في تشريح الهزيمة: حرب ١٩٦٧ وما تلاها (2 من 8)

ادعيت في مقال سابق أنه لو كان هناك برلمان حقيقي في مصر، أو إعلام حر ومهني، ربما ما اندفع عبد الناصر في قراره بإغلاق مضايق تيران، وهو القرار الذي أدى فعليا لحرب 1967 وهزيمة مرة تجرعتها في أيام بل في ساعات جيوش مصر وسوريا والأردن، خصوصا وأن قرار عبد الناصر جاء عقب إعلان إسرائيلي أنها ستعتبر إغلاق خليج العقبة في وجه السفن المتجهة لإسرائيل بمثابة “إعلان حرب” ضدها.

البرلمان الحقيقي يعني مناقشة مفتوحة لأوضاع البلد، تعبر فيها تيارات مختلفة عن وجهات نظرها وانحيازاتها، بينما يقدم الإعلام المهني الحر الواقع من وجهات نظر مختلفة “بموضوعية” قدر الإمكان.. البرلمان الحقيقي والإعلام الحر مظاهر لوجود عمل سياسي في البلاد، يحميها من الوقوع تدريجيا أسيرة لنظرة ضيقة محدودة لشلة صغيرة من البشر مهما كانت نواياهم حسنة.

ولو نظرنا جيدا في تطورات الأيام العشر المصيرية (13-23 مايو) والسابقة على القرار المؤسف بإغلاق المضايق، لتبيّن لنا لماذا أصر على ادعائي هذا. ولا يعني هذا أن الدول الديمقراطية لا تخطيء في حساباتها، بل تخطيء بدورها، لكنها تراجع حساباتها فيما بعد وتحاسب المخطئين، على الأقل في كتب التاريخ.

في كتابه “يو ثانت في نيويورك” يقتبس رمسيس ناصيف (مصري عمل متحدثا صحفيا للأمين العام للأمم المتحدة) عن الدكتور محمود فوزي، الذي كان نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الخارجية أثناء الحرب، قولته الشهيرة التي تلخص حرب الأيام الستة: “حسابات فادحة الخطأ بناء على معلومات مضللة.”

كانت المعلومات المضللة وسبب الحرب المباشر تقريرا سوفيتيا أن إسرائيل تحشد قواتها ضد سوريا توطئة لحرب وشيكة.

أما الحسابات الخاطئة، فقام بها ناصر والمشير عبد الحكيم عامر والفريق شمس بدران وعدد آخر من الجنرالات، كانوا كلهم مدفوعين بتحليل عام للموقف لوّنه فهم أيديولوجي فج وتحليل سطحي لواقع الحرب الباردة ولإمكانيات عدوهم الشرس ولمصالح بلادهم الوطنية ولقدرات وتطلعات ما كانوا يسمونه بالأمة العربية.. هذه التحليلات القائمة على حسابات خاطئة ومعلومات مضللة كانت تعمي أعينهم عن رؤية توازنات القوة، بينما كان إنفرادهم المطلق بالسلطة يمنعهم من التحلي بالحرص الواجب المتفق مع إمكانيات بلادهم دون التخلي عن مبادئهم العامة.

ولنكرس هذا المقال للحديث عن احد الاسباب المباشرة للحرب وهو التقرير السوفيتي عن الحشود الاسرائيلية.

في الشهور السابقة على الهزيمة، ادعت دمشق مرارا أن هناك حشود إسرائيلية على حدودها عقب تهديدات إسرائيلية علنية بالرد على عمليات فدائية فلسطينية جاءت عبر هذه الحدود، لكن مصر لم تكن تصدق السوريين ووزير دفاعهم حافظ الأسد حتى يوم 13 مايو المشهود، عندما وصل تقرير سوفيتي لمصر عن طريق عدة مصادر.

(١) في القاهرة في اجتماع بين السفير السوفيتي ديميتري بوجيداييف وأحمد حسن الفقي وكيل وزارة الخارجية بناء على طلب الأول، نقل السفير رسالة من موسكو تفّصل حجم ونوع قوات إسرائيلية تحتشد قرب حدود سوريا، وفي كلمة لعبد الناصر بعدها بعشر أيام أشار الزعيم إلى “تقارير مؤكدة ومفصلة حول وجود 11-13 لواء إسرائيلي منقسمة بين جنوب وشمال بحيرة طبرية”. كان الفقي قد أرسل تقريرا مفصلا لمكتب سامي شرف، سكرتير الرئيس للمعلومات، فور نهاية اجتماعه مع بوجيداييف.

(٢) وفي نفس اليوم كان السادات، رئيس مجلس الشعب آنذاك، عائدا من كوريا الشمالية عن طريق موسكو، فالتقاه في المطار نائب وزير الخارجية فلاديمير سيميونوف، ويضيف السادات في كتابه “البحث عن الذات” أن سيميونوف ورئيس الدولة الروسي نيكولاي بودجورني أكدا له أن هناك عشرة ألوية إسرائيلية تحتشد على الحدود السورية، وفي منتصف نفس الليلة وصل السادات لبيت عبد الناصر وكان المشير عبد الحكيم عامر، نائب القائد العام للجيش هناك، حيث ناقشوا كيفية الرد على “التهديد” الإسرائيلي.

(٣) في نفس اليوم “وفقا لهيكل في كتاب الانفجار ص 445″، قام مندوب المخابرات السوفيتية في القاهرة ويدعى سيرجي”ووظيفته الرسمية مستشار بالسفارة السوفيتية بالقاهرة” بإبلاغ صلاح نصر رئيس المخابرات العامة أن هناك 11 لواء إسرائيليا على الحدود مع سوريا.

أخذ عبد الناصر وعامر والسادات التقرير السوفيتي بجدية لا تتناسب مع ظروف وملابسات نقله، بل ومع المعلومات التي توفرت لديهم في اليومين التاليين.

الأرشيف السوفيتي – وفقا لريتشارد باركر في كتابه “سياسات الحسابات الخطأ في الشرق الاوسط”- لا يحوي أي معلومات عن لقاء بوجيداييف بالفقي، كما أن سيميونوف الذي تحدث للسادات في موسكو كان مشهورا وسط زملائه بأنه لا يقرأ تقارير المخابرات بدقة ويجتزئها. ويثير هذا الشبهات حول سبب قيام السوفييت بإثارة مخاوف مصر بهذه الطريقة عبر ثلاث قنوات (السادات والخارجية والمخابرات). بودجورني في لقائه مع السادات أكد سريعا على أن الاتحاد السوفيتي سيساعد سوريا، ثم نقل الحوار “فجأة” – على حد تعبير هيكل- إلى مشاريع التنقيب عن النفط في مصر (ليس بسلوك رجل يخشى من حرب وشيكة)، وأكد أشرف غربال (كان حاضرا لاجتماع الفقي في الخارجية) أنه والوزير رياض، لم يأخذا التحذير بجدية لأنه لم تكن هناك أدلة على وجود الحشود الإسرائيلية.

الأرشيف السوفيتي مثل المصري، ليس مفتوحا، لكن ربما أفضل من المصري الذي لا نعرف إذا كان قائما أم اختفى أم لم يوجد أصلا! ورغم مرور 47 عاما على حرب يونيو، لم يقدم أي طرف أي إثبات على وجود هذه الحشود، بل إن السوفييت نفسهم (وورثتهم الروس) يتنصلون من هذا الموضوع في المقابلات مع الباحثين!

لكن يمكنا بسهولة تنحية كل هذا جانبا، لأن الفريق محمد فوزي رئيس أركان الجيش المصري، قام بنفسه بزيارة سوريا يوم 14 مايو، وزار الجبهة واستجوب ضباطا سوريين وتفحص في صور جوية التقطتها طائرات سورية للجانب الإسرائيلي في اليومين السابقين ولم يجد شيئا مريبا هناك.

قدم فوزي تقريره للقيادة (أي لعامر في 15 مايو)، لكن المشير عامر أنطلق في طريقه منذ صباح ١٥ مايو، وقرر حشد قوات عسكرية في سيناء، مؤكدا لناصر أن الإسرائيليين هكذا سيفكرون مرتين قبل الإقدام على غزو سوريا! وقد فكر الإسرائيليون مرتين حقا، وقرروا غزو مصر وسوريا والأردن، لكن ليس قبل أن ترتكب مصر مزيدا من الأخطاء لتقدم نفسها بسهولة لوحش مفترس وقاتل محترف كان حليفه الأمريكي يقترب منه أكثر فأكثر فأكثر.

الأرشيفان الأمريكي والإسرائيلي ينفيان وجود مثل هذه الحشود المزعومة، وفي برقية أرسلها المستشار العسكري الأمريكي لين بلاش لواشنطن، أكد عدم وجود أي حشود حتى ٢٣ مايو وحشود بسيطة بعد ذلك. حتى السوفييت أنفسهم، مصدر التقرير، طالبوا بالتهدئة في لقاء رئيس الوزراء اليكسي كوسيجين مع وزير الحربية المصري شمس بدران “الذي كان مشغولا في نصف الستينيات الأول بدعم مركزه داخل النظام الحاكم وإدارة السجن الحربي ومكافحة مؤامرات الإخوان الحقيقية والمزعومة بدلا من بناء الجيش وسياسات الحرب”.

طالب كوسيجين بدران الذي زار موسكو من 24 إلى 28 مايو بتهدئة الأوضاع قائلا إن مصر حصلت على نصر سياسي ويجب الآن التهدئة.

هناك عدة كتب تخصص فصولا بأكملها لفهم وتحديد مصدر التقرير السوفيتي، وينتهي عدد منها إلى أن السوفييت، إما اخترعوا الحكاية كلها كوسيلة للضغط الديبلوماسي لإخراج مصر من اليمن أو تقريب مصر وسوريا، بينما ينتهي عدد آخر من الدراسات إلى أن التقرير الأصلي كان خطأ، ثم تاه الخطأ في أضابير البيروقراطية والتمسك بالتقرير الأصلي حتى إن السفير السوفيتي ديميتري شوفاخين رفض عرضا من رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي اشكول في ١١ مايو أن يقوم ممثل للسفارة بزيارة منطقة الحدود، حيث يستحيل إخفاء من ١١-١٣ لواء من الحشود العسكرية (وهي حوالي أربعين ألف جندي أو نصف القوات التي خاضت بها إسرائيل حرب يونيو) دون أن يتبينها أي زائر، ودون أن تشعر البلاد كلها بهذه الحشود الضخمة لدولة صغيرة جغرافيا، لكن شوفاخين رفض قائلا إن التقرير السوفيتي وارد من موسكو، وليس من اللائق إثارة الشكوك بشأن مصداقيته! وأكد نائب وزير الخارجية السوفيتية سيميونوف للسادات بدوره أن موسكو “لديها من الوسائل ما يمكنها من معرفة الحقيقة دون أن تضطر لزيارة الموقع الفعلي لتأكيدها.”!

وفور أن قررت مصر – أي عبد الناصر – أن تصدق التقرير السوفيتي، قامت بالتحرك وتوالت الأخطاء في الحسابات والتقديرات في الأيام الثمانية التالية.

في ١٥ مايو، اجتمع عامر مع قادة الجيش، وقرر إرسال تعزيزات عسكرية لسيناء، وعرف العالم في يومين أن مصر تحشد قواتها. وخلال أيام طلبت القاهرة سحب قوات المراقبة التابعة للأمم المتحدة المنتشرة على الحدود مع إسرائيل.

والمذهل أن عبد الناصر كان قد طلب من عامر أن ينص الخطاب المرسل للجنرال أيه ريكي قائد قوات المراقبة، أن يتم إعادة نشر القوات إلى الحدود الدولية (أي لداخل غزة التي كانت مصر تسيطر عليها آنذاك) بدلا من النص في المسودة التي كتبها عامر على طلب “سحب كل القوات”، لكن عامر تجاهل أو تقاعس أو أخطأ وأرسل الخطاب الأصلي دون التعديل الذي طلبه ناصر.

ويقول ريكي في مذكراته إن سحب القوات تماما، لم يكن له سوى معنى واحد، وهو أن مصر قررت خوض الحرب، وكانت هذه بالضبط الإشارة التي وصلت لإسرائيل، ثم تأكدت خلال أيام عندما أعلنت مصر إغلاق مضايق تيران رغم التحذير الإسرائيلي أن هذا سيكون بمثابة إعلان للحرب.

هل كانت مصر ترغب فعلا في الحرب، أم أن المشير عامر كان أسير اعتقاده أن “التهويش” سيرعب إسرائيل ويجبرها على سحب قواتها المفترضة من على حدود سوريا؟ كان المشير في الأغلب يسعى لتخويف إسرائيل وأثبتت الأيام التالية خطأه المرعب.

يتحمل عامر وناصر هذا الخطأ التاريخي مشتركين، لكن – كما قلت – لو كان هناك شركاء آخرين في ميدان السياسة في البلاد “برلمان أو إعلام أو قضاء أو منظمات أهلية وأحزاب سياسية”، لكان عامر على الأقل قد اختفى بمصائبه من على مسرح السياسة بعد أخطائه الفادحة في حرب ١٩٥٦ وفي إدارة الوحدة مع سوريا وفشله في حرب اليمن، لكن في ظل حكم مؤسسة أخرجت الشعب بأكمله من مجال السياسة، وقررت الحديث باسمه وتمثيله، فإن الفشل في أحيان كثيرة ليس اختيارا، بل قدرا شبه محتوم، خاصة إذا انتقلت هذه المؤسسة القائمة على الاعتبارات الأمنية والولاء والطاعة من إدارة ميادين القتال للتحكم المنفرد في ميادين السياسة.

يتبع

الكاتب: خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *