الفصل (١٠): أذربيجـــــــان

هذا هو الفصل العاشر من كتابي “خلف الستار: وجه آخر لأفغانستان” ويدور حول سنوات عملي في منظمات اغاثة في افغانستان ودول مجاورة اثناء وبعد حكم الطالبان. 

وصلت إلى باكو فجراً بعد يومين طويلين فى اسطنبول لحضور مؤتمر هناك حول الإسلام والعمل الإنساني. درت كثيراً فى شوارع إسطنبول. مثلها مثل مدن أخرى كثيرة صرت أزورها سريعاً بحكم عملي ولا تترك فى إلا أثر البطاقات البريدية، قباب آية صوفيا ومآذن السلطان احمد والمطاعم الممتلئة بالبشر والدخان والنساء المتحجبات تسرن فى الشوارع إلى جوار مرتديات المينى جيب. كم ندعي أننا زرنا مدنأ ونحن لم نرها، أو لم نر منها سوى شارع السياح الرئيسى المعالم الكبرى، ومطعما او اثنين، وتحدثنا مع عابر طريق دلنا على الطريق الى المترو! قضيت يومي إسطنبول فى فندق قرب المطار، وتحديداً فى قاعة مؤتمرات نتحاور أنا وعشرات من ممثلى المنظمات الخيرية الإسلامية حول ما تعرضت له هذه المنظمات من تضييق وتشديد، عقب هجمات 11 سبتمبر الارهابية، وخاصة القيود المشددة التى وضعتها عليها حكومات الدول الإسلامية الغنية لرصد ما تجمعه من أموال (أو وضع قيود تشل قدرتها على جمع الأموال) ورصد ما تنفقه وأين ولماذا؟ 

بعض الحضور تعرضوا لإغلاق منظماتهم فى الولايات المتحدة او المضايقات فى بريطانيا. بعض الضيوف على المؤتمر من غير النشطين فى مجال العمل الإنسانى كان الأكثر حنبلية وصراخاً ضد الامريكان. أحدهم، وهو عربى الأصل ولكنه ولد ويعيش فى احدى دول أمريكا الجنوبية، أصر على أن المشكلة ليست فى الحكومة الأمريكية فقط بل فى الشعب الأمريكي كله الذى إنتخب حكومة جورج بوش الجمهورية. السؤال المغرض جاء من صحفي في تلفزيون الجزيرة: هل من حق القاعدة استهداف الأمريكيين؟ وحاول بعض من يتنكبون الطريق الوسطى أن يستدعوا الفارق الواضح بين الجيش الأمريكي الذى يحتل العراق وأفغانستان ويمكن من وجهة نظر البعض إستهدافه من ناحية وبين المدنيين الأمريكيين من ناحية أخرى. هو الفارق المهم بين أى حكومة صاحبة سياسات قد تكون مستهجنة وبين شعبها الذى وإن صوت معظمه لها (فى الحقيقة أقل من نصف الناخبين الأمريكيين يدلون بأصواتهم عادة) فهو لا يعنى كثيراً بالسياسة الخارجية. ولكن صديقنا الامريكي الجنوبي، بعربيته الفصحى وابنته البالغة من العمر ثماني سنوات وشعرها مغطى بحجاب، أصر على أن كل الأمريكان هدف مشروع. باسم من كان يتحدث؟ لا أحد، ولكن المزايدة حق للجميع فى برامج الحوار التلفزيوني التى تفتقر الى الانصات وتعتمد على الهياج والصياح والمقاطعة والغوغائية. يفوز صاحب الصوت الأعلى والشعار الأسخن.


تركيا هى مفتاح القوقاز. 

جغرافياً فى الشرق تذهب بك إلى أرمينيا المحرومة من أى مطل بحري وفى شمال الشرق تقع جورجيا. البلدان (جورجيا وأرمينيا) يتفاخران بلغتين قديمتين وأبجديتين فريدتين من خارج العائلة اللاتينية والتركية ولكل منهما كنيسة مسيحية فريدة لا تتبع الشرق أو الغرب. أرمينيا على عداء مرير مع تركيا منذ مذابح الأرمن فى بدايات القرن الماضى ولكن هناك لسنوات إشارات قوية على تقارب وإيجاد حل توفيقي يفتح المجال أمام مصالحة تاريخية. 

ثقافياً تقفز تركيا فوق أرمينيا إلى أذربيجان التى تشترك مع تركيا فى الثقافة الإسلامية، رغم عقود الشيوعية الطويلة فى الأخيرة والأتاتوركية فى الأولى، ثم تمتد هذه القفزة الى وسط أسيا. 

لغوياً تمتد تركيا الى مائتى مليون شخص حيث تنتشر اللغات التركية المنشأ فى أذربيجان وتركمنستان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان والاويغور فى غرب الصين. 

