في ظل كورونا(3): هياج ترامب يجد هدفاً آمناً!

نُشر في درج يوم ١٦ ابريل ٢٠٢٠

فجأة وبسبب السياسة الدولية حول التعامل مع جائحة “كوفيد 19″، تذكرت مشاهد حصلت منذ 18 عاماً. بدأت تلك المشاهد وأنا واقف في حالة ذهول أقرأ مشروع مساعدات غذائية ضخماً مقترحاً، نسيه أحدهم على جهاز “الفاكس” المشترك في مكتبي في نيويورك في خريف 2002. تداعى شريط الذكريات بعدما قرأت عن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المجنون (وهذه صفة للقرار وللرئيس سوياً)، بأن يعلق الدعم المالي الأميركي لمنظمة الصحة العالمية. أي جنون هذا أن يسعى رئيس أكبر دولة في العالم إلى تكسيح منظمة مسؤولة عن تنسيق الجهود الدولية لمواجهة أسوأ وباء فايروسي يضرب العالم منذ ربما قرن من الزمان. 

ربما قبل أن نواصل الحديث عن تلك المواجهة الكونية مع الفايروس، يجب أن أشرح لنصف القراء أن الفاكس جهاز يشبه الطابعة الحالية ويتصل بخطوط الهاتف العادية، وكنا نستعمله لنرسل الأوراق بين البلدان والمكاتب المختلفة قبل انتشار تطبيقات الإنترنت. حملت صينية استقبال الفاكس في هذا المشهد الافتتاحي خطاباً موقّعاً من المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي وموجهاً إلى الحكومة الاميركية، يعرض مشروعاً لجلب حزم غذائية وتوزيعها على كامل الشعب العراقي لضمان ألا يقع المواطنون هناك فريسة الجوع بسبب غزو الجيش الأميركي الوشيك لبلادهم خلال شهور.

ما فعله ترامب يفعله سياسيون كثيرون لإبعاد المسؤولية واللوم من أنفسهم، فقد امتدح الرجل الصين وسياستها في التعامل مع الوباء وتجاهل أن المنظمات الأممية تتلقى معلوماتها الأساسية من الحكومات المعنية

نظرت من نافذة غرفتي نحو مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في الناحية الأخرى من “فيرست آفينيو” في نيويورك في ذلك اليوم الخريفي، وأنا أفكر في كيف تم تسييس تلك المنظمات الإنسانية على مدى عمرها، ولكن ليس إلى هذا الحد. حمل العرض الذي قدر تكاليف المشروع بنحو 800 مليون دولار قدراً مذهلاً من السذاجة السياسية، وأتى قبل شهرين من العرض المسرحي الذي قدمه وزير الخارجية الأميركي كولن باول لمجلس الأمن في شباط/ فبراير 2003، ليقنع الدول العظمى بمباركة قرار واشنطن غزو العراق ومنحه مشروعية دولية. المتابعون لدهاليز السياسة الأميركية كانوا يدركون أن صفارة البداية انطلقت وأن واشنطن ستهاجم بغداد خلال شهور وغالباً قبل دخول الربيع عندما ترتفع حرارة الجو. ولكن لماذا العجلة من جانب البرنامج آنذاك؟

يعلم كل من عمل في منظمات دولية وفي مجال الديبلوماسية كيف تسارع تسييس المنظمات الدولية وتعاظم، بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر. صارت هذه المنظمات كلها تحت ضغوط وإغراءات هائلة بما فيها تلك العاملة في المجالات الإنسانية والتنموية، لتتعاون بشكل وثيق مع مديري الحرب الكونية على الإرهاب. ومن عملوا مثلي في باكستان وأفغانستان في خريف وشتاء 2001 و2002، يعرفون كيف كانت منظمات الإغاثة الإنسانية الدولية تعمل عن قرب مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة التنمية والتعاون الخارجية البريطانية وغيرها من مؤسسات الدول الضالعة في ذلك الصراع الممتد حتى اليوم. تعين ساعتها ضمان ألا يموت مئات آلاف الأفغان جوعاً، إذ كان ملايين منهم بالفعل قبل بداية العمليات العسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 واقفين على حافة مجاعة محدقة، وانتظمت ربما أكبر عملية إغاثة إنسانية في تاريخ المنظمات الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية بالتنسيق مع حلف الأطلسي وواشنطن ولندن.

لدي الكثير من القصص حول العلاقات المعقدة بين الدول القوية والإدارة العليا لوكالات الأمم المتحدة، بعدما عملت في منظمات أممية على مدى 13 عاماً منتقلاً من قرى فقيرة نائية في آسيا الوسطى حتى مكاتب الإدارة العليا في نيويورك.

ربما كان هذا التعاون هو ما دفع رئيس المنظمة إلى استباق الأحداث وعرض التعاون الثنائي مع واشنطن قبل غزو العراق في 2003. وشاركني في دهشتي ورفضي المبدئي لهذه المقاربة مسؤولون أهم وأعلى مني في البرنامج، وتمكن بعضهم من التدخل وإيقاف هذا العرض المخجل الذي يجعل منظمة أممية دولية شريكة فعلية ومبكرة في تخطيط حملة عسكرية وتنفيذها، غير حاصلة على دعم مجلس الأمن. ربما فعل بعضنا هذا انطلاقاً من التزام قانوني وأخلاقي بمبادئ الحياد والاستقلال الحاكمة لعملنا، ولكن معظمنا صُعق لأنه لم تكن هناك حاجة لتبدو المنظمة بهذه الفجاجة والبجاحة وكأنها جزءاً من الاستراتيجية الأميركية لعالم ما بعد 11 أيلول. 

لست ساذجاً وأعرف أن منظمات الأمم المتحدة وبرامجها المتخصصة منذ نشأتها تباعاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت ساحة صراع ونفوذ لدول العالم، بحيث تحصل كل دولة بحسب أهميتها النسبية السياسية والاقتصادية وبحسب تحالفاتها على بعض المكاسب وتقبل بعض الخسائر. ولكنني أيضاً كنت أعلم وما زلت أؤمن بأن المنظمات الأممية خاضعة لقانون دولي ومبادئ وميثاق توافقت عليه الدول كلها وأن من الفطنة والذكاء أن يستغل مديرو هذه المنظمات هذه المبادئ من أجل المناورة والإفلات من تحت بعض الضغوط، بل وضرب الدول بعضها ببعض أحياناً للإفلات من مواقف عصيبة وخيارات صعبة.

لدي الكثير من القصص حول العلاقات المعقدة بين الدول القوية والإدارة العليا لوكالات الأمم المتحدة، بعدما عملت في منظمات أممية على مدى 13 عاماً منتقلاً من قرى فقيرة نائية في آسيا الوسطى حتى مكاتب الإدارة العليا في نيويورك. وتعلمت في تلك الفترة من خبرتي المباشرة ومن أحاديث طويلة مع مسؤولين أمميين خدم بعضهم في المنظمة عشرات السنين، أنه يجب النظر إلى تلك العلاقات من دون الاختزال المخل الذي يفضله كثيرون، حول أن المنظمات الأممية خادمة لدى العواصم الغربية أو القوية من ناحية، أو التسطيح الغبي الذي يفضله اليمين الأميركي والغربي حول أن هذه المنظمات فاشلة وتسعى إلى السيطرة على القرار السياسي لدول ذات سيادة من ناحية أخرى (لدى اليمين الأميركي المتطرف حكاية مفضلة وشائعة حول امتلاك الأمم المتحدة في نيويورك لطائرات هليكوبتر سود تقوم بمراقبة ما يحدث في الولايات المتحدة). 

صحيح أن الصين دعمت تعيين تيدروس غيبريسوس في منصبه الحالي رئيساً لمنظمة الصحة العالمية، لكن الرجل الذي شغل من قبل منصبي وزير الخارجية ووزير الصحة في إثيوبيا وحصل على دكتوراه في الصحة العامة من بريطانيا، لا يعمل لدى الصين وحصل أيضاً على دعم دول أخرى عدة في المجلس التنفيذي للمنظمة الذي يضم 34 دولة ويتغير دورياً بانتخابات تشارك فيها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

لا تعمل أي منظمة أممية بعينها لدى دولة بعينها ولكنها عرضة لتجاذبات وصراعات وخاضعة لأنظمة حوكمة وقانون دولي واتفاقات ومعاهدات ومجالس تنفيذية وموازنات مخصصة وتبرعات مقيدة أو مفتوحة ورأي عام وصحافة دولية. وهناك اتفاقات غير مكتوبة بشأن تقاسم المناصب العليا في هذه المؤسسات، فمثلاً تحتكر الولايات المتحدة حالياً تعيين رؤساء منظمات اليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي والبنك الدولي، وهم عادة من مواطنيها، بينما يشغل فرنسي عادة منصب مدير صندوق النقد الدولي وتتوزع مناصب نواب الأمين العام للأمم المتحدة بين الدول الكبرى وتجمعات الدول الأصغر.  

وبين جمله المفككة وغير المكتملة، برر ترامب قراره تعليق المساهمة الأميركية التي تتعدى 500 مليون دولار سنوياً لمنظمة الصحة العالمية، بأن المنظمة ورئيسها عارضا فرض حظر سفر دولي في منتصف كانون الثاني/ يناير (وهي مجرد توصية تقنية تراجعت عنها المنظمة لاحقاً). ترامب الذي عطل قرارات وسياسات وقائية في بلاده لمواجهة الفايروس يريد تحميل آخرين مغبة ما يحدث في الولايات المتحدة، حيث أصاب الفايروس أكثر من 600 ألف شخص، مات منهم 25 ألفاً (20 في المئة من الضحايا في العالم كله) حتى يوم أعلان إيقاف الدعم الأميركي لمنظمة الصحة العالمية. موازنة المنظمة السنوية الحالية قرابة ثلاثة مليارات دولار قدمت منها الولايات المتحدة العام الماضي 553 مليون دولار. 

ما فعله ترامب يفعله سياسيون كثيرون لإبعاد المسؤولية واللوم من أنفسهم، فقد امتدح الرجل الصين وسياستها في التعامل مع الوباء وتجاهل أن المنظمات الأممية تتلقى معلوماتها الأساسية من الحكومات المعنية ولا يمكنها عملياً وسياسياً وبخاصة في ظروف استثنائية وفي دول قوية أن تجبر الحكومات على أن تسمح لها بتقصي الحقائق بنفسها على الأرض. وفي الحقيقة، طالبت المنظمة الصين بأن تسمح لها بإرسال مراقبين للأوضاع الصحية بعد ظهور الفايروس ولكن بكين رفضت. 

لا شك لدي في أن اجتماعات عدة دارت داخل المستويات العليا من منظمة الصحة العالمية منذ شهر كانون الأول/ ديسمبر، بشأن كيفية التعامل مع الصين وبخاصة بعدما تبينت الملامح الأولية للكارثة، وأنها شأنها شأن كل المنظمات الأممية الأخرى ربما كان عليها أن تتخذ موقفاً أكثر استقلالية أو حذراً. ولكن عدا هذا القليل من الدخان فلا نار هناك.

تعرف الولايات المتحدة التي طردت الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي من منصبه بسبب معارضته (المبررة وغير المبررة) السياسة الأميركية في البوسنة، والتي ضغطت ضغطاً شديداً على منظمة “يونيسكو”، ثم انسحبت منها من أجل إسرائيل، كيف تتعامل الدول مع المنظمات الأممية من أجل الدفاع عن مصالحها. ويعرف كبار المسؤولين في تلك المنظمات معنى التعرض لضغط من دول كبرى وكيفية مواجهته (ثم دفع الثمن) أو الانصياع له (ثم دفع ثمن من نوع آخر) أو التملص والتفاوض والمماطلة. 

المذهل في ما فعله ترامب ليس أنه فضح ما فعلته منظمة الصحة العالمية لمصلحة الصين، فنحن حتى الآن لا نعرف إذا كانت فعلاً تواطأت مع الصين، ومن أجل ماذا؟ وعلى ماذا؟ ولو كانت لدى ترامب ورجال إدارته أدلة على هذا التواطؤ ودوره المزعوم في انتشار الفايروس لذبحوا رئيس المنظمة سياسياً على الفور، وبدعم أكيد من أعضاء المجلس التنفيذي للمنظمة. المذهل هو هذا السلوك الأخرق المدمر من جانب ترامب وغير المعني بالقضية الأساسية وهي مواجهة تهديد فايروس “كورونا” الكوني المرعب، ولا بالقضية الأقل ألحاحاً في الوقت الحاضر (وليست أقل أهمية على المدى الطويل) وهي إصلاح حوكمة الأمم المتحدة لجعلها أكثر ديموقراطية وأقل هشاشة تحت ضغط الدول الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة نفسها. ترامب ليس معنياً بهذا ولا بذاك ولكن بنفسه ودائرته الضيقة والانتخابات المقبلة خلال أشهر من أجل تجديد ولايته في البيت الأبيض. أي جنون!

1 فكرة عن “في ظل كورونا(3): هياج ترامب يجد هدفاً آمناً!”

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *