في تشريح الهزيمة: حرب ١٩٦٧ وما تلاها (1 من 8)

(نُشر أول مرة في الموقع المأسوف على إختفائه زائد ١٨ بتاريخ ٢٨ ابريل ٢٠١٥ وكان نواة مشروع كتاب ظهر مع مجموعة من الكتاب في الذكرى الخمسين للهزيمة المنكرة عن دار المرايا)

منذ حوالي عشرين عاما، وأنا مشغول بفهم هزيمة مصر في حرب يونيو 1967، وبدأ إهتمامي في 1996 عندما بدأت وثائق الحكومات الأمريكية والبريطانية وغيرها، المتعلقة بهذه الحرب في الظهور بعد انقضاء مدة الثلاثين عاما التي يتم الحفاظ فيها على سرية معظم المستندات الرسمية في الدول الغربية. زرت الأرشيف الامريكي، ونسخت المستندات المتاحة للجمهور، وقرأت كتبا عديدة استفادت من هذه الثروة المعلوماتية، مع الأخذ في الاعتبار مصدر المعلومات ومصالحه ومقارنة الأرشيفات ببعضها البعض وكتب المذكرات التي أصدرها قادة عسكريون من الدول المعنية (عدد قليل منها كتبه مصريون وتفتقر اغلبيتها الساحقة للتوثيق وعدد هائل من الكتب الإسرائيلية – ولا كتب سورية بالطبع) وكتب أصدرها أكاديميون وباحثون معظمهم غربيون. ويقلل تعبير “النكسة” الشائع من هوّل ما حدث وآثاره الكارثية على ملايين البشر الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والمصريين وغيرهم لعشرات السنين التالية على هذه الهزيمة الساحقة التي ألحقتها إسرائيل بجيوش مصر وسوريا والأدرن في ستة أيام.

الاعتراف بالهزيمة التي تحل ذكرها الـ 47 خلال أسابيع، ومحاولة فهم أسباب وتعقيدات هذه الحرب، وما أدى إليها أمر مهم قد يساعدنا في فهم تحديات سياسية هائلة في مصر وسوريا ودول عربية أخرى. مازالت هذه الدول وسياساتها تعاني من تأثير إسرائيلي واضح بغض النظر عما إذا كانت في حالة سلم أم حرب معها، وإن كانت معظم سياسات الدول العربية قد حولتها إلى حليف فعلي – إن لم يكن رسميا – لإسرائيل.

مازالت المؤسسات الأمنية والعسكرية التي سارت بنا بثقة وغرور وفساد لنيران هذه الهزيمة، تسيطر على معظم دول المنطقة، وسارت بنا لحربين في الخليج وثالثة تدور الآن نهاية بتفكك دول وانهيار مجتمعات.

الخطأ في الحسابات والتقديرات أمر كامن في بنية هذه النظم المهترئة، وليس صدفة، ففي غياب الديمقراطية والمحاسبة والمساءلة والقدرة على مناقشة القضايا علنا دون حساسيات مزعومة واعتبارات أمن قومي غامضة، ستظل الهزيمة ترسم حياتنا اليومية في بلاد تتمزق مثل سوريا أو تنهار خدماتها ومستويات صحة وتعليم شعبها بسرعة مرعبة مثل مصر.

مازالت عديد من الآليات السياسية والاجتماعية التي أدت لهذه الهزيمة المروّعة قائمة بأشكال مختلفة في مصر وغيرها.

قبل أن اجلس لكتابة هذا المقال مثلا، شاهدت خبيرا أمنيا ومسئولا سابقا في جهاز المخابرات يرسم ابتسامة العارف والمحتقر، وهو يتلقى السؤال الذي جاء على الهاتف من مواطنة متلهفة على الأمن والاستقرار، اعتقدت المواطنة لوهلة أن هذا التوك شو الهستيري قد يطمئنها قليلا.. سألت المشاهدة عن دور إسرائيل في مشاكلنا؟ فرد الخبير أن هذه أمور لم نكن نحب الحديث فيها علنا وكثيرا، بسبب معاهدة السلام، لكن يجب ألا ننسى كتاب بروتوكولات حكماء صهيون والمخطط الغربي لتفتيت المنطقة المرتبط به، ثم صمت وقال بغموض: لكن هذه أمور لا ينبغى الحديث فيها علنا!

والمصيبة ليس في أن هذا الرجل – بغض النظر عن إيمانه بالمؤامرة اليهودية المزعومة من عدمه- يقودنا إلى فراغ وهزيمة قبل أن تبدأ الحرب ويفسر كل انهيار ومشكلة بمؤامرة خارجية، بل الأهم أنه أعمى عن وجود مؤامرات فعلية ومخططات ربما تفصيلية ومعلومات كثير منها علنية كان يمكن للنظر فيها أن يوفر رؤية أكثر واقعية وصدقا لما يحدث حولنا في العالم، يمكن بعدها اتخاذ مواقف وقرارات قائمة على معلومات أوضح وأدق. وهذا الرجل الذي مازال يستعمل رتبته العسكرية في مداخلاته الإعلامية شاهدت وسمعت وقرأت لأمثاله في أسفاري وعملي في العراق وسوريا والسودان ومصر وغيرها من البلدان المحكومة بنظم مهترئة يعرف فيها الخبير الكاذب أنه يكذب، لكن لا يهم لأن المصلحة الوطنية وفقا لفهمه تقتضي هذا الكذب، ويظل الخبير يكذب حتى ينسى أنه يكذب وحتى يفترض الكذب، أو التآمر، في كل متحدث آخر.

هذا الرجل لا يختلف كثيرا عن الرجال الذين سادوا أروقة الحكم وأجهزة الأمن في مصر في الستينيات ورسموا طريقنا إلى الهزيمة المرّة.. لا قدرية هناك أو مصير لا فكاك منه في الدول والمجتمعات.. مصر عندما غيرت مؤسساتها الطريقة التي تعمل بها ولمدة قصيرة، كانت قادرة على تحقيق اختراق تاريخي في حرب 1973، وعندما فاض الكيل بشعبها، خرجت وأجبرت النظام على عزل رأسه في ثورة 2011.

…………..

سأركز في هذ المقال ومقالات أخرى لاحقة وحتى ذكرى الحرب، على الشهور المؤدية ليونيو 1967 مع الرجوع للسنوات السابقة والاستفادة من سنوات لاحقة في فهم ما حدث في هذه الشهور المحورية.

…………..

وقعت عدة تحولات رئيسية في العقد الفاصل بين حربي 1956 و1967.. في هذا السنوات توالت التحديات المباشرة للمصالح الأمريكية والرأسمالية فى المنطقة.. ظهرت الشروخ في صيغة الاستقرار والتعايش الهشة في لبنان، وسقط العرش الهاشمي في العراق، وبالتالي انهارت ترتيبات أمنية كان الغرب يرتكن عليها لضمان استقرار أنظمة موالية في المنطقة وخاصة في إيران والخليج، ولمنع السوفييت من دخول المنطقة الغنية بالنفط، ودخلت موسكو عدة عواصم مؤثرة أبرزها القاهرة وبغداد، تمدها بالسلاح والدعم السياسي في المحافل الدولية والمعونات الاقتصادية، وحاول الثوريون الجدد في العراق غزو إمارة الكويت وضمها، وانزلقت مصر دون جاهزية لمحاولة القضاء على نظام الإمامة الرجعي المتهالك في اليمن في مواجهة رد فعل سعودي/أمريكي عنيف.

وعلى هذه الخلفية ومن نتاج هذه التقلبات، يمكن الآن أن ننظر إلى الشهر السابق على حرب يونيو 1967.. لقد وقعت ثلاثة تحولات رئيسية لتتصاعد الأحداث وصولاإلى الحرب:

أولا: في نهاية شهر أبريل وبدايات شهر مايو، تواترت تقارير عن حشد إسرائيل قواتها على حدود سوريا من أجل ضربها، ودفع هذا المنعطف إلى التصعيد من جانب مصر، تكرارا لما قامت به في ازمة يناير – مارس 1960 عندما حشدت قواتها على الحدود مع إسرائيل لتخفيف الضغط على الجبهة السورية، وبغض النظر عن صحة هذه التقارير روسية المنشأ (على سبيل المثال الفريق فوزي قام بطلعة جوية فوق الحدود السورية، ولم يلاحظ أي استعدادات إسرائيلية غير عادية) فقد تعامل معها الجميع بجدية وتدافعت الأحداث إلى درجة صارت معه الحشود الإسرائيلية فى حد ذاتها أمرا غير مهم.

ثانيا: قرار الرئيس جمال عبد الناصر إغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو السبب المباشر للحرب والخطأ التكتيكي المذهل الذي أدى إلى انهيار إستراتيجي شامل فيما بعد.

ثالثا: قرار إسرائيل شن حرب هجومية على العرب عوضا عن الاقتصار على رد فعل محدود على قرار غلق خليج العقبة.

بدأ العد التنازلي للحرب في 23 مايو 1967.

في هذا الصباح، أبلغت إذاعة القاهرة الشعب المصري بإغلاق مضايق تيران المؤدية إلى خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية، ويعنى الإعلان خنق موارد إسرائيل من السلاح والنفط. فقد صار من المتعين على السفن التى تحمل النفط لإسرائيل من إيران – والتي كانت ساعتها تزود إسرائيل بقرابة سبعين في المائة من احتياجاتها النفطية – أن تلف حول رأس الرجاء الصالح لأنها في نفس الوقت ممنوعة من العبور في قناة السويس المصرية.

لم يفاجأ الإعلان الأمريكيين أو حلفائهم الإقليميين في إسرائيل، حيث كانوا يخططون طوال الأربعة والعشرين ساعة السابقة على البث الإذاعي في كيفية التصرف ورد الفعل.

أعلن القرار للمرة الأولى في اجتماع عقده الرئيس عبد الناصر في مطار أبو صوير في سيناء يوم 22 مايو، حيث توجه على متن طائرة عسكرية إلى القاعدة، وهناك استقبله المشير عبد الحكيم عامر وقادة الأسلحة المختلفة، وفى استراحة المطار أمام عدد من الطيارين أعلن غلق خليج العقبة في وجه أي سفن تنقل بضائع إستراتيجية لإسرائيل، وعرفت تل أبيب وواشنطن، ورغم بعض التوقع، إلا أنه كان هناك قدر لا بأس به من الدهشة لأن القرار المصري منح إسرائيل سلاحا سياسيا ودبلوماسيا قويا.. كان القرار بمثابة إعلان حرب.

لم يكن القرار سهلا وتم اتخاذه بعد جدل شديد في أعلى دوائر صنع القرار المصرية.. اتفق الجميع تقريبا أن القرار يعني إعلان الحرب على إسرائيل، ومنح الدولة العبرية ذريعة كانت تنتظرها منذ وقت (يمكن مراجعة وقائع الاجتماع الحاسم الذي عقده عبد الناصر وساهم في اتخاذ هذا القرار في كتاب هيكل “حرب الثلاثين عاما: الانفجار 1967″ ص. 514-517).

أكاد اجزم أنه لو كان هناك برلمان حقيقي يصدق على قرار الحرب وإعلام حر ومهني يغطي آداءنا العسكري وقدراتنا العسكرية في حرب اليمن، لما اضطر عبد الناصر – أو فكر جديا- في اتخاذ هذا القرار.

كيف نظرت إسرائيل والولايات المتحدة إلى القرار وتعاملت معه؟ وكيف استعدت القوات المسلحة المصرية؟

نترك هذا للمقالات القادمة.

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *