دعارة الصحافة، الاكتئاب، لاءات الخرطوم، التطبيع، الكفتة، وحالات فيسبوكية أخرى من فبراير ٢٠٢٠

أول فبراير – فيه ناس كانت فاكرة ان الصحفي عبد الله كمال اللي كان ملىء السمع بس مش البصر لغاية ما مات فجأة في ٢٠١٤ كان اول واحد يسعى لتلطيخ سمعة معارضين سياسيين عن طريق تلقيح حواديت جنسية وضيعة ومنها ان احدهم لديه كلب يعاشر زوجته (يعني مقالش كده نصا لكن التلميح في مقال نشره في ٢٠٠٨ كان اوسخ من التصريح، والست اللي اتهمها كانت انضف بكتير منه). وبعده نشر صحفيون، أكثر وضاعة، صورا مختلقة ومركبة لممثلين مصريين واتهمتهم بانهم شواذ، وتسربت فيديوهات ومكالمات شخصية باشكال مختلفة لفنانين وصحفيين وكتاب ومعارضين وناس في الحكومة الخ. عن ممارسات جنسية أو احاديث خاصة حميمية.

لكن يا اهل الخير ده تقليد قديم خالص جدا، وليس بغرض الضغط والتجنيد او الحصول على معلومات كما تفعل اجهزة مخابرات ولكن بغرض الفضح وتشويه السمعة. وطبعا ممارسة شغالة ونابعة من قلب مجتمع مفاهيم الجنس والعلاقات الجسدية والشرف فيه متداخلة وتعمل في خدمة اصحاب السلطان (يعني الاجهزة والرجالة والمشايخ والاباء والمحافظين والقائمين على التراث) الذين مثل كثير منهم في الحياة هو “اذا بليتم فاستتروا” وساعتها ح نسجل لكم ونفضحكم، ولو لم تبتلوا او التسجيلات مش موجودة، ح نفتري عليكم وعلى اهاليكم!

من ستين سنة كان هناك كاتب “كبير” في الجمهورية، وضيع برضه، يدعى رائد العطار، ترك له رئيس التحرير الحبل يشنق به من يشاء. وقرر العطار ان يمسي على عبد الناصر وع الحكومة المصرية الغاضبة من الزعيم العراقي والضابط المنقلب عبد الكريم قاسم عشان شيوعي اكتر من اللازم. يقوم العطار يعمل ايه. رزع مقالة في ١٥ مارس ١٩٥٩ يخاطب فيها الزعيم العراقي قائلا: “قلمي يعف ان يتحدث عن خصوصياتك، عما يجري في داخل منزلك او مخدعك” — بس هو طبعا رايح يحكي كأنه بينام جنب المخدع ده وبيشوف كل حاجة — ف يكمل ويقول: “ولكن ماذا يكون موقفي وانا كاتب امين اذا اتصلت خصوصياتك بحيانا، بعقائدنا وتقاليدنا ومقدساتنا وانت امين عليها … انهم يحكون مثلا عن حادثة الكرباج الذي ضربت به المسكينة التي احضروها اليك يا اعزب العراق يا أوحد” — اوباه العطار بيتهم قاسم بانه سادي جنسيا — ” ويتحدثون ايضا عن سر علاقتك بوصفي طاهر ذا الصدر الفارع والعضلات المفتولة ، ياور نوري السعيد ياورك الخاص ايضا، انهم يتحدثون عن سر هذه العلاقة ويقولون كلاما كثيرا” — وكمان بينام مع رجالة مفتولي العضلات يعني “شاذ” — ثم يتساءل العطار الكاتب الامين: “ما هو دور وصفي طاهر ؟ القذر الذي قتل لك نوري السعيد، والذي قد يقتلك اذا عشق حبيبا اخر مرشحا لخلافتك” — بس ونختم بتهديد صغير بالقتل! 

عبد الناصر ومن حوله شافوا ده كتير خالص مالص وخصوصا ان عبد الناصر كان كثيرا ما يتدخل في المقالات ويعاقب من يرى انه تجاوز، وفي يومها فصل العطار لان جريدة الجمهورية كانت جريدة الثورة والضباط الاحرار و … ما يصحش كدة. ح ييجي حد يقولك منين الكلام ده وعايز رابط، ح اقوله كلام سخيف قبل ما انصحه يروح الارشيف يبص على عدد الجمهورية في هذا اليوم.

أول فبراير – مساعي محمومة للسيطرة على العالم في عطلة نهاية الاسبوع Our feverish efforts to control the world over the weekend

٥ فبراير – “ليس لدي التزام عاطفي وجداني بممارسة دين سلفي، ناهيك عن الالتزام بتأييد دولة-أمة صغيرة، متشربة بالروح الحربية العسكرية، مخيبة للأمال ثقافيًا وعدوانية سياسيا، تطالبني بأن اتضامن معها على أسس عرقية وعنصرية،” كم شخص من بلدان منطقتنا المنكوبة يمكن ان يقول، أو يقبل، بأريحية وبساطة هذا الكلام عن بلد من البلدان العربية اًو دولة مثل باكستان مثلما جاء في السيرة الذاتية للمؤرخ اريك هوبسباوم اليهودي العائلة وهو يتحدث عن اسرائيل. المواطنة والحقوق المتساوية هي الحل في دولتنا او في اي دولة.  وبالمناسبة كتاب Interesting Times للعبقري Eric Hobsbawm تُرجم للعربية ونشرته دار المدى تحت عنوان “عصر مثير” ومفيش كلام، كتاب لازم يُقرأ لمحبي التاريخ والبشر والأفكار

٦ فبراير – هؤلاء القابعون بثقل في زوايا الغرف، هؤلاء المتحركون وسط غرف مزدحمة بجرمهم الضاغط يمتصون الأرواح والطاقة من حولهم، هؤلاء المكتئبون من نوع فريد – لا هو اكتئاب انساني صحي ولاهو اكتئاب شخصي ينير المرأ ويهديه لكشوفات ملهمة في نهاية المعاناة-، هؤلاء المتمحورين حول ذواتهم الغارقين في نرجسيتهم والمهمومين بكيف ينظر لهم الآخرون وكيف يعاملونهم، هؤلاء القساة القضاة، الذهنويون أو صحاب المتع الغليظة….كل هؤلاء الأصناف من البشر يعانون مع أنفسهم بقسوة وهم في نهاية الأمر يوقعون العقاب المستحق على ذواتهم تدريجيا حتى يقضون على أنفسهم بأنفسهم، ولكنهم حتى ذلك الوقت المحتوم ينشرون البؤس والعقم والموات من حولهم. كل هؤلاء الأصناف، تحاشوهم قدر الإمكان اًو استعينوا بالساحرات والسحرة الطيبين كما في حواديت هاري بوتر وقصص الف ليلة وليلة!

٦ فبراير – خمسين سنة وأكثر مرت منذ أصدرت قمة نظم عربية في الخرطوم اللاءات العنيدة الحمقاء الثلاثة في وجه عدو عنصري وتوسعي وقوي. وهذا الشهر ومن نفس العاصمة يخرج جنرال من صلب هذه النظم الفاشلة ليخطب ود نفس العدو الذي زاد توحشا وهيمنة بل ويقول له “نعم “، و “نعمين” وربما حتى “تحب نغير لك الحكومة يا باشا” … مين يعرف؟  الله يخيبكم في الستينيات اللي فاتت والعشرينيات اللي داخلة، مزيج من السخافة والسفالة والجهل في المقاومة وفي الانبطاح، لا تعرفون كيف تحاربون ولا كيف تسالمون ولا كيف تناورون ف تدمرون مصالحنا وتسممون حياتنا (وهذا ينطبق على كل النظم التي حضرت اجتماع قمة سبتمبر ١٩٦٧ ومازال خلفها المشؤوم ونخبه المتنطعة تسود معظم المنطقة)

٧ فبراير – الناس اللي بتنتقد الاغاني الوطنية الجديدة وبتقول لك يا سلام ارجعوا للخمسينيات والستينيات اسمعوا اغاني ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وكدة، نهدي لهم هذا البوست الغنائي:

الست غنت في سنة ١٩٥٤ بعد تجاوز علاقات متوترة مع الضباط والحركة المباركة (بعد مقالة هبدها سيد قطب اللي كان صاحب عبد الناصر عن “الأصوات النجسة ” وازاي ان الست دي غنت للملك قبل الحركة المباركة وانقلاب الضباط ). وشدت الست لتهنئ ناصر بنجاته من محاولة اغتيال في ميدان المنشية في الاسكندرية (محاولة أُتهم الاخوان المسلمون بتدبيرها وكانت بداية قمع لم ينته باعدام قطب نفسه بعد ١١ سنة). وقالت الست:
يا جمال يا مثال الوطنية… أجمل أعيادنا المصرية
بنجاتك يوم المنشية… ردوا ردوا عليا”

ثم في ١٩٥٨ بعد ان تربع ناصر على قمة مجده السياسي (دحر العدوان الثلاثي واسس حركة عدم الانحياز وقبل الوحدة مع سوريا) وفي في عز نشوته تتحفنا الست من كلمات بيرم التونسي: 
“بعد الصبر ما طال نهض الشرق وقال
حققنا الامال برياستك يا جمال
الشعب اللى رفع الراية لصلاح الدين
اودعها يمين عبد الناصر ويمينه يمين
السعد معاه والشعب وراه والله معين
النور اهولاح والقلب ارتاح والشر اهوزال
بعد الصبر ما طال حققنا الامال
برياستك يا جمال”

وحتى بعد انفصال سوريا بفضل اداء عامر وناصر السئ غنت الست في ١٩٦١  في نادي الضباط بحضور الرئيس من كلمات صلاح جاهين:
“ثوار مع البطل اللى جابه القدر
رفعنا راسنا لفوووق لما ظهر، 
بوسنا السما وياه ودوسنا الخطر.”

وبعدها بسنة كان لازم الجرعة تعلى فتقدم عبد الفتاح مصطفى وألف الكلمات ولحن السنباطي عشان في ٢٣ يوليو ١٩٦٢ برضه في نادي الضباط نسمع اغنية “الزعيم والثورة” ومنها:
“كل عيد أهدوا جمال نهضة من روح وامال،
أصنعوها بالنظام حققوا كل اللي قاله، 
العمل أجمل تحية العمل أجمل هدية، 
قدموها للزعيم في كل عام.” 

وطبعا لازم الاغاني تعلي وتعلي وخصوصا ان الاذاعة بقت مخصصة للست اذاعة وبتذيع كل اغانيها بانتظام والثوار معادوش غضبانين عليها زي اول الخمسينيات. وهكذا نصل في ١٩٦٥ مع ورطة اليمن وبداية فشل واضح للخطة الاقتصادية الأولى إلى أن المشكلة في الشعب مش في ناصر والضباط فتقول الست من كلمات عبد الفتاح مصطفى والحان السنباطي:
“الزعيم والثورة وفوا بالعهود
لسه دور الشعب يوفي بالجهود”
واستعدادًا لحرب هدد ناصر وغيره بشنها ضد اسرائيل ابلغتنا نفس الاغنية:
“بالعمل وبحب ناصر انطلق ظافر وقاهر
نار على الاعداء ونور يحمي لسلام

كل عيد اهدوا جمال نهضة من روحه و آماله
اصنعوها بالنضال حققوا كل اللي قاله
العمل اجمل تحية العمل اغلى هدية
تقدموها للزعيم في كل عام
قدموها للزعيم في كل عام”

ولازم نعلي ونعلي ونعلي الجرعة زي مدمن المخدرات فنوصل الى:
“العروبة قلب وانت النبض في القلب الكبير 
وانت في تاريخ حياتها عودة الروح الضمير .. 
وانت في عروقها التحدي باسم معركة المصير 
وانت فيها معجزة والمعجزة مالهاش نظير.”

وقبل ان ينتهي عام الهزيمة الموجعة في ١٩٦٧ تغني الست كلمات صالح جودت قبيل ان تخرج المظاهرات من الطلبة وغيرهم تندد بفشل النظام وتقول لعبد الناصر ان من غيره ننتهي تماما:
“بق فانت السد الواقي لمنى الشعب
ابق فأنت الأمل الباقي لغد الشعب
أنت الخير وأنت النور
أنت الصبر على المقدور
أنت الناصر والمنصور
إبق فأنت حبيب الشعب

قم وادفعنا بعد النكسة
وارفع هامة هذا الشعب”

وعندما يموت الزعيم بعد ان حاول، بنية صادقة، وفشل بصورة فادحة، يشارك نزار قباني في هذه المليطة وتغني ام كلثوم كلماته (والسنباطي يلحن) قائلين:
“يا أيها المعلم الكبير .. كم حزننا كبير
كم جرحنا كبير
لكننا نقسم بالله العلي القدير
أن نحفظ الميثاق ونحفظ الثورة
وعندما يسألنا أولادنا
في أي عصر عشتم ؟
في عصر أي ملهم ؟
في أي عصر فاجر ؟
نجيبهم .. نجيبهم
في عصر عبد الناصر ..
في عصر عبد الناصر”

وهكذا من يا جمال يا مثال الوطنية في ١٩٥٤ حتى اعنية وداع “المعلم الكبير” في ١٩٧٠ خدمت ام كلثوم النظام ووقفت جنبه في الحرب والسلم وتمجيد الزعيم. وطبعا سيغفر لها سجلها الغنائي الفذ كل هذه الاغاني “الوطنية” في تمجيد الحاكم ولكن لا غفران لامثال فايدة وثروت والجسمي وكامل وبطيخة.  الاغاني الوطنية والقومية كلها الحقيقة كلام فارغ كان مهم في فترة واحنا واقفين ضد اجانب بيمصوا دمنا ويستهبلونا ويشغلونا ويسجنونا لكن مالهاش معنى واللي بيعملوا كل العمايل المنيلة دي من اهلنا وناسنا .. وعشان كدة الاغاني الوطنية للكباري والمجاري والحلم العربي والمصريين الاهمة كلها شكلها وحشة ومالهاش معنى رغم انها ما تفرقش كتير عن اغاني الست بس عشان السياق اتغير تماما وانتهى عصر القومية ولم يعد ضرب الحبيب مثل اكل الزبيب بل بات ضربا وقتلا وبراميل متفجرات واستعمالا لمؤسسات القانون والقضاء والسلاح والمدرسة والتلفزيون والاعلام في الاخضاع والقمع والرعب المنتشر من المحيط الى الخليج.

رابط اهم اغاني ام كلثوم عن عبد الناصر https://www.youtube.com/watch?v=s7uiwRNymrA

٨ فبراير – الرئيس التونسي #قيس_سعيد قال اثناء حملته الانتخابية في ٢٠١٩ إن التطبيع مع اسرائيل خيانة عظمى وانها “كيان محتل وغاصب”واتحف العالم بتصريحات قوية اخرى حتى وصفه بعض الفلسطينيين بانه “مرشح الفلسطينيين إلى رئاسة #تونس“. وأمس عزلت تونس سفيرها في الامم المتحدة لأنه شارك في صياغة مشروع قرار لمجلس الامن ينتقد #صفقةـالقرن بتاعة #ترامب وسياسات #اسرائيل، بعزلت الوزارة السفير المنصف البعتي واهانته بعد ان ضغطت واشنطن على تونس وفقا لعدة مصادر صحفية.

البعتي اللي زمايله في نيويورك بيحلفوا بخبرته وذكائه استدعته الوزارة من التقاعد في 2019 حتى يكون مندوب بلاده في الأمم المتحدة. وامس قالت الوزارة انه ليس مهنيا ولا يقوم بواجبه كما ينبغي!! بجد؟ 

طيب ومش وزير الخارجية التونسية كان في جلسة جامعة الدول العربية من اسبوع واللي الدول بالاجماع انتقدت فيه مشروع ترامب وطلع الامين العام ابو الحقل يقول انه بيكرس الفصل العنصري!! نخب خائبة تستحق الهزيمة لا تعرف خوض الحرب ولا صنع السلم ولا فن الدبلوماسية، يستعملون مطارق ضخمة من اجل التعامل مع مسامير صغيرة ويبتسمون ببلاهة ومطارق الخصم الهائلة تنهال على رؤوسهم تدفعهم اكثر للجلوس على خوازيق. وطبعا ممكن نطلع غلطانيين وتكون مناورة ذكية من سياسيين بارعين عشان تنجو مصائرهم السياسية ويجلسونا نحن على تلك الخوازيق ثم يقولون اننا لا نعرف خفايا الامور لان “اللي ايده في المياة مش زي اللي ايده في النار!!” يا رب النار تحرقكم يا اخي.

١١ فبراير – ربما هذا التهاوي النسبي السريع في الصلابة الظاهرية المعتادة لموقف الشعوب العربية في دعم الفلسطينيين يعود الى ان كل هذه الشعوب عايشت وتغاضت اقسام عريضة منها عن اضطهادات مرعبة للاقليات (واحيانا للاغلبيات فيها) من العراق الى المغرب ومن السودان الى مصر، وبالتالي يصعب على قطاعات واسعة فيها تأييد الفلسطينيين من منطلق انساني (حقوق انسان وتساوي امام القانون الخ).

من يشرد ويقتل ويستولي على اراضي مئات الالاف في دارفور والملايين في سوريا ويكتم وجود وجنسية اعراق بكاملها او فئات من “الاغراب” ومن يعامل اهالي المناطق الحدودية من البدو مثلا على انهم كلهم جواسيس او يميز ضد الناطقين بلغة ما او بعرقية ما … كيف يمكنه مع هكذا ممارسات ان يدين اسرائيل من منطلق حقوق الانسان والمساواة امام قانون ومبادىء من هذا النوع. وبالتالي لا يتبقى امامه سوى معاداة اسرائيل من وجهة نظر عنصرية او دينية او قومجية او دولتية او بطيخية وهي وجهات نظر تنصهر او تتلاشى كما نرى من حولنا .. مش كدة ولا ايه؟

١١ فبراير – تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية لو حصل زي ما قال متحدث باسم الحكومة السودانية النهاردة ح يكون خبر مذهل على الصعيد الشخصي. انا كنت في الخرطوم في مارس ٢٠٠٩ لما قرار الاتهام طلع والناس كلها كانت خايفة ومرعوبة من رد فعل الديكتاتور اللي اتمطع وراح طارد ١٣ منظمة انسانية كانت بتساعد الناس في دارفور وشخط ونطر (رغم للحق الراجل كان اقل ديكتاتور عربي جنونا مقارنة بالقذافي وصدام وحافظ).

ح اسافر لاهاي مخصوص من حر مالي واتفرج ع البشير في قفص الاتهام، لو وصل هناك بجد ودخل القفص اللي ح ييجي اليوم ويخشه بشار. معنديش الام واحلام عريضة بشأن المؤسسات القانونية الدولية لكن انا بنى ادم وعندي مخزون شماتة في السفاحين والطغاة الحرامية اللي مسكوا بلادنا وقتلوا ناس كتير لسنوات طويلة، والمخزون ده محتاج يطلع شوية منه لما الواحد يضحك ويعيط لما يشوف البشير في القفص ويحلم بناس تانيين مفروض يخشوه (سواء قفص دولي او محلي) ويعترفوا ويعتذروا ويتحاسبوا.

الواحد مش مصدق الخبر واكيد هناك ثمن تقاضاه جنرالات ما او وسطاء من باب “طب خدوا الراجل اللي عنده ٧٦ سنة ده وح نديكم فوقه شوية ضباط متقاعدين وقائد ميليشيا مغضوب عليه ونقفل الملف بقى” لكن مش مهم خالص. العدالة المتأخرة وغير المكتملة شىء سىء طبعا لكن العدالة الغائبة تأكل الروح وتنشر الظلم وتبرر الفساد والقتل الى يوم الدين زي ما احنا شايفين كدة حوالينا.

١٦ فبراير – البلد مش بس لسعت وهرتلت، دي خلاص عدت البراميل وقلبت العداد وفشخ واقعها اي خيال.

الراجل نقيب المحامين فكرني بشعارات مظاهرات مصرية في عز قوة المحتل الانجليزي الخارج منتصرا حتى لو كان متعبا من الحرب العالمية الثانية. المتظاهرين الصيّع كان يهتفون: “مصر والسودان لنا وانجلترا لو امكنا.” الراجل النقيب حفظه الله في مؤتمر انتخابي حاشد أكد إن الارض من النهر للبحر هي فلسطين ومش بس القدس الشرقية لكن كمان القدس الغربية ح تبقى عاصمة فلسطين، وقام قعد يهتف بصوت زهقان : تسقط امريكا تسقط اسرائيل يسقط ترامب وتحيا مصر! والله؟ طيب. يا اخي ملعون طرمب على ملعون اسرائيل لكن مش تتشطر الاول على حلفاء اسرائيل في المنطقة من باب يعني ان ممكن يعني يكون لك دلال عليهم او تقدر تضغط عليهم اكتر. وبعدين قام الراجل اللي رشح نفسه عشان يفضل ع الكرسي يمسح برئيس البرلمان الاوربي الارض عشان العبيط الاوربي (اللي رأيه استشاري ومعظم الدول اللي ف برلمانه موالسة ومضبطة مع بلدنا) دعا للافراج عن شاب مصري محتجز بسبب تهم ملفقة في مسقط رأسه في المنصورة. يقوم الراجل الكبارة المرشح عشان يفضل نقيبا للمحامين يقول لك ان رئيس البرلمان الاوروبي بيدافع عن متهم ايطالي. ايه يا عم. طب على الاقل اقرا بيان الداخلية اللي لما سمعت انتقادات من برة علطول قالت لك محدش له دعوة ده مش اجنبي تبعكم ده مصري وشرب من نيلها وح يتعامل زي المصريين. لازم نضبط نظام توزيع الرسائل على الناس المهمة عشان ما حدش يخرج كدة عن النص يا باشا. ومعلش يا باتريك (ما انت كمان يا اخي اسمك خواجاتي كدة وابوك ولا جدك اسمه جورج وحاجات كدة) وبعدين يعني اكيد فيه عرق طلياني امال بتدرس ماجستير ليه في ايطاليا، هو اي حد كدة يسافر، المهم اديك رجعت لنا. 

بقول نخلينا في هرتلة منع اغاني المهرجانات ومصير الطيار بتاع محمد رمضان ودكتور الجامعة (اللي من المنصورة برضه) اللي ورى الطلبة انه لابس شورت وجزمة رياضية وتي شيرت تحت البدلة عشان تخف الرهبة شوية ققامت الدنيا وهاجت على هذا التعري غير المقبول … وبعدها هاتلي الكورونا واديها لعبد العاطي نعملها كفتة ونبيع منها عشروميت مليون سيخ مشوي في الصين عشان يتغذوا ويخفوا من المرض البطال ده يقوم برضك نعملنا العشرين مليار اللي الزعيم عايزهم عشان مصر تبقى عروسة وتسليم مفتاح والسيراميك راكب والكهارب متعلقة!

١٧ فبراير – لاحظت ان الناس لا يكذبون معظم الوقت ّّفي هذا البلد وتدريجيا ادركت انني يمكن ان اعيش دون شك مستمر من ان يخدعني احدهم وان قدرا صحيا من الاحتياط يكفي. يا سلام والدنيا بقت اسهل كتير. وفكرت كيف يكذب كثيرون في مصر (عمّال على بطّال وضد مصلحتهم احيانا) أو يمطّون الحقيقة ويقصوا حتة هنا ويزودوا حتة هناك، وان هذا يجعل الواحد يشك الى ان يثبت العكس (او يشارك في الكذب). وفجأت لمعت فكرة عظيمة في رأسي وهو ان اصحاب نظرية المؤامرة هم متأمرين طول الوقت ويفترضون ان الاخرين مثلهم، وان الكذابين شايفين العالم كله كذاب، والحرامية شايفين ان الناس في الاغلب حرامية وهكذا.

وبالتالي لما يطلع واحد كبير كده ف نفسه ومسؤول ويقول لك ده فلان ده بتاع حقوق انسان ولا معارض سياسي ولا صحفي معارضة (ولا مؤاحذة) عشان مدفوع له ومتموّل تعرف ان المتحدث هذا لا يعرف شيئا عن اي شىء اسمه المصلحة العامة او العمل وفقا للمبادئ وانه من قبيلة “اعطني الرز اولا” … وانه مؤمن ان الناس كلها كدة، متهمين ومدانين ومجرمين الى ان يثبت العكس ومن هنا ان الحبس الاحتياطي ف بلدنا دلوقتي بقى عقاب ممتد حتى قبل القضايا ما يتحكم فيها. وافتكر ان كل المسؤولين في بلادنا العطرة بيفكروا كدة بشكل ما حتى ان واحدا منهم مرة قال لمسؤول كبير أنه قعد كتير يدور مين اللى ورا الكاتب الصحفي احمد بهاء الدين لغاية ما اكتشف – واعتقد كان مذهول – إن بهاء كدة بيشتغل من دماغه مش عند حد! وصارت مزحة رددها عبد الناصر نفسه ذات مرة – وفقا لمصادري غير المؤكدة – قائلا: سيبوكوا منه ده بيشتغل من دماغه. الله يرحمه ويرحمنا.

٢٣ فبراير – كارتون لطيف للرسام الالطف آنديل

٢٤ فبراير – في نهاية “ستموت في العشرين” يجري مزمّل على طريق ترابي خلف سيارة نقل عتيقة تحمل اجولة قطن يتطاير بعضه وهو في الأغلب تاركا قريته خارجا للعالم، مقررا ان يحيا وان يعيش ضد نبوءة الشيخ أنه سيموت عندما يبلغ العشرين. نبوءة صدقتها الأم فعاشت تعد الأيام وهي ترتدي السواد، وبدأت تخيط كفن مزمّل قبل ان يحل موعد رحيله “الأكيد” بشهور. موت ارتعب منه الاب فترك القرية كلها ومزمّل طفل رضيع ولم يعد سوى ليقوم بواجبه الأبوي ويدفن الشاب مقترحا ان يحفر لحده بجانب قبر الجد.

شعرت في نهاية الفيلم البديع بانه يحكي قصة السودان بشكل ما (واعتذر عن القراءة المباشرة التبسيطية) او قصة بلادنا التي يعتقد الواحد انها ماتت وشبعت موت او تعيش مثل الموتى ولا فائدة ترجى من ان تحيا، بل يُخشى عليها إن قامت ان تكون مثل المسخ ويكون مصيرنا كما نسمع الان من عجائز الفرح: مالها كانت ايام مبارك او البشير او القذافي او أو .. وهي لا مال لها سوى انها أتت بنا إلى هنا.  الفيلم اهم بكثير من هذه الاستعارات لانه فيلم عن ناس كثير حولنا يعيشون كالموتى ويموتون قبل ان يُدفنوا، وفيلم عن قدرة الانسان على التجاوز وعن كيف يساعد الحب، فالبنت نعيمة التي تحب مزمّل كانت في الاغلب هي والمصور السينمائي المتقاعد الدافع الذي صعق البطل واخرجه من حياة الموات. فشلت محاولاتهما المتعددة، ولم يتحقق بعثه للحياة في النهاية سوى بعد ان تركاه (الحبيبة لرجل اخر والصديق العجوز العائد من هجرة طويلة للموت الذي ربما عاد هو بنفسه للقرية لانه كان يعرف انه قادم). عندما صار وحيدا هكذا بعد ان شم نسمات ما قد يمكن ان يكون الحياة، افاق من سباته وربما بعنف ما في احد اكثر مشاهد الفيلم اشكالية برأيي (عندما يغتصب تقريبا عشيقة صديقه الراحل).

لم تكن أم مزمّل أو ابوه هما من انقذاه بل كانا بالاغلب سببا اصيلا في الشلل والعجز. صدق الاثنان انه لا بد ميت عندما يبلغ العشرين، تحقيقا لنبوءة الشيخ، فعاشوا معه كالميت. بل ان مزمّل نفسه آمن بموته ولزم المسجد يجمع حسنات وفي مشهد عجيب ذهب للجارة العجوز ليساعد امه في جمع لوازم تكفينه!

ما هذه الروعة في الاخراج والتصوير والحوار، شىء مذهل في اول فيلم روائي طويل تنتجه السودان منذ عشرين عاما، (التمثيل في الفيلم وخاصة الأم سكينة والعاشقة ست النساء يستحق عدة جوائز ). لم تمت البلد، بل نجا السودان أو يوشك من كابوس عسكري ديني غاص فيه ٣٠ عاما، خرج مثل بطل الفيلم يعدو في طريق خلف حلم مبهم، لا نعرف ان كان سيلحق ببداياته ام يتكعبل ويقع، ولكنه حي حي رغم ان امه لبست عليه ثوب الحداد منذ ولد وفارقه اباه كي لا يتحمل عبء حب أو عبء الم جديد بعد ان مر بهذه التجربة الصعبة عندما ابتلعت مياه النيل شقيق الاب وهو طفل وعجز عن انقاذه (هل كانت هذه لعبة رمزية اخرى عن انتفاضة وثورة سابقة في البلاد ابتلعها النميزي في ١٩٦٩). لم اشعر بهذه التشابهات سوى وانا افكر في الفيلم بعد مشاهدته وليست هي اكثر ما اعجبني في الفيلم ولكنها ربما خاطبت عقلي الباطن. 

الفيلم المشغول من قصة حمور زيادة “النوم عند قدمي الجبل” كما لا بد يعرف محبي السيما اخذ جوائز في فينيسيا والجونة ومهرجانات اخرى واخرجه امجد ابو العلاء ولكني لم اعرف سوى اليوم عندما شاهدته ان طلال عفيفي يمثل فيه ايضا دورا مهما، طلال هذا وامثاله هم من ساهموا في بقاء جسد سجين الغيبوبة على قيد الحياة، كما لو انهم ايقظوا الموتى باصرارهم على الاستمرار في العمل والانتاج في احلك السنوات في تاريخ السودان الحديث. حبابك عشرة (وأكثر) يا صاحب مصنع افلام السودان يا Talal Afifi بما انك الوحيد الذي اعرفه شخصيا في هذا الفريق البديع الذي صنع الفيلم. (تحديث: وشكرا ل Hossam Elouan الذي اكتشفت اننا اصدقاء افتراضيون على فيسبوك وهو احد المنتجين الرئيسيين للعمل

٢٨ فبراير – مش ممكن عبد العاطي كفتة يخترع لنا جهاز لعلاج الكورونا وتبقى هدية مصر للعالم؟

٢٨ فبراير – “انا شلت ١٢٠ صحفي .. ودتهم على هيئة الاستعلامات … ما قطعتش عيشهم … كان بس عقاب ادبي وعيب لموا نفسكم. ليه؟ لانه انا في معركة وفي موقف محتاج لكل انسان يقف مع بلده فيه، مش معايا لشخصي، لا مع بلده .. إذا كانت الكلمة مقدسة فان مصر اقدّس ولا أملك التسامح في حقوقها ابدا …” – خطاب للرئيس السادات في سبتمبر ١٩٧٥ يتحدث عن عشرات الصحفيين والكتاب الذين شردهم في ١٩٧٢ و ١٩٧٣ من اليمين واليسار وفوق وتحت قبل ان يعيدهم بكلمة واحدة قبل حرب اكتوبر باسبوع واحد.  طبعا اتساقا مع ناصر من قبله ومبارك وكل من بعده فان الرئيس هو الاقدر على معرفة – بل الاوحد الذي يمكنه معرفة ما ينفع مصر وما يضرها وبالتالي الدفاع عنها ضد ابنائها العاقين والسفلة والاراذل والذين لم يؤتوا من العلم وتقارير الامن ما تيسر لزعيم العلم والايمان وقائد الحرب والسلام. ولأن البلد بلد ورق وقوانين لازم القرارات تكتسب الشكل الصحيح (اسمه “الاستيفا”)، ولهذا مثلا جرى فصل صحفيين كتير من الاتحاد الاشتراكي اللي عضويته ضرورية من اجل ممارسة الصحافة، وبالتالي اوتوماتيكيا فُصلوا من عملهم او تعذر عليهم القيام به. ومن اللي فصلهم بهذه الطريقة كان مكرم محمد احمد وصلاح عيسى وفريدة النقاش ويوسف ادريس وصافيناز كاظم وجمال الغيطاني ومحمود امين العالم ولويس عوض.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *