الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة 3 من 9)

( نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ٣ ديسمبر ٢٠١٣ وللاسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

هناك آلاف الكتب وأوراق البحث والمقالات الصحفية حول صناعة السياسة الخارجية الأمريكية، عن الخلافات الشخصية والمؤسسية بين وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، أو بين البيت الأبيض والكونجرس، أو بين وزارتي الدفاع والخارجية ومؤسسة الاستخبارات متعددة الاذرع، وكل هؤلاء المسؤولين في الحكومة يتعرضون لسيل لا ينقطع من الاتصالات من جماعات المناصرة والضغط الساعية في ممرات الكونجرس والوزارات أو من الصحافة والجامعات، وأخيرًا، من مظاهرات شعبية تخرج كل حين واخر من اجل قضية تهم السياسة الخارجية كما حدث في عام ٢٠٠٣ ضد الحرب الوشيكة آنذاك على العراق. ومن المفيد قراءة الصحف الجادة لنعرف تفاصيل الاحتكاكات والتداخلات بين الوزارات والوكالات المختلفة في العاصمة واشنطن، ولنعرف أسماء وتفضيلات وأولياء نعمة مئات من الكيانات والتجمعات والشركات والاف الافراد الذين يسعون كلهم للتأثير على السياسة الخارجية الأمريكية كل يوم، وكل ساعة.

احتجاجات امريكية عارمة ضد الحرب الوشيكة على العراق في شتاء ٢٠٠٣ امام الكابيتول هيل مقر الكونجرس الامريكي

يرى السائر في أروقه الكونجرس الأمريكي أو مراكز الأبحاث وشركات المحاماة والضغط والتمثيل السياسي في القريبة في المدينة الصغيرة نسبيًا أساتذة جامعات كانوا باحثين في مراكز ثم مساعدين لرجال كونجرس أو أعضاء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو خرجوا منهما ليترأسوا مراكز أبحاث أو عادوا للجامعة مرة أخري أو يجلسون على أحد مقاعد مجالس إدارات الشركات الضخمة أو.. أو.. أو.. إنها سياسة الباب الدوار التي تجدد الدماء في شرايين السياسة والصناعة والأكاديمية والشركات ومراكز الأبحاث في واشنطن بحيث يمتزج النظري مع العملي مع الربحي مع غير الهادف للربح في هذه المدينة التي تتلاقح فيها أفكار السياسة والبيزنس والمجتمع المدني والأمن طوال الوقت.

التقيت مارتن إنديك عدة مرات في حياتي المهنية وفي كل مرة تقريبا كان يقوم بمهمة مختلفة بعد ان ترك العمل مع اللوبي الإسرائيلي (ايباك AIPAC أو اللجنة الشؤون العامة الامريكية لإسرائيل) في الثمانينيات. بعدها بسنوات قليلة صار أول مدير تنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الذي أنشئ بدعم من أنصار إسرائيل ليكون صوتًا مؤثرًا في صناعة سياسات أمريكا في المنطقة. وقد صار المعهد والعاملون فيه من افضل الباحثين في ذلك المضمار تقنيا واقدرهم على الوصول لاذان الساسة في العواصم العربية والغربية، وفي التسعينيات صار انديك مسئولا في مجلس الأمن القومي ثم مساعدا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى. وخرج انديك عبر الباب الدوار في نهاية عصر الرئيس بيل كلينتون ليصبح أكاديميا مرة أخري وهو الحاصل على درجة دكتوراه من الجامعة الوطنية في استراليا، ومن مكاتب الجامعة إلى مكاتب معهد بروكينجز للافكار في قلب شارع ماساتشوسيتس شمال البيت الأبيض، ثم إلى الإدارة مرة أخرى في عصر الرئيس باراك أوباما مسئولا في البيت الأبيض عن مساعي استئناف محادثات السلام في الشرق الاوسط، ثم العودة الى بروكينجز، نائبا لرئيس مركز الأبحاث المهم منذ عام ٢٠١٤. وهكذا وفي كل هذه الاوقات كان يكتب ويجري مقابلات وينصح زعماء ويكسب أموالا و…

مارتن انديك في اقصى اليمين وجواره وزير الدفاع السابق رامسفيلد ثم رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل ارييل شارون ثم الدبلوماسي والاكاديمي الامريكي بول وولفويتز

هناك مئات مثل السيد انديك.

وزراء الخارجية السابقون هنري كيسنجر وسوزان رايس وكوندوليزا رايس ومادلين أولبرايت وغيرهم كثيرون خرجوا ودخلوا من هذا الباب الدوار بين الأكاديمية والسياسية الخارجية وأسهموا في التنظير لسياسة البلاد والتفكير فيها وهم داخل وخارج الخدمة.

من اليمين لليسار وزراء الخارجية السابقون: جون كيري (عضو مجلس شيوخ سابق ومحام)، وهيلاري كلينتون (محامية ومستشارة في الكونجرس وعضو مجلس شيوخ سابقة)، وكولين باول (جنرال سابق وعضو مجالس ادارات متعددة حالي) ومادلين اولبرايت (مساعدة في مجلس الشيوخ، واستاذة جامعية، ومستشارة في مجلس الامن القومي، عضو مجالس ادارات)، جيمس بيكر (محام وسياسي سابق) وفي اقصى اليسار ناظرا للناحية الاخرى هنري كيسينجر الذي لم يتوقف عن الانشغال بالسياسة الخارجية والتكسب منها منذ خروجه من الوزارة منذ نحو ٤٠ عاما.)

ولعل أهم مقاربة لفهم نظري للسياسة الخارجية الأمريكية هو التقسيم الذي وضعه الأكاديمي المؤثر والتر رسيل ميد. ويفترض ميد وجود أربع مدارس رئيسية تشكل السياسة الخارجية الأمريكية عمومًا، وكل منها أقرب لتوجهات رئيس أمريكي عبر عن هذه التوجهات السياسية بقوة. وتنتسب أول المجموعات للرئيس الكسندر هاملتون وتدعو إلى أن تخدم أي سياسة خارجية وضع الولايات المتحدة في الاقتصاد العولمي. ويؤمن اتباع مدرسة الرئيس وودرو ولسون بأن على الولايات المتحدة واجب أخلاقي، هو في نفس الوقت يخدم مصالح الأمة، في نشر الديمقراطية والقيم الاجتماعية الأمريكية في أنحاء العالم. والمدرسة الثالثة، التي تتخذ الرئيس توماس جيفرسون مثلًا، تعارض المدرستين السابقتين وتؤمن أن الولايات المتحدة يجب أن تحمي قيم الحرية والديمقراطية فقط داخل حدودها (وملناش دعوه باللي يحصل بره وكده). وسخر اتباع جيفرسون من أنصار هاميلتون واهتمامهم بالاندماج في الاقتصاد الدولي وانتقدوا بشده طوباوية مؤيدي ولسون (الشهير بحق تقرير المصير بعد الحرب العالمية الأولى) لأن محاولة الاندماج في الاقتصاد الدولي مثلما نادي هاملتون أو إعادة خلق العالم على صورة الولايات المتحدة كما أراد ويلسون سينتهي بها الأمر إلى توريط أمريكا مع “حلفاء كريهين في الخارج أو المخاطرة بالدخول في حرب.” والمدرسة الرابعة والأخيرة تحمل أسم الرئيس اندرو جاكسون وهدفها الرئيسي في السياسات المحلية والخارجية هي “الأمن الفعلي والرفاهية الاقتصادية للشعب الأمريكي” وإتباع وسائل تصل لحد الاعتداء والهجوم العنيف بما فيها التدخل العسكري إذا كان هذا يخدم مصالح البلاد.

أما الصحفيين والمعلقين المتعجلين والذين يجدون أن أربع مدارس عدد كبير فيقسمون واضعي السياسة الخارجية الأمريكية إلى فريقين: الواقعيون والمثاليون. وفي تصورهم يركز الواقعيون (ومعظم العاملين بالسياسة الخارجية في العالم أقرب للواقعية وخصوصا بعد انهيار عدة أحلام كبرى في التسعينيات عقب انهيار الاتحاد السوفيتي) على المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية بينما يعني المثاليون أكثر بالقيم والمبادئ المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وافكار اقتصاد السوق. وفي الممارسة الفعلية اليومية بالطبع يصعب رسم خط واضح بين الفريقين وتختلط المسائل حتى داخل الشخص أو المؤسسة الواحدة.

ومن هذا المنطلق يرى البعض ان حرب العراق (2003) كانت مدفوعة بمزيج من الأهداف الواقعية والمثالية في تلاقي لا يتكرر كثيرا بين الويلسونيين والجاكسونيين، بين مؤيدي نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان(ولو بالقوة) من ناحية والمدافعين عن الحق في استعمال القوة لحماية المصالح بغض النظر عن القانون الدولي، من ناحية اخرى. وهكذا تبلورت أهداف حرب لم يكن من الضروري ان تنشب كما يوضح دبلوماسي واكاديمي عتيد اخر هو ريتشارد هاس في كتابه “حرب ضرورية وحرب اختيارية”. وكان من أهداف حرب العراق تحويل هذا البلد من دولة سلطوية يحكمها طاغية، قد يحقق أهداف أمريكا أحيانا ولكن يستحيل التنبؤ بأفعاله أو تصرفاته، إلى دولة ديمقراطية ولكنها طيّعة ورأسمالية ولا تعادي التوجهات الأمريكية الإقليمية. وفي نفس الوقت كان بين اهداف الحرب المعلنة القضاء على نظام صدام بسبب “دعمه للإرهاب” وإثارة الاضطراب في الشرق الأوسط. وآمن عدد لا يستهان به من صناع السياسية الأمريكية بان صدام كان يمثل هذا التهديد الجديد تحت تأثير معلومات سيئة او مغلوطة من المخابرات المركزية الامريكية. وبالطبع كان وجود النفط في المنطقة والخشية من سيطرة مبالغ فيها لصدام على منابعه في بلدين رئيسين في إنتاجه هو الإساس الصلب لهذه الحرب.

لكن الزواج بين الحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطية على خلفية نفطية هو زواج على ورقة طلاق ولم يستمر طويلا وصار هدف الديمقراطية مجرد أداة، بل وأداة تهدد المصالح الأمريكية قصيرة الأجل عندما تجلب للحكم أحزاب أغلبية قد تتحالف مع إيران أو تعادي اسرائيل أو تقلق النظم السلطوية في المنطقة. ومع هذا لا يجب استبعاد نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان بصفتها مجرد “ديكور” أو ذر للرماد في العيون لأنها قيم ونظم متصلة ومتناغمة في معظم الاحيان مع الخطوط العريضة للمشروع الأمريكي. ففي اليابان وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال كانت الديمقراطية بوضوح جزء رئيسي وأصيل من مشاريع حلف الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة من اجل إعادة تأسيس دول المحور المنهزمة لضمان إلا تنزلق مرة أخرى إلى الفاشية أو النازية أو حكم العسكر.

وتهدف السياسة الواقعية الأمريكية في الشرق الأوسط عادة إلى تأمين إسرائيل وتدفق النفط، وبالتالي أيضا ضمان الاستقرار (أو الركود) في المنطقة مع سيطرة ايمان عميق بمقولة ان الشيطان الذي تعرفه أفضل من الشيطان الذي تجهله. ولكن هذين الهدفين الرئيسيين لم يعدا الوحيدين في الساحة. ويعتقد فالي نصر ويعمل حاليا عميدا لكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز في واشنطن (وعمل مستشارا من قبل لعملاق السياسة الخارجية الأمريكي ريتشارد هولبروك) أن جهود مكافحة الإرهاب صار لها مكانة مهمة فأصبحت السياسة الأمريكية بالمنطقة سيارة بثلاث عجلات: النفط وإسرائيل والإرهاب.

كتاب فالي نصر الذي يحذر من ان بلاده تتحول الى امة لا حاجة لها

السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط – وفقا للأكاديمي اللبناني الفرنسي البارز جلبير أشقر في كتابة “الشعب يريد” – مجال يسيطر عليه أصحاب المدرسة الواقعية الأمريكية. ويتفق معه انديك، المساعد السابق لشؤون الشرق الأدنى في الخارجية الأمريكية. ويرى انديك أن واشنطن سعت دومًا لإيجاد توازن بين المصالح الوطنية وبين القيم الأمريكية “ولكن في الشرق الأوسط، تجاهل كل رئيس أمريكي منذ فرانكلين روزفلت هذا التوازن من أجل مصالحنا الوطنية وقلل من أهمية نشر القيم الديمقراطية لأن للمنطقة أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لنا”.

ويبدع الأستاذ الجامعي الأمريكي تيموثي ميتشل – وله عدة كتب مهمة عن مصر – في تضفير علاقة القوة غير المتكافئة بين المصالح الامريكية المتصارعة، من جهة، والقيم المتنازع عليها، من جهة أخرى، في كتابه الصادر 2011 تحت عنوان “ديمقراطية الكاربون”. يرى ميتشل أنه جرى استغلال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحق في تقرير المصير للشعوب، ومبادئ أخرى، كأدوات من أجل دعم وتوطيد المشروع الرأسمالي في المنطقة حيث ان هذه الأدوات تكون في أحيان كثيرة أكثر كفاءة من النظم الديكتاتورية الوحشية في تأمين مصالح المشروع الأمريكي. وببساطة يرفض ميتشل ما يري أنه تقسيم حاد وزائف بين المصالح والقيم الأمريكية.

ولا يعني هذا أن المفكرين النقديين مثل ميتشل وأشقر يعتقدون أنه يجب فقط التفكير في تدفق النفط وأمن إسرائيل كمحددات لسلوك وسياسة أمريكا في المنطقة ولكنهما يؤمنان أن الهدف الرئيسي لأمريكا دائما كان توطيد استقرار المنطقة عن طريق السيطرة السياسية وضمان المصالح الاقتصادية وتظل الأهداف الأخرى ثانوية ولكن لا يمكن استبعادها أو النظر إليها على أنها أكاذيب تستخدم لتغليف المصالح المادية.

، تيموثي ميتشل، استاذ دراسات الشرق الاوسط في جامعة كولومبيا في نيويورك

ولنبدأ بأصل الحكاية، النفط:

ما زالت الولايات المتحدة الضابط (والضامن) الأساسي لتدفقات النفط من الشرق الأوسط. وتوفر الدول العربية النفطية ثلث إنتاج العالم من النفط (أو نحو ١٤٪ من احتياجات العالم من الطاقة) وفيها نصف احتياطيات العالم من النفط وهي المورد الرئيسي لأوروبا والصين واليابان. . ورغم أن الولايات المتحدة لا تعتمد على نفط الخليج من أجل احتياجاتها من الطاقة فأن النفط حيوي لدول كبري تؤثر أي هزة كبرى في اقتصادياتها على الاقتصاد الدولي المتشابك، وبالتالي فستؤثر سلبا على الولايات المتحدة نفسها. فمثلا ورغم الصراع الأخير على التعريفات التجارية والاغراق والاحتكار بين واشنطن وبكين فان الولايات المتحدة لا يمكنها ان تدفع الصين للغرق او تهز اقتصادها بقوة لأن العواقب سيئة، فالصين مثلا من بين كبار الدول المستثمرة في سندات الخزانة والدين الأمريكي (تمتلك ١ر١ تريليون دولار من السبعة تريليونات ديون خارجية مستحقة على الولايات المتحدة)، وتلي اليابان الصين حيث تمتلك تريليون اخر من الدولارات في شكل سندات خزانة مستحقة على الحكومة الأمريكية.

وتاريخيا كان النفط هو من جذب الولايات المتحدة للمنطقة وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية عندما صارت الولايات المتحدة هي الدولة الخارجية المهيمنة على الاقليم وضامن الأمن للأغنياء من دولها لتحل تدريجيا محل بريطانيا وإلي حد أقل فرنسا. كانت أزمة السويس في 1956 وفشل العدوان الثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر بسبب الموقف الأمريكي والروسي مؤشر نهاية سبعين عاما من السيطرة الامبريالية الفعلية من جانب باريس ولندن والتي تم تدشينها في اتفاق سايكس بيكو 1904 لتقسيم المنطقة بين البلدين. وجرى تدشين العلاقات الجديدة بين الولايات المتحدة والسعودية في لقاء قمة شهير على متن الطراد الحربي الأمريكي كوينسي في ١٩٤٥ في البحيرات المرة في مصر.

الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة، والرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت في لقائهما التاريخي

 وتظل السعودية أكبر منتج للنفط في العالم كله (عشر الإنتاج الكوني) وهي مثال جيد على خضوع القيم الأمريكية بالكامل لمصالحها الإستراتيجية، إذ لا يوجد دستور حقيقي في السعودية ولا برلمان فعلي وتحتفظ العائلة المالكة بسيطرتها على كل المناصب الرئيسية وعلى تدفق الثروة الوطنية وتوزيعها من خلال سلطة مطلقة يتزعمها الملك، ويضفي شرعية على هذه السلطة تحالف، بدأ يتعرض لضغوط، بين العائلة المالكة وكبار رجال الدين الوهابيين المحافظين الذين يسيطرون على المؤسسات التعليمية والقضاء العام. وقد وارت الرمال، بسبب العجز والمرض، كل أولاد الملك المؤسس. ومنذ ٢٠١١ تُوفي عبد الله وسلطان ونايف وأصغرهم في نحو الثمانين من العمر، ولم يبق في سدة الحكم سوى سلمان الذي يُعتقد أنه يعاني من مرض الخرف، بينما صارت السلطة فعليا في يد ابنه محمد، الذي صار وليا للعهد في يونيو ٢٠١٧. ومع صديقه ولي عهد الامارات محمد بن زايد، انفتح الباب أمام قيادة جديدة للنخبة النفطية، قيادة غير معنية بمعظم تقاليد ومؤسسات امارات وممالك الخليج،  بل تعتقد ان بقاء أسرها في السلطة، معتمد على أعادة تشكيل هذه المؤسسات، وعلى التدخل في المنطقة والقيام بنفسها، بما كان يقوم به الراعي الأميركي، بل والتفكير في مخرج اقتصادي من مأساة النفط الآخذ ريعه في النفاد. شباب يحب ويجيد التشحيط والتفحيط والتزلج على الرمال وليس معنيا بليال الشواء والصحراء. وكان دفاع ترامب المستميت عن بن سلمان بعد تورط قتلة مقربين من ولي العهد السعودي في اعدام وتقطيع جثة الصحفي المعارض جمال خاشوقجي دفاعا مستميتا ومكشوف الوجه حيث أشار ترامب صراحة لأهمية مبيعات السلاح الامريكية للسعودية.

ترامب وسلمان والسيسي يفتتحون مركزا لمناهضة الارهاب في السعودية


واستثمرت السعودية وحليفتها الامارات قبلها في الولايات المتحدة بقوة في السنين العشرة الماضية لاقامة وتمتين شبكات علاقات متشعبة مع كتاب أعمدة وصحفيين ومسؤولين سابقين وومراكز أبحاث متعددة وجامعات، اضافة الى زعماء جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. وبعد ٢٠١١ ومع صعود الثورة المضادة في عدة بلدان عربية او انزلاقها لحرب أهلية تشكّل نظام أمن إقليمى جديد مدفوعا بتبعات الانسحاب الأمريكي من لعب دور الراعي الرئيسي، والتمدد الروسي والإيراني والتركي في المنطقة. وصار هناك حلف اميركي-اسرائيلي-سعودي- أماراتي. السعودية والامارات تحاربان في اليمن وتدعمان باشكال مختلفة وكلاء وعملاء وحلفاء في العراق وسوريا وليبيا. والقوى الغربية، فرنسا وبريطانيا وامريكا، صارت تورد اسلحة و/أو تقوم بضربات عسكرية بنفسها مباشرة عندما يتراءى لها ضرورة القيام بهذا في اليمن وسوريا وليبيا.

ترامب يحمل لافتة بمبيعات سلاح امريكية للسعودية مع محمد بن سلمان


ومع كل هذا، فالعصر السعودي/الاماراتي غير مستدام وغير قادر على البقاء لاسباب عديدة منها التحول الهيكلي في أسواق الطاقة الكونية مع ازدياد توفر النفط الصخرى السطحي وانخفاض تكلفة انتاج طاقة الرياح والشمس والمصادر المتجددة الاخرى، اضافة الى التوازنات الديمغرافية وعدم الاستقرار السياسي في الدول الضخمة مثل العراق ومصر وسوريا، وانتهاء بالنجاح النسبي لإيران في الدفاع عن نفسها بل وفرض دور متعاظم في المنطقة، رغم ضغوط أمريكية وإقليمية عنيفة منذ ثورة ١٩٧٩ التي قطف الخميني وولاية الفقيه ثمارها.
مداخيل النفط والغاز مصدر القوة الوحيد تقريبا للرياض وأبو ظبي، ولكن هذه القوة الخشنة (دبلوماسية الشيكات المصرفية) تتآكل بانتظام، مع تزايد احتياطيات الطاقة ومصادر توليدها الأخرى الجديدة في انحاء العالم. ورغم مساعي التجديد والإصلاح من جانب النخب السلطوية الحاكمة أو القاتلة في شتى انحاء المنطقة، ومحاولات اجتذاب الشباب الذي تزيد نسبتهم عن ستين في المائة في بعض هذه البلدان، لا يبدو أن معظم الشباب يهتمون بمقولات وحجج ومشاريع هذه الانظمة المفلسة، بينما يفيض الإيمان العدمي عند بعضهم ليمدهم بالوقود اللازم لمواجهة دموية يسمونها جهادًا.

ثم جاءت إسرائيل:

وتسبق إسرائيل السعودية في الحظوة لدى الولايات المتحدة. وترتكن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية على مزيج مركب من الاهتمامات والأولويات السياسية المحلية بالنسبة للولايات المتحدة وخاصة تأثير التجمعات اليهودية والإنجيليين المسيحيين اليمينيين مفرطي الدعم لإسرائيل. وحولت حرب 1967 والانتصار الإسرائيلي الساحق فيها هذه العلاقة الي تحالف استراتيجي أصبحت داخله إسرائيل جزء حيويا من سياسات الحرب الباردة الأمريكية في الشرق الأوسط. وأصبحت إسرائيل والسعودية قائدتا الجهود الأمريكية ضد الشيوعية والاتحاد السوفيتي في المنطقة دون أن يكون بين البلدين أي علاقات دبلوماسية بل احتفظنا بعدائهما العلني.

وإذا كان النفط وإسرائيل هما المحركان الرئيسيان لسياسة واشنطن في المنطقة إلا أن هناك عوامل أخري مهمة منها الأمن والاستقرار الإقليمي للنظم السلطوية ونشر الديمقراطية!

وأدرك جيدا كم التناقض في الجملة السابقة حيث تسعي واشنطن لدعم نظم ديكتاتورية سلطوية ونشر الديمقراطية في نفس الوقت ولكن السياسة الخارجية الأمريكية لا تري في هذا تناقضا. فإذا كنت ديكتاتورا تملك عشر نفط العالم لن يضغط عليك أحد لفتح المجال السياسي إلا اذا ارتكبت حماقات غير مقبولة (مثل قتل خاشوقجي) ولكن لو كنت ديكتاتورا دون نفط في اليمن مثلا ففرصك في دعم مركزك أمام واشنطن ستكون إقناعها أن لا أحد غيرك سيفتح البلاد أمامهم من أجل ملاحقة أعضاء القاعدة (مثل على عبد الله صالح)! أما لو كنت ديكتاتورا لا فائدة منك كثيرا او تهدد مصالحي او مصالح حلفائي ينفتح الباب الواقع دائما تحت ضغط من العاملين في مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان سواء داخل المؤسسات الحكومية الامريكية او في المجتمع المدني. اذن ببساطة المسألة ليست نفاق وازدواجية معايير بالضبط بل هي تدافع بين روافد متنوعة لصنع السياسة الخارجية تنعدم فيها مصالح طرف أحيانا فتسود مبادئ واهتمامات الآخر (ضرب القذافي في ليبيا مثال) أو تتلاقى الأهداف التي تخدم المصالح والمبادئ سويا (ضرب العراق مثال اخر) أو تتسيّد المصالح على المبادىء وسط صراخ مكتوم من انصار المبادىء (مثل حالة سوريا).

 السياسة الخارجية أقرب للشطرنج من تنس طاولة، وعلى من يمارسونها التركيز على كرات كثيرة تتقافز من حولك في نفس الوقت (متفاوتة الاحجام والضغط والتأثير وراسخة في مكانها على الرقعة حتى تحركها) وعلى احتمالات عديدة جدا للعب وتغيير المسار ومباراة قد تنتهي غيلة في ثوان او تستغرق أياما وربما لا تنتهي بفوز أي من الطرفين.

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *