الهزيمة المحتومة: سياق ووقائع حرب الأيام الستة (الجزء الثاني)

نُسخة محدثة ومنقحة يونيو ٢٠٢٠

عبد الناصر مع الامين العام للأمم المتحدة (يمين ناصر) والجنرال إندار جيت ريكي قائد قوات الأمم المتحدة للطوارئ في سيناء (يسار ناصر)

في 15 مايو اجتمع المشير عامر مع قادة الجيش وقرر إرسال تعزيزات عسكرية إلى سيناء، وعرف العالم في يومين أن مصر تحشد قواتها. وخلال أيام طلبت القاهرة سحب قوات المراقبة التابعة للأمم المتحدة المنتشرة على الحدود مع إسرائيل. والمذهل أن عبد الناصر كان قد طلب من عامر أن ينص الخطاب المرسل للجنرال آندار جيت ريكي قائد قوات المراقبة أن “يُعاد نشر القوات” إلى الحدود الدولية (أي إلى داخل غزة التي كانت مصر تسيطر عليها آنذاك) بدلًا من النص في المسودة التي كتبها عامر على طلب “سحب كل القوات”. لكن عامر تجاهل أو تقاعس أو أخطأ وأرسل الخطاب الأصلي دون التعديل الذي طلبه ناصر. ويقول ريكي في مذكراته[1] إن سحب القوات تمامًا لم يكن له سوى معنى واحد: أن مصر قررت خوض الحرب. وكانت هذه بالضبط هي الإشارة التي وصلت إلى إسرائيل، ثم تأكدت خلال أيام عندما أعلنت مصر إغلاق مضايق تيران على رغم التحذير الإسرائيلي أن هذا سيكون بمثابة إعلان للحرب.

هل كانت مصر ترغب فعلًا في الحرب؟ أم أن المشير عامر كان أسير اعتقاده الشخصي أن “التهويش” سيرعب إسرائيل ويجبرها على سحب قواتها المفترضة من على حدود سوريا؟ كان المشير في الأغلب يسعى إلى تخويف إسرائيل، وأثبتت الأيام التالية خطأه المرعب.

عامر وناصر يدرسان خرائط حربية

يتحمل عامر وناصر هذا الخطأ التاريخي مشتركين. لكن لو كان هناك شركاء آخرين في ميدان السياسة في البلاد، برلمانًا أو إعلامًا أو أحزاب سياسية، لكان عامر بالتأكيد قد اختفى بمصائبه من على مسرح السياسة بعد أخطائه الفادحة في حرب 1956 وفي إدارة الوحدة مع سوريا (1958-1961) وبعد فشله في حرب اليمن (1962-1967). لكن في ظل حكم مؤسسة أخرجت الشعب بأكمله من مجال السياسة وقررت الحديث باسمه وتمثيله، فإن الفشل في أحيان كثيرة ليس اختيارًا، بل قدر شبه محتوم، خصوصًا إن انتقلت هذه المؤسسة، القائمة على الاعتبارات الأمنية والولاء والطاعة، من إدارة ميادين القتال إلى التحكم المنفرد في ميادين السياسة.

من النظريات المسيطرة على تفكيرنا إزاء هزيمة مصر في حرب 1967 مع إسرائيل أن مصر وقعت ضحية مكيدة مدبّرة، وهذا ببساطة تفكير أسطوري لا دليل عليه. النسخة الأفضل والأكثر إتقانًا من هذه المقاربة، التي ترى الهزيمة بشكل أساسي بمثابة مؤامرة خارجية، هي ما يقدمه محمد حسنين هيكل في 1100 صفحة من القطع المتوسط في كتاب “الانفجار” الصادر سنة 1990. يدعم هيكل كتابه بخمسة وأربعين مستندًا تشمل محاضر اجتماعات، وخطابات، وتقارير من وزارات الحربية والخارجية والرئاسة المصرية، بالإضافة إلى كونه شاهد عيان ومشارك في اجتماعات مطوّلة مع عبد الناصر. يرى هيكل أن عبد الناصر كان ضحية مؤامرة ضخمة قادتها إسرائيل والولايات المتحدة منذ أواخر الخمسينيات وكانت ذروتها حرب 67، وأن أضلاع المؤامرة الثلاثة ومخططيها في الولايات المتحدة كانوا من تجار السلاح وعملاء المخابرات وشركات البترول، وانضمت إسرائيل لهم، ثم تشكّل ما يسميه هيكل “الحكومة السرية” بقيادة مستشار الأمن القومي والت روستو، وذراعه اليمنى رجل المخابرات روبرت كومر. وكان هدف المؤامرة، وفقًا لهيكل، هو تدمير الثورة المصرية وناصر، لأنهم وقفوا في طريق مخططات واشنطن ومصالحها في المنطقة.

المشكلة الرئيسية في نظرية هيكل المفصّلة والمحبوكة، والتي توفر ببساطتها معاناة كثيرة في محاولة فهم تعقيدات الواقع من زواياه المختلفة، أنها لا تستند إلى أي أدلة قوية أو معتبرة، بل هي مجرد قرائن واستنتاجات ومغالطات منطقية لإثبات نوايا وسياسات أمريكية. شذرات من هنا وهناك، وإشارة إلى تحقيقات دون مصادرها أحيانًا، أو مصادر دون أسمائها أحيانًا أخرى، أو وقائع دون مصادر، ثم القفزة اللغوية البارعة إلى استنتاجات ضخمة. يعتمد هيكل بشكل رئيسي في نظريته على ما يسميه “التحقيق الذي أجراه وليم مويرز المستشار الخاص للرئيس لندون جونسون عن موضوع الحكومة الخفية في الولايات المتحدة”[2]. عمل مويرز سكرتيرًا صحفيًا لجونسون لعامين فقط (من 1965 إلى 1967)، والتحقيق الذي يشير إليه هيكل ليس تحقيقًا قضائيًا، بل كتاب أصدره مويرز في سنة 1988 بناءً على فيلم تسجيلي أشرف عليه لصالح القناة العامة المموّلة من الحكومة بى بي إس في سنة 1987. كتب مويرز وغيره من المعلقين الأمريكيين، لعل أهمهم نعوم تشومسكي، كثيرًا وتفصيليًا عن المجمّع الصناعي العسكري الذي يؤثِّر في شئون السياسة في واشنطن، وعن علاقة هذا المجمّع بإسرائيل. لكن التأثير يختلف عن السيطرة، والقرائن ليست أدلة.


كانت واشنطن تريد تأمين إمدادات البترول الخليجي عمومًا، والسعودي والإيراني خصوصًا، بما يعنيه هذا من دعم استقرار أنظمة ضعيفة الشرعية تعتمد على الشراسة الأمنية، ومن شراء الولاءات في طهران والرياض. لكنها كذلك كانت تريد الحيلولة دون وقوع حرب إسرائيلية عربية أخرى. لم تكن الولايات المتحدة، وهي ترث بريطانيا وفرنسا في المنطقة عقب الحرب العالمية الثانية، تريد أن تلعب دور الاستعماري القديم، بل كانت تريد حكومات متعاونة يمكنها أن تقرر سياساتها الوطنية طالما ظلت، عمومًا، في معسكرها وليس المعسكر السوفيتي، وطالما لم تكن سياساتها تثير اضطرابًا قد يعرقل إمدادات البترول. من هذا المنطلق كانت واشنطن تخشى مما تفعله مصر في اليمن قرب السعودية، وتنزعج من الخطب الحماسية الصادحة من إذاعة صوت العرب من القاهرة ضد الملَكيات الرجعية في عمّان والرياض، ومن تصاعد وتيرة العمليات الفدائية الفلسطينية، وتحاول إيجاد حلول تتفق مع مخططاتها للهيمنة على المنطقة واستغلالها. لم تكن سياسة واشنطن الخارجية تتبنى قواعد الإنصاف والعدل، بل كانت تسعى خلف مصالحها المادية وبوضوح. 

ومن ناحيتها كانت القاهرة مدفوعة بإيمانها أن واشنطن تريد تغيير النظام والقضاء على ناصر، حتى مع علمها بمحدودية قدراتها العسكرية واعتمادها على القمح الأمريكي أو السوفيتي وعلى السلاح السوفيتي أو التشيكي. وهكذا لم تتوقف القاهرة عن إصدار تصريحات نارية وتهديدات كانت عاجزة عن تنفيذها فعليًا.

أما إسرائيل، فإن الوثائق والكتب المنشورة تشير إلى أن خطط غزو سوريا والحشود الإسرائيلية المزعومة على حدودها، وفقًا للتقرير السوفيتي، لم تكن حقيقية أو دقيقة. لم يكن لدى إسرائيل، حسب كل المصادر المتاحة والمعتبرة، سوى خطط طوارئ بديلة أو contingency plans، وهي خطط تعدّها كل المؤسسات والجيوش والشركات الحديثة لمواجهة الاحتمالات المختلفة. كُتب كثيرة ومذكرات ووثائق أرشيف تؤكد نوايا إسرائيل العدوانية والتوسعية. لكن هذه النوايا لم تكن في مجال التنفيذ الفعلي في أواخر 1966 وأوائل 1967. لم تكن لدى تل أبيب خطط هجومية عملية في تلك الفترة، بل إن قطاعًا واسعًا من ساستها، خصوصًا من الحرس القديم بقيادة بن جوريون، كان يسعى بقوة لتفادي أية مواجهة مع مصر، ويظهر ذلك جليًا في أحاديث بن جوريون مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إسحق رابين حتى قبل حرب يونيو بأيام، وذلك وفقًا للمصادر الإسرائيلية التي يعرضها مايكل أورين في كتابه عن حرب يونيو[3].

ليست هذه محاولة لنفي وجود سياسات أمريكية عامة لجأت للقوة والضغط، بل ولقلب الأنظمة والحرب العسكرية المباشرة وغير المباشرة، وليست أيضًا محاولة لنفي وجود نوايا توسعية لدى دولة إسرائيل التي قامت على الاستيطان والفصل العنصري، والمعروفة علاقاتها مع المعسكر الغربي، ولكن حديثنا ينصب هنا على تفاصيل الخطط والقرارات الأمريكية والإسرائيلية عشية حرب 67، وعلى ردود الفعل المصرية التي عجّلت من حدوث هجمة عسكرية كانت غير مخططة آنذاك.


بعد قرار عبد الحكيم عامر غير المدروس بدفع عدة فرق إلى سيناء، زاد قلق إسرائيل بعد أن انتهى احتفالها بعيد إنشاء الدولة (أي بالنكبة التي لحقت بالعرب في 15 مايو 1948). كان رابين، رئيس الاركان ساعتها، مترددًا بين “ألا نفعل شيئًا مما قد يوحي للمصريين أننا لا نعلم تحركاتهم أو لا نهتم بها، وساعتها ربما زادهم هذا جراءة على مهاجمتنا، وبين أن نبالغ في رد فعلنا فتتأكد مخاوف العرب أن لدينا نوايا عدوانية حاليًا، فنساهم ساعتها في إشعال حرب غير مرغوب فيها على الإطلاق”. ومن ناحية أخرى، اتفقت تقديرات المخابرات الأمريكية مع التقديرات الإسرائيلية على أن التحركات المصرية العسكرية “استعراضية” بغرض التهويش، وربما تمت بغرض تخفيف الضغط الإعلامي القادم من السعودية والأردن وسوريا. من هنا وافق رئيس الوزراء إشكول، وفقًا لمايكل أورين، على القيام برد فعل محسوب، لكن دون استدعاء الاحتياط.

في المقابل، واصل عبد الناصر خطبه وتصريحاته عن الاستعداد للحرب، وأنها ستكون حربًا فاصلة، بينما واصل عامر دفع قواته إلى داخل سيناء، على رغم أنه ما كان ينوي سوى التخويف في الأغلب، بعد أن دفعه ناصر للتخلي عن خطط هجومية خيالية. 

بحلول 16 مايو كانت الفرقة الخامسة قد وصلت إلى سيناء، ثم تلتها فرقتا المشاة الثانية والسابعة، وكانت الفرقة المدرعة السادسة والفرقة الرابعة في الطريق. كل هذه القوات، وقوامها مجتمعة قد يزيد عن 70 ألف جندي، هزّت رابين وقادة العسكرية الإسرائيلية، خصوصًا بعد أن وصلت قاذفات ومقاتلات مصرية إلى مطار بير تمادة في سيناء. وفي 17 مايو، قامت طائرتا ميج 21 من سلاح الجو المصري بطلعة استطلاعية فوق مفاعل ديمونة النووي في صحراء النقب، فتذكر الإسرائيليون تهديد عبد الناصر في اجتماع مع الأمريكيين في 1964 بأنه لن يقبل أبدًا أن يمتلك الإسرائيليون قنابل ذرية، حتى لو اضطر إلى شن حرب انتحارية.

خلال ساعات رفع الإسرائيليون درجة استعداد الجيش، ووضعوا سلاح الطيران على أهبة الاستعداد. وفي 19 مايو قدّرت المخابرات العسكرية الإسرائيلية برئاسة أهارون يارييف أن لدى مصر 80 ألف جندي في سيناء، معهم 550 دبابة وألف مدفع. وطالب الأمريكيون إسرائيل صراحة بعدم البدء بالهجوم، فتعهد الإسرائيليون بهذا شرط ألا تقوم مصر بإغلاق مضايق تيران.

وفي الفترة من 15 مايو وحتى إغلاق مضايق تيران في 23 مايو، قام المشير عامر بتغييرات متعددة في مناصب عليا في الجيش. مثلاً، جرى تعيين اللواء عبد المحسن مرتجي، العائد لتوه من اليمن حيث كان رئيس النادي الأهلي فيما بعد، وهو الرجل نفسه الذي استعمله عامر من قبل لضرب رئيس الأركان الفريق فوزي وانتزاع بعض صلاحياته، في منصب وسيط مستحدث بين قيادة الأركان وقيادة الجبهة الشرقية. وقال عامر لمرتجى إنه يمكنه الآن أن يصبح رئيس أركانه بدلًا من فوزي ولا حاجة به للاتصال بالقيادة العامة، حيث اصبح مرتجى قائد الجبهة الشرقية وصار قائد الجيش الميداني في سيناء اللواء صلاح الدين محسن مسؤولا أمامه. وبينما يعتقد بعض المعلقين ان عامر كان يحيط نفسه بمحاسيب لابعاد فوزي، يرى المؤرخ العسكري كينيث بولاك ان المشير لما رأى الحرب وشيكة قرر التخلص من بعض القادة غير الاكفاء ومنهم اللواء محسن الذي انتقده الفريق عبد الغني الجمسي في مذكراته قائلًا أنه تخلى عن موقعه وقواته في سيناء اثناء تنفيذ قرار الانسحاب بعد يومين من بداية الحرب. ولم يلجأ عامر، وفقا لبولاك، إلى اقالة محسن أو قادة أخرين بل قام بتعيين قادة اخرين فوقهم في مستويات قيادية مستحدثة وغير مفهومة ليتفادي أي صدام معهم. واختار عامر معظم القادة الجدد – ومنهم قادة ورؤساء اركان ست فرق عسكرية منتشرة في سيناء – من محاربي مصر في اليمن وبينهم مرتجى الذي عاد من اليمن في مايو ١٩٦٧. (كينيث بولاك، “العرب يحاربون: الفعالية العسكرية ١٩٤٨-١٩٩١”، ص. ٦٠-٦١ و ٦٠٣).

ولم يكن عبد الناصر أفضل كثيرًا في إدارة علاقاته المعقدة مع الضباط، وخاصة الضباط الأحرار، ولا سيما صديقه عامر. فهو نفسه عيّن فوزي رغم خبراته الميدانية القليلة رئيسًا للأركان كي يقلل من صلاحيات عامر، لأن فوزي كان مخلصًا لناصر منذ تزاملا في الكلية الحربية. ويجب أخذ نقد اللواء مرتجى للفريق فوزي بحذر كونهماكانا خصوما ولكن مرتجى يدعى في حوار مع مجلة الشباب في أول يونيو ١٩٩٢ ان فوزي كان بلا مؤهلات وكل ما فعله “أنه قاد سرية مضادة للطائرات في حرب ١٩٤٨ وعاد بعدها إلى الكلية الحربية ولم يخرج منها … كيف تجعله رئيس اركان حرب بلا علم أو قدرة عسكرية تؤهله لموقعه؟ كيف تفسر وجود شمس بدران وزيرًا للدفاع وهو الذي قال عنه عبد الناصر أنه لا يعرف أن يقول كلمتين على بعض؟ ولكن لماذا يُشترط في فوزي مؤهلات عسكرية؟ المشير وشمس وقادة أفرع القوات المسلحة ، ما هي مؤهلاتهم؟”

ومن ناحيته، كان الفريق فوزي مندهشًا من التطورات العسكرية المتلاحقة على رغم أنه قدم تقريرًا لعامر يعرف به ناصر، مفاده أنه لم ير أي حشود إسرائيلية على حدود سوريا، كما أنه اطّلع على تقارير رئيس المخابرات العسكرية اللواء محمد أحمد “صادق الذي أكد جواسيسه في إسرائيل عدم وجود مثل هذه الحشود. وقال فوزي في مذكراته، “حرب الثلاث سنوات[4] إن الحشود الإسرائيلية المدَّعاة لم تعد من وجهة نظر عامر السبب الأول أو الرئيسي لحشد ونشر القوات المصرية في سيناء. 

لم يستثمر ناصر أو عامر الوقت والموارد المطلوبة لخلق جيش كفء في الستينيات، بعدما تبينت لهم قدراته الفعلية في 1956 على رغم شجاعة وبسالة الجنود. كما انشغل عامر ووزير الحربية شمس بدران ورئيس المخابرات العامة صلاح نصر بالصراعات السياسية الداخلية وتعظيم المكاسب المحلية. ولم تكن المعلومات والبيانات المتوفرة عن قوة الجيش الإسرائيلي دقيقة، بل إن صور بعض الأهداف الإسرائيلية في خطة العمليات المصرية كانت قد اُلتقطت في الحرب العالمية الثانية، أي قبل حرب 1967 بأكثر من عشرين سنة. وأخيرًا، كان عامر منذ أدائه المخزي وانهياره في حرب 1956 يتوق إلى حرب ينتصر فيها على رغم أن جيشه لم يكن مستعدًا لحرب مثل هذه. ولذا تجاهل تحذيرات الفريق فوزي وقادة آخرين زعموا أنهم أبلغوا المشير في عدة اجتماعات أنه لا يمكن أن تكون هناك حرب لأن الاستعدادات العسكرية في سيناء لم تكتمل. وفي تلك السنوات العشرة بين الحربين قام عامر بدأب بإحلال ضباط يثق فيهم بغض النظر عن خبرتهم في كل المراكز القيادية في الجيش وعاونه شمس بدران 

ووفقا للكتاب الإسرائيليين ووثائقهم، فإن رابين ومستشاريه نظروا لتحركات الجيش المصري وتصرفاته – آنذاك- على أنه تنفيذ لخطة “الأسد” التي وضعها عامر، وتقتضي إقامة رأس جسر بري مع الأردن، تفصل بين شمال وجنوب البلاد، وتمنع إسرائيل من استخدام ميناء إيلات. كانت هذه الخطة تتطلب أن تنسحب قوات الطوارىء الدولية التابعة للأمم المتحدة تماما، وأن يتم إغلاق مضايق تيران مع وضع قوات مدفعية مصرية على رأس نصراني المشرفة على المضايق.

قام عامر بهذه الخطوات واحدة تلو الأخرى، ووافق عليها، وأعلنها ناصر. وفي مذكراتهم التالية، وفي التحقيقات، ألقى عدد من كبار الضباط المصريين بالمسؤولية على عامر، وفي اجتماع مع فوزي ومرتجى والفريق صدقي محمود – قائد الطيران- وفقا لمذكراتهم وأحاديثهم، بعد انتحار عامر، فإنهم حاولوا إثناء المشير عن بعض هذه الإجراءات.

المشكلة الخطيرة في تبني نظريات المؤامرات الكبرى، أنها في نسختها الأردأ، والسائدة الآن في المنطقة العربية، لا تعني مطلقا بأي توثيق أو مصادر، وتعفي المسؤولين عن الحكم من المحاسبة والمساءلة، وبالتالي تفتح الباب واسعا أمام الترّهات والخرافات لتبرير الأخطاء الفادحة، وتخلق المناخ الملائم للسقوط في النكسات والهزائم.. مرة تلو الأخرى.


العلاقات المصرية الأمريكية: بين الشد والجذب والضبابية

لا يوجد كاتب منصف يدرس تطور السياسة الخارجية الأمريكية في الخمسينيات والستينيات يمكن أن يصف علاقة واشنطن بالقاهرة بالعداء المطلق. كانت البداية على العكس من الشائع ودية وعلمت السفارة الأمريكية بالقاهرة من الضباط الأحرار بأن هناك تحركا قادما قبل ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وكانت هناك محاولات مصرية للحصول على سلاح وتمويل أمريكي في العامين التاليين للانقلاب، بل وكان الموقف الأمريكي بشكل أساسي هو السبب الحقيقي في اندحار العدوان الفرنسي البريطاني الإسرائيلي في عام ١٩٥٦ عندما كانت واشنطن قد اتخذت القرار بأن زمن الاستعمار المباشر قد ولى، وأنها ستتولي دور المهيمن على المنطقة. لكن العلاقات المصرية الأمريكية فترت بسرعة وصار حلفاء واشنطن الرئيسيين في المنطقة في طهران وأنقرة وتل أبيب والرياض، وكان اعتراف القاهرة بالصين سببا إضافيا في فتور العلاقات التي كانت واشنطن دائما تنظر لها بمنظار الحرب الباردة، لكن العلاقات لم تصبح عدائية صريحة  حتى أوائل ١٩٦٧.

كانت واشنطن لا شك تدعم إسرائيل والسعودية وتتخوف من مصر وسوريا في الستينيات قبل حرب يونيو، لكنها لم تكن تؤيد إسرائيل دون قيد ولا شرط، بل إن تسليح إسرائيل وبرنامجها النووي كانا يعتمدان على دعم وأريحية فرنسا قبل أي دولة أخرى. لم تصبح واشنطن هي الراعي الأكبر لتل أبيب عسكريا واقتصاديا حتى عام ١٩٦٨، وهناك كتب كثيرة حول تطور العلاقات بين البلدين من روابط تقوم على التقارب الثقافي الديني وضغط الجالية الصهيونية في الولايات المتحدة إلى ارتباطات متينة ومتداخلة على الأصعدة العسكرية والاستخباراتية والإستراتيجية خدمة لمصالح الولايات المتحدة في الحرب الباردة وما بعدها، وربما من أهم هذه الكتب: “اللوبي الإسرائيلي وسياسة أمريكا الخارجية” للمؤلفين ستيفن والت وجون ميرشايمر John Mearsheimer & Stephen Walt, The Israel Lobby and US Foreign Policy ، ولمن لا يملك الوقت، فهناك مقال شاركت في كتابته بالإنجليزية مع فيليس بينيس حول تطور العلاقات الاستثنائية بين إسرائيل والولايات المتحدة من نشأة إسرائيل وحتى اتفاق أوسلو. ويمكن الاطلاع عليه هنا.

ويلخص وليم بيرنز في كتابه المساعدات الاقتصادية والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر 1955-1981[5] المسألة بقوله إنه بين عامي 1955 و1967 لم يكن هناك أي توافق داخل الإدارة الأمريكية، سواء بين الأجهزة التنفيذية أو بينها وبين الكونجرس، حول السياسات أو الإجراءات المتعيَّن اتخاذها حيال مصر أو عبد الناصر. لكن المساعدات الغذائية الحيوية في شكل صفقات تفضيلية استمرت، بل واستمرت بعض الأحلام الوهمية لساسة مصريين وأمريكيين كانوا يعتقدون أنه بالإمكان التراجع عن حافة العداء. وفي مذكرة من مستشار الأمن القومي والت روستو للرئيس جونسون حول مساعدات واشنطن للقاهرة، قال الرجل قبل حرب يونيو بأربعة أشهر: “يجب أن نواصل بذل الجهود لنتقرب إلى ناصر لنتفادى شق الشرق الأوسط إلى معسكر أمريكي وآخر سوفيتي، لكن ناصر لا يترك لنا سوى خيارات ضئيلة… لقد وصل إلى حد تحدّينا علنًا ألا نجدد اتفاقنا معه [لتقديم المساعدات الغذائية]، ووجه لنا انتقادات حادة بشأن فيتنام، ويستمر في إثارة القلاقل في اليمن وجنوب الجزيرة العربية، وعمومًا فهو لم يستجب لاقتراحاتك التي أبلغتها للسادات في الشتاء الماضي لمناقشة اختلافاتنا بهدوء والعمل على تشييد علاقات بناءة.”[6]

لم تكن الولايات المتحدة متجهة إلى صدام حتمي مع مصر، بل كانت تحافظ على شعرة معاوية، وتمارس السياسة الخارجية ترغيبًا وترهيبًا. فقد استمرت واشنطن في تقديم صفقات قمح بترتيبات تفضيلية إلى مصر، وصلت إلى 904 مليون طن بين عامي 1960 و1965 بقيمة إجمالية 731 مليون دولار، دفعتها مصر بالجنيه المصري دون الحاجة إلى توفير العملة الصعبة. 

كانت القاهرة تعلم أنها معتمدة على القمح الأمريكي الذي كان يتعدى في المتوسط 8% من وارداتها ونحو 50% من استهلاكها المحلي. لكنها تكاسلت في تلك الفترة عن إيجاد بدائل أو زيادة الإنتاجية المحلية. وتحسّبًا لنهاية اتفاق السنوات الثلاث خلال شهور، طلبت مصر في سبتمبر 1964 تجديده لثلاث سنوات أخرى للحصول على قمح يعادل 500 مليون دولار تدفعها بالجنيه المصري. لكن واشنطن ماطلت في الرد بسبب مواقف كل من ناصر والكونجرس وبسبب تطورات سياسية محلية وأزمات غذائية في الهند. بيد أنها لم تضطر إلى أن تتخذ قرارًا نهائيًا، إذ سبقها ناصر في مارس 1967 وقرر سحب الطلب المصري المقدم لتجديد اتفاقيات القمح التفضيلية، خصوصًا وأن موسكو كانت قد وافقت على تزويد مصر بشحنات قمح ضخمة كانت قد استوردتها لاستهلاكها المحلي.

ولم يكن تفكير جونسون في تخفيض شحنات القمح التفضيلية لمصر في 1966 نابعًا كله من مشكلات العلاقات الثنائية، بل كان أيضًا جزءًا من توجه عام لدى الإدارة الأمريكية بخفض استعمال المساعدات الغذائية كأداة في السياسة الخارجية. وجاءت مصر في مقدمة الدول التي تضررت، لأن الإدارة كانت ترى أن مصر لديها أراض خصبة ويمكنها زيادة إنتاج القمح (كما حدث بالفعل بين أعوام 1966 و1974). كما أن سياسات ناصر جعلت عداء الكونجرس يتزايد تجاه القاهرة المشغولة بمساعدة حركة التحرر الوطني المتهمة بالشيوعية في الكونغو، والتورط العسكري في اليمن ضد مصالح الحليف السعودي، وحضور الرئيس السوفيتي نيكيتا خروتشييف لافتتاح المرحلة الأولى من بناء السد العالي[7]. كل هذه كانت مؤشرات تجعل أعضاء الكونجرس يعتقدون أن القاهرة قد ارتمت في أحضان موسكو، ولم يكن هذا حقيقيًا تمامًا، أو على الأقل لم يحدث بشكل درامي حتى بعد حرب يونيو، عندما بدأت موسكو في إرسال خبراء عسكريين وطيارين وأنظمة دفاع جوي وصواريخ لتعيد بناء الجيش المصري.

الكرامة لا شك أمر مهم للأفراد كما للدول. رفض الذل ورفع الرأس عاليًا ليس فقط موقفًا أخلاقيًا ووجوديًا، لكنه أيضًا موقف سياسي، زاد من أهميته كونه جاء لدى دول مثل مصر بعد عقود طويلة من الهوان الاستعماري وإذلال النخب والطبقات الوسطى الوليدة، التي كان عليها أن تخضع لمصالح لندن التي لم تتوان عن البطش بمعارضيها كيفما شاءت. لكن الفارق كان مرعبًا بين ادّعاء رفع الرأس أمام الخارج والتشدّق بعدم الانحياز في الخطب البلاغية، وبين واقع أن البلاد صارت بعد سنوات طويلة من الاستقلال تحصل على سلاحها وغذائها من الخارج وتقمع أي فرصة للتحول السياسي نحو مشاركة شعبية في دولة بدأ الفساد ينخر في مؤسساتها، خصوصًا المؤسسة العسكرية التي كانت، ولا تزال، فوق النقد؛ الفارق كان مرعبًا بين مواقف دولية تتحلى بالكرامة وعزة النفس، وبين وتصريحات تعاني الرعونة والشطط. 

ففي أوج التوتر بين مصر والولايات المتحدة، لم يتورع الرئيس ناصر عن السخرية المرّة وإطلاق التهديدات الفارغة التي استعملها أعداء مصر في الكونجرس وواشنطن ضده. ففي خطابه في بورسعيد في 22 ديسمبر 1964، تحدث ناصر عن الولايات المتحدة قائلًا: “الذي لا يعجبه سلوكنا يشرب من البحر، والذي لا يكفيه البحر الأبيض يأخذ البحر الأحمر يشربه كمان”. جاء هذا التصريح غير المبرر في السنة نفسها التي استهلكت فيها مصر ثلاثة ونصف مليون طن قمح منها مليوني طن (أو أكثر من 57%) حصلت عليهما بأسعار تفضيلية من الولايات المتحدة؛ جاء بعد أيام قليلة من قيام تظاهرة سار فيها طلاب أفارقة في القاهرة احتجاجًا على التدخل الأمريكي في الكونغو، انتهت بإحراق مكتبة وكالة الإعلام الأمريكية بجوار السفارة، ما أثار حنق الأمريكيين بسبب تقاعس قوات الأمن في بلد لم تكن التظاهرات تخرج فيه إلا بمباركة الأجهزة الأمنية أو تساهلها. وكانت القشة التي قضت على صبر الأمريكان حادثًا وقع في الجو قرب الإسكندرية، عندما أسقطت قوات الدفاع الجوي المصري، على سبيل الخطأ في الأغلب، طائرة أمريكية صغيرة مملوكة لجون ميكوم، وهو رجل أعمال أمريكي وصاحب شركة بترول، والأهم، صديق للرئيس جونسون.

ضع نفسك مكان “العدو الأمريكي”: كيف كنت ستفكر في تحركات وإشارات مصر؟

لا جدال أن واشنطن كانت تسعى إلى إفشال خطط وسياسات مصر الخارجية المناقضة لمصالحها، لكن رغم ذلك فالحرب بين مصر وإسرائيل لم تكن حتمية. لا يوجد دليل على ذلك سوى أفكار مؤامراتية وأحاديث مرسلة عن دور أو دعم أمريكي لقيام مثل هذه الحرب. ربما كان ناصر بذاته هدفًا لبعض الخطط الأمريكية من أجل إضعافه، وذلك لسبب وجيه من وجهة نظر الأمريكيين، وهو أنه اختزل الدولة في شخصه، وكان الكل يظن أنه إذا اختفى من على المسرح فستختفي معظم سياساته وتوجهاته التي تؤيد الحركات التحررية وتعادي سياسات الولايات المتحدة ومصادرها البترولية المهمة في الشرق الأوسط، لأنها ليست توجهات دولة ولا أحد يعلم مقدار الدعم الشعبي لها. وفي الحقيقة كان هذا بالضبط ما أنجزه السادات في وقت قصير بعد وفاة ناصر. 


العلاقات المصرية الأمريكية: العد التنازلي للحرب

يستعرض مساعد وزير الخارجية لشئون الأمن القومي يوجين روستو (شقيق والت روستو مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض) في رسالة إلى سفراء الولايات المتحدة في تل أبيب والقاهرة وموسكو وإلى البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة، مقابلته مع إفرايم إيفرون الوزير المفوض في السفارة الإسرائيلية في واشنطن “عقب أن تلقينا بيان ناصر حول إغلاق خليج العقبة”[8]. يقول روستو في الرسالة أنه أكد في الاجتماع مع إيفرون ما يلي:     “1- رُفعت مطالب إسرائيل الاقتصادية والعسكرية إلى الرئيس لندون جونسون ويمكن توقع رد سريع؛ 2- قرر الرئيس جونسون تفادي التصريحات العلنية بشأن الموقف في الشرق الأوسط؛ 3- أرسل الرئيس رسائل شخصية إلى الرئيس ناصر ورئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي إشكول ورئيس الدولة السوري نور الدين الأتاسي يناشدهم صَون السلام؛ 4- أرسلت الحكومة الأمريكية تحذيرًا إلى كل الحكومات العربية وإلى الاتحاد السوفيتي توضّح فيه موقف أمريكا المتمثل في ثلاث نقاط: أولًا أن تسلل الإرهابيين يعد انتهاكًا لاتفاق الهدنة العام، وثانيًا أن هناك حاجة إلى تقليل مستويات حشد القوات العسكرية، وثالثًا أن هناك ضرورة لضمان حق العبور الحر في خليج العقبة.”

هذه وثيقة مهمة، ومن أهم النقاط التي تكشفها أن مطالب إسرائيل بالحصول على مزيد من الأسلحة والدعم الاقتصادي من الولايات المتحدة حصلت على الضوء الأخضر الأمريكي عقب إغلاق خليج العقبة وليس قبل ذلك. فقد حولّت تداعيات منتصف عام 1967 التوجّه الاستراتيجي للرئيس جونسون “بإطلاق إسرائيل من عقالها لمهاجمة حلفاء الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط” من فكرة مجرّدة غير منعكسة في سياسات محددة إلى خيارات فعلية تبلورت في النهاية في صورة سياسة متكاملة.

إذا أردنا أن نفهم هذا التحوّل في تلك الفترة الحرجة علينا أن ننظر إلى المسألة بعدسات الحرب الباردة. فعلى رغم أن قوة العلاقات الإسرائيلية الأمريكية في الستينيات استندت في جانب منها إلى نفوذ القوى الصهيونية الأمريكية الموالية لإسرائيل، إلا أن جزءًا آخر من منطق هذه العلاقات كان يعود إلى أن إسرائيل اعتُبرت أحد أصابع أمريكا في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتي وحلفائه، هذا في حين أن دولًا عربية كبرى مؤثرة، وفي مقدمتها مصر، تقاربت مع موسكو وفضلت تحالفًا باردًا مع السوفيت على رغم ادعاءات عدم الانحياز. كانت أمريكا متورطة في فيتنام، وليس لديها الوقت للانتباه تمامًا لما يحدث في الشرق الأوسط وللقيام بمهام فعلية على الأرض، ومن ثَم كانت بحاجة إلى وكلاء، وهو الدور الذي تقدمت إسرائيل لشغله، وتم تثبيتها فيه بجدارة غداة حرب يونيو، بينما توّلت السعودية ودول الخليج تدريجيًا دور التوابع والمحميات، وشغلت إيران الشاه موقعًا في المنتصف.

وهكذا بدأت آلة الحرب في الدوران، خصوصًا مع تصاعد ضغط القوى الصهيونية داخل أمريكا من أجل موقف حاسم. ففي ليلة 22 مايو، وقبل أن يصدر الرئيس جونسون رد فعل علني، صدر قرار أمريكي بنقل الأسطول السادس إلى شرق المتوسط، وضمنه حاملتا الطائرات أمريكا وساراتوجا. في الليلة نفسها أرسل مساعد وزير الخارجية الأمريكي لوشيوس باتل برقية عاجلة إلى كل السفارات الأمريكية خارج البلاد، شدد فيها على أن الولايات المتحدة “ستسعى من خلال الأمم المتحدة والقنوات الأخرى إلى تحاشي وقوع الأعمال العدائية المباشرة التي صارت احتمالًا حقيقيًا ووشيكًا” بعد إغلاق الخليج. كذلك أوصت البرقية “المواطنين الأمريكيين بتفادي السفر إلى الجمهورية العربية المتحدة وسوريا والأردن وإسرائيل، وعلى المواطنين الأمريكيين الموجودين حاليًا في تلك البلدان دون عمل ضروري المغادرة في أقرب فرصة”.[9] كان هذا نداءً خطيرًا، ولا بد أن الخارجية أو المخابرات المصرية لاحظاه آنذاك. خطورة مثل هذه النداءات أنها تأتى عادة في الأيام القليلة السابقة على نشوب أعمال عدائية بغية حماية المواطنين الأمريكيين من الخطر.

في اليوم التالي، 23 مايو، بدأ الرئيس الأمريكي نشاطه نحو الثامنة صباحًا باجتماع على الهاتف مع وزير خارجيته دين راسك، ثم تحدث في الساعة التالية مع مندوبه في الأمم المتحدة آرثر جولدبرج ومع رئيس السي آي إيه ريتشارد هلمز ومع مستشاره للأمن القومي والت روستو (المؤيد لإسرائيل هو وأخيه يوجين روستو)، ثم أجرى عددًا من المكالمات مع زعماء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى. وفي الساعة 11:06 مساءً بتوقيت واشنطن، ظهر جونسون على شاشات التلفزيون وألقى بيانًا حاد اللهجة قال فيه إن قرار مصر إغلاق خليج العقبة لا يتمتع بأية شرعية قانونية وإنه يهدد السلام، داعيًا الأمم المتحدة إلى التدخل.

وفي اليوم نفسه، 23 مايو، تحديدًا الساعة 2:36 صباحًا، أرسل مساعد وزير الخارجية لشئون الأمن القومي يوجين روستو مذكرة إلى مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأدنى لوشيوس باتل[10] وإلى سفيري الولايات المتحدة في موسكو والقاهرة. يقول روستو في هذه المذكرة إن عبد الناصر في الأغلب اتخذ قرار سحب قوات الطوارئ من سيناء وإغلاق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية وهو لا يعتزم الحرب، بل للتمويه سياسيًا من أجل تحقيق كل أو بعض الأهداف الآتية: 1- دعم هيبته في العالم العربي بأن يطلب من دول عربية معينة أن تحذو حذوه في تحدّي إسرائيل، 2- التقليل من تدهور نفوذه في المجتمع الدولي، خصوصًا بين دول عدم الانحياز، 3- إظهار قدرته للولايات المتحدة بحيث تدرك الأخيرة أنه قادر على إيذاء مصالحها وأنه مازال قوة يعتد بها، على أمل أن يؤدي مثل هذا الإدراك إلى زيادة المساعدات الأمريكية لمصر[11].

النقطة الأولى هنا مهمة وصحيحة إلى حد كبير. إذ أن الأنظمة المَلكية المتحالفة مع الولايات المتحدة مثل السعودية والأردن من ناحية، والأنظمة “الثورية” المتشددة مثل سوريا من ناحية أخرى، كانت تزايد على مصر وتتحداها أن تثبت قدرتها على مواجهة العدو الإسرائيلي. وعلى رغم أن أيًا من هذه الدول لم تكن لديه القدرة، ولا الرغبة فيما يبدو وفقًا لمعظم المستندات التاريخية، على الدخول في حرب مع إسرائيل، إلا أن تعارض مصالحهم مع النظام الناصري جعل من المسوّغ لهم المبالغة في تهييج الرأي العام في قضايا لا يناصرونها في حقيقة الأمر.

وتحلل مذكرة روستو قرار إغلاق خليج العقبة، حيث يقول بالنص في الصفحة الثانية: “إن إغلاق المضيق يجعل خطر نشوب الحرب أكبر بكثير مما كنا نتوقعه. هنا يثور التساؤل حول ما إذا كان عبد الناصر قد صار أكثر طيشًا عن المعتاد، أو أنه أصبح أكثر اطمئنانًا إلى الدعم الروسي”. بعد ذلك بفقرة يقول روستو:”إن إعلان ناصر إغلاق خليج العقبة يضيف أبعادًا جديدة وشديدة الخطورة إلى موقف متوتر بالفعل في الشرق الأوسط. فالخليج مياه دولية يحق لسفن كل الدول العبور فيها، وأي إجراء يستهدف حرمان هذه السفن من حق العبور الحر سيجلب عواقب مأساوية.” 

هل كان عبد الناصر يدرك أن قرار إغلاق خليج العقبة سيؤدي إلى هذه العواقب المأساوية؟

تلخص برقية أرسلها السفير الأمريكي المعين في القاهرة ريتشارد نولتي إلى وزارة الخارجية في واشنطن يوم 23 مايو فحوى اجتماع عقده مع وزير الخارجية المصري محمود رياض لتقديم أوراق اعتماده[12]. يقول نولتي: “لقد شدّدت على أن حكومة الجمهورية العربية المتحدة يجب أن تفهم تمامًا أن الحكومة الأمريكية سوف تقوم بكل جهد ممكن من أجل تفادي الحرب ومن أجل إيقافها إذا اندلعت، وأننا نحث إسرائيل على ضبط النفس، لكن مسألة حرية العبور في خليج العقبة ذات أهمية بعيدة المدى، وأي انتهاك لهذه الحرية سيكون ذا عواقب وخيمة، وسيمثل من وجهة النظر الأمريكية عملًا عدوانيًا.”

كانت أمريكا إذن تهدد بأن إغلاق خليج العقبة يعد بداية للحرب. ففي الاجتماع نفسه قال نولتي إن الولايات المتحدة تعهدت على مدى الإدارات الأربع السابقة بأنها ملتزمة “بالعمل من أجل دعم أي إجراءات لمواجهة الأعمال العدائية العلنية أو السرية في الشرق الأدنى”، ثم أضاف أن “وزير الخارجية رياض قال إن مصر ستوقف أي سفن إسرائيلية وسوف تصادر الشحنات الاستراتيجية من كل الناقلات الأخرى، وأنها لن تقوم بأي أعمال عدائية، لكنها ستدافع عن نفسها بحزم ضد أي هجوم. واستخلصنا من هذا أن الولايات المتحدة في حالة مواجهة مباشرة مع مصر”[13].

في هذه الأثناء اتجه الأمين العام للأمم المتحدة يو ثانت إلى القاهرة في محاولة أخيرة لنزع فتيل التوتر المتزايد بين مصر وإسرائيل. وفي الطريق علم بقرار مصر اغلاق مضيق تيران، فأعرب عن دهشته قائلًا إن القرار يجعل الحرب حتمية.

الغريب في هذا السياق أنه، وفقًا لمكاتبات السفير نولتي لوزارته، كان لدى القاهرة بالفعل حججًا قانونية تكفي لإغلاق المضايق، بل ولطرد قوات الطوارئ الدولية. فحسب اتفاق الهدنة الموّقع سنة 1949، كان يتعيّن على تلك القوات أن تتمركز على جانبي الحدود، لكن إسرائيل رفضت السماح لها بالانتشار على أراضيها، فانتشرت على الجانب المصري فقط. وفي حين أنه كان هناك خلاف قانوني دولي عميق حول حرية الملاحة في مضايق تيران، إلا أن مصر امتلكت حججًا قانونية وتاريخية قوية تدعم موقفها في اعتبار مياه المضايق مصرية[14]. لكن المشكلة كانت أن القيادة السياسية لم تستغل هذه الحجج على الصعيد الدولي بما يكفي، بل اكتفت كالعادة باستعمالها في الحشد والتعبئة المحليين.

عبد الناصر وعامر في بير جفجافة في ٢٢ مايو ١٩٦٧ حيث أعلن ناصر اغلاق مضايق تيران وصنافير

ووقفت الولايات المتحدة بحزم ضد قرار إغلاق خليج العقبة، وأعلنت أنه عمل عدائي يصلح مسوّغًا لإسرائيل للهجوم على مصر. لكنها من جانب آخر لم تقم بأي دور نشط من أجل التوصل إلى مخرج من هذه الورطة سوى مطالبة مصر بالتراجع. بيد أنه كان من شبه المستحيل أن تتراجع القاهرة دون ثمن تحصل عليه لتبرر به تراجعها: ثمن تدفعه للشعب المصري الذي عُبئ وتحمّل الكثير ماديًا ومعنويًا في المواجهة مع إسرائيل، ثمن تدفعه للشعب العربي الذي تعلّقت أنظاره بأجهزة الراديو المضبوطة على محطات القاهرة، ثمن تدفعه لتفادي السخرية الحادة والتحقير المتوقع من السعودية والأردن، وثمن تدفعه لدول عدم الانحياز والعالم الثالث التي احتشدت خلف مصر في هذه المواجهة. احتاجت مصر مثل هذا الثمن، لكن لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد السوفيتي قدما ما يمكن أن يساعد مصر على دفع حتى بعضًا منه. وهكذا بات حتميًا على القاهرة أن تواجه تبعات قرارها.

صار التراجع مستحيلًا، وبدا واضحًا أن كل الطرق تؤدي إلى الحرب، فلماذا لم يبدأ عبد الناصر الحرب؟ لماذا ترك زمام المبادرة في يد إسرائيل؟ هل هو خطأ في التقدير؟ خطأ في الاستراتيجية العسكرية؟ نقص في المعلومات؟ أم تدن مريع في قدرات وأداء قيادة عسكرية عجز عبد الناصر عن تغييرها وعن إصلاح مؤسسة كانت في اعتقاده هي الضامن الرئيسي لبقائه هو ومشروعه الطموح في السلطة؟


الصراعات الداخلية ودورها في الهزيمة الخارجية

سيطر المشير عامر على الجيش بصورة شبه مطلقة منذ سنة 1962، وأداره من خلال مجموعة من الضباط الموثوق في ولائهم والمشكوك في كفاءة معظمهم. لا تساعدنا المصادر المتاحة في معرفة لماذا حصل عامر على رتبة المشير، وهي رتبة تماثل رتبة الفيلد مارشال في الغرب التي لا يمكن أن يحصل عليها إلا رجل خاض حربًا ميدانية حقيقية وانتصر فيها قائدًا لجيوشه، مثل الإنجليزي برنارد مونتجمري أو الألماني إرفين روميل. 

لم تتطور معلومات وخبرات عامر العسكرية منذ أوائل الخمسينيات، بل إنه فشل في إدارة حربي 56 واليمن وأخفق في الحفاظ على الوحدة مع سوريا. لكنه في مقابل ذلك تميز بقدرات فائقة على التآمر، وقام بتمتين علاقاته مع شبكة واسعة من الضباط بسبب الامتيازات التي أغدقها عليهم. استمر عامر نائبًا لرئيس الجمهورية ونائبًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة حتى بعد هزيمة يونيو بعدة أسابيع. ولم يكن سبب بقاء الرجل في مناصبه الصداقة المتينة وعلاقات الثقة التي تربطه بعبد الناصر فحسب، بل لأنه صار أقوى من ناصر عسكريًا، بل وسياسيًا على الصعيد الداخلي. فخلال أعوام طويلة قضاها على رأس السلطة العسكرية، تمكّن المشير من زرع رجاله في كل المراكز الحساسة في الجيش، حتى أنه بعد إبعاده عن مناصبه كان نفوذه ورجاله منتشرين لدرجة أن إنزال صورته من مراكز رئاسة الوحدات كان قرارًا اضطر وزير الحربية الجديد أمين هويدي إلى تفاديه فترة من الزمن، كما أن عبد الناصر نفسه نصح هويدي بتغيير القادة الموالين لعامر على فترات وبعد استقرار الأوضاع.

كان تأمين النظام وتفادي انقلاب عسكري أهم عند القيادة السياسية من الأمن القومي للبلاد ومحاسبة من كلفوها اسوأ وأسرع هزيمة في تاريخها المعاصر. وكان عبد الناصر “يخشى القوات المسلحة، فهي الآداة التي استخدمها في التغييرات الثورية الهائلة التي قام بها منذ قيام الثورة وكان يتحاشى الاصطدام بها حتى لا تصبح آداة في يد غيره لإحداث تغيير غير مرغوب فيه.  وحتى بعد الفشل العسكري في ١٩٥٦ امتنعت القيادة العسكرية عن نشر الحقائق والوقائع “خوفا من تقليل المكاسب السياسية الباهرة.” ويقول سامي شرف، سكرتير مكتب عبد الناصر للمعلومات، إن “تعليمات الرئيس أن كل ورقة تعرض عليه ترسل إلى المشير في اللحظة نفسها دون استشارة، والقرارات التي تصدر دون أن يكون شريكًا فيها، يكون أول من يعرفها، وكان عبد الحكيم هو الوحيد الذي يعرف تحركات الرئيس السرية”[15]

عامر، اقرب اصدقاء ناصر حتى صار اعتى خصومه سياسيا، يمسح كتف الرئيس المبتسم

في 1962 فشل عبد الناصر في إزاحة عامر عن القيادة المنفردة للجيش، واستمر الصراع الخفي، وتصاعد إلى قمته لدرجة أثّرت على صنع القرار وأوجدت مواقف أثرت تأثيرًا مباشرًا على المعركة نفسها. فقد اعترض المشير على قرار ناصر بتعيينه وزيرًا للحربية وتعيين الفريق فوزي رئيسًا للأركان، بحيث يتولى الأخير القيادة الفعلية للجيش. قدم عامر استقالته وتجمع ضباط مؤيدون له في مركز القيادة العامة في كوبري القبة، فتراجع عبد الناصر، مما أدى إلى تعاظم نفوذ عامر على كل شئون المؤسسة العسكرية. هنا اختار عامر شمس بدران وزيرًا للحربية، وأعطاه السلطة في بعض قطاعاتها، وجعله مسئولًا أمامه هو -وليس أمام مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية- في قلب غريب للنظام المتّبع في معظم دول العالم.

كان مديرو مكتب المشير على التوالي هم صلاح نصر وعباس رضوان وشمس بدران وعلي شفيق صفوت. صار الأول مديرًا للمخابرات العامة، والثاني وزيرًا للداخلية، والثالث وزيرًا للحربية. وهكذا صارت المؤسسة العسكرية تعمل من أجل “أمن الثورة أكثر منها قوات مسلحة تجيد القتال الحديث قيادةً وتنظيمًا وتدريبًا”، كما صارت قيادتها وقيادة أجهزة الأمن كلها تتجمع خيوطها وولاءاتها عند رجل واحد هو المشير عامر[16].

ناصر وعامر في احد العروض العسكرية

ترهل المؤسسة العسكرية

لا شك أن أشخاصًا محددين هم الذين يتحملون مسئولية قرارات الأيام القليلة السابقة على حرب 1967. لكن إلى جانب القرارات الهوجاء لأشخاص في مواقع السلطة شبه المطلقة، لا ينبغي أن ننسى الوضع المتردي للمؤسسات المعنية بخوض الحرب، خصوصًا القوات المسلحة وأجهزة الأمن والمخابرات، تلك المؤسسات التي أخفى حقيقة وضعها المزري واستعداداتها السيئة وجود أهل ثقة على قمة هرمها التراتبي الجامد في ظل نظام سلطوي يطرد، بل يعاقب، التفكير المستقل والأفكار المختلفة؛ نظام يعتوره الفساد ويقضم أطرافه ببطء.

كانت عملية اتخاذ القرار في القوات المسلحة المصرية قبيل حرب 1967 مفرطة في البطء، تمر بسلسلة طويلة من الموافقات والتصديقات من المستويات الأعلى إلى المستويات الأدنى، مما يضيّع كثيرًا من الوقت، فلا تصل الأوامر إلى القوات الأمامية على خطوط المواجهة سوى بعد ضياع وقت ثمين. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، اعتمد عدد كبير من قيادات الجيش المصري في الوصول إلى مناصبهم والبقاء فيها على الشللية والتقرّب من المشير. كل هذا هبط بمهنية وكفاءة القوات المسلحة، وفاقم المشكلة غياب المراقبة من وزير سياسي مستقل مسئول أمام الرئاسة والافتقار إلى آليات محاسبة برلمانية أو مساءلة شعبية مستقلة.

ولقلة عدد المسؤولين المؤثرين فعلا على القرار السياسي والعسكري في مصر وانشغالهم بالنظر للعالم من وجهة نظر تآمرية فات عليهم جميعا إشارات كانت واضحة لم يحللوها أو حللها بعض مستشاريهم، لكن آرائهم أُهملت. ولم تستطع المؤسسة العسكرية في مصر أبدًا تقدير الفرق الجوهري بين النقد الهدّام بغرض الإضعاف من ناحية، والنقد البنّاء الذي يجب التعامل معه بجدية من ناحية أخرى. ولو كان لدى مصر حدًا أدنى من آليات المساءلة، لما استمر عامر يدّعي أنه “يقود أقوى قوة في الشرق الأوسط”، بل وأن يرد على ناصر باستهانة (عقب اجتماع مساء 2 يونيو توقع فيه الرئيس أن تهجم إسرائيل خلال يومين وتفتتح هجومها بضربة جوية ضخمة) قائلًا إنه يتمنى ألا يكون في وضع وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان “الذي لا بد وأنه حائر الآن فيما يمكن أن يفعله إزاء قوة الاستعداد المصري”[17]؛ لو كانت هناك آليات للمساءلة لما استطاع وزير الحربية شمس بدران (وهو أحد محاسيب عامر) أن يقول باستخفاف لرئيس وزراء الاتحاد السوفيتي أليكسي كوسيجين “حتى إذا وجّهت إسرائيل جميع قواتها إلى جبهتنا وتركت باقي الجبهات خالية، فنحن مستعدون لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل، فلا يهمنا أمريكا أو غير أمريكا”، أو أن يقول في اجتماع مجلس الوزراء بعدما وصل إلى القاهرة قادمًا من موسكو إنه إذا تدخل الأسطول الأمريكي “فإن قاذفاتنا الجوية تعاونها اللنشات السريعة لقواتنا البحرية يمكنها بسهولة تدمير أكبر حاملة طائرات أمريكية لذلك الأسطول”[18]، [19].

أوحى بدران في اجتماعاته أن السوفيت سيدعمون مصر إذا تطلب الأمر. ونتيجة لهذا الإيحاء، الذي لم يتحقق أبدًا، نشأت بعد الهزيمة بين عدد من قادة القوات المسلحة نظرية مؤامرة مفادها أن الاتحاد السوفيتي ورّط مصر في الحرب كي يجعلها معتمدة عليه تمامًا. هذا مثلًا ما يدعيه اللواء عبد الحليم الدغيدي المسئول عن القوات الجوية في سيناء في مذكراته التي نشرها في صحيفة الأيام في الإسكندرية في يونيو ويوليو 1988، والتي نقلها محمد الجوادي في كتابه “الطريق إلى النكسة”[20]، وهذا أيضًا ما يقوله قائد القوات البرية إبّان الحرب الفريق عبد المحسن مرتجي وقادة آخرين ركزوا في مذكراتهم على لوم أشخاص بعينهم بدلًا من النظر إلى المشكلات السياسية والاقتصادية الهيكلية التي كبّلت المؤسسة العسكرية. ومضى الدغيدي أبعد، فقال إن السبب الأساسي في هزيمة ١٩٦٧ هو مؤامرة “قررها الروس للقضاء على القوات المسلحة وأسلحتها حتى تركع مصر وتستجديهم لطلب السلاح وتزداد فقرا فوق فقرها حتى تسري الشيوعية في دمائها.” [21]

وترتكن معظم هذه النظريات على كتيب من ٤٠ صفحة وضعه الجنرال الإنجليزي/الأردني جلوب باشا بعد حرب ١٩٦٧ ألقى فيه باللوم على الاتحاد السوفيتي زاعما أنه تواطىء وتسبب في هزيمة العرب كي يقعوا تماما في أحضان موسكو، وصدق عدد كبير من العسكريين المصريين هذه النظرية التي لا دليل عليها.  وتعاني معظم مذكرات الصف الثاني من القادة من حالة من التشويش والادعاءات الواسعة الفضفاضة دون شهود أو مستندات، ثم القفز نحو استنتاجات غير منطقية تداعب الشعور المفضل في المنطقة في وجه الفشل المتزايد في مقاومة القوة الباطشة من جانب قوى الاستعمار وإسرائيل وهو الشعور بالمظلومية وعدم النظر في مسؤولية القائمين على السلطة والحكم، عن المشاركة في تردي إوضاع بلادهم وفشلها في مقاومة العدوان.

وفي الحقيقة دأب الإتحاد السوفيتي في الأيام العشرة السابقة على الحرب على نُصح مصر بألا تنزلق نحو الحرب، لكن القادة المصريين كانوا يسمعون هذا الكلام الواضح، ثم يفهمون ويكررون لزملائهم ورؤسائهم شيئًا آخر تمامًا. حدث هذا مثلًا خلال زيارة بدران إلى الاتحاد السوفيتي (25 -28 مايو). فبعدما اجتمع هذا الأخير مع رئيس الوزراء أليكسي كوسيجين ووزير الخارجية آندريه جروميكو ووزير الدفاع أندريه جريتشكو ونائب وزير الخارجية فلاديمير سميونوف، عاد إلى القاهرة وتباهى أمام مجلس الوزراء بالدعم السوفيتي المطلق. لكن قراءة سريعة لمحضر اجتماعه مع كوسيجين وجروميكو يشير إلى العكس. إذ يقول كوسيجين بالنص، بعد أن استمع إلى مرافعة حماسية بعض الشيء من بدران: “من الناحية السياسية انتصرتم ومن الناحية العسكرية انتصرتم، فماذا تريدون الآن؟ رأيي أنه من الممكن الاكتفاء بما وصلتم إليه… من الأفضل وضع البرنامج السياسي والخطوات اللازمة في المستقبل حتى لا تدخلوا في المعركة العسكرية… أفضل النقاش على المائدة بدلًا من المعركة الحربية، هذا في مصلحتكم، وإذا قبلتم هذه الفكرة فإن أفكارنا بذلك تكون متطابقة، لكن إذا كان لديكم وجهة نظر مخالفة أرجو إبلاغنا.” إذن فقد طلب كوسيجين من مصر بوضوح عدم التورط في حرب والتراجع نحو مائدة المفاوضات لتقرير مستقبل الملاحة في مضايق تيران. لكن بدران وغيره كانوا يبلغون رؤسائهم ومرؤوسيهم رسائل مختلفة[22]

كان تدخل الجيش في السياسية وعدم وجود رجل سياسة على رأس المؤسسة العسكرية مشكلتين عويصتين أدتا إلى إضعاف مهنية وحيادية الجيش، وفي نفس الوقت أبعدته تماما عن المساءلة والحساب السياسي وجعلته دولة داخل الدولة. وانتقد الفريق فوزي أسلوب عامر في إدارة الجيش وإدخاله في أعمال الأمن والسيطرة على الفئات السياسية المعارضة، ثم مكافأة الموالين عن طريق منحهم شقق توفرها الحكومة وسيارات مدنية وامتيازات أخرى وزيادة رواتب الضباط والجنود مما أدى إلى انتشار السلبية بين ضباط الجيش وعوقب أي تذمر أو اختلاف في الرأي عن طريق الطرد والمحاكمات السرية والإحالة للمعاش من غير الطريق التأديبي وتفشى الخوف والسلبية بين أفراد القوات المسلحة مع تصاعد أهمية الولاء الشخصي للمشير ومجموعته.


العرض العسكري في القاهرة في ذكرى الثورة في ٢٣ يوليو ١٩٦٦

انمحى الفارق بين الحرب النفسية ضد العدو وبين أن يكذب القادة العسكريون على شعوبهم وجيوشهم، حتى صدّق بعض الضباط الأكاذيب حول الجاهزية العسكرية وقدرات التصنيع الحربية المحلية. فلمّا أنشأ عبد الناصر وزارة للإنتاج الحربي في إطار تنفيذه لمشروع تصنيع صواريخ بعيدة المدى وطائرات مقاتلة حديثة، أُقيمت المصانع وأجريت التجارب العملية وأُطلقت على الصواريخ أسماء القاهر والظافر والرائد، بل وبدأ تصنيع محرّك طائرة مقاتلة. لكن على رغم كل هذه المجهودات والمصروفات، وعلى رغم محاولات الخبراء الألمان، فإن تلك الخطة التصنيعية الطموحة تمخّضت عمليًا عن لا شيء، اللهم إلا المرور السنوي بالهياكل الفارغة، بل والخشبية أحيانًا، للصواريخ في استعراضات عسكرية مبهرة[24].  وقبل 1967 ورغم الانفاق المتزايد على الصناعات العسكرية لم تكن مصر حتى تنتج كفايتها من الذخائر ذات العيارات الصغيرة[25] وانتقد أمين هويدي خضوع الصناعات العسكرية لوزارة الحربية (حرب ١٩٦٧، أسرار وخبايا، ص ١٢).

تضاربت خطط القوات المسلحة، وبسبب ضعف مستواها التدريبي كانت قدراتها على الانتشار السريع وتنفيذ الخطط متدنيّة للغاية. كانت هناك على الأقل أربع خطط عندما بدأ حشد القوات المصرية في سيناء في 15 مايو 1967: الخطة “قاهر” للقوات التابعة للمنطقة الشرقية، والخطة “فهد” للقوات الجوية، والخطة “فجر” لعزل جنوب إسرائيل عن ميناء إيلات، والخطة “سهم” لقطع الطريق على القوات الإسرائيلية بين رفح وغزة. لكن كل هذه الخطط والاستراتيجيات لم تكن سوى “حبرًا على ورق، ودوائر على ورق خرائط وشفافات”. إذ لم تكن هناك إمكانات لتنفيذها، ولا معلومات دقيقة عن العدو. بل إن “المحاولة الوحيدة للحصول على معلومات بالتصوير الجوي التي نُفذت قبل الحرب كانت نتيجتها صورة التقطتها طائرة استطلاع لميناء العقبة العربي الأردني بدلًا من ميناء إيلات المطلوب تصويره”[26].

لم يهتم القادة بتدريب وحدات الجيش في مناورات فعلية. إذ لم تقم القوات المسلحة بمناورات للجنود منذ مناورة 1954 في طريق مصر الإسكندرية الصحراوي. ولمدة سنة امتدت بين 1965 و1966، لم تزد نسبة استهلاك وقود التدريب عن 5.2% للبنزين و2.1% للسولار و1.3% للكيروسين، بينما استُهلك باقي الوقود في أغراض إدارية. ولم تستهلك قوات المشاة أكثر من 26% من الذخيرة المخصصة للتدريب، ولم تزد نسبة استخدام الذخيرة في سلاح المدرعات عن 15% والمدفعية عن 18%، ويعني هذا أن كل دبابة في الجيش لم تطلق سوى طلقة واحدة في تلك الفترة بغرض التدريب. وفي أعوام 65 و66 و67 لم يتم تدريب أي لواء مكتمل في الجيش، بل كانت تقارير ضرب النار تُزيَّف أحيانًا، كما كانت تقارير متابعة التدريب التي تُرفع إلى المشير مُضللة، تهدف فقط إلى إظهار “مجهود” القائمين على التدريب. 

وعلى رغم هذا كله، ادَّعت هيئة تدريب القوات المسلحة في بيانها عن الفترة بين 1965 و1966 أن القوات البرية حققت “خلال سنة التدريب المهام التي كُلفت بها كافة، داخل وخارج الجمهورية، بروح عالية وتصميم أكيد، ومعظم أوجه النقص السنة الماضية لها ظروفها الموضوعية، وفي مجموعها لا تؤثر على الكفاءة القتالية للقوات”. وهكذا كانت النتيجة أنه على رغم أن القوات المسلحة أصدرت 178 أمر استدعاء وتعبئة للحرب بين منتصف مايو والخامس من يونيو 1967، فإن النقص في قوات الجيش صبيحة المعركة زاد عن 33% من العدد المطلوب. فمن بين 120 ألف جندي احتياطي استجاب 80 ألفًا فقط لنداء التعبئة وتخلَّف 40 ألفًا. وفي الفترة نفسها (أي أسبوعين ونصف) تم تغيير 12 قائد فرقة ولواء واستحداث 15 قيادة تعبوية وتكتيكية وإدارية جديدة، “ويدل ذلك على مقدار التخبط الذي كان يسيطر على كل شيء في إدارة العمليات”. وحتى بعد الهزيمة لم تتغير الأمور سريعًا. بل إن اللواء المسئول عن خطة التعبئة التي فشلت وجرى تنفيذها بطريقة “دفعت بالكثيرين إلى الحدود بجلاليبهم وبالمعدات غير الصالحة أو التي لا حاجة لها إلى شرق القناة، كان في موقعه منذ حرب 1956 وظل هناك حتى أواخر 1967 عاجزًا عن إرسال مزيد من الضباط المتكدسين في القيادة العامة بمدينة نصر إلى الضفة الغربية من القناة، حيث كان قائد الجبهة اللواء أحمد إسماعيل يشكو مرّ الشكوى من نقص الضباط”[27]

وفي القوات الجوية، كانت هناك أوجه نقص مروّعة بخصوص الحماية والأفراد. فلم تكن هناك دُشم تحمي الطائرات من القصف بدعوى عدم توافر الميزانية، على رغم أن القيادة الجديدة للجيش بعد الهزيمة أنشأت 100 دشمة خلال ثلاثة أشهر فقط، بتكلفة خمسة آلاف جنيه للدشمة، وهو مبلغ بسيط بالنسبة لميزانية القوات المسلحة. وحتى يوم الهزيمة كانت هناك عشرات الطائرات في الصناديق، وكان عدد الطائرات يتعدى عدد الطيارين بـ50% على الأقل، وهو عكس الوضع المعتاد في الجيوش الأخرى -طياران لكل طائرة- وكانت فترة تجهيز الطائرة للقيام بطلعة جوية 45 دقيقة، لعدم توفر التدريب والتجهيزات، بينما كانت المدة اللازمة لذلك في القوات الجوية الإسرائيلية لا تتجاوز 8 دقائق. وفي اجتماع مع القيادات العسكرية في الثاني من يونيو قال عبد الناصر إنه يعتقد أن الحرب ستقع خلال 48 إلى 72ساعة (أو بين الثالث إلى الخامس من يونيو) مرجّحًا أن الهدف الأول سيكون القوات الجوية المصرية، فرد عليه قائد الطيران الفريق صدقي محمود أن كل شيء محسوب وأن الخسائر لن تتعدى 10%[28]. (وردت سيرة هذا الاجتماع في كتاب أنور السادات “البحث عن الذات” وعبد الله إمام “عبد الناصر: كيف حكم مصر”، بينما قال الفريق فوزي في كتابه “حرب الثلاث سنوات” إن الفريق صدقي أكد أن الخسائر قد تصل إلى عشرين في المائة، وسيؤدي هذا لتكسييح القوات الجوية – واستعمل تعبير crippling باللغة الانجليزية).

كانت أوضاع القيادة العسكرية عشية الحرب بائسة إلى أبعد حد. فقدرات المشير عامر في مجال الاستراتيجية وترتيب الأولويات تتسم بالضعف المريع، ووزير الحربية بدران مشغول بتأمين النظام من أي تململ بين أفراد الجيش وبالعمل على مسائل الأمن الداخلي (مثل قضية الإخوان المسلمين والاعتقالات الكبرى في صفوفهم بسبب مؤامرة مزعومة سنة 1965)، ورئيس الأركان الفريق فوزي ليست لديه سوى صلاحيات محدودة، بعد أن نُزعت منه قيادة القوات البرية ومُنحت للفريق مرتجي، صديق عامر. 

نتيجة لهذا كله لم توجد أي أجهزة حقيقية تخطط وتتابع مستوى كفاءة وقدرة القوات المسلحة. فحتى بدأ القتال مع إسرائيل لم تكن للقوات المسلحة قيادة موحدة، ووصل الحال إلى حد أن القيادات في المستويات المختلفة اعتادت ألا تنفذ أمرًا إلا إذا شاهدت توقيع المشير شخصيًا في شئون العمليات والتدريب أو توقيع شمس بدران في الشئون الأخرى. وهكذا، كان هناك عشرات الآلاف من الضباط والجنود المحتشدين في سيناء في أواخر مايو وأوائل يونيو 1967، ثلثهم على الأقل من قوات الاحتياط، دون أن تعلم الوحدات والتشكيلات واجباتها بالضبط أو تتسلم مهام قتالية محددة.


نخطىء تقييم ما حدث إذا ألقينا بكل المسؤولية في هزيمة مصرالساحقة في ١٩٦٧ على عاتق أفراد مثل ناصر أو عامر أو كليهما. ونخطىء إذا اعتقدنا أن المسؤولية تقع فقط على عاتق مؤسسات ترهلت أو أُرهقت مثلما كان الجيش المصري بعد سنوات من تورط ثلث قوته في حرب أهلية في اليمن قتلت منه ربما ٢٤ ألف جندي، جيش عانت خططه وتنظيمه وإعداده من الضعف والتخبط وانشغلت قياداته عن إعادة هيكلته بعد آدائه السيىء في حرب ١٩٥٦ متفرغة أكثر لطموحاتها السياسية والمالية وتعظيم النفوذ. ونخطىء أيضاً، وأخيراً، إذا اعتقدنا أن مساعي الولايات المتحدة لعرقلة طموحات ناصر الإقليمية هي سبب الهزيمة، بعد أن عملت سنوات طويلة كتفا بكتف مع الملكيات المحافظة في الرياض وعمان والعواصم الأخرى المنزعجة مما رأت أنه خطط توسعية وتدخلا في شؤونها تحت ستار القومية العربية من جانب عبد الناصر ومؤيديه متذبذبي المواقف في دمشق وبغداد وعدن.

كل هذه العوامل (أفراد ومؤسسات وسياسات داخلية واقليمية وخارجية) تداخلت سويا لتصنع هذه الهزيمة التي كان يمكن تفاديها في نهاية حرب خاطفة كان يتعين تجنبها. ويأتي تركيزنا هنا على العوامل الداخلية لأنها كانت خاضعة لقرارات وتوجهات القاهرة على عكس آليات الحرب الباردة الكونية التي لم يكن لمصر أن تؤثر فيها كثيرا أو تفضيلات الملكيات المحافظة وخاصة السعودية والأردن في المنطقة العربية.

ومحاولة فهم هزيمة ٦٧ بهذه الطريقة التي تبحث في كل العوامل تنجيّنا من فخ تصوير عبد الناصر على أنه ديكتاتور وطاغية تسبب بمفرده في حرب خاسرة أو أن المشير عامر منفردا قاد الجيش المصري للنكسة، أو أن هذه الخسارة الفادحة كانت نتيجة طبيعية لضعف أو ترهل المؤسسات المصرية عسكرياً واقتصادياً وإدارياً، أو أن الحرب كانت حتمية وكذلك خسارتها بسبب المؤامرات الإمبريالية الأمريكية والصهيونية الاسرائيلية لاسقاط مشروع القومية العربية.

كان لهذه الهزيمة أكثر من أب.

لا شك، مع كل هذا، أن عبد الناصر يتحمل مسؤولية أساسية عن الهزيمة، كونه كان قادراً في لحظات متعددة على إيقاف القطار المتسارع نحو كارثة الخامس من يونيو ١٩٦٧.

لم يكن عبد الناصر ديمقراطياً، ولم يثق أبداً في المشاركة الشعبية المفتوحة وآليات السياسة من أحزاب ونقابات وتجمعات سياسية ومدنية. لم يتلق الرجل سوى تعليما عسكريا وتولى ابن الطبقة المتوسطة الدنيا السلطة وهو في الرابعة والثلاثين. كانت أحلامه وتطلعاته مثل معظم شباب جيله تتمحور حول التحرر الوطني والاستقلال عن الاستعمار الإنجليزي، وينظر بسلبية للنخبة السياسية التي عجزت عن إنجاز بناء دولة حديثة وانغمست مع القصر وكبار أصحاب المال والأرض في صراعات مريرة منذ تدخل الإنجليز الخشن في تعيين وزارة الوفد بزعامة مصطفى النحاس في ١٩٤٢. وبقدر عبقريته الاستراتيجية في استغلال التناقضات الدولية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة حتى عام ١٩٦٥، ارتكب عبد الناصر أخطاء فادحة في تقدير هذه التناقضات وفي فك شفرات استراتيجيات وقدرات موسكو وواشنطن وتل أبيب والرياض، فاستمر في حرب اليمن ثم مكّن إسرائيل، المعلومة نواياها التوسعية حيال الضفة الغربية والقدس على الأقل، من ضربه في حرب بدت أمام المجتمع الدولي أنها جرت نتيجة استفزازات مصر.

خاصم ناصر السياسة بمعناها الشعبي التشاركي وفضل عليها تأمين النظام الحاكم المؤلف من مؤسسات أمنية وبيروقراطية تستمد شرعيتها من ادعاءات انها تمثل الشعب حيث النظام هو الأدّرى والأعْرَف بمصالح مصر وأمنها القومي. وارتكن النظام السياسي على الجيش وأجهزة الأمن، حيث دارت وتمترست العلاقات الرئيسية للسلطة، فاحتل الضباط المراكز العليا في الحكومة والمؤسسات الاقتصادية حتى إنهم تعاقبوا على كل الوزارات ولسنوات طويلة ما عدا وزارات العدل والإسكان والاقتصاد، وكان معظم العسكريين في مناصب السلطة العليا ضباطا في المخابرات العامة أو المخابرات الحربية (ومنهم علي صبري وسامي شرف وثروت عكاشة وعبد القادر حاتم وأمين هويدي) “الامر الذي انعكس على أسلوبهم في الحكم، حيث اعتمدوا على السرية والإنغلاق والتقارير”. سعى العسكريون لإقامة نموذج للتطور الاجتماعي دون مشاركة من قبل الفئات السياسية المدنية، فانتهى الأمر بأن وقفوا حائلا ضد تفاعل الصراع الاجتماعي كما يحدث الآن بعد أكثر من ستين عاما.

منذ حكومة محمد نجيب في سبتمبر ١٩٥٢ وحتى آخر تعديل وزاري أجراه عبد الناصر في أكتوبر ١٩٦٨، تولى العسكريون نحو ٣٤٪ من المناصب السياسية الرئيسية، ورغم أن الـ ٦٦٪ الباقية ذهبت لمدنيين، إلا أن مناصبهم كانت في الأغلب تحت سيطرة العسكريين الذين تولوا كل مناصب نائب الرئيس ورئاسة الوزراء والحربية والإنتاج الحربي والمخابرات والداخلية (باستثناء ضابط شرطة لفترة محددة) والإعلام ورئاسة مجلس إدارات صحف أو رئاسة تحريرها، وفي الخارجية بحلول عام ١٩٦٢ شغل العسكريون ٧٢٪ من المناصب المهمة في الوزارة، وكان جميع سفراء مصر في أوروبا عسكريين باستثناء ثلاثة وذهبت حوالي ٨٠٪ من مناصب المحافظين لضباط جيش وشرطة في عام ١٩٦٢ —

انظر مجدي حمّاد، “المؤسسة العسكرية والنظام السياسي المصري”، في كتاب أحمد عبد الله، “الجيش والديمقراطية في مصر”، ص ١٤. وقد كتب انور عبد الملك مطولا في هذه المسألة في كتابيه “الجيش والحركة الوطنية” و“المجتمع المصري والجيش”، كما تطرق لها طارق البشري في كتابه “الديمقراطية والناصرية.”

ركز عبد الناصر عمله في الأيام العشرة السابقة لإندلاع الحرب على الإعداد السياسي للعمل العسكري، الذي كان في أفضل الأحوال غير واضح المقاصد. فرغم النبرة الواثقة المتعالية، والتهديدات المتكررة، لم يكن ناصر، ولا عامر، ولا القيادة العامة، وفقًا للوثائق والمذكرات المتوافرة، ينوون شن هجوم استباقي. إذ كانت الخطة “قاهر” دفاعية بالأساس، تقوم على امتصاص الهجمات الجوية والبرية الأولى من جانب إسرائيل. فماذا إذن كان الغرض من الحشود المحمومة والإجراءات الدرامية؟ الغرض، كما يتضح إلى حد ما من اجتماعات عبد الناصر ومن مراسلاته مع الملك حسين والسوفيت والأمين العام للأمم المتحدة ومسئولين أمريكيين وفرنسيين آخرين، كان التهويش وردع إسرائيل عن شن هجوم على سوريا وليس المبادرة بالهجوم.

نشط عبد الناصر مع مستشاره الرئيسي للشئون الخارجية محمود فوزي في إجراء اتصالات مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة ودول أوروبا وبعض دول المعسكر الشرقي. كذلك نشط سفراء مصر في موسكو وواشنطن ولندن وباريس وبلجراد وعمّان في إجراء الاتصالات في البلدان التي يعملون بها. تولى ناصر الاتصالات عندما كان الأمر يحتاج إلى الضغط على مستويات عليا، ومن أمثله ذلك الخطاب الذي أرسله إلى الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو لفتح المجال الجوي سريعًا أمام طائرات شحن عسكري سوفيتي متجهة إلى القاهرة، أو الضغط الذي مارسه على الحكومة السوفيتية للإسراع بإرسال الشحنات أو قيامه بنفسه بإعادة ترتيب العلاقات مع الملك حسين ومحاولة تحييد السعودية وضمان دعم عسكري من العراق.

على أن عبد الناصر في غمار هذا كله لم يعمل بأي شكل واضح من أجل التأكد من جدية الاستعدادات العسكرية المصرية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى هو كذلك لم يعمل في معظم اتصالاته الديبلوماسية على بحث خيار التهدئة، بل توالت تصريحاته النارية واستمرت حملات الدعاية العامة داخل مصر منذرة أن الحرب قادمة لا محالة (مثلما أوحت ملصقات انتشرت في شوارع القاهرة في أواخر مايو)[29]

عبد الناصر في مؤتمر صحفي دولي في القاهرة في ٢٨ مايو ١٩٦٧

وفي مؤتمر صحفي يوم 28 مايو، ثم في خطاب أمام مجلس الشعب يوم 29 مايو، أكد عبد الناصر أن مصر صارت على أهبة الاستعداد لمواجهة إسرائيل وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سنة 1948، وأنها تصر على عودة الحقوق الفلسطينية كاملة. تلك كانت تصريحات واضحة ولا تحتاج إلى تفسير، فهي تعني أن مصر مصرّة على الحرب، لأن ناصر لم يشر إلى أية إمكانات للتفاوض أو التراجع. هنا تجدر الإشارة إلى أنه من المحتمل أن عبد الناصر أخطأ التقدير حين اعتقد أن رسالة الأمين العام للأمم المتحدة يوم 30 مايو، التي طالب فيها الطرفين بتحاشي الأعمال العدائية لمدة أسبوعين، لم يكن ممكنًا أن تصدر سوى بموافقة أمريكية وسوفيتية وانصياع إسرائيلي، وهو ما جعله يظن -هو والمؤسسة العسكرية المصرية- أنه لا زالت هناك فسحة من الوقت للاستعداد. ولكن اسرائيل كانت قد رفضت بالفعل عرض من يو ثانت بأن يتحاشى الطرفان استعمال القوة مقابل ان تتراجع مصر عن اغلاق المضايق وتمتنع اسرائيل عن مرور سفنها فيها لمدة اسبوعين، مما سيسمح باجراء مفاوضات بين الطرفين. ورفضت اسرائيل هذا العرض فورا حيث كانت مؤسستها العسكرية لا ترى أي فائدة من القبول .باستمرار الاغلاق الفعلي للمضايق


محاولات أخيرة لإيقاف قطار الحرب 

تسارعت المحاولات الأمريكية من أجل تفادي الحرب (ولو أن الولايات المتحدة كانت أيضًا تبحث السيناريوهات البديلة في حال وقوع حرب، وكانت مطمئنة إلى حد كبير إلى التفوق العسكري الإسرائيلي). أرسل الرئيس جونسون وزير المالية السابق روبرت أندرسون، وهو سياسي أجرى مفاوضات سرية مع عبد الناصر من قبل، في محاولة لتهدئة الوضع. التقي أندرسون مع عبد الناصر مساء 31 مايو أو 1 يونيو (تتضارب التقارير بشأن موعد الاجتماع). ووفقًا لبرقية أرسلها أندرسون إلى الرئيس جونسون، فإن ناصر لم يتراجع خطوة عن “مواقفه الحالية والمعلنة”، وإن أعرب عن أمله في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. وفي الثاني من يونيو أرسل عبد الناصر خطابًا إلى جونسون (ردًا على خطاب تلقاه من الأخير قبلها بعدة أيام) دعا فيه نائب الرئيس الأمريكي هيوبرت همفري إلى زيارة مصر، معربًا عن استعداده لإرسال نائبه زكريا محي الدين إلى واشنطن لتوضيح الموقف. 

من ناحية ثانية، أرسلت واشنطن السفير السابق تشارلز وودرف يوست، الذي يتمتع بعلاقة قوية وقديمة مع وزير الخارجية المصري محمود رياض، إلى القاهرة. التقي الاثنان في منزل رياض في القاهرة في اجتماع طويل في أول يونيو. حيث أوضح الديبلوماسي المخضرم (الذي كان قد أصبح وقتها باحثًا في مجلس العلاقات الخارجية، وقد أتى إلى القاهرة كمبعوث خاص للرئيس جونسون) أن الولايات المتحدة نجحت حتى الآن في إيقاف أي تحرك إسرائيلي، لكن القيادة الإسرائيلية منزعجة من أعمال الحشد والتعبئة العربية، ومن تصريح أخير لعبد الناصر يقول فيه إن العمل جار من أجل العودة إلى أوضاع 1948، ومن حظر المرور في مضايق تيران. أكد يوست اتفاق الموقف الأمريكي مع الإسرائيلي فيما يتعلق بحق إسرائيل في المرور عبر مضايق تيران، وهو أحد ترتيبات إنهاء حرب 1956. لكن بعد ثلاثة أيام في القاهرة، وبعد استماعه إلى ردود حادة من رياض حول مضايق تيران، فقد يوست تفاؤله وتراجع عن تقييماته السابقة أن عبد الناصر ومصر كانا فقط “يهوّشان” لردع عمل عسكري إسرائيلي محتمل[30]

هنا انتهى دور السياسة والدبلوماسية وتوجهت الأنظار إلى سيناء، بينما واصل عبد الناصر التصعيد البلاغي، وواصل الحديث في خطبه عن الاستعداد لحرب فاصلة، بينما واصل عامر دفع قواته لداخل سيناء، رغم أنه ما كان ينوي سوى التخويف، في الأغلب، بعد أن دفعه ناصر للتخلي عن خطط هجومية خيالية.


الاجزاء الأخرى في الدراسة:

“الهزيمة المحتومة: سياق ووقائع حرب الأيام الستة” (الجزء الأول)



[1] Indar Jit Rikhye, Thin Blue Line: International Peacekeeping and its Future (New Haven and London: Yale University Press, 1974).

[2]  محمد حسنين هيكل، الانفجار، هامش ص102.

[3] Michael B. Oren, Six Days of War: June 1967 and the Making of the Modern Middle East, (New York: Oxford University Press, 2002).

[4] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات 1967-1970: مذكرات الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية الأسبق (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1990).

[5] William J. Burns, Economic Aid and American Policy Toward Egypt 1955-1981 (Albany: State University of New York Press, 1985).

[6] المذكرة بتاريخ 14 فبراير 1967 ورقمها في أرشيف مكتبة جونسون الرئاسية CK3100040301.

[7] راجع تقرير المعونة الأمريكية U.S. Agency for International Development, PL 480 Title 1: The Egyptian Case (A.I.D. Poject Impact Evaluation Report No. 45, June 1983)، وكذلك راجع الدراسة الآتية لديفيد روبنشتاين David Stewart Rubenstein, The Brief Life of the Short Tether: Lyndon Johnson, Gamal Abdel Nasser and the End of Food Aid to Egypt, retrieved from https://is.gd/S6aqfp.

[8] الوثيقة رقم 199741 في الأرشيف القومي الأمريكي، وأُرسلت الساعة 2:15 صباح يوم 23 مايو.

[9] الوثيقة رقم 199722 في الأرشيف القومي الأمريكي، وأُرسلت الساعة 10:19 مساءً يوم 22 مايو.

[10] كان باتل سفيرًا لبلاده في القاهرة حتى شهر مارس 1967، وكان على علاقة طيبة بعبد الناصر، ولم يكن من بين كبار مؤيدي إسرائيل في الإدارة الأمريكية مثل الأخوين روستو والسفير الأمريكي في الأمم المتحدة.

[11] المستند رقم 199745 في الأرشيف القومي الأمريكي.

[12] المستند رقم 023452 في الأرشيف القومي الأمريكي، وأُرسل بتوقيت 9:48 صباحًا يوم 23 مايو.

[13] عقب العدوان الثلاثي على مصر، بالتحديد في 1957، تلقت إسرائيل تأكيدات أمريكية بضمان حرية الملاحة في مضايق تيران، وهي التأكيدات التي طالب وزير الخارجية الإسرائيلي واشنطن باحترامها في زيارته التي قام بها للولايات المتحدة في 26 مايو، بعد ثلاثة أيام من إعلان ناصر حظر مرور السفن الإسرائيلية. 

[14] منذ 1949 لم تكن مصر تسيطر على الجانب الغربي من خليج العقبة فحسب، بل على جزيرتي تيران وصنافير اللتين تبعدان قرابة ثلاثة أميال عن شرم الشيخ. بعبارة أخرى كان يستحيل أن تعبر أي سفينة الخليج في طريقها إلى إسرائيل دون أن تراها القوات المصرية بالعين المجردة.

[15] عبد الله إمام، عبد الناصر: كيف حكم مصر؟ سامي شرف رجل المعلومات الذي صمت طويلًا يتحدث لعبد الله إمام (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996)، ص154.

[16]  أمين هويدي، الفرص الضائعة: القرارات الحاسمة في حربي الاستنزاف وأكتوبر (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ١٩٩٢) ص93 وص123.

[17] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص8 وص38 وص51، وهناك تفصيل أكثر عن هذه النقطة في كتاب مايكل أورين المذكور سابقًا.

[18] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص96.

[19] منذ سيطرة الضباط الأحرار على مقاليد السياسة تمامًا سنة 1955 لم تُناقش الأمور الخاصة بالقوات المسلحة في مجلس الوزراء، باستثناء جلسة واحدة لمجلس وزراء في أواخر مايو 1967 خُصصت ليستمع فيها المجلس إلى بيان من وزير الحربية شمس بدران. ويقول أمين هويدي، وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء آنذاك، أنه حين أبدى قلقًا خلال الاجتماع من احتمال تدخل الولايات المتحدة بأساطيلها، رد عليه بدران قائلا: “إذا تدخل الأسطول الأميركي فنحن كفيلون به” (هويدي، الفرص الضائعة، ص68).

[20] محمد الجوادي، الطريق إلى النكسة: مذكرات قادة العسكرية المصرية 1967 (القاهرة: دار الخيال، 2000) ص80.

[21] تعاني مذكرات الصف الثاني من القادة من حالة عميقة من التشوّش، وتعجّ بالادّعاءات دون دعم من شهود أو مستندات، وتقفز إلى استنتاجات غير منطقية تداعب الشعور المظلومية السائد في المنطقة في وجه الفشل المتواصل في مقاومة القوة الباطشة لإسرائيل والقوى الاستعمارية، وهو الشعور الذي يشجّع على إغفال النظر في مسئولية القائمين على السلطة والحكم عن تردي أوضاع بلادهم وفشلها في مقاومة العدوان. 

[22] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص43.

[23] مجدي حماد، المؤسسة العسكرية والنظام السياسي المصري، في أحمد عبد الله (محرر)، الجيش والديمقراطية في مصر (القاهرة: دار سينا للنشر، 1990) ص14. وقد كتب أنور عبد الملك في هذه المسألة في كتابيه الجيش والحركة الوطنية والمجتمع المصري والجيش، كما تطرق لها طارق البشري في كتابه الديمقراطية والناصرية.

[24] هويدي، الفرص الضائعة ص75 وص78 وص94، ومحمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص50- 51 وص60-61 وص86.

[25]  يقدم كينيث بولوك قراءة تفصيلية للقدرات العسكرية للجيوش العربية في كتابه Kenneth Pollack (2002) “Arabs at War, Military Effectiveness, 1948-1991”, University of Nebraska Press ويتناول بولوك حالة وأداء الجيش المصري قبيل واثناء حرب ١٩٦٨ في الصفحات ٥٨-٨٨.

[26] هويدي، الفرص الضائعة، ص80.

[27] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص53-54، وص93.

[28] وردت سيرة هذا الاجتماع في كتابي أنور السادات البحث عن الذات وعبد الله إمام عبد الناصر: كيف حكم مصر، بينما قال الفريق فوزي في كتابه حرب الثلاث سنوات إن الفريق صدقي أكد أن الخسائر قد تصل إلى 20%، وسيؤدي هذا إلى تكسيح القوات الجوية.

[29] Richard Parker, The politics of Miscalculation, p.54 

[30] خطاب عبد الناصر وبرقية أندرسون وتقرير يوست في ملحق الوثائق في كتاب باركر، ص233-241.

4 أفكار عن “الهزيمة المحتومة: سياق ووقائع حرب الأيام الستة (الجزء الثاني)”

  1. مقال رائع لكنه يستند على تحليلات ولا يستند على وثائق مثل هيكل …الفرق بينكما أن هيكل حول الأمر إلي مؤامرة وحضرتك حولته إلى فشل وسوء تقدير …وكلاهما يدافع عن وجهة نظره …خالص تحياتى للجميع

    1. خالد منصور

      شكرا. عندك بعض الحق. مشكلة هيكل ان الوثائق انتقائية وانه يعرض وجهة نظر منحازة لانه كان احد صناع القرار وفي المطبخ الداخلي. انا لم ادرس سوى الوثائق الامريكية مباشرة ولكني قرات تقريبا كل الكتب والدراسات المهمة المعتمدة على وثائق او مذكرات المصريين المشاركين في الحدث. وكما تعلم فان الارشيف المصري مغلق وخاصة الارشيف العسكري. وعلى عكس هيكل (وهو كاتب وصحفي عظيم) فانا وجهة نظري ليست منحازة بمعنى انني لم اكن طرفا في هذا الصراع واخشى على سمعتي وحكم التاريخ عليّ. وهناك اجماع في كل الوثائق والمذكرات على ان ما حدث كان فشل للنظام المصري (بالمناسبة بما فيهم عبد الناصر نفسه)

  2. محمود غازى

    كلام واقعى والاكثر للتصديق وللعقل
    محمد فوزى …سر غامض ….لكن الكثيرين اجمعوا علي ان الرجل كان عسكرى منضبط وانه من اعاد تنظيم الجيش بعد النكسة
    كنت قراءت كتاب سعد الدين الشاذلي
    وكنت اقراءت كتاب امين هويدى
    لكن هناك كتاب ل الفريق محمد احمد صادق اسمة سنوات في قلب الصراع لو ممكن ترسلة لى
    شئ اخر وهو لواء أركان حرب / نبيل الزفتاوي لم اجد اى شئ وانا ابحث عنه والبحث عنة جاء من خلال متابعة
    اللواء نبيل شكري قائد قوات الصاعقه الذى كان مدير مكتبة الجسوس فاروق الفقى لذى تبعة هو نبيل الزفتاوى ولم اجد شئ عن الرجل تماما

  3. مفال يفند الكثير من ادعاءات الناصرية و خاصة المعلومات غن خلافات ناصر و عامر

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *