الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (1 من 9)


(نُشرت للمرة الاولى في صحيفة التحرير في شهر سبتمبر ٢٠١٣)

في تسع حلقات امتد نشرها من سبتمبر ٢٠١٣ حتى ديسمبر اواخر نفس العام عرضت نتائج دراسة قمت بها في نفس هذا العام عن دور الولايات المتحدة في قلب عواصف الربيع العربي. النتائج معروضة بشكل صحفي ولكن الدراسة الاصلية تقدمت بها كجزء من درجة الماجستير في مدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تفتس في الولايات المتحدة الامريكية. والآن بعد أكثر من خمسة أعوام تبدو لي المقالات طازجة، للاسف الشديد، وما زال يمكن الاشتباك معها والاستفادة منها او نقدها واتخاذها منصة للذهاب نحو فهم افضل واكثر تعقيدا للتحولات السياسية الامريكية في المنطقة، خاصة ونحن مقبلون على صفقة القرن المزعومة لتسوية القضية الفلسطينية. ولاعداد الدراسة اجريت مقابلات متعددة طوال عام ٢٠١٣ في الولايات المتحدة وتضمنت لقاءات مع صانعي القرار السياسي في الادارة الأمريكية وباحثين في مراكز تفكير وسياسات وصحفيين والاطلاع على الارشيف العلني لبيانات الحكومة ومواقف اجهزتها المختلفة في واشنطن، ولم اتوقف عن متابعة تطورات هذه السياسية منذ ذلك الوقت

مثل بقية العالم يدور جدل في منطقتنا حول دور الولايات المتحدة ودوافعها ونفوذها وتأثيرها علينا وعلى تطورات السياسة والاقتصاد في بلادنا. ويصبح الحوار حول هذه المسألة عادة جزء من الصراع السياسي المحلي بين الفصائل المختلفة في سيرك السياسة المنصوب عوضا عن ان يكون محاولة لفهم المواقف الامريكية ومحاولة استغلالها من اجل خدمة مصالح البلاد كما يراها كل فصيل، سواء كان هذا لزيادة حجم التبادل التجاري او تقليل الاعتماد على واشنطن عسكريا او نقل مزيد من التكنولوجيا الامريكية لبلادنا وصناعاتنا أوكيفما شاء كل فصيل وفقا لفهمه وتصوره لمصالح مصر او المنطقة. بالطبع عجزنا عن بلورة مصالح امن وطني او أولويات قومية تعبر عن قطاع واسع من المجتمع المصري هو في صلب مشكلتنا السياسية وينعكس بالتالي على ضبابية ولا معقولية سياستنا الخارجية او انحسارها في نطاقات ضيقة.

ولهذا كله صرنا، على الاقل في وسائل إعلامنا المنفلت معظمها من عقال المهنية، نقرأ كثيرا عن هذه “الأمريكا” الجبارة التي صممت واشرفت على التقلبات السياسية في المنطقة وخاصة دولها التي عصفت بها رياح تغيير “الربيع العربي” في الفترة ٢٠١١-٢٠١٣، وهي رياح كانت كاسحة حينا ودوارة حينا اخر تخرج من السلطة من وصل اليها لتعيد من اخرجته قبل قليل. بل وذهب رجال ونساء في النخبة المصرية لحد ابلاغنا في برامج تلفزيونية علنية ان الرئيس الأمريكي آنذاك باراك اوباما وشقيقه يدعمون جماعة الاخوان ماليًا بل وان شقيقه عضو فيها (وهي خزعبلات منشأ معظمها مواقع صحفية ومعلقين عنصريين أو يمينيين متطرفين في الولايات المتحدة). بل ووصل الأمر بمسؤولين كبار في أجهزة عربية من مهامها جمع المعلومات الدقيقة ان عشرات (او مئات) من الشبان الذين تلقوا منحا تدريبية في دراسات النزاع والعمل السلمي أو وسائل الاتصال الاجتماعي بدعم من الولايات المتحدة هم من حركوا ونفذوا ثورات الربيع العربي. المضحك انها نفس الامريكا التي قدمت اسلحة ومعدات عسكرية وتدريبات تساوي مليارات الدولارات منحا او بمقابل لأجهزة امن عربية عديدة – تلك الاجهزة التي فشلت في توقع او مواجهة غضب قطاعات واسعة من الشعب وصار من مصلحتها بعدها تصوير ما حدث في المنطقة من قبل كمؤامرة وليس كدليل على تكلس وتهاوي نظم سياسية مهترئة وفاشلة. لماذا نجح الشباب بملايين قليلة (هذا اذا كانوا قد حصلوا عليها) وفشلت حكومات واجهزة امن بمليارات كثيرة حصلت عليها عدا ونقدا وفسادا.  واخيرا بينما تصرخ برامج التلفزيون وممثلي النخبة فيها ووراء استوديوهاتها حول الدعم الامريكي للإخوان المسلمين تدوي ساحات تويتر وفيس بوك بالدعاء على تلك “الامريكا” الكارهة للإسلام والتي ساعدت في اسقاط حكومة محمد مرسي الاخوانية وتتقاعس في دعم اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد لرفضها للمشروع الاسلامي البديل هناك. لا حوار رشيد يصبح ممكنا وسط هذه الهستيريا التي لا تستند سوى على علّو صوت صاحبها (او صاحبتها).

هناك وجهات نظر اخرى كثيرة حول العلاقات الامريكية العربية المتشابكة وخاصة في فترة الثورات العربية المستمرة وبعضها يحتمل النقاش وقد يفيد في فهم السياسة الامريكية تجاه المنطقة في السنوات الثلاث الماضية ولكن هناك كثير من الدخان والصراخ الذي قد يستفيد الجميع أكثر لو وضعناه في كتب فكاهة سوداء أو صناديق الزبالة.

(٢)

سقطت قلاع رمال الديكتاتوريات الجمهورية العربية تباعا مع اندلاع احتجاجات سياسية واسعة النطاق منذ اواخر عام ٢٠١٠ وحتى ربيع ٢٠١١ في تونس ومصر وليبيا واليمن بينما انحدرت سوريا الى ما تحول مع الوقت الى جحيم من الحرب المسلحة التي البسها النظام وبعض معارضيه ثوبا طائفيا بامتياز. ومثّل هذا الربيع العربي تحدياً ضخماً لواضعي ومنفذي السياسية الخارجية الأمريكية في وقت كانت واشنطن تتطلع فيه الى التخارج التدريجي من حروب دخلت عامها العاشر في العراق وافغانستان والتحول نحو شرق اسيا لتركيز نشاطها الخارجي هناك في مواجهة (او التعاون المشروط مع) الصين. وتفاوت رد الفعل الأمريكي لموجات تسونامي السياسية في بلدان الشرق الاوسط من مجرد بيانات صحفية في حالة تونس الى تدخل عسكري واسع النطاق في ليبيا. وضع الربيع العربي المصالح الاستراتيجية الامريكية في مواجهة مع قيم ومباديء طالما اعلنت واشنطن تمسكها المتزايد بها في الوقت الذي هدد فيه نظام عربي بعد الاخر باستعمال – او لجأ بالفعل لاستعمال – وسائل قمعية بالغة القسوة ضد الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة.

يخطأ ويفقد البوصلة من يحاول تحليل السياسة الخارجية الامريكية (في دوافعها او قراراتها) متجاهلا تأثير المؤسسات المشاركة في صناعتها وتأثرها بدرجات متفاوتة ليس فقط بالمصالح الاقتصادية او الاستراتيجية بل ايضا بالمباديء والقيم المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان وتحرير الاسواق.

يخطأ ويفقد البوصلة من يحاول تحليل السياسة الخارجية الامريكية (في دوافعها او قراراتها) متجاهلا تأثير المؤسسات المشاركة في صناعتها وتأثرها بدرجات متفاوتة ليس فقط بالمصالح الاقتصادية او الاستراتيجية بل ايضا بالمباديء والقيم المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان وتحرير الاسواق. وفي حقيقة الامر بات من الصعب فصل هذه الجوانب عن بعضها البعض. ويكشف تفاوت وتناقض السياسية الخارجية الامريكية تجاه ما يحدث في هذه الدول على مدي الاعوام القليلة الماضية وخاصة الفترة ٢٠١١-٢٠١٤ عن موائمات وموازنات دقيقة تقوم بها مؤسسات صنع وتنفيذ السياسية الخارجية الامريكية بين مصالح البلاد وقيمها في كل بلد مر بثورات شعبية في المنطقة العربية. وتشكلت هذه الموازنات تحت تأثير افتراضات حول كيف يحدث التحول الديمقراطي في العالم النامي والفهم الامريكي (الاستشراقي في جزء منه) لطبيعة وتأثير الثقافة السياسية السائدة في بلدان المنطقة والاوضاع الاقتصادية الاقليمية والعالمية.

وارجو من القاريء بعض الصبر لان الحديث عن تعقيد الصورة لا يعني ان الصورة غامضة والفهم مستحيل بل تعني الحاجة الى التفاعل مع الافكار المطروحة بحسن نية والابتعاد عن الاحكام المسبقة.

(٣)

دعونا أولاً ننحي التفسيرات الخيالية غير القائمة على اي دليل محترم من عينة ان واشنطن ومخابراتها تقف وراء موجات الربيع العربي وان ما يحدث محاولة لتقسيم بلادنا والسيطرة على مقدراتها الى اخر هذه القائمة من الحجج والتنظيرات المستندة عادة الى “مصادر سيادية” مجهولة تجعل المرأ يخاف على الوطن أكثر بسبب تهاوي حجة وتهافت معلومات هذه المصادر التي يفترض ان اصحابها هم سادة هذا الوطن. لا فائدة اذن من الاشتباك مع خزعبلات من قبيل ان اوباما منح الأخوان المسلمين ثمانية مليارات دولار في اطار خطة لتقسيم سيناء أو ان المخابرات الاوربية اجتمعت في المانيا صيف ٢٠١٣ لتتأمر على مصر وتقسمها — الى اخر هذا الكلام المرسل الذي يضيع وقت الجميع ويفوت علينا فرصة الاشتباك البناء مع الواقع. 

لا خلاف على ان حكوماتنا الوطنية في عصر ما بعد الاستعمار في المنطقة فشلت بدرجات متفاوتة على مدي عقود وعقود في مواجهة تحديات ومستحقات التنمية والأمن القومي والتفاعل مع التغيرات الاقليمية والكونية المتلاحقة سواء خلال الحرب الباردة او في مرحلة تعدد الاقطاب الجارية. ومن غير المفيد ان نفسر هذا الفشل فقط بارجاعه الى ان مصالح اوروبا وامريكا او الغرب اقتضت اضعافنا دائماً. هذه التفسيرات ما زالت تعيش في ماضي منبت الصلة في احيان كثيرة بواقعنا الراهن، وهي تفسيرات ما زالت عاجزة عن الخروج من عصر مواجهة الاستعمار او سنوات الحرب البارد ويعتقد بعض مؤيديها اننا يمكن ان نواجه الولايات المتحدة افضل عن طريق اللجوء الى روسيا متناسين كيف تغير العالم بقسوة واننا ليس لدينا الأموال التي قد تسمح لنا بدفع فاتورة سلاح روسية إلا أذا واصلنا الإنزلاق في مستنقع الديون الخارجية، والحديث عن تمويل سعودي لشراء أسلحة من موسكو يغفل ان الرياض في خضم مواجهة دبلوماسية حادة بشأن طهران لا يمكن معها تخيل ان تصل ريالات النفط الى الدب الروسي بهذه السهولة ودون اسباب استراتيجية معقولة.

تقليديا وفي الادبيات الجادة، وليس الصحافة الصفراء ومواقع النت مجهولة النسب مثل وورلد تريبيون التي صارت مصدرا معتمدا لصحافتنا “الجادة”، تعتمد تفسيرات السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط منذ الحرب العالمية الثانية على عاملين رئيسيين: تأمين التدفق المستقر لامدادات النفط الخليجية لاوروبا واسيا والولايات المتحدة وتأمين دولة اسرائيل (صار للعامل الثاني اهمية اكبر واكبر بعد هزيمة العرب  في ١٩٦٧). وهذه التفسيرات ما زالت صالحة نسبياً ولكنها غير كافية ويجب اضافة عوامل اخرى، قد تكون ثانوية احيانا، ولكنها كانت مؤثرة في صناعة وتوجيه السياسة الخارجية الامريكية في خضم تقلبات الربيع العربي وهي مكافحة الارهاب، ادماج الطيف المعتدل من جماعات الاسلام السياسية في ساحات السياسة الرسمية، تشجيع التحول الديمقراطي واحترام حقوق الانسان، ادارة الصراع مع ايران، تأثير التطورات في الشرق الأوسط على الحلفاء في اوروبا من الناحيتين الأمنية والاقتصادية، وتأثير الخلافات البيروقراطية بين مؤسسات صنع القرار الامريكي (وتحديدا البيت الابيض ووزارتي الخارجية والدفاع والكونجرس). بعض هذه العوامل ظهرت بسبب تصاعد تكلفة الحفاظ على دعم الانظمة الديكتاتورية، والاعتقاد ان النظم الديمقراطية غير المناوئة للمصالح الامريكية اقل تكلفة، ومدرسة استشراقية جديدة باتت تؤمن ان قدر المنطقة ان يكون للاسلام السياسي كما يقدمه اصحابه فيما يوصف بالجماعات المعتدلة في عرف واشنطن دورا في لعبة السياسة.

وتفاوت نصيب هذه العوامل من التأثير من بلد الى اخر.

لم ينجح لوبي حقوق الانسان الأمريكي في فرض تغييرات عميقة في السياسة الأمريكية في وجه اللوبي الاكثر قوة والذي يمثل صناعات السلاح والنفط او مصالح اسرائيل، ولكن جماعات حقوق الانسان لم تفشل تماماً وباتت تلعب ادوارا متزايدة الأهمية.

ففي تونس مثلا تطورت الامور بسرعة شديدة حتى ان واشنطن لم تتمكن من وضع خيارات سياسية محددة قبل ان يفر الرئيس زين العابدين بن علي من البلاد في ١٤ يناير ٢٠١١. وفي حالة مصر ارسل المسؤولون الامريكيون اشارات متناقضة خلال ايام ميدان التحرير الثماني عشرة (من ٢٥ يناير حتى ١١ فبراير) حتى تنحي الرئيس مبارك عن موقعه. وطالت الانتفاضة في ليبيا شهورا وكانت التطورات فيها اكثر اهمية من الناحية الاستراتيجية والأمنية والمصالح الاقتصادية لاوروبا بسبب ثروتها النفطية وكونها ممرا مهما للمهاجرين غير الشرعيين من افريقيا لسواحل اوروبا. وانضمت الولايات المتحدة لباقي اعضاء حلف شمال الاطلسي المعنيين في تدخل عسكري اقره مجلس الامن التابع للامم المتحدة في قراره  رقم ١٩٧٣. وساعد هذا التدخل المعارضة الليبية المسلحة الضعيفة في خلع الزعيم القذافي وتفكيك نظامه الذي كان يتمحور حوله هو واسرته ومجموعات فاسدة من رجال الامن والاعمال. وفي اليمن دعمت واشنطن تغييرا اكثر بطأ ودخلت فيه حسابات عديدة واستمر شهورا طويلة بسب التأثيرات المحتملة على السعودية والحرب على الأرهاب والتركيبة السياسية اليمينية التي  طالما حافظ الرئيس الراحل على عبد الله صالح، على هشاشتها وقبليتها لتقوية مركزه. بينما اقتصرت السياسة الامريكية تجاه سوريا على المساعدات الانسانية والعقوبات الدبلوماسية وصولا الى تشكيل تحالف دولي لضرب داعش مرورا بتفكيك الترسانة الكيماوية السورية وهو امر يفيد اسرائيل لا شك ولكنه لا يساعد الشعب السوري المسكين الذي بات وقودا لاكثر صراعات الربيع العربي دموية واكثرهم تهديدا للأمن الإقليمي. وفي البحرين حيث كان الربيع العربي في اقصر واضعف تجلياته اكتفت الولايات المتحدة ببيانات قليلة ومقتضبة حول حقوق الانسان في المملكة الصغيرة التي يخاف سنتها دوما من فتح مجال السياسة بحق امام الطائفة الشيعية التي قد تمثل اغلبية سكان البلاد. كان سلوك واشنطن ازاء البحرين يشبه سلوكها في المنطقة عموما في العقدين الماضين: بيانات صحفية حول انتقادات حقوق الانسان وتعاون قوي ووطيد مع نفس الانظمة التي تنتهكها.

ورغم تداخل هذه العوامل المختلفة المتعلقة بالمصالح الاقتصادية والعسكرية وقيم الديمقراطية وحقوق الانسان ببعضها البعض في هذه البلدان إلا أنه من نافلة القول ان قيم الديمقراطية وحقوق الانسان بما فيها حقوق المرأة والاقليات كانت اقل اهمية من المصالح الصلبة الاقتصادية والأمنية. ففي حالة مصر وسوريا كانت واشنطن تفكر في حليفها اللصيق، اسرائيل، وفي إيران. ولمصر معاهدة سلام مع اسرائيل بينما دمشق ما زالت تقنيا في حالة حرب مع تل ابيب وحلف علني مع طهران. أما اليمن فهو مسرح رئيسي للحرب الامريكية ضد جماعات العنف المسلحة الحاملة لأسم وشعارات القاعدة ويمكن ان يؤدي تصاعد الفوضى هناك لزعزعة استقرار مناطق كبيرة في جنوب السعودية (اكبر مورد للنفط في العالم). أما ليبيا فلديها اكبر احتياطيات نفط في افريقيا، وتنتج ٤ر١ مليون برميل نفط يوميا (متوسطات ٢٠١٢) وثلاثة ارباع هذا النفط يذهب لأوروبا. واضافة لهذا العامل كانت واشنطن منزعجة بشدة من تهديدات القذافي الخرقاء المتكررة باستئصال معارضيه وقتلهم جميعا. وتوجد قاعدة الاسطول الخامس الامريكي الرئيسية في البحرين وتعتقد قطاعات في النخبة السنية المسيطرة ان السماح بدخول مزيد من الشيعة في السلطة سيقوي الوضع الاقليمى لايران وهو امر لن ترضى عنه السعودية (التي ارسلت قواتها العسكرية للبحرين لدعم حكومتها في مارس ٢٠١١)  او الولايات المتحدة التي دعمت ضمنياً هذا التدخل السعودي.

وفي المقالات القادمة ساركز على تطور السياسة الخارجية الامريكية في المنطقة حتى عام ٢٠١٠، أو قبيل اندلاع الربيع العربي، ثم اتطرق الى كيفية صناعة وتحولات السياسية الخارجية الامريكية في العامين التاليين للانتفاضات العربية مع التركيز على تونس وليبيا ومصر من النواحي السياسية والاستراتيجية والامنية والاقتصادية والثقافية التي ساهمت في تشكيل هذه السياسات.

(٤)

لو خرج القارىء من سلسلة مقالاتي وهو اكثر تقديرا لتعقيدات السياسة الخارجية الامريكية ولبطء عملية صناعتها وتدخل اطراف عديدة فيها واصبح اكثر مناعة ضد التفسيرات الخرافية وخزعبلات الاعلام المحلي (التي بت اشك انها تقصد اطلاق سحابات دخان ضخمة للتغطية على طبيعة التحالفات في المنطقة)، فستكون هذه بداية طيبة من اجل أن يقف ونحن معه بقوة عاقلة من اجل مصالحنا الحقيقية في بلادنا دون تضخيم او تهوين من النفوذ الامريكي، دون انبطاح غير مطلوب او تحدي ارعن لا يحقق اي اهداف. هناك مصالح وقيم مشتركة بين الدول العربية والولايات المتحدة وهناك مصالح وقيم اخرى متعارضة بينهم. وهناك ايضا مصالح وقيم متعارضة بين الدول العربية وبعضها البعض. وتؤيد واشنطن من كان في السلطة في هذه البلدان طالما لم يتحدى مصالحها (مبارك كان او مرسي أو السيسي.. عسكرا او مدنيين .. وهابيين ام علمانيين) وطالما كانت انتهاكاته لمنظومة قيمها في حدود “المقبول”.

لم ينجح لوبي حقوق الانسان الأمريكي في فرض تغييرات عميقة في السياسة الأمريكية في وجه اللوبي الاكثر قوة والذي يمثل صناعات السلاح والنفط او مصالح اسرائيل، ولكن جماعات حقوق الانسان لم تفشل تماماً وباتت تلعب ادوارا متزايدة الأهمية.

واشنطن اقل اهمية، وقوة، مما نعتقد … ولدى الساعين لمزيد من الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في بلداننا اوراق أكثر مما نعتقد للتأثير على مجريات الأمور. ستظل الولايات المتحدة اقوى واغنى دولة في العالم لسنوات قادمة ولكنها ليست العملاق الذي فرش ظله على العالم سنوات قليلة في التسعينيات بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وهو ليس معنا او ضدنا طوال الوقت ولذا فعلاقات الشد والجذب وهي طبيعة اصيلة لعلاقات سياسية ستستمر والنجاح يتمثل في كيفية ادارتها لتحقيق اقصي مكاسب ممكنة.

ولم ينجح أي نظام في المنطقة في مواصلة تحدي حقيقي لمصالح الولايات المتحدة الا اذا وصل لحل وسط معها او كان ورائه دعم شعبي قوي ولديه اقتصاد يمكنه من تحمل تبعات هذه المواجهة، ويتمتع بدعم اقليمي واضح وليس فقط بتحويلات مالية مؤقتة من دول النفط (قارن نجاح ايران النسبي بفشل العراق الواضح في مواجهة الولايات المتحدة .. الخ).

لو خرج القارىء بفهم اكثر تركيبا لهذه القضية فساعتها سندرك ان واشنطن اقل اهمية، وقوة، مما نعتقد واننا (واقصد تحديدا الساعين لمزيد من الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في بلداننا) نملك اوراقا اكثر مما نعتقد للتأثير على مجريات الأمور. ستظل الولايات المتحدة اقوى واغنى دولة في العالم لسنوات قادمة ولكنها ليست العملاق الذي فرش ظله على العالم سنوات قليلة في التسعينيات بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وهو ليس معنا او ضدنا طوال الوقت ولذا فعلاقات الشد والجذب وهي طبيعة اصيلة لعلاقات سياسية ستستمر والنجاح يتمثل في كيفية ادارتها لتحقيق اقصي مكاسب ممكنة.

لو خرج القارىء مدركاً أن البيت الابيض يتلمس خطواته المقبلة في المنطقة بالنظر اولا إلى ما يحدث على ارض الواقع، ناظرا بدقة قدر امكانه ليس فقط الى ما يسمعه من الانظمة الانتقالية والمؤسسات العسكرية والنخب المهتزة بل ايضا منصتا الى كورس الاصوات المتنافرة والمتصاعد من ميادين القاهرة وتونس وصحراوات ليبيا وجبال اليمن، لشعر فعلا كيف ان ما حدث في المنطقة في السنوات القليلة التالية لانفجارات ٢٠١١ قد غيرها للأبد. قرارات واشنطن وسياساتها تتأثر في نهاية المطاف بما نقرره نحن (اعني كل فصائل ومؤسسات ومجموعات واحزاب بلادنا) ولن يمكنها فرض طريق على المنطقة ضد رغبة ابنائها الا اذا تمكنت مرة اخرى (وهذا ممكن ولكنه لن يستمر طويلا) من التحالف مع نخب فاسدة مفسدة (عسكرية او مدنية، دينية او علمانية) من هذا النوع الذي يحتقر شعوبه، تلك النخب التي ترى ان مشاركة الناس في الحكم أمر يجب ألا يحدث أبدا .

الكاتب: خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *