(الفصل ١) أيام في كابول

هذا هو الفصل الاول من كتاب “خلف الستار: وجه آخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي . نشرت “اخبار اليوم” الكتاب في عام ٢٠١٠ قبل شهور قليلة من ثورة ٢٥ يناير.

كنت متوتراً قليلاً قبل أن أغادر العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، فى صباح مبكر فى أحد أيام الشتاء بادئاً اول رحلة لي إلى افغانستان. شعور سيفسح المجال أمام الدهشةٍ إزاء إجراءات الحماية، المفرطة أحياناً، والمحيطة بمكاتب ومقار إقامة موظفي الإغاثة الاجانب فى معظم أنحاء أفغانستان. الآن لم أعد صحفياً، لم أعد مراسلاً إخبارياً حراً من أذرع أخطبوط البيروقراطية  إلى حد ما. بت أعمل مع مؤسسةٍ كبيرة تقدم المساعدات الإنسانية ويعمل بها آلاف فى شتى أنحاء العالم. كنت اخشى قليلاً ألا أستطيع القيام بالمهام التى سيكلفونني بها: أن أنتزع وأؤمن إهتمام أجهزة الإعلام وخاصة الغربية منها فى الدول التى تمول عملياتنا الإنسانية. كلما كتبوا عنا أكثر فى صحف مثل النيويورك تايمز فى الولايات المتحدة أو اللوموند فى فرنسا، إيجابياً بدواعي الحال، تولدت فرصة أكبر لمنظماتنا فى الحصول على دعم أكبر من حكومات هذه الدول المانحة بفعل التعاطف الشعبي والإستنكار الأخلاقي الذى يصوغ رد فعل الجماهير (وهم أيضاً الناخبون) بعد قراءة تلك المقالات الدامغة عن المآسي التى يعيش فيها أبناء أفغانستان أو الصومال.

باختيار الموقع المناسب في حوش المكتب وتوجيه الثريا في الاتجاه الصحيح يمكن تحميل البريد الالكتروني ولكن كل رسالة كانت تكلف ربما دولار واحد على الاقل .. كابول ٢٠٠٠

لم يهيئني أحد أو خبراتي الماضية لنوع الحياة التى يعيشها موظفو هذه المنظمات فى البلدان الممزقة مثل أفغانستان. إجراءات أمنية مشددة وإنعزال فى بيوت مؤمنة ومكاتب محصنة. تصير حواجز الأمن فقاعةٍ كبيرة يعيش داخلها موظفو الإغاثة الأجانب، الذين صرت أنتمي اليهم الان. نعيش خلف أسلاكٍ شائكةٍ تعتلي أسواراً مرتفعة ووراء بوابات حديدية يقف أمامها وبجوارها حراس يشبهون فى سلوكهم جنود الأمن المركزي الذين يقفون أمام السفارات فى القاهرة. يقفون فى بعض وجلٍ ودهشة أو لا مبالاةٍ وتعبٍ وجوارهم حواجز وظيفتها أن تمنع إقتحام السيارات للمكان قبل ان يجرى تفتيشها. أحواض زهور تقف على قواعد خرسانية مكعبة تلتهم نصف الرصيف لتعيق أثار أى إنفجارات قريبة وزجاج مقاوم للتحطم إلى شظايا. وفى البيوت التى نقيم بها وكمهرب أخير إذا إقتحم أحدهم المبنى رغم كل هذه الاحترازات الأمنية توجد غرف محصنة ضد الشظايا والقنابل الصغيرة تحت الأرض ُينزل إليها بسلالم ولها ابواب مدعمة وبها مخزون من مياه الشرب والطعام المعلب والبطاريات الكهربائية تكفي نزلاء المكان عدة أيام.

كنت متوتراً قليلاً قبل أن أغادر العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، فى صباح مبكر فى أحد أيام الشتاء بادئاً اول رحلة لي إلى افغانستان. شعور سيفسح المجال أمام الدهشةٍ إزاء إجراءات الحماية، المفرطة أحياناً، والمحيطة بمكاتب ومقار إقامة موظفي الإغاثة الاجانب فى معظم أنحاء أفغانستان.

تذكرت غرف كابول الحصينة، التى لم أحتج أبداً الى النزول إليها، عندما رأيت موقعاً للمراقبين الدوليين فى بلدة الخيام فى جنوب لبنان صار أكوام حجارة فى صيف 2006 تحت التأثير المدمر لعديد من القنابل الاسرائيلية الضخمة التى سقطت على الموقع. كان التعرف على بقايا جثث المراقبين الاربعة التعساء صعباً إذ سحقتهم كتل الخرسانة التى كانت مكلفة بحماية أجسادهم. وفي الحالات التي تعرضت فيها أنا نفسي لخطر داهم كانت معظم هذه الإجراءات لا قيمة لها. [1]  ربما توفر هذه الحماية الفائقة (ولكن غير الكفؤة فى أحيانٍ) أحتياطاً ضد هجماتٍ إرهابية او تجمهر المئات من طالبى العمل او المتظاهرين المنفعلين إثر حادثة او أخرى. وربما تتيح هذه الحماية إمكانية العمل فى مناخٍ هاديء يتوازى ويفترق عن البيئة المحيطة بضجيجها وإلحاحها وفقرها وشظف عيشها. هذا التوازى الإنعزالي يحرمنا من أن نرى المجتمع الذى نحاول ان نساعده، مبعدين عنه مضاعفةًً بسبب الحاجز اللغوي.

عندما وصلت إلى كابول فى شتاء 2000 لم يكن عديد من الاجانب قد تعرضوا بعد للخطف والقتل والإرتهان فى عالم ما بعد 11 سبتمبر فى أفغانستان. كانت أكثر الذكريات طزاجة عن التهديدات الامنية أن أجنبياً يعمل بأنشطة الاغاثة أصيب بطلق ناري فى عام 1998 بعد ان أخطأ طريقه إلى داخل مظاهرة. كانت الجماهير المحتجة تسير فى العاصمة الأفغانية احتجاجا على صواريخ امريكية انهمرت على البلاد عقب تفجير إرهابى اطاح بسفارتى واشنطن فى نيروبى ودار السلام. مسلسل الثأر بين الحكومة الأمريكية والجهاديين (القاعدة أو غيرها) فى أفغانستان وغيرها كان قد بدأ مباشرة عقب نهاية الجهاد ضد الشيوعية فى اوائل التسعينيات وعودة الجهاديين مما اعتقدوا انه هزيمة الدب الروسى ليلتفتوا الى “الشيطان” الامريكى الذى كان يتجول فى الشرق الاوسط طوال عقود قبل غزو السوفييت لافغانستان فى 1979 (نفس عام الثورة الإيرانية).

ستكون الايدي الامريكية الممدودة المرسومة على أجولة وصناديق المساعدات رمزا لعقود حول السياسة الخارجية الامريكية التي ساعدت بيد وقصفت بالاخرى (كابول ٢٠٠٠، تصوير خالد منصور)

كانت كابول طوال عقود بطيئة قبل هذا الغزو مقصد عديد من شباب أوروبا الفارين من حضارةٍ رفضوا إستهلاكيتها وميكانيكيتها فى الستينات ورفعوا ضدها شعارات حريةٍ فكرية وجنسية. كانت المدينة محطة قبل أخيرة فى طريق حجٍٍٍ ينتهى فى نيودلهى. طريقُُُ أندثر مع سقوط شاه أيران ودخول جيش السوفييت إلى أفغانستان فى عام 1979. عادت البلاد لإصحابها أو هكذا أعتقد البعض. تلك الكابول، التى كانت توفر الماريجوانا والحدائق والفنادق الرخيصة لشباب السياح الغربيين والأفلام الحديثة والحياة الحرة نسبياً للباكستانيين، صارت نسياً منسياً. ما زالت التلال المحيطة بها نفس التلال وإن إختفت أشجار وغابات تحت جنازير الدبابات والحاجة الى وقود التدفئة.

***

حلقت طائرتنا الصغيرة فوق المدينة على علوٍ شاهق عدة دورات ثم بدأت هبوطاً حلزونياً سريعاً كاحترازٍ امني ضد الصواريخ الطائشة او المقصودة. عندها شعرت لأول مرة بدوار الجو، بيد أننى تمالكت نفسى حتى ضربت عجلات الطائرة المطاطية مدرج المطار الاسفلتي المتشقق، فترجرجنا مئات الأمتار حتى توقفنا.

نحن فى عصر الطالبان الذين أمسكوا بزمام ما تبقى من أفغانستان فى منتصف التسعينيات بعد حوالى عشرين عاماً من الإضطراب السياسي والنضال والجهاد ضد السوفييت والحرب الأهلية الدموية بين الأشقاء. ونحن فى بلاد حظر تجولٍ يبدأ فى التاسعة مساءً (معظم عمال الاغاثة كانوا يخضعون لحظر تجول يبدأ فى الثامنة مساءً) وينتهي في السادسة صباحاً.

مدينة بلا كهرباء لا تصير مثل الصحراء يحلو فيها التطلع للنجوم بل تصبح مستباحة للخوف والمجهول فى كل شارع وعند كل زاوية.

كل شىء صورة باهتة مما كانه فى زمن مضى: المنازل، الشوارع، المقاهي، المطاعم، المحال وحتى البشر. بؤس وفقر ويأس يتخلل المكان نازعاً عنه ألوان البهجة ومشاعر الفرح. المنازل الواطئة بواباتها صارت صفائح زيت دقوها مسطحات ولحموها سوياً بمفصلات سائبة، شبابيكها عليها الواح خشبية متعارضة مثبتة للحوائط أو قماش خيش خشن يهفهف فى الهواء قليلاً حل محل الزجاج والمصاريع. الحوائط كالحة الدهانات اوأنكشفت حجارتها وطوبها الطينى مع تساقط المحارة الأسمنتية، بلاستيك الأجولة المقوى لنقل الإسمدة يعيش حياة ثانية كنوافذ وأغطية. غياب تيار كهربائي منتظم يضاعف الأسى فى المساء. مدينة بلا كهرباء لا تصير مثل الصحراء يحلو فيها التطلع للنجوم بل تصبح مستباحة للخوف والمجهول فى كل شارع وعند كل زاوية.

وصلنا فى الصباح وفى العصر قررت أن أذهب إلى الشارع التجاري الرئيسى والذى يدعى شارع “الدجاج” حيث البازار ومحال الأكلمة[2] والسجاجيد الافغانية والفضة التركمانية وما حولها من مشغولاتٍ يدوية. جزء كبير من البضاعة قديم باعه اصحابه الذين دارت بهم الدنيا كثيراً والباقي منتجات جديدة صنعتها النساء والاطفال فى القرى او فى خيامهم اذا كانوا من الرحَّل من أجل الحصول على قليل من النقد فى مجتمع تتزايد فيه الضغوط على نمط حياة الرحل وتوشك على القضاء على إقتصاد المقايضة.

يجب علينا للخروج من دار الضيافة أن نستقل إحدى السيارات المخصصة مع سائقٍ افغاني. هذا أيضا جزء من الاحتياطات الأمنية التى تشمل نصائح مشددة ضد السير كثيراً فى الشارع او إستقلال سيارات الأجرة العمومية. كنت قد طلبت إحدى سيارات المكتب للخروج الى شارع الدجاج مع زميل إيراني تعرفت عليه فى الطائرة ولكن الموظف المسؤول ربما شغله أمر آخر فلم يتم تخصيص سيارة لنا في الموعد المطلوب. وقفت مع ف. داخل المبنى بجوار البوابة الرئيسية نتسول الركوب في أى سيارة رسمية ذاهبة فى إتجاهنا. زميلة ألمانية نظرت إلى بنصف أهتمام من مقعد القيادة وقالت أنها ذاهبة للعب التنس فى مقر إقامة منظمة فرنسية ويمكنها ان تقلّنا الى شارع “الدجاج”.

– “سائقو التاكسى هنا لصوص،” قالت الزميلة س. كأنها تلفظ حقيقة بديهية لا يجهلها سواي، أنا الزائر للمرة الاولى الى عاصمة الافغان.

–  “تعنين أنهم يبالغون فى محاسبة الزبائن،” رددت فى محاولة للدفاع عن أهل البلد، لا ادري دافعي لها سوى إيماني أنه لا أحد خير أو شرير بطبيعته او بسبب الثقافة التى ينتمى إليها.

–  “لا. أنهم يضاعفون الأجر عدة مرات. عندما إضطررت ذات مرةٍ لأن أستقل تاكسياً من المطار طلب منى السائق اللص أضعاف ما يتقاضاه لنفس المشوار من المحليين.”[3]

–  “ولكن يا عزيزتي الفارق كله لا يعادل دولارين أو أقل على الأرجح وربما كان هذا السائق هو الفرد الوحيد الذى يعمل فى عائلة ضخمة فيها عشرون أخرون يعتمدون عليه!”

واصلنا الحديث فى السيارة.

  • “ماذا تعني؟ أتريد ان تبرر النصب؟ ثم أن وجود نظامين او ثلاثة أنظمة للأسعار يفسد السوق تماماً وهذا سيكون سبباً فى عدم تطور الإقتصاد هنا. فى ألمانيا لدينا نظام واحد للاسعار للمواطنين وللزوار.”

لاحظت أنها استعملت كلمة “المواطنين” للدلالة على أبناء وطنها وليس كلمة “المحليين” التى تشير بها للأفغان. وفكرت لحظة أن أقول لها أن غضبها لضياع دولار واحد يبدو سخيفاً حيث أن راتبها الشهرى عدة آلاف من هذه الدولارات نفسها.

كانت محقة، نظرياً، فى أن سائق الاجرة يجب ان يتقاضى نفس الاجر من الافغاني أو الألماني، بيد أن النظريات فى أغلبها جافة لا تقيم الأود ولا تطعم الاطفال فى نفس اليوم بل عليك الإنتظار سنوات هذا إذا ثبتت صحتها. نظرية أن السوق يجب ان يقدم أسعارا ثابتة ومتوقعة ربما تكون مناسبة للالمان أو فى أى دولة مستقرة النظم ولكني صرت اشك فى كل النظريات التى تعد بالرخاء فى المستقبل (سواء كان هذا المستقبل فى الجنة، او فى تمام الشيوعية أو فى “نهاية للتاريخ” مكللة بنصر للرأسمالية). أو ربما أمتعضت من أفكارها ببساطة لأننى “طيب” كما تقول أمى (والطيبة تستدعى فى بلدي مصر وصف البلاهة – فيقال كثيراً “طيب وأهبل”).

صديق لم أعد اتجاذب معه لا خيوط الحديث ولا الصداقة قال لي ذات مرة بعد خلاف مشابه على البقشيش لعمال فندق فى واحة فى الصحراء الكبرى أن “رهافتي” المبالغ فيها تصور لى أنني أساعد الناس بينما هى فى الحقيقة تفسد قدرتي على النظر الموضوعي الى حقائق الأشياء. حسناً أذن فلأقبل نفسى على علات هبلها وطيبتها وفساد قدرتها على الموضوعية ولكنى مصر على موقفي وخجلي من دخلي المالى الشاهق مقارنة بالمداخيل المتواضعة والمتدنية لمن يقدمون لي الخدمات فى دول العالم الثالث.

أوقفت س. السيارة أمام شارع “الدجاج”. نزلت أنا وصديقي ف. من المقعد الخلفي.  نظرت س. إلي عبر ضابط أمن أسترالي كان يجلس بجوارها فى المقعد الأمامي قائلة أن علينا الإنتظار فى تمام السادسة مساءً فى نفس المكان كى تقلنا عائدين الى دار الضيافة بعد ان تنتهي من لعب التنس.  لم تستغرق الرحلة كلها بالسيارة التويوتا البيضاء السائرة ببطء تفرضه حفر الطرقات سوى عشر دقائق. وكان يمكن لرحلتنا أن تستغرق وقتاً أقل لولا أن س. اضطرت للابطاء قليلاً  خلف سيارة نصف نقل تقل حوالى خمسة من الطالبان المسلحين فى صندوقها الخلفي. ضربتهم الدهشة بوضوح عندما تبينوا ان هناك ثلاثة رجال يجلسون فى السيارة السائرة خلفهم وإمرآة تقودها. أخذوا يشيرون إلينا مبتسمين بصورة كأنها تقول: “لماذا تقود سيارتكم إمرآة؟” وأنفعل أحدهم وهو يحث الأسترالي الجالس فى الأمام أن ينتقل الى مقعد القيادة. أخذ يشيح بيديه ويفتح فمه فى كلمات لا نفهمها ولكن ملامح وجهه كلها إستهجان.

***

قلت للسيدة س. ألا تبالي بالعودة لأننا سنقطع الرحلة القصيرة عائدين على أقدامنا. نظرت إلى بعيني أم قد ملت عجز صغيرها عن فهم الاوامر الواضحة. غيرت وضع عصا التروس فى السيارة وانطلقت دون ان ترد عليّ.

***

كان السوق مهجوراً. لا كهرباء، يدل على غيابها منذ مدخل الشارع صوت الضجيج الرتيب لمولدات كهربائية صغيرة معظمها حمراء اللون ورائحة العادم الكربونى تنبعث منها. بعض أصحاب محال السجاد ينتظرون حتى نقترب قبل ان يجذبوا حبلاً قصيراً يشغل المولد –توفيراً للوقود. برؤوس محنية ندخل الى المحال الواطئة الابواب. رائحة قوية للمطرزات التركمانية باحمرها القانى وأخضرها الداكن وأصفرها الزاهى وأزرقها الكحلى – مطوية فى أكوام يصل بعضها الى السقف. ورود كبيرة فى تصميمات فرحة. صعب على أن أتخيل كيف يخطر هذا الاشتعال اللونى على مخيلة النساء (واحيانا الأطفال) الذين ينسجون ويطرزون هذه القطع البديعة فى بلد أختفت غاباتها كلها او تكاد وضاعت الخضرة والصفرة والحمرة والزرقة تقريبا لتستحيل ألوان الواقع إلى درجات من الرمادي تنتهى بالاسود. رائحة قوية تقترب من العطن ولكنها ليست كذلك. رائحة الزمن على مطرزات وبسط لم تتحرك من مكانها منذ مدةٍ طويلة. رائحة الكساد كانت.

وبعد ساعةٍ من التجوال بين المحال وعدة اكواب من الشاي الاخضر غير المحلى المصحوب بطبق زجاجي صغير به سكاكر ملونة يمكن ان تضعها تحت لسانك لتكسر حدة الشاى المر، صرنا السائحين الاجنبيين الوحيدين فى السوق وربما المتسوقين الوحيدين. حتى النسوة المتسربلات ببراقعهن واللاتي كدنا نصطدم بهن عندما أندفعنا ونحن نضحك من نكت تبادلناها إلى داخل محل فضيات تركمانية كن بائعات لحليهن ولسن مشتريات لحلي جديدة.

مدير برنامج الغذاء العالمي في كابول، مايك ساكت، يجلس مع المزارعين الافغان في منطقة شرق قندهار في طريقنا بالسيارة الى كابول (تصوير خالد منصور)

تسمَر ف. عند المدخل بعد أن كدنا نتلامس مع النسوة الواقفات فى الداخل واللاتي تميزن عن متسولات شوارع كابول ببراقع مكوية من خامات لاحظت جودتها ودقة صنعها وثنياتها وطياتها المحكمة على يد كواء ماهر. سحبني من مرفقي بقوة لنترك المكان لهن.

– “صدقني نحن لا نريد ان نكون مع هاته النسوة داخل المحل إذا فاجأنا الطالبان،” همس فى أذني.

إنتظرنا فى الشارع قليلاً نراقب المارة ويراقبوننا.

* * *

اشتريت سواراً فضياً دقيق الصنع – لكن فى بدائية قبلية محببة – من أجل زوجتي. لم يكن هناك مولد كهرباء لدى هذا البائع الجاد السحنة، المعتمر طاقيةً مطرزة زاهية الالوان ومشقوقة من الامام مثل معظم طاجيك كابول، لذا قام بإخراج بضاعته على مفرش تركماني أحمر مطرز بورود كبيرة إلى الرصيف الضيق حيث جلسنا على مقعدٍ خشبيٍ طويل نقلب فى الحلي.  معظمها مشغولات هلالية الشكل تعلق فى سلاسل على الصدر او توضع تيجاناً على الرأس، تربط احزمة على الخصر، تلبس أساور حول المعاصم أو تعلق أقراط فى الأذان. بصيص شمس راحلة فى وقت إنتصف بين العصر والمغرب إنعكس قليلاً على فضة الحلّي المصفرة بينما كانت معظم المحال تبدأ طقساً حزيناً وهى تغلق ابواباً ربما لم يمر منها متسوق واحد فى هذا اليوم. مر بعض الطالبان وعصي فى أيدي معظمهم ومدافع رشاشة مترنحة على جوانب قلة، عيونهم مكتحلة ورؤوسهم تعتمر عمامات سوداء حريرية ونظرة هادئة فى قسوة وتصميم تكسو وجوهم العشرينية.

سوق يعيش حالة حداد معلن غير معروف حتى متى سيستمر،سوق كئيب وخاصة لمن إعتاد مثلي على أسواق راولبندي ودلهي والقاهرة وحتى نيويورك.

أسواق راولبندي فى باكستان ودلهي فى الهند تكتظ أحيانا بالناس حتى يخيل إليك انك لن تستطيع أن تشتري شيئا ولن تعرف ان تعود من حيث أتيت، أو لن ترغب فى خوض هذا الزحام مرة أخرى من أجل العودة. يتكاتف الناس ويحتكون كثيراً ببعضهم البعض. شكت لى صديقة إيطالية كانت تزور راولبندي معي قبل ذهابي إلى كابول تلك المرة أن عديدين قرصوها بعنف فى مؤخرتها ذلك الصباح الذى قضيناه بالاسواق. خان الخليلي كان ساحراً بحاراته المتفرعة المتشعبة التى تنتهى فى ميدان الحسين أو شارعي المعز وجوهر القائد حتى احالت يد التجديد والتحديث الحديدية المنطقة إلى حفائر مستمرة لسنوات. الخان يدفع الهدوء الى النفس طالما دلفت الى شوارع جانبية وخاصة تلك غير التجارية بعيدا عن الباعة الثقلاء الفارضين أنفسهم على عرض الطريق طالبين منك شئت أم أبيت أن تدخل إلى محالهم ويطلقون تعليقات سخيفة إن لم تستجب لهم. وفى نيويورك لا أفضل من التكاسل فى صباح أحد فى أسواق البرغوت – ويدعونها هكذا ربما تقليلاً من شأنها – حيث تباع الكتب والملابس والادوات الكهربائية والتحف المستعملة والرخيصة.

فى كل هذه الأسواق هناك مساحة للسير، حتى لو تلاحماً، ولتدخين الارجيلة والوجبات السريعة والبطيئة وانت محاط بسياح مندهشين ونسوة متلفعات بملاءات سوداء وشباب وبنات بخليط من التي شيرتات الملونة والبنطلونات الجينز والرجال بقمصان متربة او جلاليب او شورتات، ودراجات وعربات يد صغيرة محملة ببالات الأقمشة والبضائع. زحام يصم الاذن بضجيجه ويقتحم العين مالئها باندفاعاته.

أين كل ذلك من الصمت الحزين ولون الرماد الجاثم على شارع الدجاج فى قلب كابول؟!

فى طريق العودة إلى دار الضيافة كان سائق التاكسي المرح يتحدث بعربية نصف طليقة آتية من سنوات قضاها خلف مقود أخر فى سوريا والعراق. لمح بعض عدم تصديق فى مرآته فاستدار إليَ وأخرج حافظته وأراني رخصة قيادة سورية منتهية الصلاحية منذ عدة سنوات وعليها صورته. سيارات التاكسي صفراء تترنح فى شوارع إنتهى عمرها الإفتراضي (السيارات والشوارع) منذ سنين طويلة.

***

مشهد النساء فى شوارع كابول الحزينة او بالأحرى إختفاؤهن القسري منها سواء فى بيوتهن أو تحت براقعهن هو ما جعلنى مشدوهاً فى كابول يومي الاول. تسرع النساء فى خطوات قصيرة تحت النقاب الكثيف او “البوركا” كما يدعى هذا الرداء بلغتي الداري والباشتو[4]. معظم النقاب أزرق زاهي وبعضه أصفر فاقع وهناك أسود والوان أخرى. كثيرات تجرجرن ذيولاً متربة لهذا الرداء المرهق غير الإنساني[5] وبعضهن تجذبن الذيول القماشية او تتركنها لقبضات أطفالهن الحفاة وهن يتوقفن أمام السائرين طلبا للصدقة. وعندما ترغب إحداهن فى عبور الطريق تجذب القماش الذى يستر وجهها لتشد الشبكة التى تغطي عينيها لاسفل وتنظر يمنة ويسرى ثم تعبر. معظم النساء اللاتي رأيت فى شوارع كابول والقرى القريبة منها كن فى الشوارع لانهن تشحذن او تشترين أشياء قليلة وتسرعن فى طريقهن. كثيرات منهن كن يتوقفن عادة امام مطاعم المشويات بالقرب من سينما بارك (التى توقفت عن عرض الافلام من زمن طويل) فى وسط كابول او قريباً من مقار ومكاتب منظمات دولية اجنبية عاملة فى البلاد على أمل الحصول على صدقة.

“بدأت فى إرتداء البوركا عندما كان عمرى 22 عاماً وكنت أرتطم بأطفالي لآنى لا أراهم. لماذا يجب أن نغطي أنفسنا هكذا؟  فيما أخطأنا؟ شعرت دائما أنه عقاب وشعرت بالعار لانك عندما ترتكب خطأ تخجل منه تغطي وجهك وهكذا كنت أشعر تحت هذا الرداء.”

خارجا من مطعم هيرات فى قلب كابول بعد وجبة دسمة من الضآن المشوي ودهنه السائل على قطع اللحم الطرية واللبن الزبادى الذى أطفأ قليلا من حدة شرائح الفلفل الحارقة والبصل النافذة، أمسكت امرأة متسربلة بشادورها بمرفقي بقوة فاجأتني. دفعها رجل عابر بعيداً عنى كأنها حيوان أليف ارتكب خطأً ما ثم عنفها بالباشتو دون أن ينظر ناحيتي إطلاقا. فتحت باب السيارة ولكن متسولة أخرى مرقت بينى وبين الباب وأنا أتخذ مقعدي مانعة إياي من إغلاقه. تمنيت أحياناً فى حياتى أن أختفى فجأة وبسرعة او تنشق الأرض وتبتلعني. هذه الأمنية كانت تشتد وأنا طالب صغير فى المدرسة عندما يفاجئني مدرس قاس بسؤال لا اعرف الجواب له ولكن أعلم عقاب الجهل به. تمنيت مع هذه المتسولة أن أختفي فى سحابة من الدخان مثل الجني فى القصص القديمة الساذجة. لم يكن معي أى مال ولم أستطع حتى أن أعتذر لها بلغة تعرفها أو أطلب مالاً من السائق لانه كان قد سارع بالخروج من المكان تاركاً إياها واقفة فى مكانها. وراحت مناشداتي بالتوقف ضحية سرعته وضجة محرك السيارة وربما لعدم إصراري بما يكفي.

تصف زميلة أفغانية شعورها تحت النقاب الأفغانى قائلة: “بدأت فى إرتداء البوركا عندما كان عمرى 22 عاماً وكنت أرتطم بأطفالي لآنى لا أراهم. لماذا يجب أن نغطي أنفسنا هكذا؟  فيما أخطأنا؟ شعرت دائما أنه عقاب وشعرت بالعار لانك عندما ترتكب خطأ تخجل منه تغطي وجهك وهكذا كنت أشعر تحت هذا الرداء.” وقالت لى أخرى بعد أن إنهار نظام الطالبان أن المرأة ليست خطيئة يجب أخفائها وأنها سعيدة لانها الآن حرة فى وضع طلاء الأظافر وإرتداء الأساور والحلي التي كانت كلها محرمات فى عصر الطالبان وتتطلع لليوم الذى يمكن فيه للمرأة فى كل أفغانستان السير دون نقاب. لم يخترع الطالبان البوركا فقد كانت معظم النساء فى أفغانستان وخاصة فى الحزام الباشتونى مجبرات على أرتدائها إجتماعياً ولكن الطالبان حولوا ممارسة إجتماعية إلى قانون يتم جلد أى أمرأة تخالفه.

***

بعد يومين فى كابول أتآرجح بين أنماط حياة متباعدة فى نفس المدينة: متحركاً من مكتب متطور مزود بكل أجهزة الاتصال بالأقمار الصناعية إلى مقر أقامة نظيف مجهز بتوصيلات الانترنت واجهزة التلفزيون بمحطات فضائية بالانجليزية والفرنسية والعربية، إلى مجمعات إيواء مفزعة لألاف النازحين الناحلة أجسادهم من الجوع والتعب المفتقرين إلى أبسط مقومات حياة الكفاف، إلى مخيمات البدو الرحّل فى مراعي مؤقتة خارج المدينة ينسجون مطرزاتهم ويرعون جمالهم بينما يمر الطالبان فى سيارتهم ذات الدفع الرباعي واسلحتهم البارزة من النوافذ الداكنة.

  • “كابول الآن رهينة”، قال لى حميد مضيف مقهى دار الضيافة. “كنا افضل قبل أن يسيطر الطالبان على هذه المدينة. نعم كانت هناك حرب قاسية طوال أكثر من ست سنوات. نعم كانت هناك صواريخ تنهمر يومياً من كل الإتجاهات. ولكننا كنا احراراً.”

حكى لى حميد قصة إبنته الصغيرة، 12 عاماً، التى كانت فى طريقها للمدرسة ذات صباح ورأسها مغطاة بمنديل. إعترض الطالبان طريقها وضربوها بسوط جلدى سميك فحطموا فكها.

  • “إبنتى الجميلة صارت مشوهة وأملى الآن ان العملية الجراحية التى ستجريها فى بيشاور خلال عدة أيام ستعيد لها بعض جمال وجهها.” ثم بكى.

***

عبرت سيارتنا ببطء مدخل دار الأيتام الكبيرة وأغلق البوابة المتهالكة فى صرير خافت حارس عجوز. أربعة مباني يكسوها طلاء ابيض شاحب ويعيش ويدرس فيها 450 من الاطفال. الصغار حتى السابعة يدرسون سوياً، بنات وأولاد بعيونهم الواسعة وما تبقى فيها من فضول ودهشة راح معظمها مع مرارة اليتم وحديدية نظام الدار. من يتعدون السابعة يتم فصلهم عن بعضهم البعض، فالأولاد فى فصول والبنات فى أخرى. قاعات الدرس عارية سوى من حصر بلاستيكية على الأرض يتجمع عليها الأطفال فى حلقات، ويعود إليهم صدى أصواتهم الرفيعة من الحوائط والأسقف الكالحة، يكرر عليهم شاب معمم مسلح بعصا آيات القرآن بالعربية. يتعلمون الكتابة بأحرف طفولية مائلة على سبورات من طلاء أخضر على الحائط فى مقدمة الفصل. يجلس المدرس متربعاً على الأرض فى المقدمة بزي أفغاني تقليدى وتقبع بجواره العصا، رفيعة طويلة ومهددة. تفاخر مدير الدار قائلا: “ندرسهم أيضا مبادىء الحساب والعلوم الاجتماعية.” مائة وعشر بنات وثلاثمائة واربعون صبيا يقيمون فى هذه الدار الجرداء حديقتها من الخضرة والالعاب، ومن البهجة.

فى المطعم الكبير تتصاعد الأبخرة من قدور ضخمة وطهاة يقلبون عصيدة فيها بمغارف حديدية طول يدها يزيد عن المتر بينما سواد السناج يلف القدور ويترك بصماته على السقف والجدران. الاطفال بعيونهم الزائغة يتوقفون عن ازدراد طعامهم عندما ندخل مع المدير ويقولون فى صوت واحد “السلام عليكم.” رفض المدير ان تدخل معي س. غرف نوم الأطفال لانها “كافرة” ولا يجب ان يسمح لها بلقائهم. بينما يمكن السماح لي لانى مسلم. إبتسم المدير العشريني كاشفاً عن أسنان مفلوجة فقلت له: “ولكنى رجل وهى امرأة ونحن الان نزور قسم الفتيات.” فرد دون كثير تفكير قائلا: “المدير من حقه ان يمنع ويسمح لاى زائر يشاء الدخول الى المبنى.” ويبدو أنه تذكر حجة إضافية قوية حيث أضاف بابتسامة ماكرة: “ثم أنك أخ مسلم رغم هذه” وهو يشير بيده الى ذقنى الحليقة ثم يمسد بنفس اليد لحيته الطويلة غير المهذبة.

داخل الغرفة التى سمح لى المدير الطالباني بدخولها كان الفتية والفتيات زائغي النظر شاحبي الاوجه، ملطخين ببقع بنفسجية من دواء رخيص لمعالجة مرض جلدي متفش[6] بين اطفال أفغانستان. هتفوا جميعاً، حوالى العشرين منهم بصوتٍ واحدٍ خفيض ومرتعش، : “السلام عليكم” عندما دخلنا الغرفة. جالسين كلهم كانوا على الارض وايديهم الصغيرة باظافر متسخة تغمس قطع خبز صغيرة فى صحونٍ بها حساء عدس. أسرة مستشفيات مقشرة الطلاء متراصة بجوار الحوائط وعليها ملاءات مهترئة ولكن نظيفة. لا كهرباء، لا مياه جارية، لا شبابيك كى تغلق، لا أغطية ثقيلة تقي من برد الشتاء القارس فى كابول، لا ألعاب، لا شىء سواهم وسط الحوائط العارية على أسرة عارية بملاءات بيضاء. أمر صعب. الأقسى هو أن ترى اطفال كابول فى الشوارع يشحذون لقيمات الطعام، يمسحون الأحذية، يعملون فى المطاعم، ناحلين، وجوههم مغبرة وممصوصة، بعضهم فقدوا بعض أطرافهم، والأكثر حظاً منهم يتشبثون فى خوف ووجل بذيول جلاليب أمهاتهن الجالسات فى الشوارع مادات الأيدى للصدقة.

عدت الى نفس دار الايتام بعد عامين من زيارتي الأولى (وشهور ثلاثة من تفكك قوات الطالبان فى وجه قوات التحالف تحت القيادة الامريكية) بصحبة وفدٍ رفيع المستوى من احدي منظمات الإغاثة الدولية. دخل ركب السيارات الضخمة الى الفناء حيث اصطف مئات الاطفال فى ثيابٍ ملونة ووجوهٍ شاحبة (من أثر سوء التغذية). كان انفعال الأطفال زائداً مع وجود كل أولئك الضيوف الأجانب المهمين واللطفاء والمبتسمين والمتبوعين بكاميرات يحملها رجال ونساء يتدافعون بين بعضهم البعض ومع الأخرين من أطفال وكبار ليحصلوا على أفضل زوايا التصوير وأقواها تأثيراً. بدأت مجموعة من الأطفال تغني وراء ميكروفون محمول فى يد طفلة تقف أمامهم وتغني بصوت أقوى منهم جميعاً، أغانٍ وطنية عن ارض الأجداد، وتقافز صبية فى مجموعة اخرى بينما أدى مراهقون مجموعات من حركات الكاراتيه فى استعراض من أجل الضيوف ثم تهالكوا على الارض يؤدون تمارين ضغط – عشرين مرة على الاقل. نحيفون كلهم تتقوس ظهورهم مع كل هبوط لمرافقهم نحو الارض حتى تعتقد أن بطونهم ستلمس التراب المبتل ببعض الماء ولكن اذرعتهم الرفيعة كالعصى ترفع الاجساد النحيفة ببطء إلى أعلى مرة أخرى وهكذا. غادرت أرض الاستعراض الحزينة الى دورة مياه تهوِّم فيها الروائح الكريهة ولا مياه فيها سوى دوائر من بول عطن على الارض.

وصلنا الى الغرف التى كانت معدة لزيارة وفدنا رفيع المستوى. الأرض مجلوةً تماما تفوح منها رائحة مطهر قوي. فى غرفة المطعم وقف الأطفال صفاً فى جانب يحملون صحون طعامهم البلاستيكية الملونة بانتظار الحصول على وجبة الغداء. قدران كبيران ممتلئين بمعكرونة ولحم وخبز. يأكل الاطفال واقفين أمام مناضد تصل الى اسفل صدورهم. إبتسم الزوار وربتت إمرأة على رأس طفل يتيم بينما قبلت أخرى طفلة يتيمة وادلى المسؤول الكبير بتصريحين الى شبكة تلفزيونية أمريكية وعدت بأنها ستبث المقابلة مساء اليوم نفسه.

توجهت الى الدور الثاني مع الوفد الذى اتجه يساراً فى الممر الى غرفة وضعت بها مرطبات وفواكه. اتجهت يمينا لالقى نظرة سريعة على الغرفة التى زرتها منذ عامين تقريبا عندما رفض المدير الطالباني ان تدخل سابينا معي (كانت قد غادرت أفغانستان الى بلد أخر يحتاج الى المساعدات). كانت الغرفة قذرة وخالية سوى من أسرة محطمة وعنكبوت ثقيل نسج بيته فى زاوية.

***

فى الطريق إلى مقاطعة لوجار امتدت لبضعة كيلومترات على يسارنا مقبرة للحافلات تتراص فيها هياكل عارية لمركبات لابد انها قطعت آلاف الكيلومترات فى شوارع كابول فى شيوعية السبعينات وعقود الملكية السابقة عليها. تم تجريد الحافلات من كل ما يمكن نزعه لإدخاله فى سوق تجارة الحديد الخردة التى راجت سنوات فى افغانستان حتى ذابت مصانعها ومنشآتها الحديدية فى مصاهر بلدان مجاورة للتناسخ مرة اخرى ربما فى صورة أعمدة إنارة فى نيودلهى او بنادق فى بيشاور. على اليمين مقبرة للبشر براياتها الخضر المتهرئة الاطراف الدالة على رفات شهداء. وكانوا بالالاف.

توقفنا فى احدى قرى المقاطعة القريبة من كابول. المنازل مهجورة وبينها حفر عميقة، هى ما تبقى من أثار إرتطام قنابل ثقيلة قال لنا بعض السكان الخارجين ببطء من منازلهم – بعد ان اطمئنوا إلينا –  أنها كانت نتاج آخر الغارات السوفيتية على تلك القرية التى اعتادت إيواء عديد من المجاهدين لقربها من العاصمة. الغارات السوفيتية إنتهت منذ أكثر من عشر سنوات تاركة هذه الندوب التى لا يداويها أحد. معظم السكان غادروا القرية الى موقع قريب جديد  يقع بعد أرض المقابر وبدأوا فى بناء بيوت صغيرة بمساعدة منظمات اجنبية. إلى جوار المقابر كان هناك شاهد حرب اخر، طائرة هليكوبتر فقدت مروحتها وعجلاتها واستراحت على أربعة براميل نفط. الطائرة منزوعة الأبواب والأجهزة الالكترونية، يبدو هيكلها مثل بطة قعيدة مهملة. قال لى أحد السكان أنها كانت تخص ميليشيات قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الاسلامى والقائد المؤثر حتى الآن وسط الجماعات الجهادية الافغانية. فى سنوات الجهاد الطويلة فى الثمانينيات ظل حكمتيار أثيراً لدى المخابرات الباكستانية التى تولت سراً نقل السلاح – الممول مناصفة فى احوال كثيرة بين الولايات المتحدة والسعودية – وتوزيعه على جماعات الجهاد السبع التى تقاسمت فيضان الاسلحة الغربية والاجساد العربية الساعية للانضواء تحت لواء جهاد صار عالمياً ضد جيش الغزاة السوفييت وعملائهم الأفغان الشيوعيين “الكفرة”.

قد تخدعك كابول ببساطة اهلها وكرمهم فلا تعرف من أين يأتى هؤلاء الذين قتلوا مئات الألاف من أبناء وطنهم فى صراعات دموية، وقد تخدعك لأنها تبدو على السطح بدائية، مدقعة الفقر، ومتخلفة عن عواصم البلدان المجاورة. كابول أغنى مما توحي المظاهر، وتاريخها أعقد من بساطة وفقر حاضرها.

ما إن بدأت أصور المنازل الجديدة محاولاً إظهار مدى إحتياجها لبنية تحتية من المياه والصرف الصحى أملاً كالعادة فى إستغلال هذه الصور لإجتذاب إهتمام المانحين. بانت علامات توتر شديدة على وجوه الأفغان حولي فجأة فنظرت فى إتجاه نظرات أعينهم، سيارة رباعية تقترب وفى صندوقها الخلفى طالبان مسلحون. أخفيت الكاميرا بسرعة فى الحقيبة التى لا تفارق كتفي كعادتي فى هذه المهمات. ونجت الصور والكاميرا معها من المصادرة. دون هذه الصور تفقد  رحلاتي كثيراً من قيمتها فغرضها الرئيسي تعريف العالم الخارجي بالاوضاع الإنسانية التعسة في أفغانستان ولا أفضل من الصورة لتلخيص هذه المآساة. وكان الحصول على تأشيرة دخول للصحفيين إلى أفغانستان فى سنوات الطالبان مسألة صعبة ولذا كانت وكالات الأنباء والصور تستعمل معظم ما أصوره داخل أفغانستان بانتظام بل وأستعملت محطات سى إن إن والبي بي سي بعضا من الشرائط التى التقتطتها فى هذه السنوات.

***

قد تخدعك كابول ببساطة اهلها وكرمهم فلا تعرف من أين يأتى هؤلاء الذين قتلوا مئات الألاف من أبناء وطنهم فى صراعات دموية، وقد تخدعك لأنها تبدو على السطح بدائية، مدقعة الفقر، ومتخلفة عن عواصم البلدان المجاورة. كابول أغنى مما توحي المظاهر، وتاريخها أعقد من بساطة وفقر حاضرها. يمكن فهم كابول على شرط ألا تبدأ مسعاك لفك تعقيداتها بقياسها نسبة الى باريس أو واشنطن او بيروت أو القاهرة. ساعتها يتبدى الخطل والخطأ كما يحدث فى عديد من الكتب الصحفية. ينبغى أن نقارن حاضر كابول بماضيها وواقعها بواقع مدن قريبة منها ثقافياً وجغرافياً مثل بيشاور وساعتها تصبح مأساة كابول أقل غموضاً وأكثر واقعية. زوار كابول الأجانب يقومون الآن بجولات محمية معزولة عن عالم البشر والشوارع الحقيقية. سقطت كابول تماماً فى غرف مرايا وسائل الاعلام التلفزيونية والالكترونية والخطابات السياسية. قلائل هم الصحفيون والباحثون القادرون على منح كابول الوقت والجهد اللازمين لعرض أوجه غير تلك الصالحة للفرجة والتسلية (وقد صار الدم والقتل والانتهاك جزء كبير من مناظر التسليات التلفزيونية فى عالمنا).

***

بعد عامين من أول زيارة لي وصلت مرة اخرى إلى كابول التى صرت أعرفها أفضل قليلاً. كان الشهر فبراير 2002 وكانت القوات الغربية بقيادة أمريكية قد اطاحت بالطالبان بعد أسابيع من تفجيرات نيويورك الارهابية التى قتلت ما يقل قليلاً عن ثلاثة الاف شخص فى برجى مركز التجارة العالمى. الولايات المتحدة اتهمت أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة بتخطيط وتنفيذ التفجير ولم ينكر بن لادن أنذاك هذه التهمة، ثم اعترف بها لاحقاً.

وصلت المدينة برفقة مسؤولٍ دولي كبير. فى المطار كان هناك استقبال رسمى بسيط إندفع بعدها موكب السيارات الطويل الى مشروع تديره النساء فى حى مدقع الفقر فى المدينة، نصف المبانى مهجورة مهدمة الأسوار منزوعة الشبابيك ومعظم السكان الذين خرجوا إلى الشوارع يرقبوننا فى قلق فى أسمال بالية. ضباط الامن المرافقين وبعض موظفى الاغاثة وست صحفيين وكاميرات تلفزيونية كانت كلها تفزع النساء المتسربلات ببراقعهن فى جوانب الحديقة الداخلية المتربة للبيت الصغير الذى يوجد به المشروع.

قبع المسؤول الكبير على الارض مقرفصا ليتحدث مع ثلاث نساء افغانيات عبر مترجمة. سألتهن المترجمة أن يتحدثن عن شعورهن وعما يطعمن اطفالهن وكم عددهم. تحلق الصحفيون والمصورون حول المجموعة الجالسة بينما كان مدير عملية الاغاثة السيد م. واقفاً بالقرب منهم رهن الاشارة لتقديم المعلومات والأرقام والاحصائيات.

تنظر صحفية صغيرة السن ومتحمسة حولها فى عدم تصديق. تحيط بها بعض النسوة وببطء تقوم واحدة تلو الاخرى منهن برفع البرقع عن وجهها والقاءه خلف ظهرها. وتشير الاولى الى رضيعها القلق على صدرها وتقول “بيبى جول” (البنت زهرة) ثم تشير بإصبعها الى نفسها وتقول “سكينة” وتتدافع النسوة كأنهن مياه فاضت من فوق سد كان جاثماً عليهن: وأنا “…. ” وأنا “…..” وتتناثر اسماؤهن فى فضاء الحديقة الجرداء سوى من ظل تفرشه افرع شجرة عطشى. تهتف النسوة باسمائهن واحدة بعد الاخرى والصحفية بسرعة عصبية تخربش الأحرف اللاتينية على اوراقها وبعد الزيارة تسعى للتأكد من الهجاء الصحيح من مرافق افغاني ومعنى بعض هذه الأسماء. وفى المقالة التى نشرتها بعد أسبوع رسمت الصحفية الشابة صورة نساء أردن ان يعرفهن العالم وأن يعرف أسمائهن.  كانت الصحفية المجتهدة تعتقد ان النساء تلَون أسمائهن من أجل ان تنشرها.

لن تقرأ هذه النسوة مقالتها أبدا على الارجح. ولكنهن ربما فى مساء لقائهن بنا حكين لازواجهن واطفالهن عن المرأة البيضاء الاجنبية التى كتبت اسماءهن وهن الآن تأملن انهن قد يتلقين حصص اغاثة اكبر عوضاً عن الارغفة الخمسة التى يحصلن عليها لكل عائلة يوميا. وربما تكون الزيادة فى حصة الإغاثة من أجل العيد المقبل فقط وليست كل شهر. وحتى لو كان الأمر هكذا فلا بأس.

كم من الفقراء الافغان نطقوا أسماءهم ببطء وصبر أمام رجل أجنبى او إمرأة اجنبية: من الصحفيين الى عمال الاغاثة، من المسَاحين إلى القائمين بالتعداد، من مسجل الإنتخابات إلى متعهد نقل الخشخاش، ومن الخبراء الاجانب إلى المستشارين، ومن ومن ومن وإلى وإلى وإلى …

أمام البيت الواقع فى حى ضربت نصف منازله قنابل الحرب الأهلية كانت السيارات التويوتا اللاند كروزر السبعة تسيطر على الشارع الضيق الذى يشبه وجه مريض بالجدرى، نتوءات وتشوهات وحفر، بينما تتلوى مياه الصرف الصحى شبه الراكدة فى خطوط متعرجة حول الاطارات الضخمة. ترفرف أعلام صغيرة على صوارى معدنية قصيرة فى مقدمات السيارات. يعدو رجال الأمن لإخلاء طريق خال ويتقافز صغار الموظفين حول المسؤول الكبير ويعدو اخرون الى سياراتهم وتتململ مواسير عوادم السيارات ويزعق بعضها ثم نمضى فى طريقنا الى  المجمع  السوفيتي.

***

كان المجمع السوفيتى او بقاياه شاهداً حياً على الإنتصار الافغانى على السوفييت وحلفائهم الشيوعيين الافغان [7](بكل معانى كلمة الانتصار ومنها إنتصار القبلية على المدينة والريف على الحضر) إنتصار تراه فى أفران الخبز الطينية المنتشرة فى شرفات المبانى السوفيتية الطراز التى تماثل المبانى الشعبية ذات الطوابق الخمس المغروزة فى ارض معظم مدن مصر منذ الستينيات مأوى لبقايا الطبقة الوسطى، او المبانى السكنية التى ما زالت قائمة فى كل الجمهوريات السوفيتية السابقة تقريبا وخاصة كلما ابتعدت عن شرق اوروبا نحو القوقاز وأسيا الوسطى. مبانى تشبه الصناديق ذات الفتحات التى كنا نستعملها ونحن صغار لتربية دود قز الحرير.

كان هذا المجمع فى كابول سكناً لالاف الخبراء والدبلوماسيين السوفييت وعائلاتهم فى الثمانينيات ولكنه صار فى التسعينيات مقرا لإيواء ألاف الفقراء الافغان النازحين عن قراهم التى صارت ميدان حرب بين الطالبان (وكلهم من الباشتون) وزعيمهم الملا محمد عمر من ناحية والتحالف الشمالى (ومعظمه من الطاجيك) وقائده الاشهر أحمد شاه مسعود آخر وزير دفاع فى اخر ما يمكن وصفه بحكومة افغانية من ناحية أخرى. هذه الحرب الأهلية كانت الوريث المباشر للجهاد الذى ناضل فيه مخلصون ومؤمنون كثر وأستغلته أجهزة مخابرات عديدة وصار آخر رقعة فى الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق.

أذكر ملصقات فى شوارع القاهرة فى السبعينيات والثمانينيات تحمل شعار “إدفع جنيهاً تنقذ مسلماً” من أجل تمويل الجهاد فى أفغانستان. وتلقى الدب الروسي ضربات دامية من المجاهدين بجنيهاتهم المصرية القليلة وملايين دولاراتهم الامريكية وريالاتهم السعودية وغيرها من المصادر العديدة، ولكن بعد انتصار وفرح وجيز انحلت الدولة الأفغانية الى مكوناتها القبلية والعشائرية والعرقية والدينية الأكثر أصالة من الانتماءات المدنية والحزبية الهشة. وتوغلت تجارة المخدرات وانتظمت الأنشطة الإجرامية وزرعت كل اجهزة المخابرات المعنية جواسيساً فى البلاد وظلت محافظ النقود الاسلامية المتشددة على إتساعها تهطل نقودا ومجاهدين.

افران الخبز الطينية الصغيرة العائشة على الحطب والاخشاب غطت من شرفات ومداخل العمائر الضيقة كل الحوائط والاسقف بطبقاتٍ سوداء من السناج. واضيفت حجارة وقوالب من الطوب غير المتناسق من اجل تصغير الابواب والنوافذ التى كانت مصممة بطريقة قياسية لا تتناسب مع الجو البارد جدا شتاءً والحار للغاية صيفاً. وعوضا عن المصاريع الخشبية، التى لا بد انها تحولت فى شتاءات سابقة الى وقود للأفران او للتدفئة، وضع اللاجئون قماش خيام وبطاطين يغلقون بها الفتحات التى صارت صغيرة.

الشقق في المجمع السوفيتي تعرت من كل ما يمنحها معنى هذا الاسم: كل ما هو خشبي من أبواب ومصاريع صار وقوداً، تعيش كل عائلة فى حجرة ينسدل قماش ثقيل على بابها، الغرفة عارية من الآثاث سوى حشايا قليلة، موقد يعمل بالديزل أو الخشب يستخدم فى التدفئة ويكسب الجدران طبقة غير منتظمة من السناج، في غرفة أو أثنتين لمحت المحاولات الوحيدة لتجميل المكان: صور منتزعة من روزنامات لمناظر سياحية فى بلدان أوروبية أو للكعبة فى مكة معلقة على الحائط، لا توجد مياه جارية أو كهرباء.

دورات المياه العامة حفر فى الارض في قطعة أرض جوار المباني تداريها عن العيون المتلصصة صناديق خشبية لها أبواب تتراص بجوار بعضها البعض. وفى وسط كل صندوق حفرة كبيرة للتبرز بينما يتسرب البول فى مجرى محفور فى الطين خارجا إلى مجرى اكبر يمر وسط العمائر المكعبة ذات الادوار الخمسة فى طريقه الى مقلب قمامة فى الطرف الاخر من المجمع (كان المقلب وفقا لاحد النازحين ملاعب أطفال فيما مضى.)

وآهٍ من الاطفال. جموع غفيرة منهم مستعدون دائما لتحويل اى شىء وكل شىء الى مغامرة، يتحملون تلك الحياة الصعبة أفضل من والديهم لأنهم لم يعرفوا أبداً أن هناك مستويات وطرق أخرى للحياة وظروف معيشية افضل بمراحل على هذه الارض. لم يروا أبداً مياهاً تنزل من صنابير فى المنازل، لم يعرفوا المواقد الغازية، او فصول المدارس، لم يعرفوا الأسرة، الكتب، كوب اللبن الساخن فى الصباح، فناء المدرسة، أن يكرهوا المدرسين، الواجبات المدرسية الثقيلة، متعة اللعب على الأرجوحة ورهبة اول مرة تقود فيها دراجة طالما تمنيت ان يسمح لك بركوبها … مباركين هم لانهم لا يعرفون ان هناك عالماً اخر يمكن ان يعيشوا فيه بدلا من هذا المسلخ البشرى ذي الروائح العطنة والذى يجثم بجرمه الهائل على الجسد والروح.

يتقافز الأطفال وهم يبعثرون كلماتهم الانجليزية القليلة علينا ويتوقفون فى حركات إستعراضية أمام الكاميرات التى لم تعد تبهرهم كثيرا بعد ان رأوا مئات الصحفيين وراءها. المرة الوحيدة التى ناوشهم شعور من الخجل يومها أمامى كانت عندما أريتهم صورهم على شاشة كاميرتى الرقمية. صمتوا لحظة ثم انفجروا ضاحكين وجروا بعيداً واحذيتهم المطاطية المصنوعة من إطارات سيارات مستعملة تنخلع عن كواحلهم بين الحين والاخر. سيمضون عدواً، ربما الى أمهاتهم او أشقائهم، ليقصوا عليهم هذه الحكاية الجديدة عن شاشة كاميرا هذا الغريب الجديد. إثنان منهم لم يتركا المكان منشغلين باشعال نار امام ما بدا انه كان خشبة مسرح. قال لى أحد اللاجئين إن هذا المكان كان دار سينما ومسرح. يالهول ما جرى! سقف البناية ينوء منبعجا الى الاسفل وخشبة المسرح خالية تماماً سوى من كتابات بفحم أسود على الحائط الخلفى. تحولت كبائن كبار المشاهدين فى الشرفة العلوية إلى غرف ضيقة لإقامة من لم يسعفهم الحظ من النازحين بالحصول على شقق فى العمائر المحيطة.

مصور فوتوغرافي آخر يواصل التقاط الكادرات بينما أنا .. أنا متعب. أجرجر أقدامى الى السيارة وأجلس داخلها وخلف زجاج النافذة إقترب وجه ذلك الصبى الصغير وهو يرفع قلماً اتجاهى بينما تقبض يده الاخرى على كراس. فتحت النافذة وأعطيته قلمى فابتسم بامتنان واضح ومضى. كان يتبعنى منذ نحو الساعة فى دهاليز المكان الذى يضم أكثر من عشرة آلاف شخص، صامتاً على عكس الاخرين ولا يتزاحم أمام العدسة من أجل ان يدخل فى الاطار الذى أصنعه رقمياً لحياتهم.

قبل أن أغادر المكان تذكرت كبير اللاجئين بكرشه المكور. لم أره هذه المرة. سألت فقال لى أحدهم بعد شبه حرج أن الرجل اتهم من جانب الادارة الجديدة بانه كان صنيعة للطالبان. وربما كان كذلك بالفعل، ربما.

بعد ان غادرت المجمع السوفيتي دون نظرة واحدة إلى الوراء وبعد عدة شوارع طلب مني مصور يعمل مع وكالة مقرها نيويورك ان نتوقف لنصور مزيداً من الاطفال. وفى السيارة قال: كم هم رائعون وطيبون، هؤلاء الافغان، لقد منحناهم الان حكايةً سيروونها هذا المساء لعائلاتهم. أليس أمرا رائعا ان نهب لهم بعض السعادة؟

بحلول عام 2008 كان معظم اللاجئين المقيمين فى هذا المجمع قد عادوا الى وادى شومالى الواقع شمال شرق كابول ولكن المجمع ما زال يخدم قطاعاً مختلفاً من البؤساء: مدمنى المخدرات وخاصة الهيروين وهم أكثر فئات الافغان بؤساً. فالبلاد هى أكبر مصدر للأفيون والهيروين فى العالم وبها أيضاً عدد هائل من البشر يتغلبون بدخان الهيروين الرخيص والمتوفر على أمراضهم وجوعهم وواقعهم القاتم، حتى بكاء إطفالهم يوقفونه احياناً عن طريق توجيه زفيرهم المحمل بأبخرة الهيروين إلى أنوف وأفواه الأطفال ومنهم رضع. نحو اربعمائة شخص كانوا يقيمون فى هذا المكان فى اوائل عام 2009 يزيد عددهم إلى الالف خلال النهار عندما يتوافد التجار والمدمنون المقيمون فى المدينة لتبادل المخدرات. [8]

* * *

تناول السيد م.، مدير عمليات الأغاثة، غداءه فى صمت. كان قد استمع الى كثير من المديح وبعض النقد من المسؤول الكبير الزائر. يريد المسؤول ان يكون هناك توازن بين الرجال والنساء المستفيدين من المشاريع والعاملين عليها، ويجب تعيين مزيد من النساء فى المكتب ويجب مساعدة النساء فى افغانستان أكثر خاصة بعد اندحار الطالبان. كانت المنظمة مثل غيرها تحت ضغط من المانحين الأمريكيين وبعض الغربيين الأخرين من أجل إظهر تحسن سريع فى أوضاع النساء وحقوق الإنسان.

رد م. بعد تفكير دام ثوان قائلا: “ولكننا حاولنا وعجزنا عن الحصول على نساء مؤهلات لتولى الوظائف الشاغرة لدينا.” أشاح المسؤول الكبير بوجهه فى غضب وضيق ثم مضى لإجتماع أخر.

كان م. مثل معظم عمال الاغاثة الاحترافيين والمؤمنين بأهمية عملهم وإنسانيته وحياديته، يتبع ويتقن كل النظم والاجراءات المطلوبة. يحترم المسؤولية امام الجهات المانحة ويشدد على استهداف المحتاجين دون غيرهم، وماهراً فى ادارة عشرات من الاجانب من بلدان مختلفة فى مشاريع بمئات الملايين من الدولارات. كان خبيراً فى كل هذه المجالات وعلى درجة عالية من المهارة والنزاهة. يحب الارقام ويستظهرها بسهولة ويسترجعها بسلاسة. يحب ما يصفه بالادلة الموضوعية والاثباتات والواقع المبرهن عليه علميا. لا يأنف من المبيت ليلاً فى كوخ طينى فى حقول قندهار ملتفا بكيس نومه وملتحفاً بالسماء دون حراسة، أو الجلوس فى مجرى نهر جاف ساعات تحت قيظ الشمس يتبادل الحوار مع المزارعين الذين نكبوا بجفاف لم يترك لهم أخضراً او أى لونٍ أخر، سوى صفرة الرمال. كان م. يسعى دائما للتعامل مع القيود السياسية والثقافية وكان يرى أن العمل الأنسانى يجب أن يكون واضحاً فى أهدافه ومبادئه مثل الطريق السريع بين نقطتين. ولكنه مثل عديد من المخلصين من أمثاله فى هذا المجال كان الآن محاصراً بين مطالب المانحين والحكومات الغربية وقيود الواقع والإعتبارات المحلية الثقافية. منظمته مثل غيرها تريد تحت الضغط الأمريكى إظهار تقدم وتطور سريع فى أوضاع النساء وحقوق الإنسان عقب إنهيار الطالبان. كان يضطر ساعتها إلى اللجوء الى طرق بديلة وجانبية عندما يكون الطريق السريع المباشر الذى يفضله مغلقاً بسبب هذه المطالب المتناقضة المتعارضة. وما أكثر الاوقات التى تنغلق فيها الطرق السريعة فى افغانستان.


هوامش


[1]          عندما فجر إرهابي شاحنة متفجرات في مبنى الأمم المتحدة  في بغداد فى أغسطس ٢٠٠٣، لم تنقذني اجراءات الأمن المشددة من الموت أو الإصابة التي لحقت بعديد من زملائي بل نجوت بسبب عناد زميلي طارق الجندي! كنت ازور طارقاً في مكتبه حيث يشرف علي عمليات احدي منظمات الإغاثة الدولية في بغداد وهو مكتب بعيد نحو ربع الساعة بالسيارة عن فندق القنال، المقر الرئيسي للأمم المتحدة في العراق وهدف التفجير الإنتحاري. وصلت بغداد بعد اسابيع من إنهيار نظام صدام حسين عقب الغزو الأمريكي وكنت أعمل مسؤولاً عن الإعلام لنفس منظمة الإغاثة التي يعمل بها طارق. حاولت الإنصراف حوالي الرابعة والنصف مساء ولكن طارقاً أصر أن انتظر حتي أحتسي شاي أم علي التي تعمل في المكتب “لأنه أحسن شاي في بغداد كلها”. وصلت مكتبي بعد عشر دقائق تقريباً من الإنفجار الرهيب الذي دمر المبنى وقتل ٢٢ من زملائي منهم رئيس البعثة سيرجيو فيرا دي ميللو وسعد هرمز أبونا عامل الكافيتيريا المبتسم دائماً. هناك ثغرات في أي نظام أمني وبحسب إتساعها تكون فداحة الخسارة.

[2]         جمع كلمة “كليم” وهو البساط المنسوج من خيوط عرضية وطولية دون عقد على عكس الأسلوب المستعمل في نسج السجاد.

[3]            بعض عمال الاغاثة يسلكون كما الإستعماريين فى الممارسات اللغوية فيشيرون لسكان البلاد بكلمة “محليون”  وليس  “مواطنين” (Natives أو  Locals أو Nationals وليس Citizens مواطنين). وربما هم محقون حيث لم يتجذر مفهوم المواطنة كأساس قانونى وإجتماعى للمساواة فى أفغانستان أو معظم البلدان ما بعد الإستعمارية.

[4]          الداري نسخة افغانستان من الفارسية وتتحدثها عرقية الطاجيك، ثانى اكبر مجموعة عرقية فى البلاد، بينما الباشتو لغة هندو آرية الاصل تتحدثها قبائل الباشتون المتسيدة فى جنوب افغانستان وعبر الحدود فى شمال شرق باكستان.

[5]          قمت بتجربة النقاب الأفغاني على جسدي لأشعر بنفسي ببعض ما قد تشعر به هذه النساء وكيف ترين من خلف الشبكة التى تغطى منطقة العين وكيف يتنفسن. كدت ان اختنق من الحرارة المتزايدة بسبب النسيج الصناعى للنقاب وبدا العالم مقسماً لمربعات كبيرة تتناوشها ذؤابات الخيوط التى تتقاطع امام عيني.  وتعنى كلمة “بوركا” – أو الشادور فى لغة الداري-  “الخيمة”.

[6]          يدعى المرض بالأنجليزية Leishmaniasis وتنتقل فيه طفيليات عن طريق نوع من الذباب الى جلد المصاب ومنه إلى مسار الدم. وتؤدى هذه الطفيليات فى أقل هجماتها ضرراً إلى تشوهات جلدية قبيحة تصل فى أثرها أحياناً إلى ما يشبه الجذام، وفى أسوأ الهجمات تتضرر أجهزة الجسد الداخلية ويموت المصاب إذا لم يعالج بسرعة. والمرض منتشر في انحاء أفغانستان.

[7]         سعت احزاب أفغانستان الشيوعية وحكوماتها المركزية في القرن العشرين إلى إضعاف العلاقات القبلية وتطوير المدن ومؤسساتها الحديثة في مجالات التعليم والصحة بيد ان الغزو السوفيتي والحرب الجهادية ثم الأهلية الطاحنة وضعت حداً لكل هذه المساعي بل وقوَت الروابط القبلية وفتحت الباب أمام ظاهرة ترييف المدينة المعروفة في الأحياء العشوائية لمدن مثل القاهرة وكراتشي .

[8]         هذه المعلومات وغيرها عن المخدرات وتعاطيها فى أفغانستان أدين بها لصديقى ديفيد ماكدونالد الخبير فى مكافحة تعاطى المواد المخدرة فى الأمم المتحدة والذي ضع كتاباً مهماً بعنوان “المخدرات في أفغانستان: الأفيون والخارجون عن القانون وحواديت العقرب”.   MacDonald, David (2007), Drugs in Afghanistan: Opium, Outlaws and Scorpion Tales, London: Pluto Press

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

5 تعليقات على “(الفصل ١) أيام في كابول”

  1. لم تطول سعادتي بقرات ما كتبت ، تفاصيل كتيرة احزنتني , جعلتني اتذكر , عائلتي في الصعيد التي تعاني من الفقر والمرضي
    في كل الاحوال / اشكرك / علي ما ابدعتة في سرد مارايتة

    1. شكرا على الاهتمام وعذرا عن اثارة الاحزان. وليست كل السعادة اسوأ من كل الحزن. والذي لا يحزن يعجز عن الرحمة والتضامن والود والصداقة . مودتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *