هيلا هيلا وهيلا هيلا هو … الزعيم والشتيمة في تظاهرات الثورات

نُشر في درج ٢١ اكتوبر ٢٠١٩

ارتجت ساحات لبنان تحت أقدام أكثر من مليون مواطن خرجوا إلى الشوارع، ليحتجوا على تردي الأحوال المعيشية وتفشي الفساد، ولكن ما زلزل مراكز السلطة والقوة الموزعة طائفياً في هذا البلد، كان في الأغلب قائمة منتقاة من الشتائم والسباب، انهمرت من دون انقطاع من حناجر المحتجين لتمزق هالة القداسة المحيطة بالقادة السياسيين وعائلاتهم، من الرئيس الجنرال إلى الشيخ رئيس الوزراء ومروراً بالأستاذ صاحب توكيل الأمل ونهاية بزعيم النصر الإلهي الذي لا منصب له ولكنه يهيمن على الحياة السياسية.

متابعة قراءة هيلا هيلا وهيلا هيلا هو … الزعيم والشتيمة في تظاهرات الثورات

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٩ من ٩)

نُشرت نسخة سابقة من هذه المقالة في صحيفة التحرير التي لم يعد ارشيفها متاحا على الانترنت بتاريخ ٢٢ ديسمبر ٢٠١٣

دعونا نكرر الأسئلة التى أفتتحنا بها هذه السلسلة من المقالات: لماذا تدخلت الولايات المتحدة فى ليبيا عسكريًّا لكنها تقاعست وتراجعت فى سوريا؟ لماذا انتقدت بشار الأسد بقوة فى ٢٠١١ و٢٠١٢ بينما تعاملت بحرص وأناة مع حكومة البحرين رغم استعمال القوة المفرطة ضد المعارضة واستقدام قوات سعودية لفرض السيطرة على البلاد؟ لماذا ترددت واشنطن إزاء مبارك وكانت صبورة للغاية فى ما يتعلق بعلى عبد الله صالح؟ لا شك أن حجم الانتهاكات التى يلجأ إليها أى نظام فى التعامل مع الاحتجاجات يلعب دورا فى تحديد السياسة الأمريكية، فقد كان عدد الضحايا والقسوة فى التعامل فى البحرين طوال الأعوام الثلاثة السابقة على ٢٠١١ أقل مما قد يحدث فى سوريا فى أسبوع واحد الآن، لكن الإجابة الجيدة على هذه الأسئلة تبدأ من بحث مجموعات العوامل الأربعة المختلفة التى تتصارع فيما بينها على تشكيل سياسة خارجية أمريكية وهى المصالح، والقيم، والقدرة على التدخل، والمواقف المتباينة لمؤسسات النظام الأمريكى. ولا يوجد ملخص لإجابات عن هذه الأسئلة، وعلى أى تناول جاد لها فى كل منعطف سياسى فى الشرق الأوسط أن يدرس تأثيرات قضايا النفط وإسرائيل والحرب على الإرهاب والتحول الديمقراطى وحقوق الإنسان، وأن يرى كيف تتقاطع كل هذه القضايا وأن السياسة الخارجية أيضا محكومة بسياق اوسع يتعلق بالدول الكبرى المجاورة (تحديدا إيران وتركيا) وسياسة واشنطن فى ما يتعلق بالصين وآسيا والوضع الاقتصادى الأمريكى.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٩ من ٩)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٨ من ٩)

مع حلول العاشر من فبراير ٢٠١١ كان التوجه واضحاً لمن يسيرون في اروقة الخارجية والبيت الابيض في واشنطن أو كبار رجال المؤسسات الأمنية في مصر والسعودية واسرائيل وهو أن على مبارك أن يرحل وأن الجيش سيكون ضامن مرحلة الانتقال التي ستكون لا شك مضطربة في مصر. وتنفس الجميع في هذه الأروقة بارتياح مشوب بقلق. كان بعضهم يرغب في بقاء مبارك وأجرى اتصالات هاتفية علت فيها الاصوات احيانا  من الرياض وتل أبيب مع كبار المسؤولين الأمريكيين وفقا لعدة تقارير الصحفية. ولكن أوباما ومستشاريه المقربين صاروا على قناعة تامة ان مبارك مات سياسيا منذ الثاني من فبراير والتحدي كان في كيف يساعدون في ادارة الفترة الإنتقالية.

اتفقت كل الاصوات في واشنطن وعواصم اوروبية على أهمية الحفاظ على تماسك وقوة الجيش المصري لأنه بات الضامن الوحيد لأمن البلد والمانع الوحيد من وقوع زلزال قد تتردد توابعه في المنطقة كلها وخاصة في اسرائيل وجنوب اوروبا والخليج. كل هؤلاء كانوا يخشون أربعة أمور محددة وفقا لحوارات اجريتها مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين: (١) أعمال العنف المدفوع سياسياً أو الارهاب (خاصة عبر الحدود)، (٢) التهريب (مخدرات وسلاح وبشر وخاصة لأسرائيل وجنوب اوروبا)، (٣) ان تصبح قناة السويس ممراً غير أمن للملاحة، (٤) والأسوأ قاطبة، وهو ان ينهار السلام المستقر بين مصر واسرائيل.  لم تكن عناصر هذا السيناريو الكابوسي مستبعدة جزئياً او سوياً خاصة ان معظم مؤسسات الدولة في مصر، وفقا لعشرات التحليلات الأمريكية والأوروبية المنشورة، تفتقر الى الحد المطلوب من التماسك بعد عقود من النخر المستمر في أسسها والتدخل في عملها من جانب المؤسسات الأمنية. ومع سقوط الشرطة (المؤقت) في اواخر يناير ٢٠١١ بات الجيش (أو على الأقل تم تصويره هكذا بنجاح في مصر وخارجها)  حائط الصد الأخير ضد الفوضى الشاملة.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٨ من ٩)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٧ من ٩)

(نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ١٥ ديسمبر ٢٠١٣ وللأسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

إن محاولة تفسير السياسة الخارجية الأمريكية عن طريق اللجوء إلى تفسيرات المدرسة الواقعية المسجونة في المصالح الاقتصادية البحتة والسيطرة السياسية المحضة وافتراض مشروع استعماري على الطراز القديم من السيطرة على بلدان المنطقة لن تساعدنا كثيرًا في فهم هذه السياسات. ولن يساعدنا أيضا افتراض أن الدول العربية أو شعوبها عاجزة طوال الوقت ومفعول بها تنتظر نتائج مؤامرة يكشف لنا تفاصيلها كل يوم صحفيون ومصادر سيادية يبدو أنهم لا يغادرون كراسيهم المثبتة أمام مواقع إنترنت تفتقر معظمها إلى المصداقية. لدينا في مصر وفي أي دولة عربية (فقيرة أو غنية نسبيًا على مقياس الدخل القومي) أدوات للدفاع عن المصالح القومية والوطنية ولكن مشكلتنا الأعوّص – بسبب غياب الديمقراطية والشفافية وتحكم فئات قليلة قوية في الموارد والسياسات– اننا نعجز عن بلورة هذه المصالح كما تراها اغلبية وازنة من الشعب وبنظرة طويلة الامد. وفي واقع الأمر انزلقت معظم الجمهوريات العربية في العقود القليلة الماضية إلى أنظمة عائلية لا مصلحة لها سوي استمرار العائلة أو الطائفة أو المجموعة الضيقة في السلطة بشكل صار معه غرض بعض هذه الدول ومؤسساتها الأمنية هو تنظيم السرقة والنهب المنظمين لموارد البلاد على يد الفئات والطوائف المسيطرة.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (٧ من ٩)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة ٦ من ٩)

(نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ١٠ ديسمبر ٢٠١٣ وللأسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام ١٩٧٩ يُنظر إلى الجيش المصري في واشنطن على أنه لاعب بارز في الاستقرار الاقليمي وحليف مهم. حافظ الجيش على استمرارية السلام مع اسرائيل بينما زادت نسبة المعدات والاسلحة والنظم الأمريكية في عتاد الجيش المصري مع مرور الوقت مقارنة بالاسلحة الروسية او غيرها مما يجعل النظم العسكرية المصرية قابلة للتشغيل المتزامن والاتساق مع مثيلتها الأمريكية في أي مناورات او عمليات عسكرية مشتركة (اتضحت فائدة هذا في حرب الخليج في ١٩٩١). وتعمقت علاقات قوية على صعيد التسليح والتدريب والتنظيم وتبادل الخبرات بين الجيشين المصري والأمريكي. واضافة للعلاقات العسكرية المتميزة (التدريبات المشتركة والمشاركة في حرب الخليج) فان لمصر اهمية عسكرية اضافية للولايات المتحدة تشمل اولوية العبور في قناة السويس لقطع البحرية الأمريكية وحق عبور الطائرات العسكرية في الاجواء المصرية ودور مصر في تهدئة الاوضاع مع حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام ٢٠٠٦ (ولعبت مصر هذه الادوار دون توقف في عصور مبارك والمجلس العسكري ومرسي ولا توجد أي تقارير عن اي تغير حدث فيها مؤخراً.) وبالتالي فان التسهيلات المصرية تلعب دورا مهما في مساعدة القوة العسكرية الأمريكية في الانتشار والوصول السريع لأهدافها. ويقول باحث في الكونجرس في حوار في واشنطن في ٢٠١٣ انه على مدى الأعوام العشرة السابقة “كان لدينا مائة الف عسكري في العراق وأفغانستان، وكان علينا نقل جنود ومعدات إلى ومن المنطقة، ولذا كانت اولوية العبور في قناة السويس وحقوق الطيران في الاجواء المصرية مهمة للغاية. فكر لثانيتين كم ان هذين التسهيلين محوريين لو قررت واشنطن مهاجمة طهران.” (دار هذا الحوار قبل تراوح العلاقات الامريكية الايرانية من إنفراجة بسبب اتفاق الرئيس أوباما مع ايران في يوليو ٢٠١٥ حول الرقابة على المنشأت النووية الايرانية ثم تصعيد وتوتر شديد بعد مايو ٢٠١٨ عندما الغي الرئيس ترامب الاتفاقية وتزايد التصعيد نحو احتمالات حرب في منتصف ٢٠١٩).

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة ٦ من ٩)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة ( الجزء 5 من 9)

(نُشرت نسخة اولى من هذا الجزء في صحيفة التحرير في ٨ ديسمبر ٢٠١٣ وللاسف فموقعها الالكتروني غير متاح. وقمت بتعديل بعض البيانات واضافة بعض التطورات اللاحقة)

رغم سنوات طويلة من القمع البوليسي المنهجي في تونس، لم تكن هناك بوادر على انفجار وشيك قريب. كان دعم نخبة رجال الاعمال والمؤسسات الأمنية وحلفاء غربيين اهمهم فرنسا لنظام بن علي يضمن له التغلب على العثرات المفاجئة من قبيل احتجاجات مناطق المناجم في الجنوب في عام ٢٠٠٨ او ارتفاع صوت المعارضين في الخراج. وسمحت السيطرة الكفؤة على وسائل الاعلام والمجتمع المدني دون فجاجة وشراسة علنية كما تفعل لبيا المجاورة من الصعب على اي مراقب توقع انهيار مثل هذا النظام الذي كان سوس الفقر المتزايد والفوارق المتصاعدة بين الأغنياء والفقراء والفساد الفاحش ينخر في عظامه. ولكن هذا النظام الواثق من بقائه للأبد تهاوي بعد اقل من اربع أسابيع في حريق شب في انحاء البلاد بداية من شعلة صغيرة اضطرم بها البائع المتجول محمد بوعزيزي النار في جسده في ١٧ ديسمبر ٢٠١٠.

قبل ايام من فراره من البلاد، الرئيس التونسي بن علي يزور البائع المتجول محمد بوعزيزي وهو يحتضر من جراء حروقه جسده الذي أضرم فيه النار احتجاجا على سوء معاملة الشرطة وابتزازها .
متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة ( الجزء 5 من 9)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الجزء 4 من 9)

(نُشرت نسخة أولى من هذه المقالة في صحيفة التحرير في ٥ ديسمبر ٢٠١٣ وللأسف لا يوجد للصحيفة أرشيف الكتروني متاح، وتم تحديث بعض المعلومات في هذه النسخة)

منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١، يجتمع أمن إسرائيل وحماية تدفق النفط الخليجي ومحاربة الإرهاب كلها تحت مظلة واحدة بالنسبة لفريق المدرسة الواقعية في وزارة الخارجية والدفاع الأمريكيتين وهي مظلة الاستقرار الإقليمي التي تضمن عمل أجهزة الأمن ضد أي عنف مسلح ومنظم قد يحمل في طياته مشروعا سياسيا مناونا للمصالح الأمريكية. ولضمان مثل هذا الاستقرار الإقليمي تغاضت الولايات المتحدة عن ممارسات نظم حكم عربية عديدة تميزت بالانتهاكات المنتظمة لحقوق المعارضين والأقليات إضافة إلى الفساد المنظم الذي حرم أغلبية الشعوب من أي ثمار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهيمنت وزارة الدفاع تدريجيا على وضع السياسات التفصيلية لتحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية الثلاثة مقارنة بوزارة الخارجية الأضعف والأقل أهمية. ويري فالي نصر، المرتحل بين أروقة الدبلوماسية وكلية الدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، أن دعم النظم الديكتاتورية الحاكمة في الشرق الأوسط كان دائما في القلب من سياسة الولايات المتحدة في المنطقة ولكن الأثار الجانبية لهذه السياسة بدأ يفوق العائد منها حيث افرزت هذه النظم ذات المشاكل التي كانت الولايات المتحدة تؤيدهم من أجل احتوائها في المقام الأول، فصارت النظم المكلفة بضمان الاستقرار هي منبع الاضطراب. وعلى سبيل المثال خرج معظم ارهابيو الهجمات على مركز التجارة العالمي وقيادات القاعدة من السعودية ومصر واليمن وليبيا والأردن.

هجمات ١١ سبتمبر ٢٠٠١ في نيويورك وراح ضحيتها نحو ٣٠٠٠ شخص
متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الجزء 4 من 9)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة 3 من 9)

( نشرت صحيفة التحرير نسخة سابقة من هذه المقالة في ٣ ديسمبر ٢٠١٣ وللاسف لم يعد هناك ارشيف الكتروني متاح لهذه الصحيفة)

هناك آلاف الكتب وأوراق البحث والمقالات الصحفية حول صناعة السياسة الخارجية الأمريكية، عن الخلافات الشخصية والمؤسسية بين وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، أو بين البيت الأبيض والكونجرس، أو بين وزارتي الدفاع والخارجية ومؤسسة الاستخبارات متعددة الاذرع، وكل هؤلاء المسؤولين في الحكومة يتعرضون لسيل لا ينقطع من الاتصالات من جماعات المناصرة والضغط الساعية في ممرات الكونجرس والوزارات أو من الصحافة والجامعات، وأخيرًا، من مظاهرات شعبية تخرج كل حين واخر من اجل قضية تهم السياسة الخارجية كما حدث في عام ٢٠٠٣ ضد الحرب الوشيكة آنذاك على العراق. ومن المفيد قراءة الصحف الجادة لنعرف تفاصيل الاحتكاكات والتداخلات بين الوزارات والوكالات المختلفة في العاصمة واشنطن، ولنعرف أسماء وتفضيلات وأولياء نعمة مئات من الكيانات والتجمعات والشركات والاف الافراد الذين يسعون كلهم للتأثير على السياسة الخارجية الأمريكية كل يوم، وكل ساعة.

احتجاجات امريكية عارمة ضد الحرب الوشيكة على العراق في شتاء ٢٠٠٣ امام الكابيتول هيل مقر الكونجرس الامريكي
متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة 3 من 9)

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة 2 من 9) من يصنع السياسة الخارجية الامريكية؟

(نشرت النسخة الاصلية للمرة الاولى في صحيفة التحرير في أول ديسمبر ٢٠١٣)

بعد شهور قليلة من اعلان الولايات المتحدة ان القدس المحتلة عاصمة إسرائيل، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن مرتفعات الجولان السورية صارت أيضا جزء من إسرائيل. ترامب يتشدق مثلما فعل من قبل ويكرر حجج السياسي المخادع وشبيهه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول ان الخطوة الامريكية ما هي إلا إقرار لأمر واقع. ولكن لماذا الآن ولماذا قبل أيام قليلة من زيارة مقررة سيقوم بها نتنياهو للبيت الأبيض؟ سيكون لقرار ترامب قيمة قانونية ما بشأن شرعية ومشروعية احتفاظ إسرائيل بالجولان ولكن أثره الأهم، وربما سبب صدوره المباشر، هو دعم نتنياهو وفريقه اليميني في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة خلال أسابيع. ولكن لا تخدعكم عشوائية ترامب وتويتاته بشأن تعقيدات ودوافع صنع السياسات الخارجية الامريكية طويلة الأمد وواسعة التأثير. يفضل صحفيون ومحللون تلفزيونيون تفسير السياسات الخارجية الامريكية بالتركيز على شخصية ساكن البيت الأبيض، فيتحدثون مطولا عن جنون ترامب وشطحاته، وهدوء أوباما وحساباته، ونزق بوش الابن، وطبيعة الجاسوس ومدير الشبكات السرية عند بوش الاب، وحب المظهرية والتمثيل عند ريجان ومثالية كارتر ورمادية فورد وانتهازية وحماقة نيكسون ووسامة ونزوات كينيدي … الخ. وربما لكل او بعض هذه السمات الشخصية دورا مهم ولكنها مجرد جزء ما من عمليات وسبل معقدة لتشكيل السياسة الخارجية  الامريكية تشارك فيها أجهزة تنفيذية ولجان تشريعية وشركات ضخمة للسلاح والطاقة وجماعات ضغط  وصحف ومنظمات  مجتمع مدني. ولا يعني وجود تفصيل معقد ان هناك استحالة في الفهم بل تشجيع وحث على الصبر والتأني. ولا يعني هذا أيضا ان السياسة الخارجية الأمريكية جميلة ومفيدة اكثر للعالم من سياسات الزعماء الديكتاتوريين في بلادنا المنكوبة بغياب أسس الديمقراطية والحريات العامة ولكنه يعني انها اكثر كفاءة وتعبر بصورة ادق عن رؤى تدخل في تشكيلها عدة مؤسسات وجماعات وافراد لتمثل ما يعتقدون سويا انه المصالح القومية لبلادهم.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (الحلقة 2 من 9) من يصنع السياسة الخارجية الامريكية؟

الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (1 من 9)


(نُشرت للمرة الاولى في صحيفة التحرير في شهر سبتمبر ٢٠١٣)

في تسع حلقات امتد نشرها من سبتمبر ٢٠١٣ حتى ديسمبر اواخر نفس العام عرضت نتائج دراسة قمت بها في نفس هذا العام عن دور الولايات المتحدة في قلب عواصف الربيع العربي. النتائج معروضة بشكل صحفي ولكن الدراسة الاصلية تقدمت بها كجزء من درجة الماجستير في مدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تفتس في الولايات المتحدة الامريكية. والآن بعد أكثر من خمسة أعوام تبدو لي المقالات طازجة، للاسف الشديد، وما زال يمكن الاشتباك معها والاستفادة منها او نقدها واتخاذها منصة للذهاب نحو فهم افضل واكثر تعقيدا للتحولات السياسية الامريكية في المنطقة، خاصة ونحن مقبلون على صفقة القرن المزعومة لتسوية القضية الفلسطينية. ولاعداد الدراسة اجريت مقابلات متعددة طوال عام ٢٠١٣ في الولايات المتحدة وتضمنت لقاءات مع صانعي القرار السياسي في الادارة الأمريكية وباحثين في مراكز تفكير وسياسات وصحفيين والاطلاع على الارشيف العلني لبيانات الحكومة ومواقف اجهزتها المختلفة في واشنطن، ولم اتوقف عن متابعة تطورات هذه السياسية منذ ذلك الوقت

مثل بقية العالم يدور جدل في منطقتنا حول دور الولايات المتحدة ودوافعها ونفوذها وتأثيرها علينا وعلى تطورات السياسة والاقتصاد في بلادنا. ويصبح الحوار حول هذه المسألة عادة جزء من الصراع السياسي المحلي بين الفصائل المختلفة في سيرك السياسة المنصوب عوضا عن ان يكون محاولة لفهم المواقف الامريكية ومحاولة استغلالها من اجل خدمة مصالح البلاد كما يراها كل فصيل، سواء كان هذا لزيادة حجم التبادل التجاري او تقليل الاعتماد على واشنطن عسكريا او نقل مزيد من التكنولوجيا الامريكية لبلادنا وصناعاتنا أوكيفما شاء كل فصيل وفقا لفهمه وتصوره لمصالح مصر او المنطقة. بالطبع عجزنا عن بلورة مصالح امن وطني او أولويات قومية تعبر عن قطاع واسع من المجتمع المصري هو في صلب مشكلتنا السياسية وينعكس بالتالي على ضبابية ولا معقولية سياستنا الخارجية او انحسارها في نطاقات ضيقة.

متابعة قراءة الولايات المتحدة والربيع العربي: الرقص على رمال متحركة (1 من 9)