المزار الشريف .. المؤلم!

هذا هو الفصل الخامس من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي

على بعد بضعة كيلومترات إلى الشرق من مطار مزار الشريف يقع مخيم سخي (أي كريم، وهو أحد أسماء الإمام علي فى أفغانستان).  عندما زرت المخيم البائس عقب سقوط الطالبان كان هناك نحو15000 نسمة معظمهم من الطاجيك. معظم الأسر الباشتون التي كنت قد التقيت ببعضها في آخر زيارة لي للمعسكر اختفت، خوفًا من ثأر قطاع الطرق والسفاحين من الطاجيك الغاضبين من الطالبان والعاجزين عن الانتقام من هؤلاء الطلبة الباشتون، وبالتالى ينتقمون من هؤلاء النازحين المساكين الذين ينتمون لعرقية الباشتون. مولاي محمد، 45 سنة، يقول إنه يريد العودة إلى قريته ولكن ليس لديه تكاليف السفر. “نحن في الشتاء الآن وليس هناك شئ في القرية، ولكن لو أعطيتمونا ما يكفي من طعام ووسيلة انتقال، فقد نعود أدراجنا”. بيد أن العديد من الأسر لم يكن لديها من الحبوب ما يكفي للزراعة في موسم البذار الذي سيحل بعد أسابيع، وهو ما جعلها أكثر اعتمادًا على الهبات والمساعدات، على الأقل لعام آخر. إنهم سجناء مخيم الإغاثة بمعنى ما. اشتكى محمد من أن عيادة المخيم ليس بها سوى أربعة أنواع من الأقراص لعلاج كل الأمراض، وليس لديها أي علاج للسل الذي يزداد انتشارًا. نتدثر بشيلاننا لاتقاء برودة الرياح. ليس هناك سوى القليل من الخشب للتدفئة، والصحراء هي ما تراه في كل الاتجاهات حول المخيم.

محب الله أمير دفتار، 40 سنة، من فايز آباد على بعد ثلاث مقاطعات إلى الشرق، علت شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يقول: “لقد أعطونا مواقد تعمل بالغاز، ولكن ليس لدينا غاز هنا.” يود لو يعود أدراجه، وسيفعل لو أُعطي الحبوب التي تضمن إطعام أسرته ولو حتى لأشهر قليلة.

معظم سكان المخيم من المزارعين بالمشاركة الذي لا يمتلكون أي أرض، وباعوا مواشيهم وأدواتهم. يفضل محمد إسماعيل البقاء في المخيم مع أبنائه الثمانية على الذهاب إلى ألبورس. “هنا، أمضيت معظم اليوم في جمع الحطب بعيدًا عن المخيم لبيعه في مزار مقابل 20000 أو 30000 أفغاني لأشتري بثمنه الملح والأرز.”

أكثر من عشرين حارة من المآوي المبنية من الطين تقف في الصحراء على بعد أمتار من الطريق الرئيسي الذي يفصلها عن جبال شوديان. كانت الشمس تسرع مسيرها في السماء على يسار الشريط الصحراوي الشاسع الرمادي في صُفرة، يخفت نورها خلف القمم المتفاوتة الارتفاع للتلال التي ذهبت خضرتها، تاركة وراءها خطوطًا برتقالية في زرقة السماء الصافية.

اكتشف العاملون في مجال حقوق الإنسان مدى صعوبة جمع معلومات دقيقة حول شكاوى الإنتهاكات المتزايدة . في أحد الأيام اشتكت النساء في المخيم من كثرة البنادق وإنتشار الأسلحة، وفي اليوم التالي أنكرن تمامًا وجود أي بنادق حولهم! أحد السكان قال لأحد العاملين في الإغاثة أنه قد تم التنبيه عليهم، قبل زيارة فريق حقوق الإنسان، بألا يذكروا شيئًا عن البنادق، وإلا فسوف يتم سحب المساعدات. وقد ذكرت التقارير وقوع حالات اغتصاب عنيفة للنساء في الأيام القليلة التي فصلت بين هروب قوات طالبان والاستيلاء الفوضوي لقوات التحالف الشمالي على البلاد بدعم أمريكى فى نوفمبر عام 2001. وقد زُعِم أن بعض الجنود الطاجيك من فصيل معين قد اعتدوا على نساء من الباشتون في سخي. بيد أن قائد المعسكر أنحى باللائمة على الجنود الأفغان الاوزبك التابعين لدوستم، بينما حمل دوستم الطاجيك المسؤولية . وقد اختفى شهود العيان من المكان مع مغادرة كل الأسر الباشتونية للمخيم في تلك الفترة المظلمة، أو إسكات أصواتهم.

شمال افغانستان

أمراء الحرب الحاكمون من الطاجيك والأوزبك يقصون الباشتون، وفصيل دوستم الأوزبكى يقصي الطاجيك. أما التحالف الشمالي (الذي يضم جماعات أوزبكية وطاجيكية) فيرفض مشروعات المساعدات التي تضم مستفيدين من الباشتون في مقاطعتي سامانجان وجوزجان. حتى مسلحو الهزارة الشيعة انضموا إلى معمعة الاضطهاد العرقي المتبادل بين كل الأطراف؛ حيث أوردت التقارير أنهم أوقفوا أطناناً من المساعدات كانت في طريقها إلى مقاطعة شيمتال، وقالوا لموظفي الإغاثة إن عليهم ألا يعودوا إلى هذا المكان إن كانوا يخشون على حياتهم.

كان القادة في سامانجان يصرون على الحصول على نصف أي مساعدات ذاهبة للمواطنين المقيمين فى مناطق سيطرتهم، بينما كان أحد القادة الأوزبك المحليين في إحدى مناطق مقاطعة فارياب يطلب الثلث من اى مساعدات مارة للنازحين المقيمين فى منطقة سيطرته قبل أن يسمح لها بالعبور. قال لى زميلي ب. : “لم نعد نعرف مهنة الناس ومتى يتحول الجندى إلى لص ثم متى يقرر إستئناف مهمته العسكرية مرة أخرى.” كانت المنظمات الأغاثية مجبرة على دفع أتاوات أو زيادة المساعدات حتى تغطي المحتاجين بعد إستقطاع الأتاوات منها.

كان الوضع يسوء تدريجياً وخاصة بالنسبة للباشتون الذين كانوا أقلية فى هذه الأقاليم الشمالية منذ زرعهم هناك الأمير عبد الرحمن فى القرن التاسع عشر. وبات تزويج الفتيات الصغيرات القاصرات وسيلة لدرء خطر الجوع والموت عن أفراد أسرهن. وفى بعض الحالات تم تزويج فتيات عمرهن سبع سنوات. ووصل سعر العروس (أو مهرها) الى مائتى الف روبية باكستانية (قرابة أربعين ألف دولار). عندما تُزوج طفلة صغيرة يتم نقلها لبيت أهل زوجها حيث تعامل كطفلة حتى يقرر الزوج – متى شاء – الدخول بها.

في الصباح الباكر توجهنا إلى الحدود الأوزبكية. كانت الكثبان الرملية تبتلع الطريق بتحركاتها غير المتوقعة على الأسفلت. كان نهر آمو داريا مضطربًا في ذلك اليوم لاشتداد هبوب الرياح. هذا النهر هو أول نهر أرى فيه مياهاً جارية خلال سنتين من تجولي في أنحاء أفغانستان. كم من مرات عبرنا فيها قيعان أنهار جافة، وفي بعض الحالات، بالقرب من قندهار، كان قاع النهر طريقًا أفضل للسيارة من بقايا الطريق الأصلي الوعرة.

“لم نعد نعرف مهنة الناس ومتى يتحول الجندى إلى لص ثم متى يقرر إستئناف مهمته العسكرية مرة أخرى.”

أعلام الجمعية الإسلامية التابعة لبرهان الدين رباني الطاجيكي تتنافس مع أعلام جماعة الجونبيش التابعة لدوستم الاوزبكى، والأعلام الأفغانية الملكية بدأت فى الظهور حيث تواترت الأنباء عن العودة المحتملة لاخر ملوك البلاد ظاهر شاه من منفاه الإيطالي بعد غياب زاد عن 25 عاما. أعلام الجمعية بألوانها الأخضر، والأبيض والأسود، كانت منصوبة على البيوت وبعض المكاتب، بينما كانت أعلام الجونبيش بألوانها الأسود، والأحمر، والأخضر وفي وسطها طائر، ترفرف على البوابات وأكشاك الحراسة.

رونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة (١٩٨٠-١٩٨٨) مع رئيس افغانستان السابق برهان الدين رباني في ايام شبابه عندما كان احد زعماء المجاهدين السلفيين الاسلاميين ضد الحكم الشيوعي والاحتلال السوفيتي

كان العمال النحفاء يفرغون أطناناً من أكياس القمح من عربات القطار التي وصلت من أوزبكستان إلى أحد المخازن فى بلدة هيراتون الحدودية، بينما يقوم آخرون بتحميل شاحنات من مخزن آخر بأكياس الطحين لتذهب به إلى مزار. يحصل العمال على دولار أمريكي واحد مقابل نقل 20 جوالاً كل منها يزن 50 كجم لبضعة أمتار، أي خمسة سنتات أمريكية مقابل كل جوال.

كان هناك فريق من مزيلي الألغام يعمل في منطقة قريبة منا. قائد الفريق كان قد عاد لتوه من ميمنة، عاصمة ولاية فارياب التي عثر فيها على الكثير من القنابل العنقودية الأمريكية (22 في يوم واحد) من طراز BLU97 الصفراء التي يتم إسقاطها بالمظلات. لقد أصبح الأفغان، بمساعدة بضع منظمات غير حكومية، وبفضل الهيئة التي تبعث على الأسى لكثير ممن فقدوا أطرافهم أو استقروا في المقابر بعد انفجار الألغام بهم، أصبحوا على دراية بالذخيرة الروسية، ولكنهم لم يصبحوا على مستوى الدراية نفسها بالذخيرة الأمريكية. ووثق عاملون في مجال الإغاثة ومزيلو ألغام تطاير أشلاء كثير من الأطفال من جراء الألغام، عندما كانوا يجمعون الحطب أو يرعون أغنام الأسرة. القنابل العنقودية معروفة بعدم استقرارها وهناك خلاف حول معدلات فشلها (أقل من سبعة بالمائة وفقًا للمسؤولين الأمريكيين، وأكثر من 14% وفقًا للعاملين الميدانيين في مجال الإغاثة). الفريق الميدانى قرب مزار تقوده إمراة فرنسية هى نموذج لهؤلاء الذين تركوا ديارهم للعمل في مجال تفكيك الألغام والمتفجرات التي لم تنفجر في أفغانستان. معظمهم من الجنود السابقين، من أوروبا وأستراليا، وعديد منهم عملوا من قبل في أنجولا وكمبوديا والبوسنة.

الجنرال الاوزبكي عبد الرشيد دوستم وخلفه صورة الجنرال التاجيكي احمد شاه مسعود

قبل بضعة أيام من وصولنا في إحدى المهام، كانت المعارك قد توقفت بين قوات الجمعية الإسلامية بزعامة القائد الطاجيكي المحلي محمد عطا وجماعة الجونبيش بزعامة الجنرال الأوزبكى دستم. أسفرت تلك المعارك عن مقتل أكثر من 40 جنديًا في دولت آباد وشولجارا قرب مزار. جلب دستم أكثر من 1000 مقاتل إلى المدينة واحتجت الجمعية وجلبت مقاتليها أيضاً إلى المدينة، بيد أن الصدام الحقيقي وقع خارجها.

اتفق الفصيلان على تكوين قوة شرطة مشتركة مؤلفة من 600 عنصر من رجالهما بالإضافة إلى رجال فريق ثالث، هو حزب الوحدة بزعامة القائد الشيعي الهزارة أستاذ خليلي. ولكن بعد مرور بضعة أسابيع لم ير هذا القرار النور، واندلعت اشتباكات متقطعة خارج مزار. سيطرة دستم على المدينة كانت مهتزة على أفضل تقدير، كما أنه لم يُقم وزنًا للمنظمة الدولية، وكان رجاله يتجولون في سيارات الأمم المتحدة بعد طلائها باللون الأسود، ويرفضون إعادتها للمنظمات التي فقدتها في الأيام المضطربة التي شهدت انتقال السلطة من طالبان إلى هذا الفصيل الجديد. وقد قال أحد “المسؤولين الحكوميين” لمسؤول في الأمم المتحدة إنهم قد يفكرون في إعادة السيارات عدا تلك التي تشرفت بدماء طالبان، موضحًا أن: “تلك سيارات مشرَّفة وسيتعين علينا الاحتفاظ بها”.

هذا “الشرف” لم يكن كله نتيجة قتال فوفقاً لمنظمات حقوق أنسان متعددة قتل الألاف من الطالبان إختناقاُ فى حاويات نقل بحرى مغلقة كانت مكتظة بهم أثناء نقلهم بعيداً عن المدينة. ودفن معظمهم فى مقابر جماعية مجهولة.

إحدى تلك السيارات “المشرفة” كانت تسير أمامنا وبها جنود يحملون الآر بي جي، وآخرون برزوا من نوافذها شاهرين بنادقهم الكلاشينكوف. صارت مزار الشريف التي تحيطها قمم الجبال المكتسية بالجليد، مقسمة عمليًا إلى ثلاث مناطق يسيطر على كل منها زعيم من الزعماء الثلاثة، خاصةً بعد حلول الظلام. بالقرب من مسجد غير بعيد من ساحة الفردوسي، كان جنود الجمعية يحرسون مدفعًا مضادًا للطائرات. أما عمال الإغاثة فيلزمون مساكنهم من العشاء إلى الفجر. عادت مزار الشريف إلى سابق عهدها مرتعاً للجماعات المسلحة المنقسمة على أساس عرقى وصار “المزار الشريف” نفسه، وهو إسم المسجد الذى يُزعم أن رفات الامام علي تستقر فيه والذى منح إسمه للمدينة، هو المكان الوحيد الآمن فى المدينة، يحف به الهدوء واسراب الحمام التى تحط هنا وهناك تلتقط حبات القمح قبل أن تهدأ مع غروب الشمس وتهجع فى نهاية يوم دام أخر فى أفغانستان.

الكاتب: خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *