الطريق إلى قندهار

هذا هو الفصل الثاني من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي

كانت الشمس توشك على الإختفاء خلف محال سوبرماركت –  وهو السوق الكبير المواجه لمكتبي فى إسلام أباد – عندما تلقيت إتصالاً هاتفياً. سنذهب إلى قندهار فى الصباح التالي. قندهار، قلب الطالبان النابض منذ خرج عليها ومنها هؤلاء الطلبة فى عام 1995 مدعومين من المخابرات الباكستانية ليستولوا على المدينة ثم معظم البلاد. وحتى بعد الغزو الأمريكي وانهيار سلطة الطالبان فى كابول فى عام 2001، لم يستغرق الأمر عدة أشهر حتى تحولت المناطق المحيطة بقندهار فى أقاليم هلماند وزابول وأوروزجان الى معاقل موزعة لفلول الطالبان التى عادت للتجمع والتجنيد ثم ما لبثت أن صارت عدواً ذا بأس يستعمل الكمائن والشحنات الناسفة والانتحاريين ضد قوات حلف الأطلسي بل ويدخل أحياناً معهم فى مواجهات حادة حتى أواخرعام 2009 وانا أعمل فى إعداد المسودة الأخيرة لهذا الكتاب. ولم تنقطع كثيرا طوال العشرة أعوام الماضية منذ نشر هذا الكتاب مساعي حلف الاطلسي – او بمعنى ادق واشنطن – للتفاوض مع الطالبان (هناك مفاوضات جدية دائرة في ابريل ٢٠١٩) لتقسيم السلطة بينهم وبين الفئات الاخرى في افغانستان وخاصة تلك المسيطرة على الحكومة الشرعية في كابول حاليا.

مع مزارعين في مشروع لاستصلاح المصادر الجوفية للمياه في جنوب افغانستان عام ٢٠٠٠

قندهار منبع أول دولة فى أفغانستان العصر الحديث حيث خرج منها أحمد شاه دوراني الزعيم الباشتوني فى عام 1747 ليصبح أول زعيم من الآفغان يسود رقعة واسعة من هذه البلاد. وحتى ظهوره كانت السيطرة على أفغانستان محل تناوش وتنازع مستمر بين الصفويين الفرس فى الغرب ومسلمي الهند المغول في الشرق والجنوب والاوزبك في الشمال طوال 250 عاماً.

قندهار هى قلب قبائل الباشتون التى طالما أزعجت القوى الإستعمارية المحلية والأقليمية والدولية وصارت شوكة لا يستهان بها فى حلق قوى التحديث الأفغانية (وبعضها من الباشتون) المتحالفة مع الولايات المتحدة والعالم الغربى من أجل ضمان عدم عودة الطالبان إلى السلطة وبالتالى – وفقاً للتفكير الأستراتيجى لحلف الأطلسي – عودة أفغانستان مآوى أمناً للجهاديين المسلحين. بعد تلك الزيارة بسنوات سيفتتح الامريكان محادثات مع طالبان من اجل إيجاد تسوية سياسية بعد حرب استمرت قرابة عشرين سنة.

إلى قندهار إذن.

* * *

طرنا فى الصباح المبكر إلى كويتا عاصمة إقليم بالوشيستان فى غرب باكستان. لم أكن سعيدا بأننى سأخسر عطلة نهاية الإسبوع التى خططت لها خلال أيام العمل الطويلة الساعات. أزعجني أكثر أننى كنت قد طلبت من الإدارة ترتيب الرحلة قبل فترة وردوا علي قائلين أنه لا يمكن ترتيبها هذا الشهر. كنت قد بدأت التطلع لعطلة نهاية الإسبوع حين دق الهاتف اللعين. والآن على الذهاب مرة أخرى؟ أسافر أكثر مما أحب إلى درجة أننى عندما يتيسر لي قضاء عطلة قصيرة او يوم جمعة فى منزلى فى إسلام آباد لا أعود أدري ماذا يمكني أن أفعل بنفسى!

عبرت رحلة الخطوط الجوية الباكستانية فوق عدة مطبات هوائية ثم هبطت دون أى كياسة على ممر مطار كويتا كأنما ظهرت الأرض فجأة تحت عجلاتها. وضعنا حقائبنا فى الغرف الضخمة في فندق سيرينا وهو جزء من سلسلة فنادق بنفس الأسم مملوكة للأغا خان، زعيم الطائفة الإسماعيلية. خرجت أنا ورفيقي  الصحفي الأسترالي كريستوفر كريمر[1] نكتشف المدينة فى الساعات القليلة المتبقية من المساء. على بعد مائتي متر من الفندق وجدنا سيارة أجرة لتأخذنا إلى بازار السجاد، نضيع بعض الوقت حتى يأتي موعد النوم. سألت السائق إن كان يعرف أين يقع بازار جول (وتعنى الزهرة باللغة البالوشية) فأشار برأسه ما يعنى إيجاباً (أو هذا ما أعتقدته خطأً). بعد عدة شوارع إلتفت إلي نفس السائق قائلاً: ولكن أين هذا البازار؟

درنا عدة مرات حول نفس المباني فى قلب امعاء المدينة الدقيقة وشوارعها الضيقة حتى أصررت على ان تتوقف السيارة السوزوكي الضئيلة التى كنا منحشرين داخلها. بوقوفها سدت سيارتنا الشارع الضيق. يجب أن نسأل أياً من المارة عن الطريق. حاولت بكلمات الأوردو القليلة التى أعرفها أن أسال أول عابر عن بازار الزهرة. كانت لغته الاورود مثل لغتي، مهشمة، فتحولت إلى الإنجليزية التى لم تساعدنا كثيراُ. حاول السائق التدخل باللغة البالوشية. لم أستبشر خيراً. كنت قد فقدت الثقة فيه. محبطأ سألت العابر بالاوردو عن موطنه الإصلى محاولاً إيجاد لغة مشتركة. رد بإنجليزية كسيحة: From Palestine . ضحكت قائلا: لم أعرف أن الشتات الفلسطينى وصل إلى هنا. وبعربيته القادمة من قلب قطاع غزة قال لى: بلاد الله، أرض الله . بس انا والله بعرفش فين هادا البازار.

هناك فلسطينيون كثيرون فى باكستان حيث تلقى العديد منهم منحاً تعليمية للدراسة فى الجامعات الباكستانية ومنهم من عملوا بعد ذلك بالصحافة أو بالتجارة ولكن أغلبية الفلسطينيين هناك من الطلاب. كان للفلسطينيين أيضاً دور مهم فى نشأة وبلورة أيدلوجية الجهاد عن طريق الشيخ عبد الله عزام الذي ولد قرب جنين فى الضفة الغربية ولكن حياته انتهت بالاغتيال فى بيشاور فى نهاية الثمانينيات بعد أن أسس وقاد لسنوات طويلة مكتب خدمات المجاهدين المسؤول عن رفد المنظمات الأفغانية بمئات من المقاتلين العرب.

عبد الله عزام .. من فلسطين الى تنظيم الجهاد ضد السوفييت من باكستان

***

كويتا مدينة لم تهتم بها النخبة الباكستانية العسكرية الإقطاعية كثيراً منذ إنشاء الدولة فى عام 1947 فاستمرت معظم شوارعها متربة غير معبدة وولاءاتها القبلية مسيطرة إن لم تكن أقوى وتنزع إلى المحافظة الإجتماعية. ولولا اكتشاف إحتياطيات غاز ضخمة فى إقليم بالوشستان لم تكن عاصمتها كويتا ربما لتلقى أى إهتمام. هو نفس الغاز الذى لم تهتم النخبة الحاكمة من البنجاب او السند كثيراً بأن يكون له مردود مباشر على قبائل بالوشستان التى سرعان ما تمردت ودخلت فى صراعات دموية مع النخبة العسكرية الحاكمة. لم نر فى كويتا أى نساء حاسرات الرأس أو الوجه تقريباً وحتى المتحجبات والمنقبات قليلات كن فى الشوارع. الرجال يسيطرون على الفضاء العام.

كانت كويتا جزءاً من أفغانستان تحت حكم الزعيم الأفغاني أحمد شاه دوراني فى القرن الثامن عشر، بل كانت لاهور (الآن فى باكستان) وسرينجار (الآن فى الهند) جزءاً من أمبراطورية دوراني الباشتونية (منذ مائتى عام فقط).

***

خرجت وكريستوفر من التاكسى وسرنا على الإقدام. قمنا بمحاولتين فاشلتين للاستدلال على الطريق بعد معلومات خاطئة أدلى بها عابرو سبيل وركوبة سريعة فى عربة ريكشا. نسير فى شوارع نجهلها عابرين تواريخ لا نعرفها (قال لى صديق فى إسلام أباد فيما بعد ان المقهى الذى توقفنا فيه لشرب الشاي فى كويتا كان المركز الرئيسي في الماضي لاجتماعات حركة المقاومة البالوشية).

توقف صديقي امام محال بيع أواني طهي ألمنيوم وسأل شاباً صغيراً عن البازار.

  • “جول بازار. جول بازار. لا يوجد جول بازار،” رد الشاب بعدم إهتمام.
  • “سجاجيد. محال سجاجيد،” قلت له متسائلاً.
  • “آه . تعنى جول ماركت. هل انت مسلم؟”
  • “نعم”
  • “إذن سأقول لك الآن أين يوجد جول ماركت ولكنى لم أكن لأدل هذا الرجل” (مشيراً الى كريستوفر الذى كان منشغلاُ بالنظر الى أواني مياه بلاستيكية غريبة الشكل).
  • “لم تكن لتدل صديقى! لماذا؟”
  • “لأنه كافر،” قال ببساطة وهو يبتسم ويضحك.

إندهشت لأن مظهره والصور الرخيصة للفنانات الهنديات المتضخمات الأثداء فى ملصقات أفلام معلقة فى محله لم تكن تشي بأى أفراط فى التدين. ربما كان يسخر ولكنها سخرية مريرة.

كان جول ماركت او جول بازار على بعد شارع واحد!

عدة محال متهالكة فى مبنى واحد ضخم مؤلف من عدة طوابق. نزلنا عدة سلالم محطمة الزوايا الى باحة واسعة مظلمة قليلاً ومتربة. كانت معظم المحال مغلقة إذ ضاعت منا ساعتان فى البحث عن الطريق حتى صارت الساعة تقترب من التاسعة مساءً. جلسنا على الأرض فى المحل الوحيد المفتوح. أمامنا جلس رجل فرنسي متربع يدخن سيجارة كان قد انتهى للتو من لفها. يبيع المطرزات فى جوا فى الهند. ويتبضع عادة من المدن الباكستانية. كانت لافتة المحل تحمل إسم “مطرزات وهدايا تذكارية من أفغانستان” وكان به بعض أفضل الأكلمة التى رأيتها فى باكستان. صاحب المحل، محمد نبي، صبور وخبير ببضاعته القادمة من أنحاء أفغانستان. لم يكن لحوحاً يدفع بضاعته فى وجوهنا كعادة كثير من تجار سجاد إسلام آباد الذين صرت بهم خبيراُ. قضينا ساعة فى المحل وشربنا عدة أكواب من الشاي الأخضر المحلى بالسكاكر الملونة.

شوارع كويتا شبه مظلمة. ناورت سيارتنا التاكسى الصغيرة عشرات من الريكشا والدراجات والعربات الأخرى والباعة الجائلين والمارة كل هذه العوائق وباعة جائلين حتى وصلنا الى الفندق.

علينا أن نستعد للمغادرة فى السادسة صباحاُ لنأخذ الطريق إلى أفغانستان وحدودها على بعد ثلاث ساعات وبعد عبورها تبدأ المنطقة الصحراوية التى ضربها جفاف وحشي وهى المنطقة التى جئنا من أجل تفقدها. عندما وصلنا الى الفندق كان زميلي م. مهموماً. لم يبلغنا أحد أن علينا أن نستخرج تصاريح أمنية من السلطات الباكستانية حتى نتمكن من قيادة سيارتنا حتى الحدود. إستصدار التصاريح يستغرق قرابة ثمانية أيام فى دهاليز البيروقراطية الأمنية من أجل السماح لأجانب مثلنا بالتنقل فى المناطق الحدودية. اللعنة!

لماذا الطريق إلى قندهار بمثل هذه الصعوبة؟ ولماذا يجب الحصول على تصريح للقيادة فى طريق شبه خال حتى الحدود القريبة فى قلب الصحراء. تكمن الاجابة فى تاريخ دموي وطويل.

في المناطق الجبلية التي تتقاسم قبائل الباشتون والبالوش والحكومة ورجال الاعمال والبيروقراطيون والمهربون السلطة والسيطرة عليها

***

فى دولة مثل باكستان، لم تكن عند نشأتها أمة متجانسة ولم تتحول تدريجياً فى عقود عمرها الخمس إلى دولة حقيقية – بمفهوم انها مكان يتساوى فيه جميع المواطنين أمام القانون ومن حيث الحقوق والواجبات – تصبح السياسة مثل ألعاب الحواة والثلاث ورقات فى محاولة لجمع القبائل والجماعات والاعراق المتنوعة تحت عباءة واحدة. فى دولة نشأت مثل باكستان فى فترة قصيرة للغاية، تصبح هناك حاجة ماسة الى سياسيين مهرة يمكنهم عن طريق السياسات المناسبة إعلاء شأن وأهمية وفائدة خضوع الجميع لسلطة مركزية يخشى الجميع من سطوتها ولكنهم أيضاً يستفيدون من وجودها. فى غياب مثل هؤلاء السياسيين ومثل هذه السياسات تبرز أهمية الهوية المرتكزة على الدين او العرق او القبيلة وتنتشر أهميتها كالسرطان من اجل الحشد السياسي ضد السلطة المركزية وضد اللامساواة فى توزيع الموارد.

وهنا أيضاً لعب الإستعمار البريطاني دوراً بسبب طريقته في السيطرة على بلدان عديدة بعدد بسيط من الجنود قى القرنين التاسع عشر والعشرين. كان البريطانيون دائما فى السودان، وفى جنوب أفريقيا وفى الهند، وكذلك فى بالوشستان يعقدون معاهدات واتفاقيات مع زعماء القبائل أو المشايخ أو السلاطين يمنحونهم وفقها حق الإدارة المحلية طالما دفعوا الضرائب وتم تامين طرق المواصلات وخاصة السكك الحديدية، وتحييد القدرات العسكرية المحلية فى الصراعات الكونية التى كانت بريطانيا تخوضها ضد الروس (فى أسيا) أو ضد الفرنسيين (فى أفريقيا) من أجل السيطرة على رقعة اكبر من الكرة الأرضية. لم تكن بريطانيا تسعى الى بناء دولة فى هذه المناطق بل إلى إستغلال الموارد الطبيعية وتحويل رقعة الارض المستعمرة إلى مربع إضافي على رقعة شطرنج الصراع الإستعمارى الكوني. مارست بريطانيا فى بالوشستان إذن أقل تدخل مفضلة وجود الوكيل المحلي من السلطات السابقة على الوجود الإستعماري وبالتالى عانت المنطقة بعد نهاية الإستعمار من الضعف الاقتصادي وتضخم سلطة زعماء القبائل.

عندما تأسست دولة باكستان كان البالوش فى أقليم بالوشستان رازحين تحت السيطرة القبلية ويعانون من الفقر والتخلف الشديد مقارنة بأقاليم باكستان الثلاثة الأخرى التى إستفادت إما من مشاريع بنى تحتية قام بها الإنجليز أو من تاريخ طويل للأنشطة التجارية والملاحة مثلما الحال فى إقليم السند أو من الاراضى الزراعية الخصبة كما الحال فى إقليم البنجاب أو من أنشطة التجارة والتهريب وخفوت سلطة الدولة كما الحال فى إقليم الشمال الغربى الحدودى (الذي تغير اسمه فيما بعد الى خيبر باختونخوا) ومناطق القبائل.

الطريق الى ممر خيبر، تصويري

النخبة التى تسلمت وخلقت باكستان فى عام 1947 بعد فصلها عن الهند كانت تريد خلق دولة قوية خاصة بعد تسلم العسكر قيادة هذه النخبة فى 1958 وطوال معظم تاريخ البلاد. لم تكن هذه النخبة مستعدة لتقاسم السيطرة وخاصة على الموارد الطبيعية مع إدارات محلية أو زعماء قبائل طالما سيطروا على الأهالى ناهيك عن تقاسم السلطة القومية مع البالوش. ودخل الجيش الباكستانى فى مواجهات ومناوشات فى الاربعينيات والخمسينيات والستينيات مع بعض القبائل المعارضة، ولكن الصراع تحول الى مواجهات عسكرية مفتوحة فى عام 1973 عندما أرسل الرئيس ذو الفقار على بوتو 80 الف جندي الى الآقليم الذى لا يزيد عدد سكانه عن خمسة ملايين نسمة من أجل إخماد حركة معارضة قوية تزعمتها قبائل ماري.

وشن الجيش عمليات دموية براً وجواً إستمرت ثلاثة أعوام وراح ضحيتها قرابة تسعة الاف بالوشي ما زال دمهم يؤجج غضب البالوش بل والنزعة الإنفصالية فى القرن الواحد والعشرين. وكانت مطالب حركات الإحتجاج البالوشية تتلخص فى ضمان نصيب أكبر فى مشاريع التنمية والبنية التحتية وتمثيل أكبر فى مجالات السياسة القومية والجيش. كانت خطوة بوتو فى بالوشستان غير موفقة حيث أدت إلى تقوية شوكة الجيش الذى كانت عملياته العسكرية فى بالوشستان دعوة مجددة له للتدخل فى شؤون البلاد السياسية. ولم يكتمل عقد السبعينيات قبل أن يخلع الجيش بوتو نفسه ثم يعدمه.

هذا التاريخ الدموي استمر يهيمن فى بالوشستان، بالرغم من مشاريع التنمية الواسعة التى قام بها النظام العسكرى فى بالوشستان فى العقود الثلاثة التالية. واستمر نشاط الانفصاليين البالوش في عديد من المناطق الواقعة بين كويتا وبين الحدود مع أفغانستان حيث تقع مناوشات مع قوات الأمن وتخشى الحكومة أحيانا ان يصبح الأجانب فى مرمى النيران أو أن يرى الاجانب المشاكل الحقيقية فى تلك المناطق والتى هى جذر التمرد العنيف.

هذا ببساطة التاريخ الذى يفسر الصراع الدائر حتى الآن مع البالوش[2] وأيضاً مع الباشتون وخاصة فى المناطق القبلية الواقعة على الحدود حيث تبنت القبائل الباشتونية المحافظة أتباع بن لادن بعد فرارهم من أفغانستان. باكستان بلد إستدعى فيه فشل السياسيين تدخل الجيش وأدت إنتهازية الفريقين وتمسحهما بالأسلام وإهمالهما للتنمية والديمقراطية إلى توغل النزعات القبلية والأسلاموية ولجوء كل الأطراف الى حمام عنف دموي لا تبدو نهايته قريبة. لا يمكن فهم هذا الصراع دون فهم تاريخ سياسي فشل فيه قادة باكستان المتعاقبين فى إدماج القبائل كلها فى أسرة واحدة ثقافية وسياسية وإقتصادية تحت لواء دولة واحدة تحكم الكل ولكنها ترعاهم أيضاً.

وكان هذا هو التاريخ المسؤول عن عدم السماح لأجانب مثلنا بالتحرك بحرية فى بالوشستان خوفا من الحكومة من أن نصبح رهائن محتملين فى أيدي القبائل أو ان نرى ما ينبغى ألا نراه.

***

كان أمامنا ثلاثة خيارات حتى نتمكن من مواصلة رحلتنا: تحويل طائرة صغيرة تابعة للمنظمة كان مقرراً لها أن تتوجه من إسلام آباد إلى قندهار، يمكن لها أن تتوقف وتقلنا معها ولنبدأ رحلتنا الدائرية فى قندهار بدلاُ من أن ننتهي هناك ولكن هذا سيكلفنا بضعة آلاف من الدولارات، الخيار الثانى أن نخادع نقطة الشرطة الباكستانية بالسفر على الطرق الفرعية حتى الحدود، وأخيراُ، يمكن لنا أن نقود سيارتنا حتى نقطة التفتيش وبرشوة بسيطة للشرطى المسكين نعبر ونوفر الوقت. واستبعدنا الخيار الأخير دون أن نفكر فيه كثيراُ. التدخل الدولى الإنسانى او فى أشكاله الأخرى العديدة يلحق اضراراُ عدة معظمها ربما غير مقصود ولم تكن هناك حاجة لنضيف إليها إفساد رجال الشرطة المحلية.

وهكذا وبدلا من السفر على الطريق السريع لمدة ثلاث ساعات سلكنا الطرق الفرعية طوال خمس ساعات دون أى عوائق حتى الحدود.

عائلة من الكوتشي الافغان الرحل في اقليم شينكاي في جنوب افغانستان بحثا عن الماء بعد ان فقدوا معظم ماشيتهم

تلتف الطرق فى تلك المناطق الجبلية حول قمم التلال التى تزين جوانب بعضها شعارات باللون الأحمر للحركة الوطنية المصممة ما زالت على دولة مستقلة. “ستان” أخرى ولكن نصفها الأول ليس “باك” بل “بالوش”. الحركة الوطنية لبالوشستان.

رويداً ظهر افراد على ظهر حمير او سائرين فى قلب الصحراء وقليل من السيارات. لقد وصلنا الى شامان، نقطة الحدود الباكستانية مع أفغانستان والتى هى فى الحقيقة أقرب إلى مركز تجمع للمهربين والرعاة.

تظهر بعض الأسلاك الشائكة بضعة أمتار ثم تغيب فى قلب تل وأعلام مهلهلة من القماش الباهت معلقة فى صواري مائلة هنا وهناك. هذه هى الحدود. وليس بعيداُ عن نقطة العبور والطريق الرئيسى تتهادى حمير يقودها فتية صغار وعلى ظهرها أكياس ثقيلة من الطحين وبجوارها رجال يحملون صرراً كبيرة، كلهم يتفادى نقطة الجوازات دون كبير عناء. ويحصل الطفل على حوالى دولار واحد لنقل جوال طحين عبر الحدود إلى داخل أفغانستان. كان الدقيق مدعماً فى باكستان من جانب الحكومة بينما أفغانستان على شفا مجاعة بسبب الجفاف الشديد وعدم هطول الأمطار.

حقول الافيون في افغانستان – تصويري

على جانب الطريق كانت هناك سيارة متوقفة بها زملاؤنا من مكتب قندهار. وأخذ أحدهم جوازات السفر الى حجرة متهالكة من الصفيح وبعض قوالب الطوب.

عاد زميلنا بجوازات السفر بعد دقائق وعليها أختام المغادرة الباكستانية وأبلغنا أن الطالب الأفغاني – مسؤول الجوازات على الجانب الأخر – يريد مقابلتنا شخصيًا. سرنا وسط بضع حاويات شحن بحرى تحولت إلى حوانيت، ووراء مطعم من قوالب طوب أحمر دون شبابيك أو أبواب لنصل إلى بيت صغير من الطوب اللبن به مكتب صغير قديم يجلس خلفه هذا الطالب وأمامه جهاز تليفون أسود عتيق. استفسرت من مسؤول الطالبان عن الهاتف العتيق فقال لي أنه معطل.  العديد من صور الأماكن الدينية التي تظهر في الروزنامات قُطعت وثبتت على الجدران، وعدد من الوسائد الطويلة ثنيت وتكدست في الركن. تلك هي الوسائد المستعملة في العديد من البيوت في جنوب أفغانستان وفي مكاتب طالبان، بما فيها مكاتب حكام المقاطعات، ويستخدمونها في النوم بعد انتهاء يوم العمل في الحجرة نفسها. أخبار ليست بالسارة لمن يعتقدون أن العقوبات الاقتصادية وحدها يمكن أن تغير من سلوك طالبان أو أى جماعة مماثلة إذ أنهم قادرون على المضي فى حياتهم إعتمادًاعلى أبسط الإمكانيات المادية – لو استثنينا السلاح ووسائل الاتصال مثل أجهزة الراديو التي تستخدم للإرسال والاستقبال والهواتف التي تعمل على الأقمار الصناعية. حدق مسؤول الجوازات الشاب فى وجوهنا وقارنها بالصور الملصقة في جوازات السفر ثم أعطانا استمارات معتادة، وقعناها وانصرفنا.

***

  بمجرد أن تعبر إلى سبين بولداك، أولى المناطق المأهولة في الجانب الأفغاني، تتراص حولك حاويات شحن في صفوف طويلة تتقاطع لتشكل شوارع سوق بضائع مهربة ضخم. كانت هناك الآلاف من ماكينات الخياطة ماركة سينجر، لماذا هي هنا وبهذا الكم؟ لا أدري. ماكينات عتيقة يمكن ان تباع أى منها كتُحَفة فى أسواق نيويورك بينما ثمنها هنا عشرات الدولارات فقط. أحد المحال/الحاويات كان يبيع آلات موسيقية (للأجانب على ما أعتقد، فطالبان منعت الموسيقى منذ استيلائها على الحكم) ومنها بيانو وجيتارات كهربائية. محل آخر كانت لديه أكداس من أجهزة مزج الصوت، وثالث كاميرات، ورابع أجهزة تليفزيون، إلخ. معظم الأجهزة مستعمل وقادم من دبي.

بائع صغير للحلويات والتفاهات الصغيرة في سوق سبين بولداك في مدخل افغانستان الجنوبي

  بائع آيس كريم متجول كان يبيع الجيلاتي القرمزي اللون في أطباق صغيرة في وسط السوق. لم تكن تجارته بالرائجة. انهارت العملة بنحو 20% خلال الأسبوعين الماضيين (وصلت إلى 66000 أفغانى مقابل دولار واحد). وبمجرد أن انتهينا من آخر شارع حاويات فى نهاية السوق انفتحت أمامنا ساحة بيع السيارات. أية سيارة تخطر ببالك ستجدها هنا، سيارات رياضية ذات دفع رباعى، جيب، تويوتا، هوندا، أمريكية، يابانية، كورية، إلخ. كلها مستعملة وقادمة من دبي، وبعضها مسروق من باكستان.

بائع صغير مع ابيه في محل في نقطة سبين بولداك الحدودية داخل افغانستان – تصويري

لم نشتر شيئًا.

***

  هذه أول منطقة تعاني من الجفاف أزورها فى حياتي. كنت فى سيارة دفع رباعي ضخمة ومكيفة الهواء، بها بضع زجاجات مياه معدنية، وصندوق ثلج به أطعمة ومشروبات أخرى وأكداس من علب البيبسي. كان علينا أن نمر بالسيارة في مناطق قاحلة شبه صحراوية في ريجيستان (تعني “أرض الصحراء” بالباشتونية) في جنوب أفغانستان. قطعنا جزءًا طويلاً من الطريق سائرين على قاع نهر جاف لأنه كان أقل حُفَرًا من الطريق الترابية. توقفنا بضع مرات لالتقاط صور حيوانات نافقة (ماعز، وجمال، وخراف متناثرة الجيَف).

مزارع من جنوب افغانستان في حقل لم يثمر شيئا في الاغلب في نهاية موسم ذلك العام – تصويري

توقفنا لنتحدث مع اثنين من الرعاة بدا عليهما إرهاق من شدة العطش والحر. والى داد في الأربعين من عمره، فقدَ معظم حيوانات قطيعه البالغ 30 رأساً من الأغنام، وذهبت أسرته تبحث عن الماء في منطقة أخرى. لم يكن يدري ماذا سيفعل بعد ذلك. تركناه مع زجاجة ماء بعد أن التقطنا صورته. الراعي الآخر لم يرد التحدث إلينا.

ربما الجمل النافق الوحيد في الصحراء الذي رأيته في حياتي من صحراوات جنوب غرب الولايات المتحدة للصحراء الكبرى لصحراء الموت في افغانستان، لم اكن اعرف ان سفينة الصحراء ايضا تغرق – تصويري

كانت هناك عائلتان من الكوتشي (البدو الباشتون الرحل في جنوب غرب أفغانستان) مسافرون على الطريق، بعضهم يركب الحمير التي تحمل بضع حِزَم حشائش وتسير وراء كل منهم أقل من عشر عنزات. كانوا يبحثون عن الماء طيلة أسبوعين في صحراء قاحلة، تسلبهم الشمس التي لا ترحم، والآبار الجافة أغنامهم، الواحدة تلو الأخرى.

مسؤول مشروع برنامج الاغذية العالمية في افغانستان مايك ساكيت يجلس بجوار الصحفي كريس كريمر مع مزارعين في جنوب افغانستان – تصويري

يرحل الكوتشي عادة من صحراء ريجستان نحو مرتفعات أواسط البلاد مقتربين من منطقة هزاراجات فى نهاية فصل الشتاء، ولكنهم الآن بدأوا فى الرحيل وبسرعة فائقة قبل نهاية الشتاء لان اسوأ جفاف ضرب أفغانستان منذ ستة أعوام بدأ يفتك بقطعانهم المحرومة مما يكفي من الماء والكلأ.

ويصف ضباط إنجليز من القرن التاسع عشر كيف يتحرك الكوتشي الرحل في قوافل تتعدى الآلاف من الأفراد، عائلات بخيامها وأغنامها وجمالها وأنوال نسيجها واطفالها، فى مسيرة شبه عسكرية بحراس فى المقدمة والمؤخرة ويضربون خيامهم فى مواقع تمكنهم طبيعتها من الدفاع عنها، ويقيمون أسواراً بدائية ويضعون حراساً لحماية المعسكر. كانت الحماية ضرورية لردع اللصوص وقطاع الطرق، وأيضاً لتخويف الآخرين وخصوصاُ عندما يكون هؤلاء الآخرون ملاك الاراضي التى تمر عبرها قطعان الماشية تلك، والتى تأكل كل ما هو أخضر على سطح الأرض بما فيه الزرع الذى تعب فيه الفلاحون.

شجع الملوك الأفغان وخاصة الأمير عبد الرحمن خان فى القرن التاسع عشر الكوتشي على الإنتشار فى وسط أفغانستان لمضايقة الهزارة الشيعة، ولكن الكوتشي عانوا أكثر مع الغزو السوفيتي في ١٩٧٩ حيث أدى الجهاد ضد الشيوعيين ثم الحرب الأهلية بين المجاهدين ثم قدوم الطالبان، إلى حالة مستمرة من انعدام الأمن والاستقرار وإنتشار الألغام على الطرق، مما جعل ترحال الكوتشي الذين كانوا يملكون ربع الثروة الحيوانية فى أفغانستان مقيداً إلى حد كبير، وخاصة رحلتهم الصيفية الى هزاراجات التى باتت بعض مناطقها محظورة عليهم تقريباً.

يعيش حاجي مولاداد قريبا من الحدود مع باكستان في بيت محفور فى سفح تلة صغيرة. تتناثر على الأرض أمام بيته بقايا ماعز وأغنام نافقة، أتت الديدان على نصفها، والتهم نصفها الآخر ابناء آوى والضواري الأخرى التي لم تنفق بعد. لم تعد مياه نهر أرغستان تمر قريبًا من هنا، إنما يمر مجراه الجاف فقط. مسافات طويلة من الرمال والأحجار في قاعه تدل على أن الماء كان يمر من هنا يومًا ما، قبل ثلاث سنوات. ابتسم أبناؤه الأربعة للكاميرا. كم من الأطفال فغروا أفواههم دهشةً أو أخفوا أعينهم خجلاً أمام عدسات ألة التصوير التى تأبطتها فى كل أسفاري!

رجال قرية يحاولون توسيع وتعميق مجرى ري صغير يحمل مياه قادمة من ابار جوفية الى حقولهم الجرداء – تصويري

القرية تلو الأخرى، وخيمة بدو تلو الأخرى، ونحن نرتحل فى صحروات تحمل أسماء مثل “صحراء الجحيم” او “صحراء الموت”. فى طريقنا خلال مقاطعات معروف وشينكاى فى إقليم زابول نسمع القصة نفسها على لسان فلاحين ألمَّ بهم القلق، أو مزارعين استولى عليهم التوجس، أو رعاة استبد بهم اليأس. سنابل القمح في الحقول التي يرويها المطر ذابلة، ونصف المساحات المروية لا تعد بأي حصاد، نصف قطعان الماشية على الأقل هلكت، والكثير من آبار الماء جفت، وبضعة أنهار (كانت تمتلئ بالماء في هذا الوقت من السنة ) ليس بها سوى جدول هزيل من الماء إن وجدته، وأشجار الفاكهة التى تحتاج سبع سنوات قبل أن تبدأ فى طرح ثمارها بعد الغرس في سبيلها إلى الموت.

 رجال، رجال، والمزيد من الرجال يتحدثون إلينا، وبين الفينة والفينة شبح جسد مغطى بالكامل في الخلفية البعيدة يتحرك سريعًا نحو بيت آخر، في إشارة لوجود النساء (أو غيابهن). لم تكن تخرج من النساء سوى البدويات، وكُنَّ لا مباليات وجريئات فى التعامل، وذلك رغم اعتراض القرويين من الرجال، الذين كنت ترى الواحد منهم دائمًا والمسبحة في يده تتعامل أصابعه مع حباتها، بينما يضع في فمه، بيده الأخرى، قطعة صغيرة مكورة من التبغ. هؤلاء النساء اللاتي قبلن أن ألتقط صورًا لهن لم تأتين للحديث. إحداهن سألتني بالباشتونية، من خلال المترجم، هل لديكم طعام لنا؟ كنت قد تعبت من الرد التقليدي بأن فريقنا يقوم فقط بتقصي الحقائق حول الأوضاع والأحتياجات وربما ينتج عن رحلتنا بعض المساعدات ولكن عليهم ان يقرروا بانفسهم إذا ما كانوا سينتظرون فى اماكنهم حتى تصل هذه المساعدات المحتملة ام سيواصلون الرحيل بحثاً عن الماء والطعام لأنفسهم ولحيواناتهم. ولكني كررت الرد لأن أسوأ نتيجة لمثل هذه الزيارات هو نفخ الأمل فى صدور محبطة ومعذبة ثم العجز عن تحول هذا الأمل إلى خبز أو طحين فى وقت قصير. إذا واصلوا رحلتهم المضنية ربما سيصلون لمكان أفضل. المهم الا يعلقوا امالهم كلهم علينا ثم نخذلهم. 

عائلة حاجي مولاي زاد قرب شينكاي في جنوب افغانستان – تصويري

***

قضينا ليلتنا الأولى في رحلة صحراء ريجستان في مجمع تابع لإحدى المنظمات غير الحكومية المحلية. حجرة طينية كبيرة بها بضع فتحات مغطاة بملاءات بلاستيكية مثبتة في الجدران، تلك هي النوافذ. المداخل شديدة الانخفاض (ارتفاعها نحو المتر) وعميقة، تشبه الممرات السرية، مثل تلك التي تجدها في أهرامات الجيزة في مصر. كانت هناك أسِرَّة، وضعنا أكياس النوم على المراتب بعد أن تناولنا وجبة شهية من الدجاج والبطاطس. كان كرم الأفغان، في ظل هذا الجفاف الحاد، مذهلاً. كريستوفر يعبث بمفاتيح المذياع بحثا عن البى بى سى على الموجات القصيرة ليستمع إلى نشرة الأخبار، بينما أخرج زميلى م. مجلة الإيكونوميست من حقيبته الصغيرة ليقرأها على ضوء لمبة الجاز الأصفر المتمايل. الحقل الأخضر في المجمع يلفه الظلام، مكان مثالي ليرنو فيه المرء إلى النجوم. رجل في السبعينيات من عمره يجلس بالقرب من باب المجمع، يحمل مدفع كلاشينكوف، ويتقاطع على صدره حزامان من الذخيرة. إنه حارسنا.

 قبل أن نخلد إلى النوم ذهبنا إلى مقر سلطة طالبان بمقاطعة معروف. بيت كبير له ساحة واسعة والكثير من رجال طالبان المسلحين. قدم لنا الشاي الأخضر ميسار أحمد، نائب مدير المنطقة. على الجدران معلقات الديكور المعتادة: صور زاهية الألوان منزوعة من رزنامات قديمة بعضها يمثل مناظر طبيعية في مكان ما في أوروبا. لا توجد صور آدمية. صور البشر حرام عند معظم الطالبان.

يقول أحمد “بعض الناس رحل إلى زهوب وأعداد أكبر سوف ترحل قريبًا. بعضهم استخدم الغذاء الذي توزعه وكالات الإغاثة لتسديد ديونه…كل الماء الذي ترونه الآن سوف يجف بحلول منتصف الصيف، ولا نتوقع أي أمطار قبل نوفمبر.”

– “ولكن ما الذي تفعله سلطات طالبان للمساعدة في حل تلك الأزمة؟”

يرد رافعًا يديه إلى السماء:

– “لو كان لدى طالبان أي شئ لقدموه إلى الناس” .

المشكلة في الاقتصاد كما يقول!

– “العملة الأفغانية تنهار وهو ما يزيد من صعوبة شرائنا لطعامنا.”

– “ولماذا تنهار قيمتها؟”

– “هذه أفغانستان. الناس هنا يطبعون النقود.”

الطالبان يريدون أن تقدم الأمم المتحدة المساعدات. ولكننا لا يمكن أن نطعم كل المحتاجين فهذا فى نهاية المطاف هو دور حكومة الطالبان، كما رد عليه زميلى المسؤول عن عمليات الإغاثة.

جزء صغير من مقابر الاسلحة الضخمة التي ترصع افغانستان، فمع غياب الصيانة وسوء نوعية ما تورده السوق السوداء تنهار الاسلحة الثقيلة بسرعة وتصبح قطعا اثرية – تصويري قرب قلعة زابول في جنوب افغانستان

***

في ليلتنا الثانية نزلنا في مبنى مركز صحي مقابل لمكتب مدير المنطقة الذى نُصب أمام مدخله مدفعان مضادان للطائرات، وبجوارهما كومتان من صناديق ذخيرة مدافع عيار 12.7 صينية الصنع. قال لنا أحد القرويين فى امتعاض أن جيرانه الذين يتضورون جوعاً بدأوا في اقتلاع جذور البرسيم وبعد أن يغسلوا الجذور يقطعونها ويغلونها فى الماء، ثم يتناولونها كنوع من الحساء. أرسل لنا رجال طالبان لمبة جاز ونصف دجاجة للعشاء، وكم كان امتناننا كبيرًا. لم يكن بالمركز ماء أو كهرباء. بخلاف إعلان ملصق على الباب عن حملة للقضاء على شلل الأطفال منذ عدة أعوام، لا يوجد ما يدل على أننا في مرفق طبي، لو نحينا جانبًا منضدة العمليات البالية المحطمة وبجوارها بقايا فأر ميت بالقرب من دورات المياه النتنة الرائحة. صندوقان من صناديق الذخيرة المليئة لا يزالان على النافذة يسدانها. تفقدنا المبنى الملحق في الصباح. حجرتان تستخدمان مخزنًا للذخيرة، بهما مئات الصناديق من أنواع مختلفة، ويعلو الصناديق عدد من الألغام المقيتة الضخمة المضادة للدبابات.

قلعة زابول الاثرية التي قضينا ليلتنا قربها – تصويري

  كم كنت سعيدًا بمغادرة مركز المتفجرات هذا في السابعة إلا الربع صباحًا متجهًا إلى عاصمة الإقليم.   كان حاكم المقاطعة غائباً فى اجتماع فى قندهار، ولكن نائبه كان هناك يجلس في ركن المكتب على أريكة حمراء منجدة. أرائك مشابهة صفت بمحاذاة جدران الحجرة. سجاجيد حمراء قميئة تغطي أرضية الحجرة في تناقض حاد مع السجاجيد الأفغانية الرائعة الجمال التي تملأ البازارات في كابول، وقندهار، وكويتا، وإسلام آباد، وبعض المدن الأوروبية. دق جرس الهاتف الذي يعمل على الأقمار الصناعية، ورفع الطالباني الشاب ذو العمامة السوداء السماعة القابعة على منضدة بجوار الووكي توكي. يبدو أن الاتصالات هي الشئ الوحيد الذي تنفق عليه طالبان الأموال (يقول البعض إنها كانت هدية من وزير داخلية في عهد بينظير بوتو كان يرعى طالبان في مواجهة المخابرات الباكستانية التي كانت تدعم قلب الدين حكمتيار زعيم المجاهدين!!)

 كان الحوار مع نائب الحاكم مشابهاً لكل حواراتنا مع قادة طالبان فى المنطقة المنكوبة: على المجتمع الدولي أن يقدم المساعدات لأن الطالبان عاجزون عن الوفاء بإحتياجات الشعب. مفارقة مذهلة أن يتوقع الطالبان من المجتمع الدولي، الذى فرض عليهم عقوبات بسبب إيواء بن لادن ورفاقه، أن يقدم لهم المساعدات. ولكنه فى الحقيقة كان يقدمها. المشكلة أنها لم تكن تكفي وأن الطالبان بإسلوب إدارتهم وحكمهم كانوا عاجزين عن التعامل مع كارثة الجفاف او الأنهيار المدوى فى إقتصاد البلاد المنهك بعقود الحرب الأهلية. إقتصاد أفغانستان بات قائماً على التهريب وتجارة الهيروين والسلاح.

في مستشفى المدينة دعانا المدير لدخول حجرة العمليات، ولكننا تراجعنا عندما وجدنا عملية جراحية تُجرى بها. كانت النساء تتلقين العلاج في المستشفى نفسها. فعلى عكس ما تورده الكثير من التقارير الإعلامية، كانت النساء، في هذا المستشفى وفي مستشفيات أخرى، تتلقين العلاج (بالقدر نفسه من السوء) الذي يتلقاه الرجال، على يد أطباء من الرجال. كانت هناك ممرضتان أيضًا. في لغة إنجليزية ركيكة التمس منَّا جراحٌ، غطت بقع دم كبيرة مريلته الخضراء، أن نرسل إلى المستشفى بعض الأدوات الجراحية.

***

 بعد ساعات أربع وحادث سيارة واحد وصلنا إلى قندهار للاجتماع مع الحاكم.

كنا مسافرين في سيارتين. بُقع الأسفلت المتناثرة الباقية على الطريق جعلته أسوأ من الطرق التي اختفي الأسفلت منها تمامًا. كانت السيارتان تسيران في خطوط ملتوية على تلك البقع لتفادي الوقوع في مطب عميق مفاجئ. أفلتت سيارتنا من أحد المطبات، ولكن وقعت فيه السيارة الثانية بسائقها قليل الخبرة. وفى محاولته المرور سريعًا مع تحاشي التصادم مع السيارة المقبلة إنقلبت سيارته مرتين. الركاب المحظوظون كانوا قد ربطوا أحزمة الأمان قبل الحادث بعشر دقائق فقط، على حد قول السائق. قال لنا أنهم ربطوا الأحزمة بمجرد وصول سرعة السيارة إلى 50 كم/ساعة. معظم اليومين الماضيين كنا نسير بسرعة تتراوح بين 20 و30 كم/ساعة. أصيب زملاؤنا فى الحادث بقطوع وجروح بسيطة وعانى أحدهم من إرتجاج شفى منه سريعاً.

السيارة الثانية بعد ان قلبناها مرتين لتقف على اطاراتها .. اصابات طفيفة، تصويري

وصلنا منزل الحاكم الملا محمد حسن أخوند وهو من المحاربين القدماء ولديه على ذلك دليل: ساق صناعية. كان يجلس إلى جانبي رجل يرتدي بدلة كاملة، وكرافتة حمراء محلاة بزهور كبيرة تدلت أمامه عندما انحنى ليلتقط المزيد من حبات العنب أثناء حديثه إلى رجال طالبان الذين كانوا يملأون الحجرة. لم تكن لديه اللحية التي يتمسك بها طالبان. كان يحاول أن يبيع لهم خطة لإعادة تأهيل بضعة مصانع كانت قائمة في قندهار. الرجل أفغاني وكان يشغل منصب وزير الصناعة في عهد الملكية، ويبيع خدماته الآن لحكام طالبان. قدموا لنا العنب والبندق وكانا في منتهى طيب المذاق (كانت أفغانستان أيام استقرارها تصدر نصف استهلاك العالم من العنب المجفف وكمًا هائلاً من الفواكه الاخرى المجففة). أطلعنا الملا حسن على تقريرنا المبدئى حول أثر الجفاف المروع على منطقة قندهار والمناطق المجاورة. مثل بقية الطالبان الذين التقيناهم كان يهون من المشكلة ويرى الحل فى مزيد من المساعدات الدولية وأنه لو رفعت الامم المتحدة والدول الكبرى عقوباتها المفروضة على أفغانستان لما تعرضت البلاد إلى هذه المشكلة بهذه الحدة. فى الحقيقة لم تكن العقوبات السب الرئيسي بل عقود الحرب الأجنبية والأهلية وحروب الوكالة وضعف الإقتصاد الوطني وإنهيار الزراعة صاحبة النصيب الرئيسي من الدخل القومي بسبب كل هذه الإضطرابات. كان الجفاف مثل الضربة الأخيرة القاضية فى وجه ملاكم كان يترنح بالفعل.

فى رحلتي التالية لقندهار كان الملا حسن قد إختفى وحكومة الرئيس الجديد ساعتها حامد قرظاى المدعوم من الغرب تحاول فرض النظام. شعور بالأمل كان يسري فى المدينة. تناولت العشاء فى مقر منظمة دولية وجلست على الأرض بجوار أحد خبرائها الذى كان يرتدى صديرية أفغانية مطرزة. كان صاحب خبرة طويلة فى قندهار ويرى أن الأفغان تعبوا من الحرب والقتال وسعداء بالتغيير الحادث بعد ذهاب الطالبان وإن كانوا قلقين بعض الشيء. ولخص الموقف قائلاً:

– “كانت الحملة الأمريكية ناجحة عسكرياً ولكنها كانت كارثة بمقاييس الأوضاع الإنسانية وحقوق الإنسان.”

كان التحول بطيئاً ومس المظاهر اولاً إذ فتحت محال لأفلام الفيديو فى قندهار وهوجم بعضها لأن الأفلام لم تكن “مقبولة”، أي أنها احتوت على مشاهد عري أكثر من المسموح به فى أفغانستان مثلاً. وأستأنفت زراعة الأفيون على أوسع نطاق حيث يعتمد عليه فى تلك المنطقة نحو مليون أفغاني. يحصل الأفغان على نصيب ضئيل من الأرباح الخرافية لتجارة المخدرات، التى يحصل كبار تجار المخدرات والمهربين وخاصة إلى داخل اوروبا على معظمها، ولكنها مبالغ ليست بالهينة. ومع تدفق هذه الأموال وزوال قبضة الطالبان الحديدية والأخلاقية عادت الى قندهار ظاهرة إختطاف الصبيان بغرض إستغلالهم جنسياً. كان هناك قلق شديد من عمليات الخطف المحتملة وفقاً لحديثي مع كثير من الآباء الذين منعوا أولادهم من مغادرة المنازل. عشق الغلمان بين قطاعات من الباشتون أمر معروف بل وكان مقبولاً إجتماعياً فى الماضي. ويدعى بعض المؤرخين أن إقتحام الطالبان لقندهار فى عام 1995 نجح بسهولة لان أهالى المدينة كانوا يعانون ساعتها من صراع مروع بين أثنين من القادة المحليين للمجاهدين حشدا قواتهما ومدرعاتهما بسبب نزاع حول من منهما يستحق صحبة غلام وسيم.

***

 في دار ضيافة قريبة استطعت أن أستحم لأول مرة منذ أربعة أيام، وشعرت براحة كبيرة. كان مدير الدار مستمتعًا باستعادة لغته العربية باللهجة المصرية معي فأخذ يقص علي الكثير من القصص عن القاهرة، التي كان يسافر إليها كرجل أعمال منذ سنوات عديدة.

  كان يتحسر على أيام ولَّت ويقول: “صحيح أن طالبان وفروا المزيد من الأمن، ولكنك لا تستطيع أن تلبس هذا الأمن أو تأكله. لم ينفقوا شيئًا على المستشفيات أو التعليم.. ويأخذون عُشر غلة أي أرض، وعليك أن تدفع 50000 روبية باكستانية عن كل ابن لا تريد إرساله للخدمة العسكرية.”

***

ذهبت إلى مسجد قندهار الكبير فى يوم رحيلى. كنت أريد أن أرى العباءة التى يؤمن كثير من الأفغان أنها تخص الرسول محمد ويسمونها “الخرقة الشريفة”. ولكن حتى الغرفة التي كانت العباءة تنام فى خزانة مغلقة داخلها كانت موصدة. لم تخرج العباءة من خزانتها سوى مرات معدودة فى التاريخ كان أخرها عندما تلفع بها الملا محمد عمر ووقف على جدار المسجد والطالبان يكبرون ويهللون فرحأ بنصرهم فى منتصف التسعينيات. وغير بعيد عن المسجد ما زال ضريح أحمد شاه دوراني مؤسس الدولة الأفغانية قائماً. سار معي حارس المسجد إلى حيث مقابر عديد من أفراد العائلة المالكة من القرنين السابقين مبعثرة خلف الضريح وقد تحطمت بعض شواهدها ونمت الأعشاب بينها وإن كانت زخارفها وخطوطها العربية الجميلة ما زالت واضحة. طبقات على طبقات من التاريخ فى قندهار. التاريخ لا يكرر نفسه منذ أنشأ الإسكندر الأكبر المدينة. صارت أفغانستان بلد يذل أعناق رجاله ويرعب نسائه ويكبر أطفاله قبل الأوان بسنوات أو يموتون جوعاً ومرضاً.

شواهد قبور قديمة حول المسحد القديم في قندهار – تصويري

***

أنظر من نافذة الطائرة الصغيرة في مطار قندهار. منطقة شاسعة تستخدم مقبرة لطائرات الهليكوبتر التي فقدت مروحة، أو ذيلاً، أو حتى نصف البدن. محيط المطار محاط بالكامل بسياج من الأحجار الحمراء وخط مفرد من الأسلاك الشائكة، دلالة على إنتشار الألغام.  بعد أن تعاملت عجلات الطائرة الصغيرة مع بضعة مطبات على المدرج استطاعت مروحتاها أن تقلعا بنا أخيرًا.

أحدى طائرات برنامج الاغذية العالمي تقلع من قاعدة بجرام الجوية قرب افغانستان – تصويري

[1]          كريمر صحفي استرالي كان يعمل ساعتها مع صحيفة سيدني مورننج هيرالد وسافر معنا من اجل كتابة تقرير عن الأوضاع الإنسانية فى أفغانستان. ووضع كريمر فيما بعد كتاباً شيقاً ومسلياً عن أفغانستان وأيران وباكستان سماه “حروب السجاد”

             Kremmer, Christopher “Carpet Wars –  From Kabul to Baghdad: A ten-year journey along ancient trade routes” London: Harper Collins (2003 )

[2]  انخفضت وتيرة الصراع تدريجيا مع مرور الأعوام ولكنه حتى ٢٠١٨ تسبب في مصرع ٦٠٪ من الستمائة قتيل في حوادث إرهاب سياسي في باكستان وما زالت هناك عدة جماعات مسلحة فاعلة ضد حكومة اسلام اباد وتتداخل فيها الدوافع العرقية (بالوش وباشتون) والمناطقية والاقتصادية والسياسية.

الكاتب: خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *