين إن التغيير صعب جدا وان الكل ح يدفع تمن عالي جدا (ممكن يكون الثمن هو الوقت الضائع انتظار ثمار الاصلاحات غير الاكيدة لتحكمات وهراء النظام — جيلا او جيلين يذهبون ضحية من غير ما يكون فيه نسبة نجاح مقبولة للهري اللي شغال من اول اطول برج لغاية اعرض كوبري). والناس دي خايفة عشان طريق الاصلاح مسدود او مش واضح او ان ضعفنا الشديد اقتصاديا واجتماعيا مخلي ناس كتير مننا تعتقد انه خلاص مفيش فايدة ونستني النيزك وكدة.

النخب دي خايفة وخوفها معجزها ومخليها تشوف ان الشعارات (اللي انا وحضرتك وحضرتها يمكن نكون شايفينها فارغة واشتغالة) دي فعلا حقيقية لان مصر بشكلها الحالي هي المكان الوحيد الذي يقبل استكانتهم وفشلهم ورفضهم دفع التمن. وطبعا الاذكياء وسط هذه النخب كمان شايفين ان مشاكل مصر غويطة جدا جدا وخصوصا في باب الاقتصاد الفعلي (التشغيل والانتاج والتوزيع الخ). وطبعا كتير من نخب “مصر اولا” مش عاجبهم وضع الدولة اللي همه نفسهم بيسموها اشلاء لكن اهو بقه قرشك على قرشي وايد من هنا وايد من هنا وربنا يولي من يصلح ومصر عظيمة بس المصريين بعافية وما يستاهلوش البلد الرائعة دي الخ الخ .

القصد كله ان موضوع “مصر اولا” مش افتكاسة زي افتكاسات حافظ الاسد والبعث ولا ترقى طبعا الى انجازات كيم ايل سونج “العظيمة” وخلفه الشاب “النابغة” كيم يونج اون، بل اشتغالة معمولة بفهلوة تعبيرا عن أشواق ومخاوف فئات من المجتمع المصري. مشكلة الاشتغالة انها مش ح تاكل خالص مالص مع الشباب اللي الصيغة كلها بالنسبة لهم خسرانة خسرانة. بس الشباب مش مجموعة سياسية ولا فئوية ولا طبقية واحدة لكن قدرتهم على اسقاط نظم ودول بقدرة السخط واليأس ثابتة تاريخيا.

… وقطع حبل افكاري اصوات حصى وزلط يرتطم بزجاج السيارة كانها طلقات من بندقية رش بينما سيارة نقل ضخمة تشد ورائها مقطورة تتمايل مثل الثعبان يمينا ويسارا وتنهبد فوق وتحت على الطريق وفي اقل من دقيقة زعقت اطارات كل السيارات على الطريق لنتفادى صدم توكتوك كان يقطع الطريق السريع ببطء (يقطعه من اليمين الى اليسار). وقبل ان نعدل وضع القدم على بدالات السرعة تهادت سيارة كارو بحصان مسكين وبدأت في عبور الطريق من نفس البقعة التي حطم فيها اهل قرية قرب كفر شكر الحواجز الخرسانية ليصلوا قسمي حياتهم داخل القرية المنقسمة على جانبي الطريق الزراعي، وتهادي سلك سميك مجدول بنهايته خطاف ضخم حديدي ومتدلي من رافعة ميكانيكية ضخمة تقف ذراعها فوق الطريق السريع. وعبرت فوق رؤسنا قطعة خرسانة مكعبة في مسارها لاعلى كوبري اخر يجري العمل فيه ببطء وتعلوه لافتة “نحن نعمل من اجلك”

الكاتب: خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *