أهل غزة بين المصاحف والسيوف ورفض الموت بهدوء!

(نُشر في موقع درج اليوم ٧ مايو ٢٠١٩)

عندما أفكر في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والمتحدثين باسمه ومؤيديه من اليمين (صهيونياً وعربياً)، وهم أكثر صراحة وظهوراً الآن في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي العربية، يقفز أمامي مشهدان. المشهد الأول للممثلة المصرية اليهودية نجمة إبراهيم وهي تلعب دور القاتلة الشهيرة في فيلم “ريّا وسكينة”، حين قالت بامتعاض بعدما انتهت من إحدى ضحاياها “محدش بياكلها بالساهل، الولية وانا باخنقها عضتني فإيدي، أكونش عدوتها!”. أما المشهد الثاني فقبله بأكثر من 1300 سنة، عندما غضب معاوية بن أبي سفيان من ارتباك عمرو بن العاص خلال معركة صفين بعد مصرع الصحابي الجليل عمار بن ياسر، الذي كان يقاتل في صفوف خصمهم، الإمام علي بن أبي طالب. كان عمرو يفكر في كيفية تدوير زوايا حديث نبوي متواتر وناصع الوضوح، جاء فيه أن قتلة عمار سيكونون من “الفئة الباغية”. رد الداهية معاوية بسرعة وبساطة: قتله من أرسله، أي أن الخليفة الراشد الرابع هو المسؤول عن مقتل عمّار لأنه أرسله للقتال!

وهكذا لم يكن القصف الإسرائيلي المسؤول الأول عن قتل 25  فلسطينياً، منهم أطفال ونساء في قطاع غزة في مطلع الأسبوع، بل حركتا حماس والجهاد الإسلامي. أليستا من وضع القتلى في مرمى النيران وجعلتا مقاتليهما يجولون بين المدنيين؟! الم يجرح قناص من الجهاد جنديين إسرائيليين واقفين على الحدود؟! وبهذا المنطق، وبغض النظر عن مدى صدقية الادعاءات، لم يعد مفاجئاً في منطقتنا أن يقول مؤيد لنظام قمعي، إن الرصاصة ليست سبب مقتل متظاهر سلمي، بل حزب سياسي معارض، دعا إلى التظاهر في وقت حرج تمر فيه البلاد، وليس الديكتاتور من يسجن بل حماقة من يكتبون ضده – حتى لو مزحة سخيفة أو شتيمة لا تأثير لها – هي التي تضعهم في الزنازين، وبالمنطق المعوج ذاته، بين قسم كبير من مؤيدي العنف المتسربل بالإسلام فإن “المجاهد” المتطرف ليس قاتلاً أو مغتالاً، بل “يرهب أعداء الله” وطالما الحق معه فما رمى إذ رمى ولكن الله رمى!

وهكذا بإعادة ترتيب قطع الحكاية وتعليلها والبدء من نقطة بعينها والاستناد إلى مرجعية مقبولة لدى السامعين، يصبح القاتل بريئاً والقتيل هو من أودى بنفسه إلى التهلكة. صورة معكوسة للحكاية التي يفضلها أنصار “الضحايا الذين كلهم أبرياء وأصحاب حق”.

كسر هذا المنطق المعوج والسردية المغرضة، لا يعني عكسها وافتراض أن المساجين كلهم أبرياء والضحايا كلهم ملائكة. بل يدعونا إلى فهم أفضل يستند إلى قواعد ومبادئ أخلاقية أوضح، لما يحدث في قطاع غزة (نعم أخلاقية!) وهو في الوقت نفسه، فهم يقترب أكثر من روايات “الضحايا” أنفسهم في القطاع وغيره، وسردياتهم، فهم مركب لا يرى الحياة أبيضَ وأسود.

وبداية هذا الفهم هو من دائرة أوسع تحيط بكل ما يحدث واسمها “الاحتلال”. ممارسات الاحتلال الإسرائيلي هي العامل المستقل الأكبر والأضخم لآليات الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبين عرب المنطقة وإسرائيل، وبين عرب إسرائيل ويهودها. بل ويجب القول إن ممارسات اليمين الصهيوني ضد عرب إسرائيل، تماثل في عنصريتها واستعماريتها ما يحدث للفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ حرب 1967: قوانين تمييزية جائرة وعقاب جماعي وجرائم ضد الإنسانية تمارسها إسرائيل كلها تحت حماية واشنطن وعجز أوروبا وتواطؤ النخب العربية أو ضعفها.

ممارسات الاحتلال الإسرائيلي هي العامل المستقل الأكبر والأضخم لآليات الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبين عرب المنطقة وإسرائيل، وبين عرب إسرائيل ويهودها.

تخيل حوالى 1.9 مليون فلسطيني في قطاع غزة يعانون من نسبة بطالة 53 في المئة، ويعتمدون بشكل شبه كامل على تحويلات مالية من الخارج وواردات تتحكم فيها إسرائيل تماماً. قطاع خاضع لما سماه مسؤول إسرائيلي “حمية غذائية”، أي تجويع متعمد وعرضة لغارات عنيفة بالصواريخ والنيران، ضد أي اطلاق نار من غزة، وكأن الأطفال والنساء والرجال غير المشاركين، كلهم مسؤولون. مليونا إنسان يعيشون تحت حصار بري وبحري وجوي من جانب إسرائيل منذ 2007، ويتعرضون لهجمات إسرائيلية شرسة وواسعة النطاق في كل مرة ينفجر فيها غضبهم الحبيس. عام 2014 مثلاً قتلت إسرائيل 2251 فلسطينياً منهم 1462 مدنياً في قطاع غزة، في الفترة ذاتها التي قتلت فيها النيران الغزاوية الضعيفة 73 إسرائيلياً، منهم 67 جندياً، أي حوالى 31 فلسطينياً، مقابل كل إسرائيلي. وكانت تلك النسبة سترتفع لو لم تكن إسرائيل شنت غزواً برياً داخل غزة في ذلك العام، وضع جنودها في مرمى نيران الفلسطينيين البدائية. وفي هذه المرة سقط 4 مدنيين إسرائيليين فقط، جراء وصول 400 قذيفة وصاروخ انطلقت من قطاع غزة.

لا شك أن ممارسات وسياسات الفئات السياسية الفلسطينية المختلفة تستحق النقد، بدءاً من الايديولوجية الجامدة حتى الفساد المحض وفوضى المبادئ وفشل السياسة.

انتهت الجولة الأخيرة من القصف الإسرائيلي هذا الأسبوع بوساطة مصرية، بأن تعهدت إسرائيل بتنفيذ اتفاق كانت أقرته منذ أوائل نيسان/ أبريل، لتخفيف القيود على قطاع غزة، بما يعني تسهيل تحويلات مساعدات قطرية مالية متفق عليها، وتسهيل المرور على المعابر الحدودية، مقابل تهدئة فلسطينية للمناطق الحدودية. وتقاعست إسرائيل عن تنفيذ الاتفاق نحو 6 أسابيع، فانفجر القطاع إما لوحده أو بفعل فاعل ربما يكون من طهران. ولكن استجابة إسرائيل تبعث رسالة واضحة لحماس ومؤيديها، مفادها أنها لا يمكن أن تخفف القبضة الخانقة القاتلة على عنقها، من دون أن تعض اليد التي تخنقها بين حين وآخر.

مفيد أن نعرف دور جماعة الجهاد ولماذا قررت إطلاق النار من قلب تظاهرة يوم الجمعة الماضي، قرب أسلاك إسرائيل الشائكة فجرحت جنديين إسرائيليين! ومفيد أن نعرف إذا كان لهذا علاقة بإيران، إذ يرى محللون مختلفون أن طهران دفعت حركة الجهاد الإسلامي لتسخين الأوضاع في غزة في ضوء التوتر المتصاعد بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. هؤلاء المحللون أتباع مذهب السياسة الواقعية والبحث عن المصالح المادية الضيقة، لا يرون في ما حدث في غزة هذا الأسبوع سوى لعبة إيرانية. يضعون العربة أمام الحصان والنتيجة أمام السبب، ثم يندهشون بأننا لا نتفق معهم في التحليل، وبأن إيران قد تكون فعلاً دفعت جماعة أو شخصاً للتصعيد في غزة. ولكن من دون سياق غزة لم يكن هذا ليتحول حرباً، ولم يكن ليُقتل كل هؤلاء الفلسطينيين. والأسباب الهيكلية قائمة في غزة ذاتها، إضافة إلى ممارسات الاحتلال اليومية وظلمه البيّن، والمهانة والتدهور الذي وصل بالقطاع إلى حافة الانهيار، ووقوع قتلى بأعداد كبيرة بين المدنيين، منذ غارات 2008.

وفيما سرديات اليمين الصهيوني معروفة المصدر العنصري والاستعماري، فإن سرديات اليمين العربي (المعادي للفلسطينيين) تنبع من تفضيلات سياسية لدى حكومات ونخب معينة هي في عداء مع إيران وتركيا بشكل أساسي، ولا ترتاح لأفكار المقاومة والثورة عموماً، بخاصة لو كانت تأتي من باب جماعات إسلام سياسي، لا تخضع لأولويات النخب الضيقة الحاكمة. وتربط هذه السرديات معظم الأفعال العنيفة الخارجة من قطاع غزة بتأثير إيراني (وبدرجة أقل تركي)، ساع لتخفيف الضغط المتصاعد على الدولة الفارسية الشيعية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل وخلفهما مالاً وتهليلاً، السعودية والإمارات.

معاوية هو قاتل عمار بن ياسر، ولكن عليّاً هُزم في ميدان السياسة والخديعة، بعد رفع جنود معاوية مصاحفهم على اسنة الرماح. وهكذا بعد 1400 عام، يجد الفلسطينيون أنفسهم واقعين بين السيوف والمصاحف، بيد أن معظم النصال ضدهم والقرآن كما قال الإمام علي، لا ينطق! وسيظل من حق من يُقتَل أن يعض يد قاتله بغض النظر عمن اقترح عليه هذه الفكرة ولماذا.

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

تعليق واحد على “أهل غزة بين المصاحف والسيوف ورفض الموت بهدوء!”

  1. أعجبني كثيراً البداية الدرامية للمقال، وكذلك الإسقاط التاريخي الرائع، والذي كان له دور السحر في تسهيل المعنى أ الهدف المقصود من المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *