الهزيمة المحتومة: سياق ووقائع حرب الايام الستة (الجزء الثالث)

نسخة محدثة ومنقحة، يونيو ٢٠٢٠


يتذكر كبار السن من المصريين والعرب، وخاصة في الخليج والمشرق، إذاعة صوت العرب في الستينيات وعملها من أجل نشر أفكار القومية العربية وفضح النظم “الرجعية العميلة للاستعمار”، لكنهم ربما لا يتذكرون الإذاعات والتصريحات الإعلامية الموجهة من السعودية والأردن وسوريا، والتي كانت تنتقد حكم عبد الناصر، وعجز مصر عن تحرير فلسطين ومواجهة إسرائيل. وتحولت هذه الانتقادات اللاذعة إلى حملات مكثفة للاستفزاز والشتائم والتجريس، وأوجعت القيادات السياسية في القاهرة، وأزعجت أحيانا واشنطن لخشيتها من أن تدفع المبالغة في هذه الحملات مصر وعبد الناصر إلى رد فعل قوي. لم تصدر هذه الحملات من السعودية والأردن فقط، بل شاركت فيها سوريا مشاركة فعالة ولسنوات بعد انهيار مشروع الوحدة مع مصر في عام ١٩٦١، كما شاركت فيها أنظمة عربية أخرى – بعض الوقت – مثل العراق، وكان لبنان في الأغلب مسرحا للصراع السياسي بالوكالة بعض الوقت وسوقا لبيع الصحف والأبواق الإعلامية لهذه النظم أو للنظام المصري طول الوقت.

أحمد سعيد، الإذاعي المصري الشهير، في محطة صوت العرب

المفارقة أن كل هذه الدول لم تكن تريد أن تحارب إسرائيل، بل تواصلت السعودية والأردن مع إسرائيل بأشكال مباشرة أو غير مباشرة خدمة لمصالحها أو للحصول على تطمينات وتبادل معلومات، ووصل الأمر للتعاون العسكري غير المباشر بين السعودية وإسرائيل لدعم الإمام محمد البدر في اليمن ضد الجيش المصري.[1]

وكانت البرامج المعدة خصيصا للنيّل من عبد الناصر تكرر وتعيد أن الزعيم المصري وجيشه يختبئان وراء قوات الطوارئ الدولية المرابطة في نقاط محددة حول القناة وفي شرم الشيخ جنوبا، وعلى حدود الهدنة وداخل قطاع غزة الفلسطيني الذي تديره مصر منذ ١٩٤٨، كانت هذه القوات الدولية، التي لم يزِد قوامها عن ٤٠٠ر٣ جندي من عدة دول،  منتشرة على الجانب المصري فقط من الحدود مع إسرائيل منذ أواخر  ١٩٥٦ في إطار ترتيبات إنهاء العدوان الثلاثي (الفرنسي الإنجليزي الإسرائيلي)، وتضمنت الترتيبات منح إسرائيل حق العبور الآمن في مضايق تيران نحو ميناء إيلات وكان تستورد نفطا إيرانيا وقسما من تجارتها العادية من هذا الطريق. وفي عامي ١٩٦٥-١٩٦٦، رست في ميناء إيلات ٥٠٠ سفينة استوردت ٥٤ ألف طن وصدرت ٢٠٧ ألف طن سلع مختلفة.

توزيع قوات الطوارئ الدولية في سيناء وغزة في مايو ١٩٦٧

وكانت السعودية والأردن بل وإسرائيل والولايات المتحدة كلها تعتقد أن مصر تفضل فعلا الاحتفاظ بقوات الطوارئ على الحدود، لأنها توفر ذريعة لعدم شن عمليات عسكرية ضد إسرائيل من الجانب المصري، كما أنها تحمي مصر من أي مغامرات إسرائيلية، واعتقد الأمريكيون أن عنف الانتقاد العلني من الإذاعات العربية الموجهة ساهم في دفع عبد الناصر لقرار التصعيد وطلب سحب القوات في ١٦ مايو بغض النظر عما إذا كان فعل هذا بنية التهويش أم كان يعتزم خوض الحرب فعلا.

أثّرت هذه الإذاعات الوالحملات الإعلامية الموجهة ولغتها الوضيعة على عبد الناصر خاصة، ولم يوفر الزعيم جهدا في مواجهة هذه الحملات وعلى نفس المستوى من البذاءة.

في خطاب له في فبراير ١٩٦٧ سبّ عبد الناصر قادة السعودية والأردن وسوريا وتونس مستخدما ألفاظا مقذعة ومتهما إياهم بالعمالة والخيانة والتجارة بالشعارات والدين، وستساهم هذه المقتطفات، الذي ينبغي للمهتمين الاستماع إليها للتعرف أكثر على قدرات ناصر الخطابية وتأثيره الفعلي، في إظهار وضاعة الحملات المتبادلة. 

باقرا إذاعة إسرائيل وإذاعة الملك حسين وإذاعة الملك فيصل ووكالات الأنباء، وتسمع إذاعة الأردن يقولوا يا جعانين يا اللى مش لاقيين تاكلوا .. ياللى مش فاهم إيه، وتسمع إذاعة السعودية بيقولوا إن المصريين الاشتراكية جوعتهم وعرتهم والاشتراكية عملت وسوت! وطبعا طول الليل والنهار الملك فيصل عمال يسب ويشتم.. الملك حسين.. ما هو بقى ملك فاجر.. عاهر الأردن – زى ما بيقولوا عليه الإنجليز – واخد الصنعة عن جده فى سنة ٤٨!

مقتطف من خطبة لعبد الناصر في فبراير ١٩٦٧

ولا يتوانى عبد الناصر عن اتهام السعودية والأردن وسوريا وتونس بأنهم أسوأ من الاستعمار ويضحون بكل شىء من أجل بقائهم في السلطة.

بورقيبة خرج وطالب بالتفاوض مع إسرائيل، والصلح مع إسرائيل، وهو بهذا كان يتبنى مخططات أمريكا، وبورقيبة كعميل استعمار قال إنه يعمل إنه شجاع ويطلع بهذه الآراء وتنشر عنه الصحافة الغربية ويستطيع بهذا أن يضمن عون أمريكا، إذن بدأت تصفية وحدة العمل ببورقيبة، ثم بدأ الملك فيصل يعمل من أجل الحلف الإسلامي .. حلف إسلامى لخدمة مصالح أمريكا وخدمة مصالح إنجلترا. وبعدين بيطلع الملك حسين وينضم إلى فيصل في هذا الطريق. همه بيشتغلوا بالدسائس، وهمه بيشتغلوا بالأموال، إحنا دعامتنا الأساسية كلامنا؛ إن إحنا نقف نتكلم وإذاعتنا تتكلم وصحافتنا تتكلم، مش دعامتنا الأموال ولا دعامتنا التآمر. الأمريكان زعلوا جدا، ليه زعلوا؟ إزاى نهاجم الملك فيصل، وإزاى نهاجم الملك حسين، وإزاى نهاجم إسرائيل؟ مطلوب مننا إن إحنا نحل هذه المواضيع بالديبلوماسية الهادية، ومفيش داعي إن إحنا نعلنها. طب يا جماعة والجماعة دول طب ما هم بيهاجمونا! بيهاجمونا في جرايدهم وبيهاجمونا في إذاعاتهم، إشمعني هذا الهجوم ما انتوش زعلانين منه؟‍! إذا إحنا هاجمناهم تزعلوا، إذا هم هاجمونا تتبسطوا! معنى ده إيه؟!

من خطبة الرئيس عبد الناصر في فبراير ١٩٦٧

وأقر وزير الخارجية المصري –آنذاك- محمود رياض أن هذه الإذاعات الموجهة أثرت كثيرا على عبد الناصر، خصوصا “بادعائها المتكرر أن ناصر يحتفظ بقوات الطوارئ في سيناء ليبرر تقاعسه عن نجدة الفلسطينيين كما كانت البرامج في الإذاعات التابعة للسعودية تجتزئ من حديث لناصر قوله لمجموعة من الفلسطينيين إن مصر لن تعيد لهم وطنهم السليب.”[3]

كان عبد الناصر يتحدث كثيرا في مؤتمرات شعبية وامام
مؤسسات الدولة والصحافة ويحتفظ أحد المواقع بنحو ١٤٠٠
خطبة له أو بمعدل ٧٥ خطبة سنويا بين ١٩٥٢ و ١٩٧٠

كان هذا مستوى الخطاب بين الزعماء العرب، وهو مما ساهم في إذكاء الغضب والكراهية المتبادلة بين الحكام وقطاعات من شعوبهم وبعضهم البعض في نفس الوقت الذي كانوا فيه جميعا يتشدقون بأهمية الوحدة العربية والعمل المشترك. واقتات هذا الخطاب على عجز هذه الأنظمة عن خلق علاقات تعاون في حدها الأدنى وانشغالها المطلق بدوافع الحفاظ على أمن الأنظمة وبقائها في السلطة بالدرجة الأولى، وهو أمر كان يهدده بالنسبة للرياض وعمّان، على الأقل، مساعي ناصر لنشر الثورة وشعاراته القريبة من الاشتراكية والمعادية للحكم الملكي وطرد كل ما تبقى من آثار للنفوذ البريطاني.

فيه ناس قالوا بورقيبة ده ملحوس، يعني الواحد ما يحاسبوش على كلامه، وده ساعات بتيجي له لحسه ويطلع بيقول أي كلام، وأنا فعلا بعد بورقيبة ما اتكلم، قلت استنى شوية، والراجل ده معروف إنه راجل عصبي وساعات بيقول أي كلام، لكن بورقيبة أكد هذا الكلام. باين إن هو واحد بيقول شكل للبيع! وأنا عايز اتخانق معاكم، قلنا له خلاص إذا كنت عايز تتخانق معانا بنتخانق معاك وبنقول رأينا فيك بصراحة، والرأي إن اللي بيقول هذا الكلام لازم يا يكون اليهود اشتروه، يا الأمريكان اشتروه، يا إما يكون اتلحس أو اتجنن. لا يمكن أن نفصل الرجعية العربية بأي حال من الأحوال عن الاستعمار، عن إنجلترا، عن أمريكا؛ الموجه أمريكا، وإنجلترا فى جيب أمريكا، والتلاتة خدام لأمريكا وخدام لإنجلترا: ملك الأردن، ملك السعودية، والخواجة بورقيبة، التلاتة ماشيين لتحقيق أهداف الاستعمار، اللي بيرتب واحد، والخبر اللي تذيعه إذاعة السعودية، بعد يومين يذيعه بورقيبة، التعليق اللي تذيعه إذاعة السعودية بعد يوم يذيعه بورقيبة، وبعدين بيذيعه الملك حسين، وباين إن المخابرات الأمريكي بتشتغل معاهم هم التلاتة، وبتنسق بينهم هم التلاتة.”[2]

من خطبة الرئيس عبد الناصر في فبراير ١٩٦٧

في نهاية الأمر كان ناصر ومن حوله، خصوصا هيكل، يرون في السعودية والأردن أنظمة حكم ساهم الانجليز في خلقها وبقائها في مطلع القرن وظلت على علاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع انجلترا. ومع تراجع الإنجليز والفرنسيين للخلف كدول استعمارية تفرض مصالحها بالقوة على الأرض لصالح الهيمنة والقوة الأمريكية المتمددة شيئا فشيئا عن طريق الاقتصاد والسياسة، فقدت الحركة الوطنية التي قادت السياسة في العالم العربي منذ أوائل القرن العشرين زخمها، ولم تعد بحلول منتصف الستينيات سوى شعارات فارغة في أعين مؤسسات الدولة وأجهزة أمنها، حيث يعرف المعنيون بالأمر أن المشاعر الوطنية والقومية صارت فعليًا في مرتبة أقل بكثير من المسائل المتعلقة ببقاء وتأمين النظم العسكرية والملكية، الرجعية والثورية على حد سواء، وحمايتها، ليس من الاستعمار وأجهزة مخابراته فحسب، بل من جيرانهم، وحتى من شعوبهم ومن بعض ضباط جيوشهم نفسها التي بدأت في التذمر أو في موجة الانقلابات العسكرية التي شملت السودان (١٩٥٨) واليمن (١٩٦٢) وسوريا (١٩٦٣) والجزائر (١٩٦٥)  والعراق (١٩٥٨ و ١٩٦٣).


وتسارعت الأحداث في ربيع ١٩٦٧.

كان الأردنيون قد ساهموا على مدى سنوات في تهييج الرأي العام ضد عبد الناصر بشدة واتهموه بالتقاعس عن المواجهة مع إسرائيل، حتى أدركوا أن هذا الموقف قد يؤذيهم، فتوقفوا في حوالي ٢١ مايو بعد طلب مباشر من واشنطن التي خشت أن هذه الحملات التشهيرية، التي لابد كانت تعجبها بعض الشئ قد تدفع الأمور لمنزلقات وعرة يصعب السيطرة عليها. كان ربيعا ساخنا في الأردن تزايد فيه الضغط الداخلي من شعب ثلثاه فلسطيني الهوية والانتماء داعما لنداءات وتحركات عبد الناصر لكبح جماح إسرائيل ومنعها من ضرب أي دولة عربية. وكانت المملكة الأردنية الهاشمية رغم مرور ٤٥ عاما على نشأتها آنذاك، وربما ما زالت، دولة تعاني من ضعف اقتصادي هيكلي وتعتمد على دعم ورعاية مصالح رعاة غربيين في لندن وواشنطن. وطالما سارت عمّان بمهارة، يعود الفضل فيها للملك حسين والنظام السياسي المنفتح نسبيا، على حبل مشدود. من ناحية كان هناك الضغط المستمر من اغلبية من سكان الأقليم الراغبة في العودة لوطنها السليب، ومن ناحية اخرى كان هناك عدو شرس وتوسعي لم يتوقف عن الحلم باحتلال القدس والسيطرة على ما صار يسميه يهودا والسامرة أو الضفة الغربية، التي كانت كلها حتى يونيو ١٩٦٧ أراض خاضعة لسيطرة الأردن. وكان النظام الاردني عاجزا عن مصارحة شعبه بحقيقة قدراته العسكرية والاقتصادية وتنغص عليه الحملات الاعلامية القادمة من اذاعة صوت العرب لأنها تؤجج مشاعر الفلسطينيين اللاجئين في الأردن. كان القصر الملكي يعلم بناء على خبرة السنوات الماضية أنه قد يخسر نصف الأراضي التي يسيطر عليها في أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل، ولذا كان حنقه على ناصر كبيرا لأنه الزعيم المصري الذي كان يداعب أحلام وأمال كل الفلسطينيين، بل والعرب الطامعين في استعادة الشعور بالكرامة والقوة.

وشكا مسؤولون أردنيون – آنذاك – للسفير الامريكي فندلي بيرنز أنهم لا يستطيعون تحمل مزيد من الضغط الشعبي، وأن صورتهم في العالم العربي كحليف للولايات المتحدة صار ثمنها أبهظ مما يمكن تحمله، وبدأ الأردنيون في أواخر مايو النظر في خطوات محددة، وفقا لتقرير أرسله بيرنز إلى واشنطن، ومنها “استضافة قوات عربية، مع ضمان أن تكون هذه القوات سعودية أو عراقية، وليست مصرية أو فلسطينية.”

ويقول السفير الأمريكي في عمّان إنه كان متوجها للقاء رئيس الوزراء الأردني سعد جمعة في العشرين من مايو، وبعد أن دخل مكتبه وجد عنده الملك حسين ونائب القائد العام للجيش الجنرال الشريف ناصر ورئيس الأركان عامر خماش. وكان الأردنيون قلقين من أي انفجار للأعمال العسكرية سيورطهم حتما، وقال بيرنز: “هم لا يرغبون في المشاركة في أي أعمال عسكرية، وأبلغني الملك أنه قرر عدم تنظيم عرض عسكري في مطار القدس حتى لا يستفز الإسرائيليين في القدس الغربية فيما يبدو. والقلق الأردني الأشد هو أن يطلب عبد الناصر مساعدتهم إذا قرر إغلاق خليج العقبة ويحاول وضع قوات مصرية في ميناء العقبة الأردني.”

كان عبد الناصر قد أعلن سحب قوات الطوارئ الدولية، لكنه لم يقرر بعد غلق مضايق تيران وخليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، وأوضحت برقية من واشنطن موجهة إلى السفير بيرنز في عمّان أن “إسرائيل أبلغتنا أن راديو رام الله –الأردني- في نشرة أخبار الظهيرة اليوم وفي التعليق الإخباري هاجم القاهرة وتحدى المصريين أن يظهروا جديتهم عن طريق إغلاق خليج العقبة.. إذا كان هذا التقرير صحيحا يجب أن تؤكدوا لرئيس الوزراء جمعة والآخرين أن هذا التحريض والخط الإعلامي الخطير يمكن أن يؤدي إلى تدهور الأوضاع، وفي الموقف المتفجر الراهن، فإن مثل هذه الأنشطة في مؤسسات المملكة الأردنية تتصف بالرعونة ويجب إيقافها.”[4]


بين الثورة والاستقرار: “الملك حسين بيعيط هو وأمه

كان عبد الناصر مؤمنا بحتمية وأهمية الوحدة العربية، ويعتقد أن مصالح الشعوب وثقافتها المشتركة تعلو فوق الأنظمة السياسية والاجتماعية الحاكمة لها، وربما كان يرى في نفسه الزعيم الموّحد للأمة والملهم لها، خصوصا في النصف الثاني من الخمسينيات وبعد إحرازه عدة نجاحات متتالية في وجه الإنجليز والإسرائيليين والفرنسيين، بل ومناوشاته الدبلوماسية مع الأمريكيين.

كان عبد الناصر قد وطد مكانة عالمية عن طريق حركة عدم الانحياز بداية من عام ١٩٥٥، وهو نفس العام الذي تم فيه القضاء على كل منافسيه داخليا من الإخوان المسلمين وحتى بقايا حزب الوفد وكبار ملاك الأراضي. كان فقر مصر وضعفها العسكري النسبي يغلّ طموحات عبد الناصر، الذي لابد أنه، ومن حوله، كانوا يتحسرون على افتقارهم إلى ثروة نفطية، وجاءت الوحدة مع سوريا خطوة لم يسع إليها ناصر من أجل اختبار فرضيات القومية العربية، لكن انهيارها السريع ثم تورطه في حرب اليمن ونهاية فترة الانتعاش الاقتصادي في منتصف الستينيات كلها، جعلت الرجل أكثر استعدادا للمقامرة وأكثر غضبا على الولايات المتحدة التي رأى أنها العقبة الرئيسية في وجه مشروعه التاريخي.

بيد أن أحلام ناصر وطموحاته بذاتها بدأت تتفكك في أوائل الستينيات. وجه تفكك الوحدة السورية المصرية الهشة في ١٩٦١ ضربة قوية للمشروع الناصري، وآمال القوميين العرب عموما، ويقول السياسي المصري سيد مرعي إنه لكي نفهم قرارات وتحركات عبد الناصر في ١٩٦٧ “يلزم أن نعود إلى عام ١٩٦١ وتفكك الوحدة مع سوريا، والتي صار عبد الناصر بعدها منشغلا للغاية بهيبته وسمعته في العالم العربي.” ويتفق زكريا محيي الدين، الذي يرى أن قرار دعم ثورة المشير السلال في اليمن أتت من نفس المنطلق، حيث “بالنسبة لعبد الناصر كانت ثورة اليمن هدية من السماء ليتمكن من استعادة نفوذه وهيبته”.[5]

ولكن النظرة الى حرب اليمن وسط بعض الشباب المصريين غير المنخرطين في دوائر السياسة الضيقة كانت بعيدة كل البعد عن هذه الاحلام والاوهام الاستراتيجية. في كتابه، “خطوات على الأرض المحبوسة” الذي وضعه في شكل روائي يقول محمد حسين يونس أن البطل لم يفهم سؤال قائد الكتيبة بشأن التطوع للذهاب لليمن ورد قائلا:” ولماذا!؟ ليس لدي أولاد في سن الزواج أو زوجة مريضة أريد علاجها أو منزل لم يتم بناؤه واريد استكمال.” وسافر البطل لليمن حيث تعلم “كيف أصبح الاهتمام الأكبر للرجال هو جمع أكبر قدر من الأموال من خلال بدلات السفر وتهريب العملة واستجلاب البضائع المستوردة .. وكيف انحطت الكفاءة القتالية للجيش.” (“صفحات على الأرض المحبوسة”، دار المستقبل العربي، ١٩٨٣، ص. ١٤)

ولابد أن عبد الناصر ورفاقه من المعسكر الثوري العربي نظروا بحسرة وغضب إلى كبرى الدول العربية المنتجة للنفط، والتي قارب دخلها في عام ١٩٦٥ ألفي مليون دولار سنويا، وفي مقدمتها دول تقود معسكر “الرجعية” مثل السعودية والكويت. وفي ذلك الوقت بدأ موسم الهجرة العربية إلى الخليج، حيث انتقل مئات الآلاف من السوريين والفلسطينيين واللبنانيين، ومعهم افكار ناصر والبعث وأحلام الفلسطينيين في استعادة وطنهم، بينما بدأ في نفس الوقت عمل السعودية الدؤوب على استغلال ثروتها في مكافحة كل تلك الافكار “التقدمية والثورية” التي كانت ترغب في أن يستغل العرب نفط العرب من أجل حل مشاكل العرب بزعامة ناصر.

بالنسبة للخليج كان هذا نفطهم ويمكن أن يعمل مهنيون (أطباء ومدرسون ومحاسبون ومترجمون) عرب من دول أخرى لديهم، لكنهم لا يريدون انتشارا للأفكار الثورية في بلادهم، ولا يرغبون في أي تورط عسكري، ولا سيما وأن أمن الأنظمة والحكومات الناشئة في تلك المنطقة كان هشا، بل ومعتمدا في الأساس على مظلة تمدها لندن وواشنطن. وهكذا بات عبد الناصر وأفكاره وما اعتقدوا أنه محاولته للسيطرة على ثرواتهم، مشكلة رئيسية تؤرق هذه الأنظمة.[6]

آمن عبد الناصر أن الأمريكان خلف المحاولات العربية الحثيثة لمحاصرته عن طريق الأحلاف أو الضغط باستعمال صفقات القمح والمساعدات الاقتصادية، وزاد توجسه بعد رحيل الرئيس كنيدي وزيادة وتيرة التشهير بناصر وسياساته في الإذاعات العربية الموجهة، وفي خطابه في عيد العمال في ٢ مايو ١٩٦٧ قال: “الملك فيصل والملك حسين بيشغلوهم الأمريكان وبيشغلّوهم الإنجليز، والإنجليز طبعا وأمريكا أيضا قرروا من الأول في المرحلة الأخيرة إنهم ما يدخلوش مع الأمة العربية ولا الثورة العربية في مواجهة، لكن يدخلوا عن طريق العملاء، ولقوا عميل من الأسرة الهاشمية، وعميل في المملكة العربية ومشيوا معاهم، خطة أمريكا كانت إنها توجههم، وفي نفس الوقت مبنية على إن إحنا نسكت.. طيب هل ننفذ لها خطتها ونسكت؟ مش ممكن ننفذ الخطة ونسكت”

خطاب عبد الناصر في عيد العمال في ١٩٦٧

ولم يقبل عبد الناصر ومؤيدوه قط أن عداء الأسرتين الملكيتين، السعودية والهاشمية، ينبع إلى حد كبير من مصالحهم الخاصة وليسوا كعملاء لواشنطن ولندن. كانت سياسة النظام المصري الخارجية الثورية خصوصا في سوريا والعراق واليمن، تمثل تهديدا لأنظمة الحكم هذه نفسها. لم يحتاج الملكان، حسين أو فيصل، لتشجيع أو عمالة أمريكية فقد كان عدائهما لعبد الناصر نابعا من مصالحهم الشخصية المباشرة، حيث كان الزعيم المصري ينخر بلا هوادة في أسس شرعية هذه الأسر الحاكمة. وكان ناصر، الذي وعد بمساعدة أي دولة عربية تواجه هجوما إسرائيليا، لاذعا في انتقاداته للملكين فيصل وحسين:

والخطة الامريكية الانجليزية دعاية في العالم العربي .. ويقول بقه ان عبد الناصر ضد الاسلام وضد الدين … وفيصل يطلع .. فيصل طبعا بيتكلم على الدين ببقه، وقلبه ما فيه أي دين، ولا فيه أي حاجة. كلام يعني وتمثيل، ويطلعوا الناس ويوزعوا كتب، كتب ورق حلو. أنا باقرا الكتب دي، وبييجي لي نسخ منها، ورق جميل وطباعة كويسة جدا، وكله شتيمة. والله هذه الأمور ما هياش جديدة علينا، ياما اتشتمنا قبل كده، وياما اتقال علينا قبل كده، وكان علينا محطات إذاعة لا أول لها ولا آخر.. تطلع إذاعة.. طبعا إذاعة الملك حسين بتشتغل للمخابرات الأمريكية للـ سي آي أيه، لأن هو الملك حسين نفسه بيشغل فى ال سي آي أيه … بتطلع الإذاعة، ويشتموا بقى كلام سافل وكلام وسخ، وطبعا أنا باقرا الكلام اللي بتقوله إذاعة الملك حسين واقول كلام عيال ولا الواحد يعبره بحاجة … ما هو مش معقول طبعا أرد على العيال دول، لأن يعنى آخرتهم معروفة، وأنا وهمه والزمان طويل! مش ح نسكت.

من خطبة الرئيس عبد الناصر في عيد العمال، أول مايو، ١٩٦٧

ثم يصل ناصر لبيت القصيد، والذي ربما كان أحد أسباب بعض تحركاته التالية خلال أسابيع للضغط على إسرائيل عقب تقارير عن حشود قرب الحدود الصهيونية مع سوريا:

أيام ما حصل العدوان الإسرائيلى على سوريا (كان يقصد هجوما جويا إسرائيليا اسقط عدة طائرات سورية في المجال الجوي السوري قرب دمشق وذلك في اعقاب قصف مدفعي سوري) طلعت إذاعة العيال في الأردن، إذاعة الملك حسين تقول إيه؟ إن اتفاقية الدفاع المشترك مع سوريا ما اتنفذتش، والملك حسين زعلان بقى وبيعيط هو وأمه على الاتفاقية إنها ما اتنفذتش.. جرى إيه؟ إيه الحكاية؟‍! محزنة في الأسرة الهاشمية في عمّان.. إيه الحكاية؟ قالوا مصر ما قامتش تساعد سوريا.. الملك حسين هو وعيلته زعلانين قوي، وطيب خدوا بقى موضوع للدعاية، وإزاي مصر.. طيارات مصر ما راحتش تساعد الطيران السوري.. طبعا معروف إن الطيارات المقاتلة مداها محدود، وطياراتنا المقاتلة ما توصلش إلى حدود سوريا … إحنا عملنا اتفاقية دفاع مع سوريا، وقلنا إن إحنا مستعدين … إن إحنا ننفذ هذه الاتفاقية وبنقف مع سوريا، وبنقف مع الشعب السوري.. الشعب السوري زي الشعب المصري، وأي شعب عربي زي الشعب المصري، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إن إحنا نفرط في هذا، لكن إذا حصل اشتباك في الجو بين سوريا وإسرائيل ما نقدرش نطلع من مصر نساعد. … الطريقة الوحيدة عشان نساعد سوريا إن يكون لنا طيارات في سوريا ومن أول ما وقعنا هذه الاتفاقية قلنا لاخواننا السوريين احنا مستعدين لأي مساعدة، إذا عايزين طيارات أو عايزين طيارين .. واخواننا السوريين قالوا إن عندهم كفاية ولهذا اطمأنينا

من خطبة عبد الناصر في اول مايو ١٩٦٧

وينتهي عبد الناصر إلى القول إن العاهل الأردني يجب أن يرحل أو “يطير” لأنه: “بيبص لنا إحنا كأعدائه، وبيبص لإسرائيل كأصدقائه، وإسرائيل بتقول إنها لا توافق على تغيير النظام اللي موجود في الأردن – اللي هو نظام الملك حسين – والثوار العرب بأفكارهم الثورية ونداءاتهم الثورية لازم بيطير الملك حسين، يبقى بالطبيعة أن الملك حسين قلبا وقالبا بيكون موجود مع إسرائيل.”[7]

وتطورت الأحداث بعد خطبة ناصر في عيد العمال سريعا، حتى أوقف الأردن كل الحملات الدعائية ضد مصر، بسبب الضغط الشعبي، واستجابة أيضا لنصائح السفير الأمريكي الذي ابلغ واشنطن في ٢١ مايو ١٩٦٧ أن رئيس الوزراء جمعة “استدعى وزير الإعلام في وقت مبكر صباح اليوم وابلغه أنه يتعين على الصحافة والإذاعة الأردنية من الآن فصاعدا الامتناع عن حث ناصر على شن أعمال عسكرية ضد إسرائيل أو أغلاق خليج العقبة.”[8]

 وأضاف السفير في تقرير بعد يومين أن الأردن توقف عن دفع “ناصر إلى مهاجمة إسرائيل وإغلاق خليج العقبة بسبب رغبة الأردن في عدم إثارة غضب ناصر في الوقت الحالي.. حكومة الأردن تشعر بضرورة أن تتخذ خطوات تهدف -على الأقل ظاهريا- إلى إنهاء عزلتها والانضمام إلى صفوف الدول العربية الأخرى خصوصا مصر، ويعتقد المسؤولون الأردنيون أن ناصر استعاد هيبته بصورة درامية بسبب تطورات الأحداث في الأيام الأخيرة.” [9]

توقفت الحملات الدعائية الأردنية الداعية لإغلاق خليج العقبة وحرمان إسرائيل من استعمال مينائها الوحيد في البحر الأحمر، في اليوم ذاته الذي قام فيه عبد الناصر بهذه الخطوة نفسها، وبات الملك حسين مجبرا على الدخول في حرب طالما دعت إليها أجهزة إعلامه وتحاشاها هو وجيشه عارفا أنه سيخسرها بسبب ضعفه العسكري. ودعا الملك حسين إلى حرب لإنه كان يعتقد أن هذه الدعوة قد تحرج ناصر الذي كان من وجهة نظر عمّان يتحاشى حرباً قد يُهزم فيها، لكن معظم الشعب الأردني الفلسطيني الأصل كان يريد حربا بحق على أمل أن يضع نهاية لمأساة تدخل عامها العشرين. وهكذا أضطر الملك حسين للقفز في قارب الحرب متأخرا حتى لا يخسر على كل الجبهات، فوصل القاهرة في نهاية شهر مايو ليعقد معاهدة دفاع مشترك مع مصر بعد أسابيع قليلة من إهانات مقذعة وجهها له الرئيس عبد الناصر.

ظاهريًا توحّد الصف العربي قبل الحرب بأيام قليلة، على الأقل تحت تأثير الدعم الشعبي المتصاعد لموقف عبد الناصر، الذي أدى إلى تصاعد الضغط على عمَّان والرياض. ففي 21 مايو طردت دمشق اثنين من الدبلوماسيين السعوديين وسط اتهامات للرجعية العربية. ثم انفجرت سيارة مفخخة في الرمثا بالأردن قرب الحدود السورية، فقتلت 21 أردنيًا وجرحت نحو 15 آخرين. اتهمت عمَّان دمشق بتورط أجهزة مخابرات سورية في حادث الرمثا، وطردت السفير السوري واستدعت القائم بالأعمال الأردني من دمشق. لكن سريعًا، وتحت الضغط، عدّلت عمّان والرياض المسار، ودعت الرياض العالم العربي كله إلى الاحتشاد خلف دمشق والقاهرة. ساهم هذا التوحد شبه الإجباري (إذ لم تغيّر الأردن والسعودية مواقفهما الأصلية المعادية لسياسات عبد الناصر في اليمن وللعمل الفدائي الذي بات يهدد استقرار الأردن كدولة) في تعميق حدة الانتقادات الإسرائيلية لرئيس الوزراء والضغط عليه للتحرك عسكريًا لإجهاض الضربة المصرية المتوقعة.

الملك حسين والرئيس عبد الناصر في القاهرة ٣٠ مايو ١٩٦٧

وحضر الملك حسين الى القاهرة في زيارة مفاجئة يوم ٣٠ مايو ومعه رئيس الحكومة سعد جمعة رئيس الأركان اللواء عامر قاسم وقائد الطيران اللواء .صالح الكردي، واطلع خلال لقائه مع عبد الناصر على نص معاهدة الدفاع المصرية السورية ووقع على معاهدة مماثلة ويقول الملك في مذكراته “حربنا مع اسرائيل” انه اكتفى بقراءة سريعة لهذه المعاهدة “وقلت لبعد الناصر اعطني نسخة اخرى لنضع كلمة الأردن محل كلمة سوريا، وينتهي الأمر، ووافق عبد الناصر ووقعت … ودخل علينا عبد المنعم رياض مساعد رئيس هيئة اركان حرب القيادة العربية الموحدة ليدير العمليات الحربية في الأردن، وعند عودته إلى عمّان صار علينا أن نحاول الإرتجال ردًا على العمليات العسكرية الاسرائيلية المتوقعة ، فلم يكن للعرب خطة عمليات موحدة.”

وانضم رياض إلى نائب رئيس الجمهورية زكريا محي الدين ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء أمين هويدي في وفد قام بزيارة الكويت والعراق وسوريا والجزائر من ٣١ مايو حتى الثاني من يونيو. وأيد المسؤولون في كل هذه البلاد موقف القاهرة ووعدوها بالمساعدات بل وقال الرئيس الجزائري هواري بومدين أن الوقت قد حان “لإزالة رأس الدبوس” أي اسرائيل، إلا أن “عدم الثقة المتبادل كان أعمق من ان تزيله التهديدات القائمة، كما ظهر أيضا أنه لا جدوي حقيقية لهذ النوع من التنسيق الذي يتم بشكل عابر وبلا تخطيط مسبق. (أمين هويدي، “حرب ١٩٦٧: أسرار وخبايا”، ص. ٦٥).


فيصل وحسين و”الملحوس” وشاه إيران أدوات في يد أمريكا

ورغم أن عبد الناصر كان يركز في شتائمه على الزعماء والقادة العرب فيما كان يسميه بالنظم الرجعية، حتى أواخر مايو عندما لاحت نذر الحرب جدية واصطفت الحكومات العربية ورائه، فإنه كان يرى يد واشنطن فوق أيديهم. ويختتم الزعيم المصري خطاب عيد العمال المهم في ١٩٦٧ قبل خمسة أسابيع من هزيمة يونيو، مشيرا إلى الخطة الأمريكية الكبرى التي تقف وراء كل هذه النظم ووراء إسرائيل:

“المعركة اللي إحنا بنحاربها معركة مش سهلة .. معركة كبيرة ومعركة تقودها أو تشارك فيها أمريكا؛ أكبر قوة في العالم، والحقيقة إن معركتنا ماهياش مع فيصل ولا مع حسين، ولا مع الملحوس بورقيبه.. أبدا بأي حال من الأحوال، ولا مع شاه إيران، دول كلهم أدوات.. أدوات بيشغلّوهم الأمريكان.”[10]

خطبة عبد الناصر في عيد العمال، أول مايو ١٩٦٧

وجاءت خطبة ناصر في نفس الوقت الذي نشر فيه هيكل سلسلة مقالات في الأهرام تنتقد أمريكا وتتهمها بالوقوف خلف مشاكل مصر. وكان ناصر وهيكل يعبران عن نظرية منتشرة بين كبار رجال الحكم في مصر، مدنيين وعسكريين، وكررها عدد منهم في كتبه ومذكراته، ومثلما هي المشكلة في الخطبة كانت المشكلة في هذه المقالات وهذه النظرية عموما هي: كثرة القفزات اللامنطقية من مقدمات معقولة لنتائج لا معقولة، مط الحقائق ولوي عنقها، الافتقار للمعلومات والأدلة، إهمال التفاصيل وتعقيدات بعض المواقف الدولية وتفضيل وجهة نظر ثنائية ربما تأثرا بالحرب الباردة تصبح معها أمريكا ضدنا على طول الخط، إن لم تقف جانبنا طول الوقت.

وكانت واشنطن وعدد وافر من كبار مسؤوليها في إدارة جونسون، تقف منذ أواخر ١٩٦٣ ضد سياسات مصر الخارجية، خصوصا في اليمن وتجاه السعودية وإسرائيل والأردن وفي أفريقيا، لكن ليس طوال الوقت، ولا توجد أي أدلة معقولة أو موثقة على أن جونسون نفسه وافق على أو سعى إلى اغتيال ناصر أو أنه منح إسرائيل ضوء أخضر لضرب مصر. كان هناك شعورًا معاديًا لناصر بين بعض كبار المسؤولين الأمريكيين المؤثرين على رسم السياسة الخارجية، لكن السياسة الرسمية للحكومة تجاه النظام الناصري كانت تقوم على الحياد بمعنى أنها غير معنية بما يحدث داخل مصر ومن يسيطر على السلطة فيها طالما كان الوضع مستقرا. وتركزت خلافات واشنطن مع القاهرة على سياسات مصر الإقليمية و“مغامرات ناصر في الخارج، خصوصا أنشطته في شبه الجزيرة العربية”.[11]

سعت سياسات مصر تحت حكم ناصر لتثوير الوضع القائم في المنطقة، بل والعالم، بينما رغبت امريكا معظم الوقت في الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط ومنع دخول الاتحاد السوفيتي له، وعاش الطرفان فترة وفاق صارت هشة مع رفض واشنطن تزويد مصر بأسلحة طلبتها، ورغم التدخل الأمريكي الذي ساهم بشكل رئيسي في إخراج مصر من براثن العدوان الثلاثي في ١٩٥٦، جاء اعتراف مصر بالصين ومعارضة واشنطن لتمويل البنك الدولي للسد العالي ليحطم الآمال الوليدة في بناء علاقات ودية.

وفاقم من التوجس المشترك إقرار مبدأ ايزنهاور للعمل ضد الدول الشيوعية وحماية الدول المحافظة، والذي في ضوئه نظرت واشنطن بمزيد من الشك والارتياب لدعم مصر للقوى الثورية في المنطقة ضد نظم محافظة في العراق ولبنان والسعودية، وكانت فرصة القاهرة وواشنطن الأخيرة هي وصول كنيدي للحكم في ١٩٦١ والعلاقة الودية التي نشأت بينه وبين ناصر، لكن الأشخاص بمفردهم لا يحركون التاريخ، إذا لم تكن هناك تغيرات حقيقية في المؤسسات والسياسات التي خلقت التوتر الأساسي في العلاقات.

ساهم وجود كنيدي في تغاضي واشنطن طوال سنتين عن التدخل المصري في اليمن رغم الانزعاج السعودي الشديد، لكن اغتيال كنيدي أنهى هذه الفترة الودية ونزع عنها العامل الشخصي، بل عكسها إذ لم يكن لدى الرئيس الجديد جونسون صبرا على بلد كان يتلقى مساعدات أمريكية ليست بالقليلة وصفقات قمح تفضيلية، وفي نفس الوقت يشاكس حلفائه ويهدد إسرائيل.

وكانت أمام القاهرة فرصة أخيرة لتغيير سياستها أو تهدئتها (في اليمن أو غيرها) في عامي 1964 و1965، لكنها مضت معظم الوقت في طريقها، خصوصا على صعيد التصريحات والجهود الدبلوماسية، ولم تحاول القاهرة كسب ود واشنطن التي كانت منحازة لحد ما (أقل بكثر من الوضع الراهن) إلى إسرائيل، ولم يكن المدهش هو أن واشنطن بدأت في الضغط على مصر في 1965، بل إنها لم تبدأ هذا الضغط في السنوات السابقة.

وفي هذين العامين بدأت واشنطن في الضغط المتزايد على القاهرة وتقليل المساعدات والمعاملة التفضيلية في صفقات القمح الأمريكي، الذي كان يمثل أكثر من نصف استهلاك مصر، وبالتوازي بدأت في تسليح إسرائيل – مباشرة- بصواريخ مضادة للطائرات، ثم حثت ألمانيا على بيع دبابات لإسرائيل في عام ١٩٦٥ وبعدها باعت طائرات سكاي هوك لتل أبيب.

كانت العلاقات المصرية الأمريكية في نفس الوقت تتعرض لهزات ثانوية، لكنها متتالية ومريبة مع حريق السفارة الأمريكية أواخر ١٩٦٤ على يد متظاهرين (إما أن أجهزة الأمن المصرية حركتهم أو تغاضت عنهم) ثم اسقاط طائرة رجل نفط أمريكي صديق للرئيس جونسون بعد ذلك بأسابيع (لم يكن الرجل على متنها) وتصريحات ناصر العنيفة في خطبه والتي منحت المعادين لمصر في الإدارة الأمريكية ذخيرة إضافية من أجل سياساتهم التي كانت تدعو لتصعيد الضغط على القاهرة.[12]

يمكن الاطلاع على الوثائق الأمريكية الرسمية في مبنى الأرشيف الوطني الأمريكي في حي كوليدج بارك بالقرب من جامعة ميريلاند على بعد ٤٠ دقيقة بالمواصلات العامة من قلب العاصمة واشنطن. وتوجد هناك ملايين البرقيات السرية ومحاضر الاجتماعات والخطابات المرسلة من الديبلوماسيين الأمريكيين وعملاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وخبراء وزارة الدفاع الأمريكية وغيرهم. الجزء الذي يهمنا هنا يوجد في السجل العام رقم 59، وهو الذي يضم وثائق وخرائط وصور وزارة الخارجية الامريكية وجزء كبير منه متاح فعليا على الانترنت هنا. والأرشيف مفتوح لأي شخص يملك وثيقة هوية رسمية (رخصة قيادة، هوية طالب، جواز سفر) بغض النظر عن الجنسية، ووفقا للقانون يجب نشر كل الوثائق بعد 25 سنة على الأكثر من صدورها، بعد أن تقوم لجنة رسمية بالنظر فيها وحذف بعض الأجزاء والفقرات بدعوى اعتبارات حماية الأمن القومي الأمريكي، ويظل من حق أي مواطن بمقتضى قانون حرية المعلومات أن يطلب الإفصاح عن هذه الاجزاء المحذوفة أو عن وثائق لم يفرج عنها بعد، بناء على طلب يقدم إلى إدارة حرية المعلومات في كل هيئة حكومية. غير أن هذه المسالة تنطوي على عملية قانونية معقدة، وتحتاج – أحيانا- إلى محامين وتستغرق وقتا طويلا، وإن كانت نتائجها في أحيان كثيرة إيجابية للغاية، وإضافة إلى الأرشيف الوطني، فالبحث عن مرحلة حرب ١٩٦٧ وما قبلها وبعدها، تقتضي أيضا زيارات إلى مكتبة الرئيس لندون جونسون في مدينة أوستن بولاية تكساس، إذ تضم مجموعة منتقاة من برقيات الخارجية، إضافة إلى مذكرات البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي.

مصادر الوثائق الرسمية الامريكية

إسرائيل تقرر الحرب

لم تتخذ إسرائيل قرارها النهائي بالحرب حتى مساء الثالث من يونيو 1967، في اجتماع لعدد من كبار الساسة الإسرائيليين في منزل رئيس الوزراء ليفي آشكول في القدس. ثم اعتمد مجلس الوزراء قرار الحرب رسميًا في صباح اليوم التالي، الرابع من يونيو. 

بعد ما أصدر المشير عامر قرار التعبئة العامة في مصر في 15 مايو، بدأ آلاف الجنود في التدفق على سيناء. لكن آشكول ظل مترددًا في استدعاء الاحتياط، لأنه لم يرغب في أن يبدو الأمر ساعتها كما لو أن الحرب قادمة لا محالة. حاول آشكول الانتصار في تلك المواجهة مع عبد الناصر دون عمل عسكري، لكن مؤيديه من كبار الساسة والجنرالات تناقصوا بسرعة في الأيام التالية مع فشل الضغوط الدبلوماسية على القاهرة للتراجع عن التصعيد.

يوجد عدد هائل من الكتب لخبراء وسياسيين وعسكريين اسرائيليين وامريكيين واوروبيين حول تطورات الموقف الاسرائيلي الداخلي في الاسابيع المؤدية للحرب، ومن أهم الكتابات التي ظهرت حول حرب ١٩٦٧ ما قدمه الديبلوماسي الأمريكي السابق ريتشارد باركر في كتابه: “سياسات الحسابات الخاطئة في الشرق الاوسط  ”The Politics of Miscalculation in the Middle  East“ by Richard Parker  وكتابه الآخر “حرب الايام الستة   ”The Six Day War“، ومن الجانب الاسرائيلي هناك كتاب الديبلوماسي السابق مايكل اورين المترجم للعربية ”ستة أيام من الحرب“ أو ”Six Days of War“ by Michale Oren.


رضخ آشكول لضغوط رئيس الأركان رابين في 17 مايو. إذ وافق يومها على استدعاء لوائي احتياط، أو نحو 18 ألف جندي، وإرسالهم إلى صحراء النقب على الحدود مع مصر، خصوصًا بعد أن حلقت طائرتا استطلاع مصريتين من طراز ميج 21 فوق مفاعل ديمونة النووي. وفي 19 مايو عقد رئيس المخابرات الحربية آهارون يارييف اجتماعًا مع كبار ضباطه لدراسة صور جوية للقوات المصرية أظهرت أن هناك ما يُقدّر بحوالي 80 ألف جندي و550 دبابة وألف مدفع داخل سيناء بالفعل. قال يارييف إن نوايا مصر غير واضحة متسائلًا “ما إذا كانت مصر تريد مواجهة عسكرية أو كسب بعض الهيبة والمكانة”؟

كان اضطرار إسرائيل إلى التعبئة خطوة باهظة الثمن. حيث يحتاج جنود الاحتياط إلى العودة إلى الحياة المدنية سريعًا لتفادي الآثار الاقتصادية السلبية، التي يمكن تقديرها بحوالي 20 مليون دولار يوميًا. كان تعداد السكان في إسرائيل في 1967 يزيد عن 2.7 مليون نسمة بقليل، بينما كامل قوة الاحتياط لديها قرابة 140 ألف شخص. أما تعداد مصر فكان يفوق إسرائيل بنحو 12 مرة، ولكنها كانت أضعف اقتصاديًا. إذ كان متوسط دخل الفرد في إسرائيل يقترب من تسعة أضعاف نفس المتوسط في مصر. ورغم ذلك كان يمكن لمصر تعبئة عشرات الآلاف من جنود الاحتياط دون أن يتأثر اقتصادها بشدة، على عكس إسرائيل التي كانت معدلات التشغيل فيها أعلى، وعدد السكان أقل بكثير. ورغم القوة الاقتصادية النسبية إلا أن اسرائيل كانت تعاني من فترة كساد في منتصف الستينيات تجلت في نسب بطالة مرتفعة وزيادة حالات الافلاس، وانتظمت مسيرات للمطالبة بالعمل وتوفير الطعام.

في 19 مايو كرر آشكول أنه لن تكون هناك حرب طالما بقي الجيش المصري دون تحركات عدائية داخل سيناء. ولكنه رغم ذلك ضاعف عدد جنود الاحتياط المستدعين للخدمة، وزاد عدد الدبابات على الحدود إلى 300 دبابة، وأوصى بإعداد خطط لفتح مضايق تيران بالقوة إذا أغلقتها مصر، ولتدمير المطارات المصرية إذا تم قصف مفاعل ديمونة النووي[13]

وفي 28 مايو اجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي وقرر منح الدبلوماسية ثلاثة أسابيع على أقصى تقدير، بعد خطاب من الرئيس الأمريكي لندون جونسون طلب فيه ألا تبدأ إسرائيل الحرب، مع الوعد بالمساعدة في فتح مضايق تيران. كان الخلاف حادًا داخل الاجتماع الذي استمر حتى الرابعة صباحًا، ثم انفض ليستأنف مرة أخرى بعد عدة ساعات للتصويت. وصوّت تسعة وزراء لصالح شنّ الحرب، في مواجهة تسعة مثلهم فضَّلوا مواصلة المساعي الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة. وقررت إسرائيل الانتظار واستغلال الأسابيع التالية في ضمان التعاطف الدولي وجمع التبرعات والأموال وشراء مزيد من الأسلحة.

ووقع هذا الاجتماع في نفس اليوم الذي نظم فيه الرئيس عبد الناصر مؤتمرا صحفيا دوليا في القاهرة أصر فيه على كل مواقفه وعلى ان مصر استخدمت حقها في سحب قوات الطوارىء واغلاق مضايق تيران لتعود الامور الى طبيعتها كما كانت قبل حرب ١٩٥٦، وقال ردا على سؤال لصحفي الماني: “ننتظر ماذا ستفعل اسرائيل إذا تحرشت اسرائيل بنا او بأي دولة عربية او بسوريا فكلنا مستعدون لمواجهة اسرائيل واذا أرادت اسرائيل الحرب فأهلا وسهلا بالحرب… واذا حصل عدوان من اسرائيل ستكون هناك حرب شاملة بيننا وبين اسرائيل … ” وركز ناصر على حق مصر في اغلاق الملاحة في وجه اسرائيل بسبب ملكيتها لجزيرتي تيران وصنافير قائلا: “مدخل خليج العقبة ومضيق تيران مياه اقليمية مصرية … الاسس القانونية لقرارنا ان هذا الخليج كان مقفول امام السفن الاسرائيلية حتى ١٩٥٦ في عدوان السويس … كل السفن كانت تُفتش وتمنع منها المواد الاستراتيجية …” وفي هذا المؤتمر اتهم عبد الناصر الصحافة الغربية والولايات المتحدة وكندا واوروبا كلها تقريبا بالتحيز والوقوف بجوار اسرائيل وانها تتخذ مواقف سياسية وقانونية غير صحيحة.

ونصحت الإدارة الأمريكية المسئولين الإسرائيليين بالتريث، ومن هؤلاء وزير الخارجية آبا إيبان الذي قام بزيارة إلى واشنطن يومي 24 و25 مايو التقي خلالها الرئيس جونسون ووعده بعدم التسرع وانتظار ما ستسفر عنه الجهود الجارية. كانت هناك جهود للأمم المتحدة، وأخرى توجه فيها مبعوثان أمريكيان للقاهرة، في محاولة لتفادي اندلاع الحرب. وبعد اجتماع 28 مايو تواصل ضغط الجنرالات في إسرائيل، على خلفية خشيتهم من تلقي الضربة الأولى، مع زيادة جاهزية القوات المصرية في سيناء، وقلقهم اقتصاديًا واجتماعيًا بسبب استمرار التعبئة العسكرية عالية الكلفة في أنحاء إسرائيل منذ 19 مايو. ويبدو أن رئيس الوزراء آشكول سعى إلى ترضيتهم قليلًا، فأعلن في الأول من يونيو عن تشكيل حكومة حرب ضمت موشي ديان وزيرًا للدفاع (كان آشكول يحتفظ بهذا المنصب لنفسه حتى ذلك الوقت)، ومنح مناصب وزارية لمناحم بيجين وزعماء يمينيين متطرفين آخرين. 

فسرت القاهرة هذه القرارات بأنها تأكيد على نية إسرائيل شن حرب. وكان العكس أيضًا صحيحًا في تل أبيب، حيث بدت القرارات المصرية وتصريحات المسؤولين المصريين بمثابة استعداد للحرب.

أكد الجنرالات الإسرائيليون مرارًا على رغبتهم في خوض حرب استباقية، كانوا يتدربون عليها منذ 1957، تبدأ بتحطيم سلاح الجو المصري. لكن آشكول وبن جوريون، رئيس الوزراء السابق والعرّاب العجوز الجالس في مزرعته بالنقب، وقفا في وجه الجنرالات، ورفضا توجيه الضربة الأولى. وفي النهاية، وتدريجيًا، انتصر الجنرالات، مثلما انتصر المشير عامر على تردد عبد الناصر بشأن السحب الكامل لقوات الطوارئ. استند هذا النصر جزئيًا على موقف مائير آميت، رئيس المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، الذي زار واشنطن في الثاني من يونيو، وشعر أن الموقف الأمريكي تغيّر قليلًا، وأنه دون تغير درامي في الموقف المصري فإن الإدارة الأمريكية لن تعترض لو شنت إسرائيل حربًا “وقائية”. وفي اجتماعات متتالية عقدها مجلس الوزراء مع كبار جنرالات الجيش الإسرائيلي كان التوتر يتصاعد مع تصلّب موقف الجنرالات المصمم على خوض الحرب، خصوصًا مع انهيار مشروع أمريكا وبريطانيا لفتح الملاحة في خليج العقبة تحت رعاية دولية، وهو المشروع الذي عارضه الاتحاد السوفيتي ومصر في مجلس الأمن. رغب القادة العسكريون الاسرائيليون في حرب استباقية لأنهم كانوا يخشون وقوع هجوم منسق على جبهتين أو أكثر في نفس الوقت مما قد يستنفذ قدرة اسرائيل في الدفاع عن نفسها.

كان لدى اسرائيل مثل كل الدول الحديثة صاحبة المؤسسات العسكرية الاحترافية خطط طوارئ وبدائل هجومية ودفاعية، وكان لديها عدة خطط حيال مصر تعتمد على معلومات استخبارية مُحدّثة، وبفعل خبرات نخبتها الحاكمة منذ الاربعينيات وحتى قبل اعلان قيام الدولة الصهيونية صارت المؤسسة العسكرية والحرب “الوقائية” عناصر بارزة في صنع سياساتها واستراتيجيتها الأقليمية، ولكن كل هذا لا يعني أنها سعت الى حرب يونيو ١٩٦٧ بشكل مباشر. أدى وجود اسرائيل وسياساتها المعسكرة والدعم الدولى لها من ناحية، ووتخبط النظم العربية المجاورة وسعيها لتثبيت اقدام جمهوريات ما بعد الاستقلال من ناحية اخرى، إلى خنق كل فرص التسوية المقبولة للمسألة الفلسطينية واستحالة تطبيع قيام دولة اسرائيل في المنطقة. كانت الحرب من هذا المنطلق حتمية، تنتظر اخطاء الاطراف المعنية والتي ارتكبوها بدوافع ولاسباب متعددة.

ويصف الضابط والدبلوماسي الاسرائيلي السابق ديفيد كيمحي المناخ العام في اسرائيل في الأيام القليلة السابقة للحرب قائلًا: “بالنسبة لرجل الشارع العاديلم يبد خطر احتمال إبادة دولة اسرائيل حقيقيًا في أي وقت أكثر منه في تلك الأيام في نهاية مايو ١٩٦٧. وسيطر على الناس إحساس عمليق ينذر بالشر المستطير. واختفى كل الرجال القادرين بدنيًا، ومعظم الشابات، من شوارع المدن والقرى مع اكتمال تعبئة الإحتياطي، كما تم حشد المركبات، وتوقفت الحافلات عن السير، وأُغلقت المصانع، وأُوصدت أبواب المدارس حيث تم استدعاء التلاميذ لحفر الخنادق، أو لتنظيف مخابئ الاحتماء من الغارات الجوية.” (ديفيد كيمحي، “دوافع اسرائيل للحرب وتأثيرها عليها”، في لطفي الخولي (محرر)”حرب يونيو ١٩٦٧ بعد ٣٠ سنة”، مركز الأهرام للترجمة والنشر، ١٩٩٧، ص. ٢١٤)


هل دفعت أمريكا إسرائيل إلى الحرب؟

لا يوجد دليل واحد قوي على أن الرئيس جونسون أو وزير خارجيته دين راسك قررا أو صرّحا أنهم طلبوا من إسرائيل أن تهاجم مصر في 1967، بل إن جونسون قال بوضوح في اجتماعه مع وزير الخارجية الإسرائيلي آبا إيبان في 26 مايو إن إسرائيل “لن تكون وحيدة إلا إذا دخلت الحرب بمفردها”، وإنه من الضروري ألا تصبح إسرائيل مسئولة عن بداية الأعمال الحربية. لكن واشنطن لم تكن لديها خيارات كثيرة. فهي لم تكن تريد التدخل عسكريًا لإجبار مصر على فتح خليج العقبة أمام حركة الملاحة إلى إسرائيل، الأمر الذي كان سيؤدي إلى اكتسابها كراهية شعوب العالم العربي، وهي كذلك لم تنجح في حشد دعم دولي لفتح المضايق بالقوة أو الضغط، وفي الوقت نفسه هي لم تكن تريد أن ينجح عبد الناصر، حليف السوفييت، بالشكل الذي يمكنه من الاستمرار في سياساته الإقليمية المناوئة لواشنطن. في هذا السياق، كان أفضل “حل” يدافع عنه البيروقراطيون في وزارة الخارجية والبيت الأبيض هو العودة إلى القنوات الدبلوماسية، أو حتى القانون الدولي عن طريق محكمة العدل الدولية، للبت في مسألة حرية الملاحة، أو استصدار قرار من مجلس الأمن يُنشئ أسطولًا دوليًا يؤمّن دخول السفن إلى إسرائيل. 

على أن تل أبيب لم تكن تحتاج إلى دعم عسكري أمريكي. فقد كان لديها من الجنود والعتاد والذخائر، والأهم من الخطط والاستراتيجيات وهياكل القيادة والاتصال والقوات المدربة جيدًا، ما يمكنّها من خوض الحرب منفردةً ضد مصر وسوريا والأردن مجتمعين. ما أرادته إسرائيل فقط هو ألا يتكرر ما حدث سنة 1956، عندما أجبرتها واشنطن على الانسحاب من سيناء بعد الاستيلاء عليها عنوة[14]

كاريكاتير من صحيفتي الحياة والجريدة، لبنان، مايو ١٩٦٧

لم يمنح جونسون إسرائيل الضوء الأخضر لشن الحرب، ولم “يطلقها من عقالها” كما يدّعي هيكل في كتابه “الانفجار”، ولكنه في الوقت نفسه لم يطلق ضوءً أحمر صريحًا ليوقفها. فبين منتصف مايو والثالث من يونيو حذرت واشنطن تل أبيب في تسع رسائل متفرقة من شن حرب استباقية[15]. كانت أول رسالة من نائب وزير الخارجية يوجين روستو في 17 مايو إلى السفير الإسرائيلي إفراهام هاريمان. حيث أكد روستو على حق مصر في تعبئة الجنود داخل حدودها، وأن مثل هذا التحرك لا يمنح إسرائيل الحق في ضربة وقائية، بل ستصير مثل هذه الضربة في حالة وقوعها “خطًا فادحًا”. وظهيرة اليوم نفسه أرسل الرئيس جونسون رسالة إلى آشكول جاء فيها أن الولايات المتحدة “لا تستطيع تحمل مسئولية أي موقف ناجم عن تصرفات لم تتم استشارتنا بصددها”. وفي 25 مايو رفضت واشنطن طلبًا إسرائيليًا بأن تصدر إعلانًا رسميًا مفاده أن أي عدوان على إسرائيل هو عدوان على الولايات المتحدة. وفي 28 مايو أرسل جونسون خطابًا إلى آشكول جاء فيه “أكرر بقوة أكثر مما ذكرت لآبا إيبان أمس، أن إسرائيل لا يجب أن توجه ضربة عسكرية إجهاضية وتجعل نفسها كذلك مسئولة عن اندلاع الحرب”[16]

حاول آشكول الحصول على تطمينات أمنية من رئيس وزراء بريطانيا هارولد ويلسون ورئيس فرنسا شارل ديجول، لكنه فشل. وفي الموازاة تصاعدت التهديدات الخطابية العربية والسخرية الإسرائيلية من تردد آشكول في اتخاذ قرار الحرب. ولم يكن الأمر كله بروباجندا وشيطنة وتهوين من العدو الإسرائيلي وتخويف له، ولكن الأجواء أيضًا عكست مشاعر قومية عربية حقيقية كانت تريد الانتقام من عدو استيطاني وعنصري. تجلّى هذا في الصحف اليومية الصادرة في العالم العربي وفي انصياع الحكومات المحافظة في الرياض وعمَّان لضغوط شعوبها بالوقوف وراء مصر. 

صحيفة معاريف الاسرائيلية، مايو ١٩٦٧، تصور ناصر يقود دبابة تجثم على صدر آشكول، سخرية من تباطؤ رئيس الوزراء الاسرائيلي في الرد على تهديدات القاهرة بينما يسخر الكاريكاتير التالي من تردد اشكول في اتخاذ قرار الحرب وهو يقطف أوراق زهرة مراوحاً بين “نعم” و “لا”

بين السياسيين والعسكر في اسرائيل

بدأ رئيس الأركان رابين يميل أكثر وأكثر نحو معسكر المؤيدين للحرب، بعد أن كان قد قال لكبار ضباطه في اجتماع يوم 19 مايو إن الدول الغربية الكبرى رفضت تقديم ضمانات أمنية، وأن الحكومة الإسرائيلية ما زالت تسعى وراء حل دبلوماسي “ويجب أن نمكنّهم [الساسة] من استنفاد كل بدائل الحرب…[ولكن] لو أغلق المصريون مضايق تيران لن يكون هناك بديلًا عن الحرب”. 

ولكن قرار الحرب في يد السياسيين. هذا ما قاله بن جوريون لرئيس الأركان رابين في اجتماع معه في 21 مايو: “يجب أن يتحمل رئيس الوزراء والمجلس مسئولية اتخاذ قرار الحرب، فهذا ليس أمرًا يقرره الجيش.” كان السياسي الأكبر سنًا ومقامًا في إسرائيل (81 عامًا) يخشى عواقب الحرب ويردد “يجب ألا ندخل الحرب، فنحن معزولون”. كل هذه الضغوط المتناقضة أثرت بشدة على رابين، فقدم استقالته في 25 مايو لأنه كان يخشى عواقب الأمور. ولكن رئيس الوزراء آشكول رفضها وقرر رفع التعبئة إلى الحد الأقصى، أي استدعاء كل الـ140 ألف إسرائيلي المسجّلين في كشوف الاحتياط[17]

كان اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي غير الرسمي في الثالث من يونيو حاسمًا. استغرق الاجتماع ساعات طويلة، وتخلله جدل ونقاشات عسيرة. كان هاريمان، سفير إسرائيل في الولايات المتحدة، وآميت، مدير الموساد، قد عادا من واشنطن على الطائرة نفسها. وصل الاثنان إلى منزل آشكول في منتصف ليل السبت، وقدما استعراضًا موحّدًا كان أهم ما جاء فيه أنه لو بادرت إسرائيل بالهجوم فلن توقفها الولايات المتحدة، بل قد تدعمها دبلوماسيًا. أتى هذا التقدير بناءً على تحليلاتهما وليس وفقًا لتعهدات أمريكية قاطعة. 

من ناحية أخرى، وبعد أن قرأ تصريحات وزير الخارجية راسك، التي قال فيها إن أمريكا لن تجبر أحدًا على ضبط النفس، غيّر وزير الخارجية إيبان موقفه، بعد أن كان يفضل الانتظار. هذا بينما أكد آميت، رئيس الموساد، أن أمريكا لن تدعم إسرائيل من خلال عمل عسكري مشترك، ولكنها ربما تقدم أسلحة ومالًا ودعمًا سياسيًّا بعد أن تندلع الحرب ووفقًا للتطورات، وذلك بناءً على تقديره للموقف الأمريكي بعد اجتماعاته في أوائل يونيو في واشنطن مع ريتشارد هلمز، رئيس وكالة المخابرات المركزية، وروبرت ماكنمارا، وزير الدفاع، ورجاله في البنتاجون. 

حاول هاريمان أن يقنع المجلس بتأجيل الحرب أسبوعًا آخر لتفادي إغضاب الرئيس جونسون ومنحه الوقت الذي طلبه، ولكنه فشل في وجه إصرار ديان على إنهاء ما كان يراه انتظارًا عقيمًا، يمنح مصر وقتًا أطول للتمترس في سيناء وشنّ الضربة الأولى، خصوصًا وقد اتفق الحاضرون أن الاتحاد السوفيتي لن يتدخل عسكريًا إلى جانب مصر. كان الاجتماع صغيرًا وضمّ، بالإضافة إلى آشكول وهاريمان، كل من إيبان ودايان وآميت ورابين ورئيس المخابرات الحربية يارييف وآخرين، واختُتم بالاتفاق على أن يصدر مجلس الوزراء قرارًا رسميًا سريًا بخوض الحرب صباح اليوم التالي. وصدر القرار بأغلبية 12 صوتًا ضد اثنين.


مصر: فوضى القيادة والمعلومات

في مصر، لم تكن هناك رؤية واضحة لاستراتيجية العمل العسكري. فالخطة “قاهر” غير واضحة، ولم تُجر عليها تدريبات فعلية، ولم يتم تنغيمها عملياتيًا مع خطط الطيران “فهد” أو مع خطط السيطرة القطاعية على غزة، ولم تتلق القوات أي تدريبات مناسبة على الأسلحة التي كان بعضها في المخازن ومنها طائرات في صناديق، كما لم يسع الجيش إلى رفع مهاراته العسكرية منذ سنوات، ولم يكن هناك تنسيق حقيقي بين السياسيين والعسكريين (حتى بغض النظر عن أن معظم رجال السياسة كانوا عسكريين ورجال مخابرات وأمن سابقين)؛ الخلاصة: تضاربت مستويات القيادة وسيطرت حالة خوف وسلبية على قوات الجيش، وأغلبهم من جنود الاحتياط الذين لم يتلقوا تدريبات جيدة ولم تتلق وحداتهم خططًا واضحة للتحرك أو القتال. 

وبينما كانت الخطة “قاهر” دفاعية، كانت خطة “فهد” الجوية هجومية وتقتضي بتوجيه ضربة جوية مفائجة ضد مطارات اسرائيل ودفاعاتها الجوية في يوم ٢٧ مايو ولكن في الثالثة صباحا من هذا اليوم، وفقا للفريق انور القاضي، ضدرت أوامر من القيادة العليا بالغاء الهجوم بعد اتصال من الرئيس عبد الناصر بالمشير. كان هذا هو ايضا اليوم الاخير من يومي اجتماعات عقدهما شمس بدران مع نظيره السوفييتي في موسكو حيث طلب الماريشال جريشكو من الجيش المصري ضبط النفس وإن لم يكن واضحا إذا ما كان هذا هو سبب قرار ناصر بايقاف الخطة. (هويدي، حرب ١٩٦٧، ص. ٩٤)

بين 15 مايو والخامس من يونيو غيَّر المشير عامر خطط القتال أربع مرات، مما أنهك القوات الميدانية التي تحرّك بعضها عدة مرات شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وباتت الرؤية العسكرية والعملياتية غير واضحة للجميع. وأظهرت التطورات عدم وجود استراتيجية عسكرية ثابتة “حيث أن التخطيط لم يتعد ردود الفعل لأعمال ومبادرات ومعلومات خداعية يقوم بها العدو ومن يسانده”. مثلًا أمر المشير عامر يوم 25 مايو بتنفيذ الخطة الجوية “أسد” لعزل منطقة النقب الجنوبي عن باقي إسرائيل اعتبارًا من فجر 27 مايو، ولكنه تراجع بعد ساعتين عقب لقاء طويل مع عبد الناصر. كانت معلومات قوية قد وصلت لإسرائيل عن هذه الضربة الجوية، فنقلتها إلى الولايات المتحدة، التي استدعت السفير المصري، الذي أرسل بدوره برقية عاجلة إلى القاهرة ينقل فيها انزعاج واشنطن الشديد. كل هذا لم يكن عبد الناصر يعلم عنه شيئًا، لكن برقية السفير واجتماع عامر أفهماه أن معلومات إسرائيل صحيحة، وأنه لم يكن يعلم بأمر هذا الهجوم الجوي[18]

وكانت هناك خطة هجومية تُدعى “فجر” وضعها رئيس هيئة العمليات الفريق أنور القاضي تنفيذا لأمر القيادة العليا في ١٨ مايو من أجل الهجوم على إيلات رغم ان امكانيات الجيش الميداني بقيادة الفريق صلاح محسن لم تكن تسمح بتنفيذ مثل هكذا خطة. وفي ٢٠ مايو درست القيادة العليا خطة للمحور الشمالي (رفح – العريش – القنطرة) وسمتها خطة “سهم” من أجل القيام بعملية هجومية محدودة. (هويدي، حرب ١٩٦٧، ص. ٩٤)


ومن اشد التحليلات تفصيلية لوضع العسكرية المصرية في الشهور السابقة على الحرب ما قام به كين بولاك في كتابه “الحروب العربية الاسرائيلية”. ويقول بولاك أن مصر كانت متفوقة من ناحية ارقام التسليح ونوعية الأسلحة ولكنه لم يكن تفوقا كاسحا فقد كان لديها ٩٥٠ دبابة (أكثر من اسرائيل بحوالي ٢٥٠ دبابة) و ٤٥٠ طائرة مقاتلة منها ٢٠٠ طائرة ميج-٢١ سوفييتية متقدمة مقابل ٧٢ طائرة ميراج فرنسية متقدمة لدى اسرائيل التي كان لديها ايضا نحو ١٣٥ طائرة أخرى من طرازات أقدم مثل ميستير وسوبر ميستير وغيرها. وتفوقت مصر بوضوح في عرباتها المدرعة والمدافع ونظم الاتصالات وتسليح المشاة. ويدعي بولاك وفقا لمصادر متعددة ان المخابرات الحربية المصرية لم يكن لديها اي تصور واضح عن الخطط والتحركات العسكرية الاسرائيلية ووضع القوات وحجمها وتدريبها وخطط انتشارها وتكتيكات وهيكلة نظم القيادة والاتصال، وتصوراتها للعمليات المحتملة في الحرب الوشيكة. بل وقدمت المخابرات معلومات مغلوطة مثل تركز قوات اسرائيلية جهة القسيمة بينما كان التمركز الاسرائيلي هناك وهميا بغرض الخداع وانتقلت قوات مدرعة مصرية كبيرة للقسيمة عبثا لمواجهة هذا التمركز. (بولاك، ص. ٦١-٦٢)

تضاربت التقارير والمعلومات الواردة إلى قيادة الجيش المصري وإلى مكتب عبد الناصر، بل وكان بعضها خاطئًا. فمثلًا ادّعي جهاز المخابرات الحربية يوم 15 مايو أنه ما زالت هناك تجمعات عسكرية إسرائيلية قرب الحدود مع سوريا، بين خمس وسبع ألوية، لكن هذا العدد لم يكن صحيحًا وفقًا لصور عمليات الاستطلاع السورية التي رآها الفريق فوزي. وادّعت المخابرات الحربية يوم 17 مايو أن الروح المعنوية للشعب الإسرائيلي منخفضة دون تقديم أي دليل يدعم هذا الاستنتاج وعلى عكس كل التقارير الأخرى المتوفرة وذات المصداقية بشأن الدعم الشعبي في إسرائيل لتحرك عسكري استباقي. أيضًا كان حجم القوات الإسرائيلية المُدّعى أنها محتشدة قرب الحدود المصرية الوارد في تقرير المخابرات يوم 18 مايو غير دقيق. ويخلص رئيس الأركان الفريق فوزي من كل هذا إلى أن “جميع المعلومات أو التقديرات أو تحليلها عن العدو أو قوته أو مقدرته القتالية أو أسلوب قتاله وقدرات والنطاق الأقصى الفعّال لطائراته كانت خاطئة، الأمر الذي جعل تخطيط العمليات الحربية التي أقرها المشير عامر بناءً على معلومات وتقديرات المخابرات الحربية خاطئة كذلك”[19]. وكان هذا واضحا للغاية عندما خرجت طائرات استطلاع مصرية في المحاولة الوحيدة للحصول على معلومات بالتصوير الجوي وذلك من اجل رصد ميناء إيلات الاسرائيلي، وعادت الطائرات بصور لميناء العقبة الأردني (هويدي، حرب ١٩٦٧، ص. ٩٥).

وربما لو كانت القيادة العسكرية والسياسية قد علمت بقوة إسرائيل الفعلية، واستراتيجياتها وتكتيكاتها الحربية، ونظم القيادة والاتصالات، وبعض الشئ عن خططها وقادتها وكيفية انتشار القوات، بدلًا من الهراء الوارد في تقارير المخابرات الحربية لفكرت مرتين في قرار الحرب، أو لبادرت بها قبل أن تكتمل الاستعدادات الإسرائيلية، أو لقاتلت بشكل مختلف.

لكن الهراء استمر. ففي الثاني من يونيو، عندما أبلغ عبد الناصر المشير عامر وكبار الضباط أن إسرائيل قد تهجم يوم الرابع أو الخامس من يونيو، أمر المشير بتوزيع تقرير من المخابرات الحربية على كل القيادات العليا والوسطى والدنيا، جاء فيه أن إسرائيل لن تُقدم على أي هجوم “وأن الصلابة العربية الراهنة ستجبر العدو بلا شك على تقدير العواقب المختلفة المترتبة على اندلاع شرارة الحرب في المنطقة”[20].

من ناحيته، كان عبد الناصر متبنيًا لفكرة أن تمتص مصر الضربة الجوية الأولى من إسرائيل. فرغم أن قائد القوات الجوية الفريق صدقي محمود قدّر الخسائر المتوقعة جرّاء تلقي الضربة بنحو 15% إلى 20% من الطائرات، “مما قد يؤدي إلى تكسيح قواتنا الجوية”، إلا ناصر أصرّ على تلقي الضربة لا توجيهها، حرصًا على ضمان التعاطف العالمي وخصوصًا من الولايات المتحدة. من هنا تم الاتفاق على اتخاذ الإجراءات الوقائية للتقليل من تأثير الضربة الأولى، حيث إن خسارة 20% من القوات الجوية ثم “نحارب إسرائيل بعدها أفضل من أن نبادر بالضرب فنحارب إسرائيل وأمريكا معًا”. 

لم يكن المشير عامر يأخذ تقديرات ناصر وتحذيراته بجدية. ومن أمثلة ذلك أنه قرر مواصلة رحلته المقررة إلى سيناء صباح الخامس من يونيو، مما يعني أن قوات الدفاع الجوي كلها كانت ستكون عاجزة عن القصف طالما كانت طائرته في الجو، كما أن رحلته كانت تعني أنه سيجمع 28 من كبار قادة الجيش في رحلته إلى سيناء، إما على الطائرة معه أو في انتظاره على الأرض. وعندما وجّه البعض اللوم إلى عامر على إهماله تحذيرات عبد الناصر، قال إن “عبد الناصر ليس نبيًا يتلقى الوحي وتقديراته في 1956 لم تكن سليمة على أي حال”[21]

أما القوات الجوية، فلم تفعل شيئًا يذكر لحماية طائراتها ومطاراتها الرابضة على الأرض، مكتفية بتقييم للمخابرات الحربية جاء فيه أن مدى الطائرات الحربية الإسرائيلية لا يمكنه أن يتعدى القناة، وبالتالي فالطائرات العسكرية المصرية في القواعد المنتشرة من الأقصر جنوبًا وحتى المنصورة شمالًا آمنة. وكانت هذه واحدة من سلسلة الأخطاء المريعة التي ارتكبتها المخابرات الحربية. ورغم وجود خطة لبناء مخازن حصينة (دُشَمْ) للطائرات إلا أن معظمها لم يُشيد وأحيانا بدعوى عدم توافر الميزانية رغم ان تكلفتها بارقام ١٩٦٧ كانت خمسة الاف جنيه للمخزن (أمين هويدي، خطايا واسرار، ص. ٤٩)


وهكذا بات كل شئ معدًا من أجل مواجهات عسكرية كان الكل قد بات متيقنا من استحالة تفاديها.


الهزيمة المحتومة: سياق ووقائع حرب الأيام الستة (الجزء الثاني)

الهزيمة المحتومة: سياق ووقائع حرب الأيام الستة (الجزء الأول)


[1]   نظمت إسرائيل جسراً جوياً لمدة عامين شمل ١٤ طلعة بطائرات نقل ضخمة لإسقاط أسلحة وذخائر وأدوية وأموال للأمام محمد البدر وقواته لمساعدته ضد القوات المصرية المؤيدة للضابط اليمني القومي الميول المشير عبد الله السلال الذي انقلب على حكم الائمة في اليمن. وتم الاتفاق على الجسر مع بريطانيا والسعودية في عملية سمّوها “القنفذ” وفيها حلقت الطائرات الإسرائيلية فوق الاراضي السعودية تفاديا لكشفها أو تعرضها لنيران الطائرات المصرية. لمزيد من التفاصيل انظر Oren Kessler, “When Israel Helped Yemen’s Shiites”, Politico  Magazine (April 21, 2015). Retrieved on May 28, 2015 at http://www.politico.com/magazine/story/2015/04/israel-yemen-shiites-117208.html#ixzz3bQImuLL1

[2]   خطابات عبد الناصر على موقع مكتبة الإسكندرية والخطاب الرئيسي المقتبس هنا القاه الرئيس في فبراير ١٩٦٧، ومتاح على   nasser.bibalex.org/Data/website%20html/Nasser/Nasser–Protect/website/0024/0053/0069/670222.htm

[3] Richard Parker, “The Politics of Miscalculations in the Middle East”, p. 80

[4]  البرقيات المتبادلة بين عمان وواشنطن في تلك الفترة محفوظة في الأرشيف القومي الأمريكي. وبرقية الوزارة المشار إليها تحمل رقم 198923 بتاريخ ٢٠ مايو في ملفات الخارجية الأمريكية في المجموعة ٥٩ في الأرشيف الوطني وهي مرسلة من قسم الشرق الأدنى بوزارة الخارجية إلى السفارة في عمان بينما تحمل برقية السفير بيرنز رقم 021472 بتاريخ ٢١ مايو. 

[5] Parker, pp. 50

[6] Albert Hourani, “A History of the Arab Peoples”, pp. 408-413

[7]   الخطبة المشار اليها في فبراير 1967 في الهامش أعلاه من أرشيف مكتبة الاسكندرية

[8]  برقية مرسلة من السفير الامريكي في عمان إلى وزارة الخارجية بتاريخ 21 مايو 1967 وتحمل رقم 021670 في الأرشيف القومي الأمريكي.

[9]  برقية مرسلة من السفير الامريكي في عمان إلى وزارة الخارجية بتاريخ ٢٣ مايو ١٩٦٧ وتحمل رقم 023277 في الأرشيف القومي الأمريكي.

[10]  خطبة عبد الناصر في عيد العمال ٢ مايو ١٩٦٧ ومتاحة على http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=1214&lang=ar

[11]   Parker, pp. 100

[12]  نفس الكتاب، ص ١٠٤-١٠٦

[13] يعتمد الجزء الخاص بإسرائيل في هذا الفصل كثيرًا على كتاب مايكل أورين ووثائق الأرشيف والأمريكي. لمزيد من التفاصيل يمكن الاستعانة بمذكرات قادة إسرائيل إبّان حرب 1967 مثل رئيس الوزراء آشكول، ووزير الدفاع موشي دايان، ورئيس الأركان إسحق رابين، ورئيس المخابرات مائير أميت، ورئيس المخابرات الحربية أهارون يارييف، والقادة العسكريين حاييم بارليف وآرييل شارون ورفائيل إيتان.

[14] Richard Parker, The politics of Miscalculation, pp.112-115.

[15] Michael Brecher, Decisions in Crisis: Israel 1967 and 1973 (Berkeley & Los Angeles: University of California Press, 1980). 

[16] Michael Oren, Six Days of War, p.77.

[17] Michael Oren, Six Days of War, pp.80-81.

[18] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص113. 

[19] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص118-119

[20] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص117-122.

[21] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص127.

[22] أمين هويدي، الفرص الضائعة، ص79، ومحمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص131-133.

[23] Michael Oren, Six Days of War, p.176. 

[24] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص141.

[25] Stephen Green, Taking Sides: America’s Secret Relations with a Militant Israel (New York: William Morrow and Co., 1984).

[26] هذه النقطة تستحق بحثًا مطولًا، فالمعلومات المتوفرة لا تساعدنا على كشف الحقيقة بخصوص مشاركة أو عدم مشاركة الأسطول الأمريكي السادس في حرب 1967.

[27] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص153.

[28] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص151-153، وهناك تفصيلات كثيرة في كتب مثل مذكرات الفريق مرتجي وفي مجلات وصحف مثل الحوارات التي أُجريت مع صلاح محسن وأنور القاضي وغيرهما من القادة الميدانيين من مستويات مختلفة (بعض هذه الحوارات جُمع في كتابيّ ضباط يونيو يتكلمون لعصام دراز والطريق إلى النكسة لمحمد الجوادي). 

[29] حديث شمس بدران لصحيفة الحوادث، مقتبسًا في كتاب ريتشارد باركر، ص87.

[30] تعليق عبد الناصر جاء في كتاب محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص156.

[31] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص154-155.

[32] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص158.

[33] عبد الفتاح أبو الفضل، كنت نائبًا لرئيس المخابرات، (القاهرة: دار الشروق، 2001) ص266.

[34] Richard Parker, The Politics of Miscalculation, p.94.

[35] عبد الفتاح أبو الفضل، كنت نائبًا لرئيس المخابرات، ص251.

[36] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص141.

[37] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص161، وأمين هويدي، الفرص الضائعة، ص109.

1 فكرة عن “الهزيمة المحتومة: سياق ووقائع حرب الايام الستة (الجزء الثالث)”

  1. ” أما تعداد مصر فكان يفوق إسرائيل بنحو 12 مرة، ولكنها كانت أضعف اقتصاديًا. إذ كان متوسط دخل الفرد في إسرائيل يقترب من تسعة أضعاف نفس المتوسط في مصر. ”
    كان واضح من ساعتها الاتجاه رايح فين!

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *