الجن .. والناس اللي اتجننت

لفت نظري نقاش على تويتر وفيسبوك وخبط ورزع حوالين مسلسل “جن” اللي بيدور حول علاقات طلاب مدرسة ثانوية خاصة غالية في غرب عمان وعن الجن، ايوة الجن اللي خرج عليهم في بترا وقتل واحد صاحبهم وبدأ يتلبس اخرين. قلت اروح واشوف .. وشفت نصف موسم “جن” الاول، المتاح وهو من انتاج نتفليكس. النقاش والجدل الحاد –  في وسط عالم عربي ينعاد تشكيله سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ويقع وينهار –  متركز على الالفاظ “البذيئة” في المسلسل وانه لا يمثل الأردن وان فيه كلام عن الجنس بين البنات والصبايا  وتعاطي كحول ومخدرات. وبالمناسبة الشباب اللي همه اكتر من نص العالم العربي بحتة بيعملوا كل الحاجات دي من زمان – نقول جيلين مثلا – بس طبعا مش معناه ان العالم العربي ماشي في سكة واحدة.

متابعة قراءة “الجن .. والناس اللي اتجننت”

من الممر للاهرام لفلسطين لاعتقال الامل في مصر: اوضاعي الفيسبوكية ع الماشي في ٢٢-٢٩ يونيو

“٢٩ يونيو — الأمل هنا فعل اضطراري. أحلامنا الوردية غالبًا لن تتحقق، لكن إن تركنا أنفسنا للكوابيس فقط سيقضي علينا الخوف قبل أن يأتي الطوفان أصلًا.” مقالة هايلة عن الأمل من علاء عبد الفتاح، عقل شايف الصورة الاكبر

٢٨ يونيو — شاهدت فيلم “الممر”، خرجت منذهلا وافكر فيما قد يكون داخل عقل من فكر في هذا او صنعه من خطير الامور ومرعبها: له، ولنا ولمن حولنا. يا منجي من المهالك يا كريم.

٢٦ يونيو — وفقا لصحيفة اندبدنت العربية طلب محمود عباس في مطلع الاسبوع قروضا من الدول العربية او مصارفها او صناديق استثماراتها حيث باتت السلطة الفلسطينية عاجزة عن سداد قسط متصاعد من التزاماتها بسبب العصر الاسرائيلي (العصر: من الاعتصار والتضييق من ناحية ومن سيطرة الزمن/العصر الاسرائيلي من ناحية اخرى). مناشدة ابو مازن جاءت بعد تجاهل فعلي من الدول العربية لمناشدات السلطة تفعيل ما يعرف بشبكة الامان العربية لتقديم ما يعادل ما تستقطعه اسرائيل عنوة في شكل جمارك على البضائع الواردة للمناطق الفلسطينية المحاصرة والمقطعة من جانب اسرائيل .. نفس الدول العربية كانت قد وعدت منذ سنوات طويلة بتقديم هذه المساعدات في شبكة امان خاصة اذا ضيقت اسرائيل الخناق بس شكلها كدة الخناق بيزيد من الناحيتين على سلطة يبدو الواحد حائرا احيانا لماذا تبقى قائمة وهي عاجزة حتى عن دفع رواتب موظفيها (تدفع نصفها فقط منذ عدة اشهر). حتى الان لم أر أي اعلان من أي حكومة عربية عن مساعدات جديدة او قديمة او موافقة على منح قروض. حتى ايام زمان لما كانت الحكومات تنزنق سياسيا وتحب تدعم جهة او دولة تانية – وخصوصا قضية فلسطين التي تحبها اكثر مما تحب الفلسطينيي – تلاقيها تستخدم او تغض النظر عن جهود شعبية “لدعم شعب غزة” او “ادفع جنيها تنقذ مسلما” أو “رابطة شباب العالم الاسلامي تسير قافلة اغاثة” الخ الخ الخ … دلوقتي لا علني ولا سري ولا نص نص والبيزنس الفلسطيني اقرض بكفاية للسلطة الفلسطينية وكدة ح تقف عليه بخسارة وفلوس قطر وغيرها لغزة يا دوبك مخلية الناس ترفع مناخيرها فوق المياه وهي غرقانة …. بس سيبك انت ح نكسر ايران وح نجيب تركيا الارض واسرائيل في ازمة وطراخ طراخ طيخ. ونحضر اجتماع البحرين اللي خلص النهاردة عشان يخصص ٥٠ مليار دولار لمشاريع للفلسطينيين وللدول المجاورة منها ٩ مليار ف مصر وهكذا (طبعا محدش ركز على حكاية ان الفلوس لسه ما حدش وعد بيها وانها مفروض تنصرف على ١٠ سنين وان الفلسطينيين ذات نفسيهم ما حضروش).

٢٥ يونيو — #زياد_العليمي المعتقل منذ فجر اليوم كان نائب في مجلس الشعب ومعارض للإخوان وله انتماءات تقدمية ويسارية وحسام مؤنس الذي قبض عليه في نفس الحملة كما يبدو كان في حملة المرشح الناصري الرئاسي حمدين صباحي وهكذا عدد كبير ممن يُقبض عليهم بمقتضى قانون الكيانات الإرهابية هم سياسيون سابقون من تيارات مختلفة ومتنوعة (وسابقون عشان مفيش نشاط سياسي مفتوح في البلد). والأسهل لمن يقومون بالإرسال من جهاز سامسونج – للصحف والتلفزيونات لإذاعة الاخبار الموحدة – ان يعلنوا قائمة بالأنشطة المسموح بها في الفضاء العام حتى يتفادى الناس “الخطأ” لان الماشي جنب وجوة الحيط معادش امن!

وفي ٢٤ يونيو — نشرت الصورة التالية عن وزير الخارجية الايطالي ماتيو سالفيني اللي ح يقطع ايد اي بحار يساعد طالب لجوء فار من عبث ودموية الحياة في الجنوب:


وفي ٢٤ يونيو — نشرت الحوار المتخيل الاتي:

– يعني الناس دول بتوع السياسة لازم ترجع والقضاء يبقى مستقل والمؤسسات تعمل دورها وكده، دي ناس هبلة ولا مش عايشة في الواقع؟ احنا مش جاهزين يا استاذ.
– ما هو يا صاحبي الناس بتجهز وهي بتتعلم في الموضوع ده وبتشتغل فيه وفي الاخر النتيجة مش مثالية بس احسن من الغموض اللي احنا فيه وبعدين كمان عشر سنين نلاقي مشروع توريث تاني والجيش الوطني يضطر يدخل تاني والناس تعمل انتفاضة تاني.
– لا لا ياعم الوضع مختلف بس برضه اصحابك دول فاكرين اصلا ان احنا عندنا دولة زي الدول اللي بجد. احنا غلابة. دي عالم هبلة واللي عندنا دي اشلاء دولة بالكتير اوي.
– صح وهي بقى عايزة تجبسها وتجبرها وتصلحها. وبعدين ما تقلقش اوي همه بس بيتكلموا لان مفيش في ايدهم حاجة دلوقتي والشعب دايخ ومفيش احزاب ولا سياسة ولا برطمان ولا حاجة ..
– لا ياعم يبطلوا كلام مش عايزين شوشرة وتأثير على الغلابة. سيبوا الريس يظبطها ويسلمنا البلد تسليم مفتاح. كفاية مغامرات. البلد مش ناقصة.
– بس ما هو كدة ح يعملها على مزاجه وهو يعني – لا مؤاخذة يعني – ممكن يغلط او يعملها صح زي ما في دماغه بس مش مناسبة لينا. وكدة يبقى مش بنعمل دولة ده احنا بنهد اللي فاضل فيها وبنعملها على مقاس واحد بس.
– يا عم مصر هي المهمة مش الدولة.
– بس اصل .. مش فاهم ازاي
– مصر فوق الجميع، تحيا مصر، ح تقولي دولة ح تقولي ديمقراطية، كفاية شعارات، احنا تعبنا.
– …

٢٣ يونيو — صلاح سالم (صاحب الشارع والعسكري عضو مجلس قيادة الثورة ووزير الإرشاد ) طلع بيان في ٢٩ مايو ١٩٥٥ يدعو فيه الصحف “ملحا ان ترفع الرقابة عن نفسها ” بعد ان رفعت وزارته الرقابة عنها، وقال ان رفض مقالات في الاخبار والأهرام ( وهي صحف ١٠٠٪؜ موالية للحركة “المباركة” والجيش) لانها تتحدث عن شكل نظام الحكم كان قرار رؤساء التحرير!! شوف يا اخي وده نفس صلاح سالم اللي عمل بايده حملة “تطهير الصحافة” قبلها بشهور ولبّس محمود وحسين ابو الفتح ١٠ و ١٥ سنة سجن وحل مجلس نقابة الصحفيين ونشر اسماء صحفيين “فاسدين” وساهم في اغلاق صحف كثيرة ..

٢٢ يونيو — صدرت الاهرام في ١٨٧٦ وعلى صدر صفحتها الاولى انها “جريدة يومية سياسية تجارية أدبية فكاهية” وبعد ١٥٠ سنة تقريبا لم تعد أي من هذه الاوصاف تنطبق سوى انها مسألة “فكاهية” .. حتى وصف “جريدة” صار غير مستحق.

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٩ من ٩)

نُشرت نسخة سابقة من هذه المقالة في صحيفة التحرير التي لم يعد ارشيفها متاحا على الانترنت بتاريخ ٢٢ ديسمبر ٢٠١٣

دعونا نكرر الأسئلة التى أفتتحنا بها هذه السلسلة من المقالات: لماذا تدخلت الولايات المتحدة فى ليبيا عسكريًّا لكنها تقاعست وتراجعت فى سوريا؟ لماذا انتقدت بشار الأسد بقوة فى ٢٠١١ و٢٠١٢ بينما تعاملت بحرص وأناة مع حكومة البحرين رغم استعمال القوة المفرطة ضد المعارضة واستقدام قوات سعودية لفرض السيطرة على البلاد؟ لماذا ترددت واشنطن إزاء مبارك وكانت صبورة للغاية فى ما يتعلق بعلى عبد الله صالح؟ لا شك أن حجم الانتهاكات التى يلجأ إليها أى نظام فى التعامل مع الاحتجاجات يلعب دورا فى تحديد السياسة الأمريكية، فقد كان عدد الضحايا والقسوة فى التعامل فى البحرين طوال الأعوام الثلاثة السابقة على ٢٠١١ أقل مما قد يحدث فى سوريا فى أسبوع واحد الآن، لكن الإجابة الجيدة على هذه الأسئلة تبدأ من بحث مجموعات العوامل الأربعة المختلفة التى تتصارع فيما بينها على تشكيل سياسة خارجية أمريكية وهى المصالح، والقيم، والقدرة على التدخل، والمواقف المتباينة لمؤسسات النظام الأمريكى. ولا يوجد ملخص لإجابات عن هذه الأسئلة، وعلى أى تناول جاد لها فى كل منعطف سياسى فى الشرق الأوسط أن يدرس تأثيرات قضايا النفط وإسرائيل والحرب على الإرهاب والتحول الديمقراطى وحقوق الإنسان، وأن يرى كيف تتقاطع كل هذه القضايا وأن السياسة الخارجية أيضا محكومة بسياق اوسع يتعلق بالدول الكبرى المجاورة (تحديدا إيران وتركيا) وسياسة واشنطن فى ما يتعلق بالصين وآسيا والوضع الاقتصادى الأمريكى.

متابعة قراءة “الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٩ من ٩)”

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٨ من ٩)

مع حلول العاشر من فبراير ٢٠١١ كان التوجه واضحاً لمن يسيرون في اروقة الخارجية والبيت الابيض في واشنطن أو كبار رجال المؤسسات الأمنية في مصر والسعودية واسرائيل وهو أن على مبارك أن يرحل وأن الجيش سيكون ضامن مرحلة الانتقال التي ستكون لا شك مضطربة في مصر. وتنفس الجميع في هذه الأروقة بارتياح مشوب بقلق. كان بعضهم يرغب في بقاء مبارك وأجرى اتصالات هاتفية علت فيها الاصوات احيانا  من الرياض وتل أبيب مع كبار المسؤولين الأمريكيين وفقا لعدة تقارير الصحفية. ولكن أوباما ومستشاريه المقربين صاروا على قناعة تامة ان مبارك مات سياسيا منذ الثاني من فبراير والتحدي كان في كيف يساعدون في ادارة الفترة الإنتقالية.

اتفقت كل الاصوات في واشنطن وعواصم اوروبية على أهمية الحفاظ على تماسك وقوة الجيش المصري لأنه بات الضامن الوحيد لأمن البلد والمانع الوحيد من وقوع زلزال قد تتردد توابعه في المنطقة كلها وخاصة في اسرائيل وجنوب اوروبا والخليج. كل هؤلاء كانوا يخشون أربعة أمور محددة وفقا لحوارات اجريتها مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين: (١) أعمال العنف المدفوع سياسياً أو الارهاب (خاصة عبر الحدود)، (٢) التهريب (مخدرات وسلاح وبشر وخاصة لأسرائيل وجنوب اوروبا)، (٣) ان تصبح قناة السويس ممراً غير أمن للملاحة، (٤) والأسوأ قاطبة، وهو ان ينهار السلام المستقر بين مصر واسرائيل.  لم تكن عناصر هذا السيناريو الكابوسي مستبعدة جزئياً او سوياً خاصة ان معظم مؤسسات الدولة في مصر، وفقا لعشرات التحليلات الأمريكية والأوروبية المنشورة، تفتقر الى الحد المطلوب من التماسك بعد عقود من النخر المستمر في أسسها والتدخل في عملها من جانب المؤسسات الأمنية. ومع سقوط الشرطة (المؤقت) في اواخر يناير ٢٠١١ بات الجيش (أو على الأقل تم تصويره هكذا بنجاح في مصر وخارجها)  حائط الصد الأخير ضد الفوضى الشاملة.

متابعة قراءة “الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٨ من ٩)”

“الشمندر” من خالد الخميسي: ولع مستحق

فشلت انتفاضة المصريين في يناير ٢٠١١ في تغيير النظام السياسي، ونجحت أو أعلنت بقوة تجلياتها تساقط اساطير وقيم متعددة حاكمة لحياتنا وكانت قد تفسخت ولكن اشباحها تكتم على انفاسنا، وما زالت. يظهر هذا في عدد كبير من الروايات التي تشرّح وتشرح تاريخنا وتستشرف مستقبلنا بطريقة تحطم بانتظام تخيلاتنا عما كنّاه وعما علمونا في المدارس وأجهزة الاعلام المترنحة ان نحلم بان نكون. ربما لم تنجح الثورة في بناء الجديد سياسيا وماديا ولكنها تفتح الطريق ببطء دق قطرات ماء على حجر حتى تنحته او تفتته نحو ما ليس نعرف.

وينتمي لهذا التيار رواية “الشمندر” للروائي خالد الخميسي (دار الشروق، ٢٠١٨). مدخل الشمندر للحياة يمر من خلال الجسد والعلاقات الجسدية الحميمية بين البطل/الرسام شهاب ونساء كثيرات عبرن في حياته – او في الاغلب عبر هو في حياتهن، ورجال هم هامشيين لحد كبير في الرواية ربما باستثناء الاب والجد. رغم هذا ف “الشمندر” ليست رواية عن الجنس بقدر ما هي عن طبقة وسطى او شريحة منها وخصوصا عن رجالها، ورغباتهم المشوَهة والمشوِهة، النساء في كثير من حالاتهن هدف للرغبة والعنف والامتلاك.

Read more

“صفقة القرن” المولودة ميتة

(نُشرت في موقع درج في ٩ يونيو ٢٠١٩)

في 26 حزيران/ يونيو، من المقرر أن تنعقد في البحرين ورشة عمل اقتصادية يشرف على تنظيمها جاريد كوشنر، المسؤول عن عملية السلام في البيت الأبيض وزوج ابنة الرئيس ترامب، ومن المتوقع أن يُكشف النقاب عن تفاصيل أكثر لما بات يُعرف بـ”صفقة القرن” أو مبادرة ترامب للسلام في الشرق الأوسط.

لم يمارس ترامب أو كوشنر السياسة ولم يقوما بمفاوضات سياسية محلياً أو دولياً، حتى تولي الأول منصب الرئاسة في أوائل عام 2017. ولكنهما ماهران للغاية في عقد صفقات مالية وعقارية عادت عليهما بمليارات الدولارات. ووفق تسريبات متعددة، تظل غير مؤكدة، يشمل الجزء الاقتصادي من هذه الصفقة الغامضة، إنفاق قرابة 70 مليار دولار معظمها من دول الخليج العربية، لخلق مشاريع صناعية وسياحية وتشغيلية في الأردن ومصر والسعودية، يعمل فيها فلسطينيون يقومون بتحويل أموالهم إلى الضفة الغربية وغزة. وربما يعتقد الرجلان أنهما إذا قدّما فرص عمل ومشاريع تنمية ضخمة للفلسطينيين، فسيتوقف هؤلاء عن المطالبة بحقوقهم في تقرير المصير والعودة وحرية التنظيم والتعبير والتنقل، الخ. وينتقد رجل الأعمال الفلسطيني زاهي خوري هذه المقاربة الساذجة حتى من المنظور الرأسمالي. ويقول خوري الذي يملك فروع شركة “كوكاكولا” في المناطق الفلسطينية المحتلة، إن ما يبدو من صفقة القرن يجعلها تشبه بوضوح “رشوة” أو “مكافأة نهاية خدمة”، وما يُعرَض في ظل الاحتلال الإسرائيلي هو أشبه بعرض لطلاء أظافر امرأة اثناء خنقها.

متابعة قراءة ““صفقة القرن” المولودة ميتة”

من يقتل من في الخرطوم؟

أوضاع فيسبوكية: مائة قتيل في صفوف المتظاهرين السلميين المطالبين بحكومة نظيفة وكفؤة ونهاية للقمع الامني والفشل الاقتصادي في السودان. هي هدية المؤسسة العسكرية السودانية لشعب السودان في نهاية رمضان والعيد … ومئات الالاف وربما مليون شخص كانت هديتها لهذا الشعب على مدى عقود ومنذ الاستقلال في حروب دموية شنتها في جنوب البلاد (حتى انفصل في عام ٢٠١١) وفي دارفور حتى دمرت الاقليم الشاسع الفقير بيئيا تماما وقتلت اكثر من ٣٠٠ الف من افراده بين اعوام ٢٠٠٣ و ٢٠٠٥. فشلت المؤسسة في كل حروبها حتى بدأت في تفويض ميليشيات شعبية ليس لديها حتى الدرجة المهزوزة من الانضباط التي قد تكون باقية في بعض جوانب الجيش السوداني الرسمي.

وهكذا صارت النخبة الحاكمة بما فيها من مدنيين ورجال اعمال وكبار موظفين من موقعها في الخرطوم معتادة منذ السبعينيات على تجنيد ميليشيات من قبائل الرعاة في كردفان ودارفور (الرزيقات والمسيرية والمحاميد) واستخدامها في اعمال وحشية دموية ضد خصومهم من ميليشيات الجنوب المسلحة او قبائل جبال النوبة او دارفور المعادية لها.

متابعة قراءة “من يقتل من في الخرطوم؟”

كم خرطوم في السودان؟

.أوضاع فيسبوكية: هناك خرطومان أو اكثر

خرطوم شقوا قلبها وسعوا لتجفيف مائها واخراس صوتها بعد ان اشعلوا النار في اطرافها والقوا بجثث بعض شبابها في النيل، خرطوم يجوس فيها رجال الجنجاويد بسلاحهم وكرابيجهم يفكون المتاريس ويضربون الناس وما زال هناك اطلاق نار حتى صباح يوم العيد. خرطوم صارت مدينة اشباح.

وخرطوم ثانية يقدمها لنا اعلام المجلس العسكري ومؤيدوه في الخليج (المحتكرين لمعظم الاعلام في المنطقة) حول عملية بسيطة “لنظافة شارع النيل” والحاجة للهدوء والاستقرار وحول تغلغل العملاء والخونة وحول احقية واهمية ان يحفظ المجلس العسكري وميليشيات قوة الدعم السريع السودان من كل شر . طبعا لا يضيفون انهم استخدموا الدم والاذلال ومسحوا باجساد بشر ذلك الشارع من اجل تنظيفة وان عساكر متنطعين منهم انهالوا بالعصيان صارخين “عسكرية هي عسكرية ما في مدنية”. وقام رجال امن باصطحاب موظفي المطار قسرا من بيوتهم ولكن كل المصادر لم تذكر هبوط او اقلاع رحلات. وهناك خرطوم ثالثة ما زالت تقاوم وتتمترس ويغلق سكان كل حي مداخله، خرطوم يتحدث اهلها الى بعضها رغم قطع الانترنت وضعف الاتصالات. #الخرطوم #السودان

السودان: المجزرة نفذت بيد الجنجاويد

(نشرت درج هذا التحليل يوم ٤ يونيو ٢٠١٩(

توضح عشرات شرائط الفيديو مصرع  كثر من المحتجين والمتظاهرين في الخرطوم، حيث يشهر جنود العصي والمدافع الرشاشة وتتدافع سيارات نقلهم, بينما تُسمع طلقات رصاص جليّة في مشاهد متعددة. شرائط الفيديو مهتزة تنقل مشاهد ضرب وحشي، سقوط أجساد على الأرض، أصوات لهاث وصراخ، زخات نيران آلية، ظلام. تغريدات “تويتر” وحسابات “فيسبوك”، تتحدث عن عشرات القتلى ومئات الجرحى وحالات اغتصاب وتعذيب، فيما تقول مصادر متعددة أن عدد القتلى وصل الى 30 شخصاً، كما سقط مئات الجرحى بحلول مساء يوم الاثنين الدامي.

ادعى المتحدث باسم المجلس الانتقالي العسكري الحاكم أن تجاوزات أمنية في محيط الاعتصام تطلبت قيام “قوة مشتركة من القوات المسلحة والدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الشرطة… بتنفيذ عملية مشتركة… والقبض على المتفلتين ومعتادي الإجرام… وأثناء تنفيذ الحملة احتمت مجموعات كبيرة منهم بميدان الاعتصام، ما دفع القادة الميدانيين إلى ملاحقتهم، الأمر الذي أوقع خسائر وإصابات”. توقع كثيرون ذلك الانقضاض الوحشي والذي بانت مقدماته في محاولات فض متعددة من جانب قوات الأمن لأكبر اعتصام ممتد شهده السودان في تاريخه الحديث، في قلب العاصمة الخرطوم أمام وزارة الدفاع. وفي الهجمات المتكررة منذ نجح الاعتصام على إجبار الجيش على عزل الرئيس عمر البشير عن منصبه في 11 نيسان/ أبريل، ثم عزل أول رئيس للمجلس العسكري الحاكم بعدها بأيام، قُتل كثيرون، ولكن المعتصمين تمسكوا بمواقعهم مطالبين بنقل فوري للسلطة إلى حكومة مدنية.

ولم يكن متوقعاً أن يضبط آلاف من جنود قوة الدعم السريع أنفاسهم وهم يجوسون في شوارع الخرطوم، بعد أن يقوم ضباطهم بشحنهم نفسياً ضد المتظاهرين والمعتصمين بوصفهم “عملاء وخونة”. هذه القوات يقودها أهم شخصية سياسية/ عسكرية في الخرطوم الآن وهو محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس المجلس العسكري، جزء من التركة الثقيلة للرئيس المخلوع البشير الذي أنشأها منذ اكثر من عشر سنوات لتجميع ما تبقى من عصابات الجنجاويد، التي أزهقت بالتعاون مع قوات الجيش أرواح 300 ألف دارفوري في بداية الألفينيات.

ليس من المستبعد في ضوء هيمنة خليجية تفضل الاستقرار وحكم المؤسسات الأمنية وغياب اهتمام دولي جاد وشراسة النخب الأمنية المتشبثة بالسلطة، أن يسقط شمال البلاد في طاحونة عنف مدمر، هو هذا العنف الذي لطالما وجهته الخرطوم ضد جنوب البلاد وغربها وشرقها وبات الآن يهدد بابتلاعها.

وحمّل تجمع المهنيين السودانيين المجلس العسكري الحاكم منذ سقوط الرئيس عمر البشير في 11  نيسان مسؤولية وقوع القتلى والجرحى. ودعا إلى “تنفيذ العصيان المدني الشامل والإضراب السياسي” من أجل “إسقاط طغمة المجلس العسكري الانقلابي المجرم وجهاز أمنه وكتائب ظله وميليشيات جنجويده”. بينما أعلن رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان فجر اليوم الثلاثاء إقامة حكومة تسيير أعمال وتنظيم انتخابات عامة خلال 9 أشهر، واصفاً ما حدث بأنه كان مؤسفاً وغير مقصود ووقع أثناء عملية تنظيف أمنية لشارع النيل في الخرطوم. وهذه القرارات تعكس بالضبط موقف المجلس العسكري المتمسك بمقاليد السيادة داخل السودان، والذي عرض مراراً إقامة حكومة تسيير أعمال وانتخابات مبكرة وهي إجراءات رفضتها القوى السياسية المدنية المتفاوضة مع المجلس مطالبة، بأن يسيطر مدنيون على مجلس السيادة وأن تكون هناك فترة انتقالية مقبولة تسمح باستعادة قوى الحياة السياسية قبل عقد الانتخابات. وعلى الفور أعلن سياسي بارز في “قوى إعلان الحرية والتغيير”، وعضو في وفد هذه القوى للتفاوض مع الجيش، رفضه لقرارات المجلس واستمرار العمل من أجل إسقاطه وإقامة حكومة مدنية.

وربطت مصادر بين الفض العنيف للاعتصام وهو السلاح الرئيسي لقوى إعلان الحرية والتغيير (المظلة العلنية للقوى السياسية المدنية والتي تشمل تجمع المهنيين السودانيين)، وبين الدعم السياسي والمالي الذي حصل عليه المجلس العسكري في جولات قام بها رئيسه ونائبه في الإمارات والسعودية ومصر. وهناك وعود بتقديم مساعدات سعودية واماراتية تصل إلى ثلاثة مليارات دولار للسودان. وتعود العلاقات المتميزة بين حميدتي وقادة في الجيش النظامي من ناحية والسعودية والامارات من ناحية أخرى إلى مشاركة ما قد يصل إلى 14 ألفاً من المرتزقة السودانيين من هذه الميليشيات، وكثر منهم من دارفور، في الحرب ضد الحوثيين في اليمن. ويحصل الجندي السوداني على عشرة آلاف دولار مقابل ستة أشهر من القتال في اليمن، إضافة الى تكاليف المعيشة، وذلك أضعاف مرتب الطبيب في السودان الذي وصلت فيه نسبة التضخم العام الماضي إلى 70 في المئة.

ويرفض قادة الجيش وقوة الدعم السريع تشكيل مجلس سيادي يرأسه مدني بأغلبية من الأعضاء المدنيين بسبب خشيتهم المبررة من تآكل السيطرة على مفاصل السلطة والاقتصاد، في بلد حكمه الجيش معظم الوقت منذ استقلاله في أول كانون الثاني/ يناير 1956. وقد هدد بعض أعضاء المعارضة بالفعل بإجراء تحقيقات واسعة في امتيازات ميليشيات الدعم السريع في التنقيب عن الذهب وبيعه، ووضعها المتميز الذي جعلها جزءاً من المؤسسة العسكرية السودانية، بعدما كانت مجرد ميليشيات جندها البشير، من أجل تنفيذ أعمال قذرة في دارفور وتأمين مؤسسة الرئاسة في العاصمة وبخاصة في مواجهة تهديدات محتملة من أي أجهزة امنية.

وعلى مدى 63 عاماً، لم يحكم مدنيون السودان سوى نحو 11 عاماً، بينما امتد حكم البشير العسكري المتحالف مع الإسلاميين 30 عاماً، معتمدة علىقمع واسع وحروب مستمرة في أنحاء السودان، حتى أُجبر على توقيع اتفاق سلام، استقل الجنوب بمقتضاه عام 2011، بينما نجح في تفادي الخضوع للمحكمة الجنائية الدولية التي اتهمته وكبار قادته بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي قتلت مئات الآلاف من أهالي دارفور في غرب السودان.

لا يتوقع أي مراقب جاد للسودان طريقاً سياسياً أو اقتصادياً ممهداً أمام الخرطوم والنخب الأمنية والسياسية في السنوات القليلة الماضية. ويمكن أن يقدم هذا البلد الأفريقي العربي متعدد الثقافات والأعراق نموذجاً جديداً في خلق نظام حكم مقبول وفعال في تلك المنطقة، بخاصة بعدما أسقطت احتجاجات مدنية وعصيان واحتجاجات سلمية واسعة النطاق ثلاثة نظم حكم عسكرية من قبل. بيد أنه ليس من المستبعد في ضوء هيمنة خليجية تفضل الاستقرار وحكم المؤسسات الأمنية وغياب اهتمام دولي جاد وشراسة النخب الأمنية المتشبثة بالسلطة، أن يسقط شمال البلاد في طاحونة عنف مدمر، هو هذا العنف الذي لطالما وجهته الخرطوم ضد جنوب البلاد وغربها وشرقها وبات الآن يهدد بابتلاعها. مستقبل السودان مفتوح على احتمالات متعددة ويستحيل التنبؤ بمساراته، إذ تقبض عليه أيد تمسك بمدافع رشاشة أو بكاميرات هواتف محمولة، مثلما عرضت لنا عشرات الشرائط المصورة في الأسابيع القليلة الماضية.

البشير يفض اكبر اعتصام في تاريخ السودان من محبسه

أوضاع فيسبوكية: دخل السودان اليوم مرحلة جديدة في تحلل النظام القديم. الجيش يقف على الهامش بينما مئات من افراد الميليشيات المسلحة يفضون#اعتصام_القيادةـالعامة فجر اليوم في الخرطوم. خلفاء ميليشيات الجنجاويد أو  #قوات_الدعم_السريع – التي تدين بولاء لعشائر ومناطق وقبلها جميعا للمال والقوة – قتلت وجرحت العديدين من نساء ورجال السودان الراغبين في الحرية والتغيير اليوم الاثنين ٣ يونيو ٢٠١٩ بعد ثمانية اسابيع من اعتصام اجبر النظام الامني السوداني الفاسد والفاشل على التخلص من رأسه عمر البشير وتنحية ما تبقى من اسلاميين على الطراز الاخواني لتتقدم القوة عارية سوى من بعض شعارات فارغة حول الدولة والاستقرار. وتصدر القيادة رجال مخابرات وميليشيات يسودهم ويبرز وسطهم قائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو (الشهير ب حميدتي) وربما يضحك اليوم البشير من محبسه اذ انه من سمح بخلق قوات الدعم السريع كي ينظم قوى الميليشيات العربية الدموية أو الجنجاويد في دارفور بعد ان ساهمت في قتل مئات الالاف من سكان ذلك الاقليم الغربي لانها استطاعت القيام بمهام ترفع او عجز عنها جيش السودان (او قرر انها ستعرضه لمسائلة لاحقة قانونيا او اخلاقيا). وهكذا صار حميدتي تدريجيا اداة تأمين للبشير ضد الجيش نفسه ورويدا رويدا ارتفعت قواته من ميليشيات الى قوى نظامية الى قوى تابعة للجيش ولكنها مستقلة تأتمر بامر الرئيس ذات نفسه. بهذا المعني فقد فض البشير الاعتصام الذي اسقط الرئيس في ١١ ابريل — والأيام دول.

قد يتوقف الاعتصام لكن الثورة التي لم يحركها فرد واحد ونجمت اساسا عن فشل النخب الحاكمة والمؤسسات الامنية وفساد القابضين على السلطة ودمويتهم — ستستمر بشكل واشكال وطرق متعددة.