السودان: المجزرة نفذت بيد الجنجاويد

(نشرت درج هذا التحليل يوم ٤ يونيو ٢٠١٩(

توضح عشرات شرائط الفيديو مصرع  كثر من المحتجين والمتظاهرين في الخرطوم، حيث يشهر جنود العصي والمدافع الرشاشة وتتدافع سيارات نقلهم, بينما تُسمع طلقات رصاص جليّة في مشاهد متعددة. شرائط الفيديو مهتزة تنقل مشاهد ضرب وحشي، سقوط أجساد على الأرض، أصوات لهاث وصراخ، زخات نيران آلية، ظلام. تغريدات “تويتر” وحسابات “فيسبوك”، تتحدث عن عشرات القتلى ومئات الجرحى وحالات اغتصاب وتعذيب، فيما تقول مصادر متعددة أن عدد القتلى وصل الى 30 شخصاً، كما سقط مئات الجرحى بحلول مساء يوم الاثنين الدامي.

ادعى المتحدث باسم المجلس الانتقالي العسكري الحاكم أن تجاوزات أمنية في محيط الاعتصام تطلبت قيام “قوة مشتركة من القوات المسلحة والدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الشرطة… بتنفيذ عملية مشتركة… والقبض على المتفلتين ومعتادي الإجرام… وأثناء تنفيذ الحملة احتمت مجموعات كبيرة منهم بميدان الاعتصام، ما دفع القادة الميدانيين إلى ملاحقتهم، الأمر الذي أوقع خسائر وإصابات”. توقع كثيرون ذلك الانقضاض الوحشي والذي بانت مقدماته في محاولات فض متعددة من جانب قوات الأمن لأكبر اعتصام ممتد شهده السودان في تاريخه الحديث، في قلب العاصمة الخرطوم أمام وزارة الدفاع. وفي الهجمات المتكررة منذ نجح الاعتصام على إجبار الجيش على عزل الرئيس عمر البشير عن منصبه في 11 نيسان/ أبريل، ثم عزل أول رئيس للمجلس العسكري الحاكم بعدها بأيام، قُتل كثيرون، ولكن المعتصمين تمسكوا بمواقعهم مطالبين بنقل فوري للسلطة إلى حكومة مدنية.

ولم يكن متوقعاً أن يضبط آلاف من جنود قوة الدعم السريع أنفاسهم وهم يجوسون في شوارع الخرطوم، بعد أن يقوم ضباطهم بشحنهم نفسياً ضد المتظاهرين والمعتصمين بوصفهم “عملاء وخونة”. هذه القوات يقودها أهم شخصية سياسية/ عسكرية في الخرطوم الآن وهو محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس المجلس العسكري، جزء من التركة الثقيلة للرئيس المخلوع البشير الذي أنشأها منذ اكثر من عشر سنوات لتجميع ما تبقى من عصابات الجنجاويد، التي أزهقت بالتعاون مع قوات الجيش أرواح 300 ألف دارفوري في بداية الألفينيات.

ليس من المستبعد في ضوء هيمنة خليجية تفضل الاستقرار وحكم المؤسسات الأمنية وغياب اهتمام دولي جاد وشراسة النخب الأمنية المتشبثة بالسلطة، أن يسقط شمال البلاد في طاحونة عنف مدمر، هو هذا العنف الذي لطالما وجهته الخرطوم ضد جنوب البلاد وغربها وشرقها وبات الآن يهدد بابتلاعها.

وحمّل تجمع المهنيين السودانيين المجلس العسكري الحاكم منذ سقوط الرئيس عمر البشير في 11  نيسان مسؤولية وقوع القتلى والجرحى. ودعا إلى “تنفيذ العصيان المدني الشامل والإضراب السياسي” من أجل “إسقاط طغمة المجلس العسكري الانقلابي المجرم وجهاز أمنه وكتائب ظله وميليشيات جنجويده”. بينما أعلن رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان فجر اليوم الثلاثاء إقامة حكومة تسيير أعمال وتنظيم انتخابات عامة خلال 9 أشهر، واصفاً ما حدث بأنه كان مؤسفاً وغير مقصود ووقع أثناء عملية تنظيف أمنية لشارع النيل في الخرطوم. وهذه القرارات تعكس بالضبط موقف المجلس العسكري المتمسك بمقاليد السيادة داخل السودان، والذي عرض مراراً إقامة حكومة تسيير أعمال وانتخابات مبكرة وهي إجراءات رفضتها القوى السياسية المدنية المتفاوضة مع المجلس مطالبة، بأن يسيطر مدنيون على مجلس السيادة وأن تكون هناك فترة انتقالية مقبولة تسمح باستعادة قوى الحياة السياسية قبل عقد الانتخابات. وعلى الفور أعلن سياسي بارز في “قوى إعلان الحرية والتغيير”، وعضو في وفد هذه القوى للتفاوض مع الجيش، رفضه لقرارات المجلس واستمرار العمل من أجل إسقاطه وإقامة حكومة مدنية.

وربطت مصادر بين الفض العنيف للاعتصام وهو السلاح الرئيسي لقوى إعلان الحرية والتغيير (المظلة العلنية للقوى السياسية المدنية والتي تشمل تجمع المهنيين السودانيين)، وبين الدعم السياسي والمالي الذي حصل عليه المجلس العسكري في جولات قام بها رئيسه ونائبه في الإمارات والسعودية ومصر. وهناك وعود بتقديم مساعدات سعودية واماراتية تصل إلى ثلاثة مليارات دولار للسودان. وتعود العلاقات المتميزة بين حميدتي وقادة في الجيش النظامي من ناحية والسعودية والامارات من ناحية أخرى إلى مشاركة ما قد يصل إلى 14 ألفاً من المرتزقة السودانيين من هذه الميليشيات، وكثر منهم من دارفور، في الحرب ضد الحوثيين في اليمن. ويحصل الجندي السوداني على عشرة آلاف دولار مقابل ستة أشهر من القتال في اليمن، إضافة الى تكاليف المعيشة، وذلك أضعاف مرتب الطبيب في السودان الذي وصلت فيه نسبة التضخم العام الماضي إلى 70 في المئة.

ويرفض قادة الجيش وقوة الدعم السريع تشكيل مجلس سيادي يرأسه مدني بأغلبية من الأعضاء المدنيين بسبب خشيتهم المبررة من تآكل السيطرة على مفاصل السلطة والاقتصاد، في بلد حكمه الجيش معظم الوقت منذ استقلاله في أول كانون الثاني/ يناير 1956. وقد هدد بعض أعضاء المعارضة بالفعل بإجراء تحقيقات واسعة في امتيازات ميليشيات الدعم السريع في التنقيب عن الذهب وبيعه، ووضعها المتميز الذي جعلها جزءاً من المؤسسة العسكرية السودانية، بعدما كانت مجرد ميليشيات جندها البشير، من أجل تنفيذ أعمال قذرة في دارفور وتأمين مؤسسة الرئاسة في العاصمة وبخاصة في مواجهة تهديدات محتملة من أي أجهزة امنية.

وعلى مدى 63 عاماً، لم يحكم مدنيون السودان سوى نحو 11 عاماً، بينما امتد حكم البشير العسكري المتحالف مع الإسلاميين 30 عاماً، معتمدة علىقمع واسع وحروب مستمرة في أنحاء السودان، حتى أُجبر على توقيع اتفاق سلام، استقل الجنوب بمقتضاه عام 2011، بينما نجح في تفادي الخضوع للمحكمة الجنائية الدولية التي اتهمته وكبار قادته بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي قتلت مئات الآلاف من أهالي دارفور في غرب السودان.

لا يتوقع أي مراقب جاد للسودان طريقاً سياسياً أو اقتصادياً ممهداً أمام الخرطوم والنخب الأمنية والسياسية في السنوات القليلة الماضية. ويمكن أن يقدم هذا البلد الأفريقي العربي متعدد الثقافات والأعراق نموذجاً جديداً في خلق نظام حكم مقبول وفعال في تلك المنطقة، بخاصة بعدما أسقطت احتجاجات مدنية وعصيان واحتجاجات سلمية واسعة النطاق ثلاثة نظم حكم عسكرية من قبل. بيد أنه ليس من المستبعد في ضوء هيمنة خليجية تفضل الاستقرار وحكم المؤسسات الأمنية وغياب اهتمام دولي جاد وشراسة النخب الأمنية المتشبثة بالسلطة، أن يسقط شمال البلاد في طاحونة عنف مدمر، هو هذا العنف الذي لطالما وجهته الخرطوم ضد جنوب البلاد وغربها وشرقها وبات الآن يهدد بابتلاعها. مستقبل السودان مفتوح على احتمالات متعددة ويستحيل التنبؤ بمساراته، إذ تقبض عليه أيد تمسك بمدافع رشاشة أو بكاميرات هواتف محمولة، مثلما عرضت لنا عشرات الشرائط المصورة في الأسابيع القليلة الماضية.

البشير يفض اكبر اعتصام في تاريخ السودان من محبسه

أوضاع فيسبوكية: دخل السودان اليوم مرحلة جديدة في تحلل النظام القديم. الجيش يقف على الهامش بينما مئات من افراد الميليشيات المسلحة يفضون#اعتصام_القيادةـالعامة فجر اليوم في الخرطوم. خلفاء ميليشيات الجنجاويد أو  #قوات_الدعم_السريع – التي تدين بولاء لعشائر ومناطق وقبلها جميعا للمال والقوة – قتلت وجرحت العديدين من نساء ورجال السودان الراغبين في الحرية والتغيير اليوم الاثنين ٣ يونيو ٢٠١٩ بعد ثمانية اسابيع من اعتصام اجبر النظام الامني السوداني الفاسد والفاشل على التخلص من رأسه عمر البشير وتنحية ما تبقى من اسلاميين على الطراز الاخواني لتتقدم القوة عارية سوى من بعض شعارات فارغة حول الدولة والاستقرار. وتصدر القيادة رجال مخابرات وميليشيات يسودهم ويبرز وسطهم قائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو (الشهير ب حميدتي) وربما يضحك اليوم البشير من محبسه اذ انه من سمح بخلق قوات الدعم السريع كي ينظم قوى الميليشيات العربية الدموية أو الجنجاويد في دارفور بعد ان ساهمت في قتل مئات الالاف من سكان ذلك الاقليم الغربي لانها استطاعت القيام بمهام ترفع او عجز عنها جيش السودان (او قرر انها ستعرضه لمسائلة لاحقة قانونيا او اخلاقيا). وهكذا صار حميدتي تدريجيا اداة تأمين للبشير ضد الجيش نفسه ورويدا رويدا ارتفعت قواته من ميليشيات الى قوى نظامية الى قوى تابعة للجيش ولكنها مستقلة تأتمر بامر الرئيس ذات نفسه. بهذا المعني فقد فض البشير الاعتصام الذي اسقط الرئيس في ١١ ابريل — والأيام دول.

قد يتوقف الاعتصام لكن الثورة التي لم يحركها فرد واحد ونجمت اساسا عن فشل النخب الحاكمة والمؤسسات الامنية وفساد القابضين على السلطة ودمويتهم — ستستمر بشكل واشكال وطرق متعددة.

الحكاية مش في الارض لكن في الحق

أوضاع فيسبوكية: باعت عائلة سرسق الإقطاعية اللبنانية ٢٤٠ الف دونم في فلسطين الى وكالات وأفراد يهود قبل تأسيس الدولة الاسرائيلية… الحق يا جدع شوف مين اللي باع الارض. بالمناسبة ملاك أراض كبار مصريين وسوريين وفلسطينين ومؤسسات دينية كله باع اراضي في فلسطين التاريخية لما كانت تحت الحكم العثماني ثم الاحتلال البريطاني. كل ما تم بيعه حتى ١٩٤٨ لم يتعدى ٦ر١ مليون دونم لكن بالسلاح وف أسابيع استولى الاسرائيليين على اربع أمثال المساحة دي وطردوا ٧٥٠ الف فلسطيني بعد ما هزموا جيوش من مصر والأردن وغيرها في ربيع ١٩٤٨.

في الحقيقة يجب النظر الى كل قصص ووقائع بيع الارض دي بشكل مغاير كونها ليست السبب التأسيسي لتشريد وطرد وقتل و”استعباد” الفلسطينيين ونكبتهم ومصيبتهم. فلسطين وبلاد الشام في القرن ١٩ وأوائل ال ٢٠ كانت ولايات عثمانية يتغول عليها النفوذ الفرنسي والإنجليزي وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى وتفور بثورات وقلاقل مختلفة ومعظم كبار الملاك والأغنياء لم يكونوا يدينون باي ولاء أيدولوجي لدولة او قومية بعينها بل احيانا لطوائف وعرقيات واديان وغالبا لأسرهم الممتدة فحسب. لم تكن هناك دول قومية في كل بلاد الشام.

مشكلة فلسطين ليست من “خان” و “باع” الارض بل المشكلة في ان تعني تلك الملكية طرد الآخرين وانتزاع حقوقهم في الموارد الطبيعية والقانونية المشتركة ومنها حق البقاء والتنقل والعودة والمساواة امام القانون . القضية الفلسطينية الجذر هي عودة الحق قبل عودة الارض ولذا فحديث صفقة القرن (المجمدة حاليا) وكأنه بمثابة تعويضات عن أراض ليتوقف الفلسطينيين عن المطالبة بحقوقهم هو خزعبلات مستثمرين أراض امريكيين (ترامب وجوز بنته كوشنر). ما اصغر الدولة وصك الملكية وما اهم الحق وتقرير المصير في العودة والمساواة والتملك.

كيف تجبر #السلمية على #العنف في #السودان

أوضاع فيسبوكية: هل يستمر ضبط النفس طويلا عند المتظاهرين في #الخرطوم بينما يمارس العسكر (نظاميون وميليشيات، بشيريون وابناء المؤسسة) السياسة كما يفهمونها وفي ابسط صورها: القوة المحضة والعنف. سيقول لنا متنطعون فيما بعد: كان خطأ الثوريين هو اللجوء الى العنف! ألم يتعلم أهل #السودان من سوريا ماذا يحدث إذا عسْكَرت الثورة؟ وينسي المتفذلكون ان العسكر هم من يعسكرون الثورة بشكل اساسي لانهم لا يعرفون سوى لغة التخاطب هذه ويدركون ان سيطرة لغة العنف تعني انتصارهم او خروج الجميع منهزمين (الشعار الخالد مفيد هنا: الأسد أونحرق البلد). السلمية لغة مثل أي لغة تحتاج الى أن يعرف ابجدياتها كل الاطراف المعنية وإلا صار الحوار من طرف واحد يتخيل فيه صاحب المونولوج انه، ان شاء الله، سيكون هناك ديالوج. والسلمية، بمعنى عدم استخدام السلاح او اللجوء لعنف بدني مفرط، لا تمنع بالطبع اجراءات قوية مؤثرة مثل الاضراب العام والعصيان والتي تظهر لاصحاب البنادق مدى قدرة المحتجين والمتظاهرين وان المجتمع يقف ورائهم. ولكن، مرة اخرى، اذا اصر مالك البندقية على المضي قدما بالرصاص ولم يكن لدى جنوده شعور كاف بالخوف او المسؤولية أو الخجل حيال تكويناتهم المجتمعية، فعندها ايضا تفشل السلمية.

السلمية في السياسة تعني ان المجتمع صار عبر الوقت خاضعا لاتفاقات غير مكتوبة تعلو فوق البندقية والعصا ولكنها في معظم الاحيان اتفاقات جاءت بعد صراعات سادت فيها لغة العنف ووصلت الى نظام سائد او مهيمن جديد. ولذا، ولاسباب اخرى، عبرت تونس الى ضفة اخرى بينما عادت مصر للضفة التي قفزت منها. دون عنف لا تمر معظم التغييرات الضخمة في التاريخ ولكن بالعنف لا يمكن ابدا السيطرة على مسارات التغيير بشكل معقول والادعاء بان الثمن، الدم المراق، كان يستحق ما حدث. وطبعا كما نعرف كلنا فان لا احد يسيطر على زر الثورة وان اللي ايده في الميه مش زي اللي ايده في النار وان الطريق الى جهنم معبد باصحاب اليقين والنوايا الحسنة وحاملي السلاح الذكور الراغبين في “استعادة” هدوء واستقرار كان هو ذاته ونفسه مسؤولا بسبب الصمت والركود الناتجين عن الثورة الحاصلة.

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٧ من ٩)

(نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ١٥ ديسمبر ٢٠١٣ وللأسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

إن محاولة تفسير السياسة الخارجية الأمريكية عن طريق اللجوء إلى تفسيرات المدرسة الواقعية المسجونة في المصالح الاقتصادية البحتة والسيطرة السياسية المحضة وافتراض مشروع استعماري على الطراز القديم من السيطرة على بلدان المنطقة لن تساعدنا كثيرًا في فهم هذه السياسات. ولن يساعدنا أيضا افتراض أن الدول العربية أو شعوبها عاجزة طوال الوقت ومفعول بها تنتظر نتائج مؤامرة يكشف لنا تفاصيلها كل يوم صحفيون ومصادر سيادية يبدو أنهم لا يغادرون كراسيهم المثبتة أمام مواقع إنترنت تفتقر معظمها إلى المصداقية. لدينا في مصر وفي أي دولة عربية (فقيرة أو غنية نسبيًا على مقياس الدخل القومي) أدوات للدفاع عن المصالح القومية والوطنية ولكن مشكلتنا الأعوّص – بسبب غياب الديمقراطية والشفافية وتحكم فئات قليلة قوية في الموارد والسياسات– اننا نعجز عن بلورة هذه المصالح كما تراها اغلبية وازنة من الشعب وبنظرة طويلة الامد. وفي واقع الأمر انزلقت معظم الجمهوريات العربية في العقود القليلة الماضية إلى أنظمة عائلية لا مصلحة لها سوي استمرار العائلة أو الطائفة أو المجموعة الضيقة في السلطة بشكل صار معه غرض بعض هذه الدول ومؤسساتها الأمنية هو تنظيم السرقة والنهب المنظمين لموارد البلاد على يد الفئات والطوائف المسيطرة.

متابعة قراءة “الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٧ من ٩)”

لما الدولة تبقى شركة: نستلف، نبني مشاريع، نبيع المشاريع، نكسب (أو نخسر)، نستلف تاني ….

أوضاع فيسبوكية: مصر استدانت نحو ٧ مليارات دولار من بنوك دويتشة الألماني ودعم الصادرات الألماني وأتش اس بي سي العالمي بضمان دولة معينة ثم أعطت الفلوس لشركة سيمينز الألمانية التي بنت مع شركات مصرية (أوراسكوم والسويدي) ٣ محطات توليد كهرباء استلمتهم في يوليو ومن وقتها سعر الكهرباء زاد مرتين في مصر بحيث لم تعد الدولة عندها عين تقول انه مدعوم. والآن سيادة وزير الكهرباء بيقول لنا ان شركة زارو العالمية للاستثمارات المالية وشركة ادرا المملوكة لهيئة الطاقة النووية الصينية عايزين يشتروا المحطات التلاتة عشان يشغلوها مع سيمينز ويبيعوا الكهربا للحكومة والحكومة تبيعها لينا. أدرا الصينية عندها بالفعل ٣ محطات طاقة في مصر يزيد ويبارك. #نبني_من_اجل_مصر فعلا بس الشعب يمكن مش مقدر.

متابعة قراءة “لما الدولة تبقى شركة: نستلف، نبني مشاريع، نبيع المشاريع، نكسب (أو نخسر)، نستلف تاني ….”

خواطر سائق على الطريق الزراعي

أوضاع فيسبوكية: أينما فتحت اذنيك أو سرحت عينيك في طرق وشوارع مصر ح تلاقي اغنية او لافتة عن مصر امنا اللي هي اولا، وفوق الكل، وستنا وتاج راسنا، وتحيا ابدا وعشانها نموت، الخ . ده طبعا كله علامات وطنية “على ما تفرج” وقومية “متأخرة على مواعيد التاريخ” ونازية بلا رأس — لكنها ايضا علامات قلق شديد وخوف عميق وافلاس شديد في اوساط النخبة المتسلطة.

مين بقى الناس دول اللي في النخبة دي يا كابتن مدحت؟ منهم اللي ساكنين في القاهرة الجديدة والرحاب والتجمع الخامس وزايد والعمارات الجديدة ع الكورنيش في اسكندرية وابراج مدن مصر الكبرى سواء المقيمين منهم او العائدين في زياراتهم السنوية من الخليج او غيرها. ومنهم العاملون في مؤسسات الدولة الكبرى (الكبرى) من قسم الشرطة لغاية اعلى محكمة وارفع جهاز، ومنهم رجال اعمال متوسطين وابناء طبقة وسطى مهنية، وبينهم المتقاعدون اصحاب المعاشات اللي معادش عندها همة تحمل الاضطرابات. وتملأ صفوف هذه النخبة عائلات مرتاحة ماديا حتى لو كانت هذه الراحة هي مجرد تلبية كل الاحتياجات الاساسية وعلاج المريض وتعليم الابناء والمصيف اسبوعين في العام وسيارة يضطرب قلبهم لو تعطلت. ناس كتير خايفة ان لو ان الصيغة الهشة الشغالة اختفت ح يتدهوروا في سلم الحياة الاستهلاكية المرعبة من حوالينا أو ممكن حتى يسفوا التراب وما يعرفوش ح يروحوا فين.

النخب دي مش جاهلة ومش عبيطة. وهي فعلا خايفة – وعندها حق تخاف – على نفسها وعلى عيالها وعلى اللي عندها. نخب (من حيث السيطرة على مفاصل شبكات علاقات المال والسلطة والوجاهة والنفوذ الايدولوجي). والنخب دي معظم رجالتها وستاتها نفسهم يفتحوا ويغمضوا يكونوا في بلد “حلو متقدم” (بس من غير ما يشتغلوا لان معظمهم – ربما دون قصد – ما بيشتغلوش بجد بجد هنا اصلا وغير مؤهلين جيدا لاسواق معقدة. وطبعا تلات ارباعهم محافظين او فوضوييين او فهلوية ف مش عايزين حد يحرجهم بشأن الجهل بعادات وتقاليد البلد المضيف ووجوب الاندماج. الحاجات دي بتعمق عقدة النقص والتفوق عندهم. اه والله يعني تلاقي فيهم اللي يحس ان اسرائيل احسن مننا بس الحمد لله طلعوا يهود وح ينسخطوا قردة وخنازير او اللي يتمحلس للسعودي الغني بتاع الرز ويشتمه في اول مناسبة “عشان هو جاهل واحنا علمناه”. بس على اي حال حتى خيار السفر ده لم يعد متاحا بسهولة. خلاص كلنا عارفين ان اللي مش عاجبه مش ح يقدر يروح استراليا او كندا زي ما شيخ سلفي نصح المصريين اللي مش عاجبهم حكم مرسي من ست سبع سنين، ولا السعودية زي ما نصحهم تنويري اصولي سعيد ب “ثورة” ٣٠ يونيو. وطبعا النصيحة دلوقتي ان اللي مش عاجبه يحط لسانه في بقه او يخرس.

. كلنا عارفيين إن التغيير صعب جدا وان الكل ح يدفع تمن عالي جدا (ممكن يكون الثمن هو الوقت الضائع انتظار ثمار الاصلاحات غير الاكيدة لتحكمات وهراء النظام — جيلا او جيلين يذهبون ضحية من غير ما يكون فيه نسبة نجاح مقبولة للهري اللي شغال من اول اطول برج لغاية اعرض كوبري). والناس دي خايفة عشان طريق الاصلاح مسدود او مش واضح او ان ضعفنا الشديد اقتصاديا واجتماعيا مخلي ناس كتير مننا تعتقد انه خلاص مفيش فايدة ونستني النيزك وكدة.

النخب دي خايفة وخوفها معجزها ومخليها تشوف ان الشعارات (اللي انا وحضرتك وحضرتها يمكن نكون شايفينها فارغة واشتغالة) دي فعلا حقيقية لان مصر بشكلها الحالي هي المكان الوحيد الذي يقبل استكانتهم وفشلهم ورفضهم دفع التمن. وطبعا الاذكياء وسط هذه النخب كمان شايفين ان مشاكل مصر غويطة جدا جدا وخصوصا في باب الاقتصاد الفعلي (التشغيل والانتاج والتوزيع الخ). وطبعا كتير من نخب “مصر اولا” مش عاجبهم وضع الدولة اللي همه نفسهم بيسموها اشلاء لكن اهو بقه قرشك على قرشي وايد من هنا وايد من هنا وربنا يولي من يصلح ومصر عظيمة بس المصريين بعافية وما يستاهلوش البلد الرائعة دي الخ الخ .

القصد كله ان موضوع “مصر اولا” مش افتكاسة زي افتكاسات حافظ الاسد والبعث ولا ترقى طبعا الى انجازات كيم ايل سونج “العظيمة” وخلفه الشاب “النابغة” كيم يونج اون، بل اشتغالة معمولة بفهلوة تعبيرا عن أشواق ومخاوف فئات من المجتمع المصري. مشكلة الاشتغالة انها مش ح تاكل خالص مالص مع الشباب اللي الصيغة كلها بالنسبة لهم خسرانة خسرانة. بس الشباب مش مجموعة سياسية ولا فئوية ولا طبقية واحدة لكن قدرتهم على اسقاط نظم ودول بقدرة السخط واليأس ثابتة تاريخيا.

… وقطع حبل افكاري اصوات حصى وزلط يرتطم بزجاج السيارة كانها طلقات من بندقية رش بينما سيارة نقل ضخمة تشد ورائها مقطورة تتمايل مثل الثعبان يمينا ويسارا وتنهبد فوق وتحت على الطريق وفي اقل من دقيقة زعقت اطارات كل السيارات على الطريق لنتفادى صدم توكتوك كان يقطع الطريق السريع ببطء (يقطعه من اليمين الى اليسار). وقبل ان نعدل وضع القدم على بدالات السرعة تهادت سيارة كارو بحصان مسكين وبدأت في عبور الطريق من نفس البقعة التي حطم فيها اهل قرية قرب كفر شكر الحواجز الخرسانية ليصلوا قسمي حياتهم داخل القرية المنقسمة على جانبي الطريق الزراعي، وتهادي سلك سميك مجدول بنهايته خطاف ضخم حديدي ومتدلي من رافعة ميكانيكية ضخمة تقف ذراعها فوق الطريق السريع. وعبرت فوق رؤسنا قطعة خرسانة مكعبة في مسارها لاعلى كوبري اخر يجري العمل فيه ببطء وتعلوه لافتة “نحن نعمل من اجلك”

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة ٦ من ٩)

(نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ١٠ ديسمبر ٢٠١٣ وللأسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام ١٩٧٩ يُنظر إلى الجيش المصري في واشنطن على أنه لاعب بارز في الاستقرار الاقليمي وحليف مهم. حافظ الجيش على استمرارية السلام مع اسرائيل بينما زادت نسبة المعدات والاسلحة والنظم الأمريكية في عتاد الجيش المصري مع مرور الوقت مقارنة بالاسلحة الروسية او غيرها مما يجعل النظم العسكرية المصرية قابلة للتشغيل المتزامن والاتساق مع مثيلتها الأمريكية في أي مناورات او عمليات عسكرية مشتركة (اتضحت فائدة هذا في حرب الخليج في ١٩٩١). وتعمقت علاقات قوية على صعيد التسليح والتدريب والتنظيم وتبادل الخبرات بين الجيشين المصري والأمريكي. واضافة للعلاقات العسكرية المتميزة (التدريبات المشتركة والمشاركة في حرب الخليج) فان لمصر اهمية عسكرية اضافية للولايات المتحدة تشمل اولوية العبور في قناة السويس لقطع البحرية الأمريكية وحق عبور الطائرات العسكرية في الاجواء المصرية ودور مصر في تهدئة الاوضاع مع حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام ٢٠٠٦ (ولعبت مصر هذه الادوار دون توقف في عصور مبارك والمجلس العسكري ومرسي ولا توجد أي تقارير عن اي تغير حدث فيها مؤخراً.) وبالتالي فان التسهيلات المصرية تلعب دورا مهما في مساعدة القوة العسكرية الأمريكية في الانتشار والوصول السريع لأهدافها. ويقول باحث في الكونجرس في حوار في واشنطن في ٢٠١٣ انه على مدى الأعوام العشرة السابقة “كان لدينا مائة الف عسكري في العراق وأفغانستان، وكان علينا نقل جنود ومعدات إلى ومن المنطقة، ولذا كانت اولوية العبور في قناة السويس وحقوق الطيران في الاجواء المصرية مهمة للغاية. فكر لثانيتين كم ان هذين التسهيلين محوريين لو قررت واشنطن مهاجمة طهران.” (دار هذا الحوار قبل تراوح العلاقات الامريكية الايرانية من إنفراجة بسبب اتفاق الرئيس أوباما مع ايران في يوليو ٢٠١٥ حول الرقابة على المنشأت النووية الايرانية ثم تصعيد وتوتر شديد بعد مايو ٢٠١٨ عندما الغي الرئيس ترامب الاتفاقية وتزايد التصعيد نحو احتمالات حرب في منتصف ٢٠١٩).

متابعة قراءة “الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة ٦ من ٩)”

المزار الشريف .. المؤلم!

هذا هو الفصل الخامس من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي

على بعد بضعة كيلومترات إلى الشرق من مطار مزار الشريف يقع مخيم سخي (أي كريم، وهو أحد أسماء الإمام علي فى أفغانستان).  عندما زرت المخيم البائس عقب سقوط الطالبان كان هناك نحو15000 نسمة معظمهم من الطاجيك. معظم الأسر الباشتون التي كنت قد التقيت ببعضها في آخر زيارة لي للمعسكر اختفت، خوفًا من ثأر قطاع الطرق والسفاحين من الطاجيك الغاضبين من الطالبان والعاجزين عن الانتقام من هؤلاء الطلبة الباشتون، وبالتالى ينتقمون من هؤلاء النازحين المساكين الذين ينتمون لعرقية الباشتون. مولاي محمد، 45 سنة، يقول إنه يريد العودة إلى قريته ولكن ليس لديه تكاليف السفر. “نحن في الشتاء الآن وليس هناك شئ في القرية، ولكن لو أعطيتمونا ما يكفي من طعام ووسيلة انتقال، فقد نعود أدراجنا”. بيد أن العديد من الأسر لم يكن لديها من الحبوب ما يكفي للزراعة في موسم البذار الذي سيحل بعد أسابيع، وهو ما جعلها أكثر اعتمادًا على الهبات والمساعدات، على الأقل لعام آخر. إنهم سجناء مخيم الإغاثة بمعنى ما. اشتكى محمد من أن عيادة المخيم ليس بها سوى أربعة أنواع من الأقراص لعلاج كل الأمراض، وليس لديها أي علاج للسل الذي يزداد انتشارًا. نتدثر بشيلاننا لاتقاء برودة الرياح. ليس هناك سوى القليل من الخشب للتدفئة، والصحراء هي ما تراه في كل الاتجاهات حول المخيم.

متابعة قراءة “المزار الشريف .. المؤلم!”

ضابط حر وسفير ووزير ودبلوماسي

اوضاع فيسبوكية — قراءة التاريخ مفيدة ومنها حكاية احد الضباط الاحرار الذي كان بين كبار المخططين ل “اقناع” مجلس الدولة بتغيير موقفه من الثورة. وطبعا عملية الاقناع هذه وصلت الى ضرب قضاة مجلس الدولة ومنهم عبد الرازق السنهوري (كتاب ياسر ثابت “قبل الطوفان”) وهذا الضابط الهمام صار في ١٩٥٣ مسؤولا عن تدجين نقابات العمال او جذبهم لصف الانقلاب او الثورة، وصار بعدها سفيرا للبلاد وصار وزيرا للاوقاف وظل يتفاخر حتى ٢٠٠٢ بانه تحدى عبد الناصر وان شعبيته كانت تضارع شعبية ناصر (اللقاء كله يستحق القراءة على الرابط https://www.albayan.ae/one-world/2002-07-17-1.1336611) وهذا الرجل عندما كان وزيرا سافر الى بيونس ايريس لاقناعهم ببيع قمح لمصر وهو يعرف قبل السفر انه لا قمح لديهم ولكنه سافر لهناك على اي حال – وفقا لمذكرات جميل مطر الدبلوماسي في السفارة “أول حكاية” (دار الهلال ٢٠٠٢).
وذُهل المسؤولون الارجنتيون لان الرجل طلب ما ابلغوا الحكومة المصرية قبلها بوضوح انه مستحيل لان لا قمح لديهم. ورفضت الأرجنتين الطلب المستحيل، فذهب الوزير الهمام (اللي بيضرب كراسي في الكلوب وبيكسر راس التخين) الى ضباط كبار في الجيش الارجنتيني وحرضهم على القيام بانقلاب على الحكومة. وابلغ الضباط حكومتهم، فاستدعت دبلوماسيا من السفارة المصرية وابلغته بقرار الحكومة ان يرحل الوفد عن بيونس ايريس في اليوم التالي. وعندما ابلغ الدبلوماسي المذهول الحكاية الى الوزير الغضنفر في عشاء دبلوماسي قهقه الوزير بصوت عال متباهيا بانه خوّف الحكومة الارجنتينية وربما اعتقد ان خلاص مصر ح يجيلها القمح. طبعا مصر ما جالهاش قمح والباشا فضل باشا لغاية ما كان احد القنوات المزعومة بين السادات والاخوان (على عهدة ماهر فرغلي نقلا عن مذكرات عمر التلمساني https://www.albayan.ae/one-world/2002-07-17-1.1336611) القضية ليست في العبث والاستهتار بل في تغليفه بمعلقات طويلة عن الوطن والتحرر والاستقلال والقانون والمؤسسات والبطيخ وهي صراعات باغلبها مافيوية قامت بهدم القليل المتبقى من الاسس الواهية للدولة الحديثة في مصر اعتبارا من ١٩٥٢.

متابعة قراءة “ضابط حر وسفير ووزير ودبلوماسي”