وتاريخياً، وخاصة قبل ان تصير معظم هذه البلدان دولاً، كانت الامبراطورية العثمانية هى المهيمن على القوقاز تتنازع فى ذلك مع قياصرة الروس، إلى ان أتت الحرب العالمية الأولى وانتهت أيام أخر امبراطوريات الإسلام. 

ولكن تركيا أكثر من ذلك كله، فيها حراك كبير سياسى وإجتماعى فى العقود القليلة الماضية يختلف كثيراً عن الركود المخيم على الدول العربية جنوبها. تلخص هذا الحراك، بصورة ربما أكثر دقة وعناية من كل كتب التاريخ السياسية والتقلبات الإجتماعية، أعمال أدبية لكتاب مثل عزيز نسين الراحل أو أورهان باموق المعاصر وهى أعمال توضح بأشكال مختلفة توترات قامت أو ما زالت قائمة بين المجددين والتقليديين، بين اليمينيين العسكريين والشيوعيين، بين الإسلاميين والعسكريين، بين الأكراد والأتراك، بين التقليديين الماكثين فى البلاد والمهاجرين إلى أوروبا روحاً أو جسداً. تركيا ما زالت تسعى لمصالحة مع تاريخها الثقافي والديني الذى بتره اتاتورك، وتسعى إلى دخول سياسي وإقتصادي لأوروبا. والتناقضات كثيرة ولكن العمل جاد وجار. 

وضعت رواية باموق جانباً فى غرفتي وذهبت الى العشاء وجولة حوار أخرى مع حضور المؤتمر. 


بعد عشاء طويل مع زملاء المؤتمر، أذهب متعباً إلى غرفتى. يطاردنى اليوم شعور بالملل والوحدة. شعرت كأن أطناناً من القطن المندوف تملؤ الفراغ من حولي، وتدريجياً خدرت أطرافي حتى صارت أكياساً من الرمل. أنظر عبر شباك فندقي فلا أرى سوى الطريق السريع المؤدي إلى المطار. الواحدة صباحا. يقترب وقت الرحيل إلى باكو. 


تغيرت أنا فهل تغيرت باكو؟ فكرت وأنا فى الطائرة التركية المنطلقة نحو أذربيجان. أتوق لمشاهدة ما حل بتلك المدينة التي غبت عنها لخمس سنوات. هل تغيرت أنا فعلاً؟ وماذا فعلت فى هذه السنوات الخمس؟

تركت عملى لأشهر طويلة، ومكثت فى نيويورك لا أفعل شيئاً سوى لملمة نفس كانت قلقة لمدة طويلة، ولكنها تناثرت شظايا بعد هجوم إرهابى فى العراق. تغيرت لا شك. 

تركت مفصلاً نخره الروماتيزم فى جسدى، ووضعت محله مفصلاً بعضه من البلاتين صار الآن يدق أجراس الإنذار فى كل أجهزة الكشف عن المعادن فى المطارات. تغيرت وصرت أتعلم المشي من جديد. 

تركت نيويورك وعدت إلى القاهرة بعد رحيل دام عشر سنوات. تغيرت أنا والقاهرة وزادت ندوبنا.

تركت زوجتى فعلياً بعد انفصال عاطفي طويل. 

فسدت علاقتي بمن كنت اعتفد أنه أعز أصدقائى. 

تركت أبي فى راحته الأبدية فى مقابر بلدته بعد معاناة قصيرة مع مرض قاتل. 

تغيرت كثيراً أنا فى تلك السنوات الخمس. وبدأت أعرف نفسي كما لم أعرفها من قبل بكل ما فى ذلك من إنكار وفرح وحزن وصدمة وحداد وتصالح. 


كان المطار فى حالة رثة رغم مئات الملايين من الدولارات المنهمرة على أذربيجان بفعل غاز ونفط بحر قزوين. خط أنابيب النفط الأخير الذى بدأ الضخ فيه عام 2006 يأخذ نفط أذربيجان عبر جورجيا إلى تركيا، ويعد البلاد بمدخول يتعدى خمسة مليارات دولار سنويا طوال ثلاثين سنة. إنتظرنا موظف الجوازات ساعة في طابور طويل ليحصل كلٌ منا على ختم في جواز سفره. 

بعث وجه ح. المرحب والمبتسم في نفسي الطمأنينة والألفة. تعانقنا. قلت له أنه لم يكبر على الاطلاق فى خمس سنوات وكنت صادقاً، ولكنه ضحك قائلا أنه احتفل بعيد ميلاده الخامس والخمسين. لم يبد على محياه أنه يكترث كثيرًا لاحتمال أن يفقد وظيفته في غضون عام، أعوام طويلة منذ ترك الجامعة عالماً فى الرياضيات ليصبح سائقاً فى منظمة دولية. مهنة وحياة ضربتهما التحولات الهائلة التي شهدها ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، وانتهى معها هو والعديد من العلماء والمثقفين والكثير من الموظفين الحكوميين إلى صناعة الخدمات للسياح وشركات النفط والمنظمات الدولية، في ظل وعود من حيدر علييف، أول رئيس لجمهورية أذربيجان المستقلة، بانهم سيعبرون بضع سنوات صعبة بعد تفكك الإتحاد السوفيتى. وحدث العبور بالفعل وتدفقت عائدات النفط والغاز ، بيد أن تحسنًا ملموساً في حياة جموع السكان لم يحدث قط، واستمرت الإتهامات بشأن الفساد المسيطر على اقتصاد أذربيجان والتحقيقات حول ضلوع علييف وعائلته فيه. 

هناك لا شك عدة مليونيرات ومليارديرات فى أذربيجان ولكن الغلبية الساحقة من السكان يعيشون تحت خط الفقر. تذكرني البلاد بأحد زعماء حركة الإستقلال الكينية الذي حذر زعيم الحركة، جومو كينياتا، من الأطماع السياسية لاعضاء الحركة قائلاً “سيكون لدينا قريباً خمسة مليونيرات وخمسة ملايين فقير.” وقد كان.

تغيرت المدينة بكل تأكيد. بيد أنه كان تغيراً على السطح. الحيوات المدمرة لا يمكن إستعادتها ومنها حياة ح. الماضية. ولكنه ما زال مبتسماً وخاصة إذا احتسى بعض الفودكا. 

صُوَر علييف واقفاً بمفرده ببذلته الغامقة ووجهه العجوز الشاحب، المتغضن، الممتلىء تركت مكانها لصور له مع ابنه، إلهام، كلاهما في حلل إيطالية أنيقة. الابن فى بذلة غامقة ووجه شاب، متورد، وممتلىء. أحد لوحات الاعلانات الكبيرة، وفيها يظهر الأب وهو يضع يده على رأس طفل، يُرى بالكاد في الصورة، وتبدو عليه ملامح الخوف، وطفلان في الخلفية، بينما يقف الابن مراقبًا المشهد. وكتبت على الصورة عبارة على لسان الأب تقول: “لقد حدد الجيل القادم اختياره.” لقد حددوه بالفعل وصار الابن إلهام رئيساً للبلاد بعد وفاة أبيه. 

مقاهى الإكسبريسو والكابتشينو ظهرت وانتشرت فى مبان حديثة مزججة بها مصاعد جديدة . جلست مع ز. التي حصلت على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد، وتعمل مساعدة لامرأة أوروبية أقل منها كثيرًا في المؤهلات، في برنامج للمساعدات الإنسانية يقدم المعونات لأكثر من نصف مليون آذربيجانى، نزحوا من منطقة نجورنو كارباخ فى أوائل التسعينيات، عقب صراع مسلح مع الأرمن فى هذا الأقليم الذي تمكن الأرمن فى نهاية الأمر من السيطرة عليه. تحصل ز. على 1000 دولار أمريكي في الشهر، وهذا المبلغ يعتبر نعمة من الله مقارنةً براتب أختها الطبيبة التي مضى عليها في مهنتها تسع سنوات، ولا تتقاضى سوى 50 دولاراً فقط. كنا نحتسي القهوة في الدور الأرضي من مبنى مكاتب جديد تم إنشاؤه على الطراز الأمريكي، حيث المحال والمقاهي في الدور الأرضي، وترتيبات أمنية مشددة عند المدخل، ورائحة الدهانات الجديدة تفوح في كل مكان. نضيع الوقت قبل موعد مقابلة صحفية مع إذاعة اوروبا الحرة. 

العمل على قدم وساق فى مباني وسط باكو التى أنشأت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما اكتشف النفط هناك للمرة الأولى وصارت المدينة قبلة لبارونات الرأسمالية. مبان تتباهى بمنحوتات ومقرنصات وأحجار عريضة كانت عقود الشيوعية ويد الأهمال فى السنوات الأخيرة قد تركتها فى حالة رثة. كل أدوارها الأرضية الآن صارت مستأجرة لمحال من نوع ألوان بينيتون المتحدة وجينز ليفايز وغيرها من الماركات الشهيرة للملبوسات العالمية. سقالات وسقالات وعمال من الريف بألواح وماكينات يزيحون طبقات الزمن لتكشف عراقة وقدماً في ثوب جديد. 

التدمير الخلاق في كل مكان، من الشباب الممسكين بأوراق الصنفرة لتنظيف واجهات المباني القديمة، إلى المباني المتهدمة التي تحيط بها آلات الحفر العملاقة. 


في شاكي، شمال غرب البلاد، يطلب مني شريفوف، المشرف على فندق كارافان سراي، أن أساعده ليجد وظيفة لابنه الذي تخرج في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر في مصر، ويعمل حارسًا على إحدى البنايات الجديدة فى باكو. كان شريفوف من بين الخبراء العسكريين السوفييت في مصر، وأقام بين عامي 1968 و 1971 في مدينة نصر حيث كان يعمل مترجمًا. كان لقائي معه فرصة لينفض غبار السنين عن لغته العربية الفصحى. وجهٌ زحفت عليه التجاعيد، وعينان لم يفلت منهما البريق يرويان الكثير والكثير عن ماضٍ مشرق ومستقبل غائم له ولابنه. 

مدخل فندق كارافان سراي – شاكي

شاكي مثل شريفوف – مدينة لا يحميها من التآكل التام سوى تاريخ عريق. 

حديقة فندق كارفان سراي

الكارافان سراي فندق رائع في عمارته، ولكنه متعب ومرهق في كل شيء آخر. دورات المياه والأحواض متهالكة ورائحتها العطنة تستقبلك بقوة، والأسلاك متدلية في كل مكان، والأثاث يصر ويئن ويتأرجح قليلاً. بيد أن شموخ وجلال العمارة يعوضا عن كل ذلك بالتأكيد. مدخل كبير مثل مداخل المساجد المملوكية يفضي إلى قبة على جوانبها محال صغيرة لبيع العاديات ومكتب الإستقبال. تفضي القبة الى الحديقة الداخلية، حيث نوافير دقيقة من الحجر لا تعمل وأشجار ذابلة بعض الشىء. المبنى من دورين مرتفعين من الحجر، تصعد إلى الطابق الأعلى سلالم مرتفعة. الغرف واسعة ولكنها فقيرة الأثاث والإضاءة، والتلفزيون لا يبث سوى محطات روسية وأذربيجانية والسى إن إن. الكارفان سراي العائد الى القرن الثامن عشر كان مركزاً لراحة القوافل على طريق الحرير، مثلما كانت المدينة مركزاً لتربية دود القز. هو الوحيد المتبقي من عدة فنادق مماثلة، كانت ادوارها الأولى إسطبلات للجمال ومحال للتعاملات بين التجار وأهالي المنطقة ومطاعم، بينما الطابق الثاني غرف لإقامة المسافرين. وفى أحد هذه الطوابق نزلت. 

مدخل قصر الحاكم في شاكي – اذربيجان

المبنى الأخر الذى ينافس الكارفان سراي في روعته هو قصر الخان حاكم المنطقة من نفس القرن. مبنى جميل من طابقين، كل حوائطه تقريباً مرسومة بدقة وحرفية عالية. فى غرف الخان مناظر صيد وقتال. فى غرف زوجته زهور كبيرة ملونة تغطى الجدران، وعلى باقى حوائط القصر قصص من ملاحم الشاعر الفارسي نظامي. نوافذ القصر مصنوعة من مئات القطع من الزجاج الملون المعشق بين مئات القطع الصغيرة من الخشب مثل المشربية المتداخلة سوياً دون مسامير. 

نساء شاكي تضعن أدوات الزينة بلطف وذوق، تبرز جمال الوجوه الطبيعي وأنوفهن الحادة الصغيرة المنحوتة. 


تشير عقارب الساعة إلى العاشرة إلا الربع مساءً، وقد انتهيت لتوي من مشاهدة فيلم لشارون ستون بعنوان “جلوريا”. كان هو الفيلم الوحيد غير المدبلج بالروسية في أحد قاعات السينما فى باكو ليلتها. لقد خذلني العاملون فى مكتبنا هنا. لم يتصل بي أحد من زملاء المكتب ليعرض عليّ أن نتناول الطعام سوياً أو ان يرافقني بعض الوقت. اليوم الأحد والمكتب مغلق ولا عمل فى المدينة لزائر مثلي سوى التسكع، فتسكعت. 

أستمتعت كثيرًا بالتجول في المدينة. عدت إلى مطعم أنادولو وتحدثت إلى نفس الناس ونفس النادلات الذين رأيتهم منذ عام. تمشيت في القسم القديم من المدينة المطل على بحر قزوين لفترة طويلة، ودخلت بعض محلات الكليم والسجاد، وساومت لنحو نصف ساعة على سعر سجادة أعجبتني، ولكني لم أستطع أن أخفض سعرها إلى مستوى ملائم، فخرجت وأنفقت نحو ساعة في مقهى إنترنت لمتابعة شؤوني وأصدقائي على البريد الألكتروني.

ثم عثرت على كافيتيريا لبنانية، وتناولت بعض الحلويات الشرقية الدسمة. جاء صاحبا المحل اللبنانيان وبدءا في خفق خليط فواكه، مستخدمين سطلاً كبيرًا، وكانا يتحدثان بالعربية عن صفقة شراء محل تجاري لم يكتب لها النجاح. أمضيت نحو ساعة في قراءة رواية جراهام جرين “رجلنا في هافانا”، قبل أن أقترف خطيئة الذهاب إلى السينما. عثرت على مقهى إنترنت أخر في طريقي إلى البيت سيرًا على الأقدام حيث بدأت فى كتابة هذا الجزء. تأخر الوقت وعلي أن أذهب على أمل ألا يهاجمني أحد الآن محاولاً سرقة نقودي، فى مدينة تتعرض لشبه غزو ليلي من العاطلين عن العمل والمومسات والقوادين. 


كان مفرش منضدة الإجتماعات الطويلة أزرقاً بحرياً، وثلاثة أنواع من المياه المعدنية أمام كل مشارك تنتصب كل منها على قطعة دانتيلا صغيرة مستديرة وبيضاء. الترجمات اللاسلكية تتسلل إلى الآذان. الأضواء أشبه بجزيئات المركبات الكيميائية متعددة الألوان ومتداخلة تأتي من مصابيح تتدلى من السقف. قاعة المؤتمرات بنيت مثل خيمة ولكنها من الخرسانة. أتيت لحضور مؤتمر الدول المانحة، وها أنذا الآن أجلس على بعد امتار من رئيس البلاد ولكني لا أنظر سوى إلى تلك الساحرة التى جلست أمامي. تبادلنا عدة ابتسامات متسائلة. تشبه كثيراً ممثلة مصرية راحلة فى عز ثلاثينياتها، العمر الذى تروح فيه البراءة السخيفة وتفسح المجال واسعاً أمام خبرة الجسد والروح. يا الله كم أنا نادم الآن لأنني لم أتعرف عليها. (كم من حياة تصير شعوراً متقطعاً بالندم على أفعال صغيرة كان يمكن اتيانها ولكن الخجل حال دونها!) 

تحدث الرئيس لنحو 90 دقيقة . أذيعت الخطبة كاملة فيما بعد في ذلك اليوم على محطة تلفزيون الدولة، تبعها فيلم وثائقي عن الرئيس وسياساته الإقتصادية. اللافتات التي تحمل مقولاته تملؤ البلاد. “علييف هو الدولة والدولة هي علييف”. 

انتقد المعارضة قائلاً “ليس من الصعب أن تكون معارضاً… لو كان لديكم حل فلتتقدموا به.” 

ولكن الرئيس لم يقل كيف يمكن للمعارضة المحرومة من أي منابر أن تقدم مثل هذه الحلول، ورغم أن معظم حديثه إنصب على مأساة قرة باغ (المعروفة اكثر فى الصحافة بإسم نجورنو كاراباخ)، بادئاً من تاريخها منذ القرن الثامن عشر وحتى انتزعها بعض سكانها من الأرمن من سيطرة أذربيجان بدعم من دولة أرمينيا المجاورة فى اوائل التسعينيات – إلا أنه لم يطرح أى حل يتيح لمئات الآلاف من الأذربيجانيين النازحين أن يعودوا إلى قراهم التى هجروها أو طردوا منها. حله الوحيد– والمرفوض من جانب أرمينيا – هو عودة قرة باغ إلى السيطرة الأذربيجانية. 


قرة باغ كلمة أصلها تركى وتعنى “الحديقة السوداء” بينما “نجورنو” كلمة روسية تعنى “أراضى جبلية”، أى أن أسمها بالكامل هو “الحديقة السوداء الجبلية”. وتاريخ هذه الحديقة السوداء قديم ودموي. 

سكن الأرمن وعرقيات أخرى منطقة قرة باغ منذ القرون الاولى بعد المسيح وخاصة فى التلال الشاهقة. دخلت المنطقة تحت ظل الخلافة الإسلامية فى أوائل القرن الرابع عشر عندما استوطن أتراك مسلمون التلال المنخفضة. وظل حكام المنطقة الأرمن خاضعين لسيطرة الايرانيين معظم الوقت (والعثمانيين بعض الوقت) حتى ضمها القيصر ألكسندر الأول فى أوائل القرن التاسع عشر للامبراطورية الروسية. وساعتها وقع تبادل – إن لم يكن تطهير عرقى سلمي نسبياً – حيث غادرت عائلات مسلمة كثيرة إلى إيران، بينما شجع الروس عائلات أرمنية على الهجرة المعاكسة من إيران الى قرة باغ. 

بدأت أول بذور الصراع الحالى مع نهاية الحرب العالمية الأولى فى عام 1918، عندما أنحلت جمهورية عبر القوقاز الديمقراطية الإتحادية وانقسمت إلى جمهوريات ثلاثة هى أرمينيا وأذربيجان وجورجيا. واندلعت الحرب بين أذربيجان وأرمينيا حول الحدود المشتركة، وخاصة منطقة قرة باغ. وتدخل الأتراك ولكنهم فشلوا فى حلحلة الوضع لصالح الأذربيجانيين إذ ان الأتراك كانوا فى واقع الأمر هم الطرف المهزوم فى الحرب العالمية الأولى. ثم تدخل البريطانيون وعينوا أذربيجانياُ حاكماً على المنطقة ووضعوها تحت سيطرة حكومة باكو لحين البت فى مصيرها. 

ولكن بلاشفة موسكو غيروا كل الحسابات عندما اجتاحت جيوشهم القوقاز فى عام 1920 واستولوا على الجمهوريات الثلاثة، ولحسابات سياسية تتعلق بمحاولة إرضاء تركيا قرر جوزيف ستالين جعل قرة باغ فى عام 1923 منطقة تتمتع بالحكم الذاتى، ولكنها تخضع لسيادة وسيطرة أذربيجان. ولم يعترف الأرمن رغم عقود الشيوعية السبعة بهذه الخطوة. 

دفن الشيوعيون الصراع القومي العرقي فى قرة باغ بقرار من موسكو، ولكنه ظل حياً تحت الأرض ينتظر أوضاعاً سياسية او سياسيين إنتهازيين ينفضون عنه التراب ويجملونه ثم يستغلونه لأهدافهم، مثله فى ذلك مثل كل الصراعات العرقية التى اندلعت فى بلدان مثل يوغسلافيا وجورجيا. لذا مع بوادر انهيار الإتحاد السوفيتي إندلعت شرارة النزاع العرقى مرة أخرى فى عام 1988 وبعد ستة أعوام من الصراع المسلح ومئات الألاف من النازحين وافق الطرفان على وقف إطلاق نار غير رسمي، وصارت قرة باغ جمهورية مستقلة (لا يعترف بها أحد ولا حتى أرمينيا) تتلقى دعماً قوياً على كافة الأصعدة من جمهورية أرمينيا التى بدورها تحتل عدة مناطق صغيرة أخرى من أذربيجان لتأمين ممر بري بين قرة باغ وأرمينيا. 


في الصباح الباكر قصدت بلدة إيميشلي فى غرب البلاد. 

بعد أن تترك ضواحي باكو الغربية يطالعك المسجد الكبير الجديد ومن ورائه منشأة نفط عتيقة مهجورة لم تعد تنتج نفطًا، منشأة ضخمة ولكنها صدئة تعود إلى الحقبة السوفييتية. وإلى اليمين، داخل مياه بحر قزوين، أنبوبان يضخان الغاز الذي يواصل اشتعاله. مبان جديدة حمراء ومرتفعات تلقي عليك تحية الوداع وأنت خارج من المدينة، وتستطيع أن تلحظ في بعض تلك المباني أجهزة تكييف الهواء. تسيطر شاحنات الكاماز والزيل السوفييتية على الطريق بجهامتها وبطئها. على يمين الطريق وبمحاذاته يمتد خط السكة الحديدية. تتناثر وسط خُضرة الريف مبانٍ جمالونية الأسقف من الصاج المموج اكتست واجهاتها باللون القصديري وزخرفت بتصميمات زهور ونباتات منحوتة من الصاج. 

لا يلخص مأساة بلدان القوقاز فى عبورها المضني من شيوعية العقود السبعة نحو اقتصاد السوق مثل قيادة سيارة على الطرق بين المدن. مصانع مغلقة، طرق مهملة، مطاعم ضخمة بلا رواد، حقول تسودها الحشائش، سيارات الفولجا القديمة تصمم على استمرار حياتها متجاورة مع سيارات ألمانية ويابانية حديثة يقودها الأغنياء الجدد. 

وقفنا فى أحد تلك المطاعم من اجل إفطار من البيض المقلي والجبن الأبيض واعواد من الخضرة التى تشبه الجرجير ولكن دون طعمه اللاذع. إقتادنا الجرسون إلى مرتفع صغير تصعد إليه ببضع درجات، ومحاطين بتعريشة عنب من الخشب وحول منضدة ضخمة تناولنا طعامنا. أهل أذربيجان مغرمون بالغرف والمساحات الخاصة فى المطاعم. 

وصلنا إلى إيميشلي وفى صحبتنا سفير دولة إسلامية غنية لتوزيع هبة من المساعدات. مشهد سيريالي استغرق نصف ساعة أمضينا في سبيلها ست ساعات سفر ذهابًا وإيابًا. مئات من النازحين الأذربيجانيين، أتى بعضهم فى سيارات متهالكة وآخرون يجمعون حصتهم من الطحين والزيت سوياً فى سيارات نقل صغيرة لتنقلها الى بيوتهم. وقفنا وسط عشرات منهم، حيث القى السفير كلمة قصيرة أكد فيها على اهتمام رئيس بلاده الشخصي بهم وعلى أمله فى أن يعودوا إلى قراهم فى قرة باغ.

DSCN0043.JPG

في طابور للحصول على حصة الطعام التي تقدمها إحدى وكالات الإغاثة، وسط معسكر من المآوي مسبقة الصنع في صاتلي الواقعة على بعد 180 كيلومتراً جنوب غرب باكو، قال لي عجوز أذربيجاني في الثالثة والسبعين من عمره: “لقد أخذ الفاشيون الأرمن كل شئ.” 

بالقرب من كابينة سياسي كان مرموقاً فى قرة باغ قبل أن يصبح لاجئاً، وقفت جارته تتصيد اشعة الشمس ونصفها الأيمن مشلول ومتكئ على ذراع إبنها البالغ من العمر 18 سنة. زوجها، والمصنع الذي كانت تعمل فيه مديرة كبيرة، ومزرعتها، وبيتها، كل شيء ضاع، فيما عدا ثلاث صور أبيض وأسود معلقة داخل كابينتها. هذه الكبائن كانت فيما مضى خزانات نفط كبيرة أسطوانية الشكل. تتثاقل الكلمات على شفتيها وتبدو في أواخر الخمسينيات من عمرها. تقول إنها في الثامنة والثلاثين. 

غير بعيد من معسكر كبائن النفط هذا في صاتلي يقع ميدان البلدة الرئيسي، والذي شهدت المحال فيه رواجاً صباح هذا الأحد. هناك ثلاثة محلات لبيع الهواتف المحمولة تضع يافطات كبيرة على الرصيف. 

DSCN0048.JPG

فى صاتلى يعيش النازحون أيضاً فى عربات قطارات بضاعة لم تتحرك من أماكنها منذ سنوات عدة، ويتقافز الأطفال الصغار بين العربات التى تمتد بينها حبال الغسيل وتنزل منها سلالم خشبية لها صرير، تهتز عند الصعود إليها. الشتاء هنا لا شك فصل مرعب مع كل تلك الثقوب والأبواب التى لا تغلقها سوى بطانيات تترنح مع الريح. 

DSCN0052.JPG

كان هناك أكثر من مائة عربة قطار يعيش فيها لاجئون. قالت لي عجوز “صعب علي ان أعيش هنا، أن أتسلق هذه الدرجات الخشبية لعربة القطار التي أعيش فيها. مياه المطار تتسرب من الثقوب فى سقف العربة ودرجة الحرارة هنا أكثر برودة من الخارج فى الشتاء وأشد حرارة فى الصيف.” فى عربة أخرى يقيم المدير السابق لمديرية الأنشطة الرياضية فى قرة باغ والذى صار سائقاً فى باكو قبل ان يتقاعد ليقيم فى هذه العربة مع زوجته وأطفالهم الثلاثة. تتوسط منضدة طعام صغيرة العربة وعلى الجدران سجادتان قديمتان صغيرتان وصور منتزعة من روزنامات. “صرنا معتمدين على المنح والهبات ونسلك مثل الشحاذين.”


إجمالاً نزح ما قد يصل إلى مليون أذربيجاني (17% تقريبًا من إجمالي عدد سكان البلاد) بسبب الصراع على قرة باغ، وتقلصت حياتهم إلى ما يحملونه من ملابس، لو أسعدهم الحظ في حملها، وبعض المتعلقات التي استطاعوا الزج بها في سياراتهم أو شاحناتهم التى فروا بها تاركين خلفهم حيوات بات الآن من شبه المستحيل أن يستعيدوها . 

حلم العودة لا يفارق اللاجئين خاصة وأن الدولة تبقيهم فى وضع اللجوء ولا خطط هناك لتوطينهم. قال لي أحدهم: “نعلم ان المانحين ملّوا ونتمنى ان تتحرر أراضينا لنعود ونعمل … أنظر إلى الناس من حولك يجلسون قانطين أمام منازلهم. لا توجد أي وظائف … ولا توجد مزارع جماعية للعمل فيها بعد الخصخصة ولا مال لدينا لنشتري أرضاً … أنظر إلينا .. كنا فلاحين ومدرسين ومهندسين .. والآن تجمدت حياتنا فى الإنتظار.”


فى المساء ذهبت الى دار أوبرا باكو لأستمع الى مغنيين من النرويج وأذربيجان، فى قاعة ضخمة بلون المشمش لم يمر على إفتتاحها سوى عام واحد. المقاعد بلون الكمَون البني، وقبة القاعة مزينة بشرائط بيضاء وأعمدة رومانية مرسومة تشبه كعكة الأعراس. أبيض القبة يتماهى فى أصفر كناري يغطى معظم السقف قبل أن ننتقل إلى مشمش الجدران. نسوة عجائز فى كامل ملابسهن وحليهن ومراوح الريش الملونة تجلسن أمامي، بينما صف من النساء الجميلات فى عز رونقهن يجلسن خلفي فى أحدث الأزياء الغربية الموديلات من المحال التى صارت تضيء الآن شارع عزيز علييف فى وسط باكو وميدان النافورة القريب منه، وتحمل أسماء سلاسل المحال الأشهر في الولايات المتحدة وأوروبا. فتاة صغيرة بسنوات خمس او ست تتقافز بين المقاعد وهى تتمايل مثل راقصات البالية بمروحة جدتها الملونة. 

كان التينور الأذربيجاني أواز عبدالليف على نفس قامة ومستوى الميتزوسوبرانو النرويجية رجنهيلد هيلاند سورينسن وهما يتبارزان لفظياً فى دويتو من أوبرا التروفاتور للايطالي جوزيبى فيردي. فرح للآذان.

عاد إليّ شعور الطرب للمرة الأولى منذ زمن طويل. ربما لأنى تغيرت وربما لأن باكو تغيرت. إرتعاشة أصابت بدني من نشوة السماع وأنا جالس فى الصف الاخير من مبنى الأوبرا. 

السوبرانو الخمسينية الجميلة تحاول اسكات التينور الاربعيني الفحل بحديث يبدو انه عن الحب والعذاب والمعاناة والمتعة، تصاعد الحوار إلى نقطة ذروة، وأمسك التينور الاذربيجاني الثائر بمعصم السوبرانو النرويجية ذات الفستان الاصفر اللامع، وهما يتدافعان بجمل متقطعة فى منافسة مع الاوركسترا. وتدريجيا تمازج الصراع وهدأت الأصوات ورقت حتى انتهت فى عناق طويل. 

استمر شعوري بالنشوة، حتى وأنا عائد الى فندقي بينما سائق التاكسي نصف المخمور مصر على التحدث بالروسية إليّ طوال الرحلة.


في مطعم أنادولو التركي الصغير، الذي يقع على بعد بضعة أمتار من فندق أبشيرون، ترتدي الحسناوات تنورات خضراء قصيرة وتكسو وجوههن ابتسامة لمدة 14 ساعة يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع. إبتسامة دينا لا تفارقني وهي تسألني إن كنت أتحدث الروسية. هذة الغادة كانت تتحدث، إلى جانب الروسية (لغة الحكام السابقين)، الأذربيجانية، والتركية، والإنجليزية. 

الطراز المعماري لفندق أبشيرون سوفييتي منفر بكتله المتكررة ونفعيته المحضة، ولكنه يطل على مشهد رائع لبحر قزوين. تمت خصخصة الفندق قطعة قطعة، فأصبح لكل دور مجموعة أفراد يديرونه. الدور الـ 12، حيث أقيم، لا يقدم وجبة الإفطار، ولكنك تستطيع تناولها في الطابق الـ 11، حيث تم تحويل إحدى الغرف إلى مطعم به أربع مناضد متهالكة، حول كلٍ منها عدد من الكراسي البلاستيكية التي تمت كسوة مقعد كلٍ منها بموكيت ردئ. برطمانات عسل ومربى على المنضدة مستوردة من أستراليا، ودبي، وتركيا، تحمل بيانات وتعليمات بكل لغات العالم، وخبز أبيض بائت. امرأتان بدينتان في منتصف العمر تقفان للخدمة. طلبت من إحداهن بيضاً مخفوقاً، فعبرت الحجرة إلى المرأة الأخرى الواقفة في بلكونة صغيرة تحولت إلى مطبخ به بوتاجازان تستطيع أن تلمح عليهما بقايا الشحوم. جاء البيض وكان مغطى بطبقة صفراء من الزبد. عندما هممت بالمغادرة اعترضت المرأة الأولى طريقي: “خمسة دولارات”. دفعت. 

فندق ابشيرون – ماريوت

كان جهاز التليفون الأبيض قابعاً على منضدة صغيرة في وسط الغرفة الصغيرة بجوار سرير أشبه بالتابوت، حيث تغطس المرتبة داخل الإطار الخشبي للسرير. تستطيع أن تطلب أي رقم هاتف أرضي في باكو، ولكن عدا ذلك عليك الاتصال بعامل السويتش. طلبت منه أن يتصل لي برقم هاتف جوال. بعد نهاية المكالمة التي استغرقت دقيقة واحدة رن جرس الهاتف، قال لي الرجل أن تكلفة المكالمة 6000 مانات (1.5 دولار)، وافقت. بعد بضع دقائق كان يقرع بابي وبيده فاتورة كتبت بعناية. قال لي في إنجليزية ركيكة “أعطني النقود”. امتثلت لطلبه. علمت بعد ذلك أن خدمة السويتش مخصخصة أيضاً، لصالح هذا الرجل.  فيما بعد تمت خصخصة الفندق بالكامل وصارت تديره شركة ماريوت العالمية.


في حانة “يونيفرسال” في قلب مدينة باكو كانت آنا تجلس بجوار حكيم، تساوم على سعر بيع جسدها. حكيم أذربيجاني في الخامسة والأربعين ويعمل في شركة دولية، وهي أم وحيدة روسية تدعي أنها تبلغ 19 سنة. قالت لي، ربما بعد أن اكتشفت أني لست زبونًا: “إنه ليس بالعمل الشريف، ولكني أستطيع من خلاله أن أجني الكثير من المال لي ولطفلي. اسمه ريناتا، ويبلغ 18 شهرًا فقط.” 

في وقت لاحق من ذاك المساء دُعيت إلى حفل في منطقة أقدم في المدينة. درجات السلم الخشبية التي ترتجف لدى وطء الأقدام لها كانت قذرة ومعتمة، بينما جدران الممر المؤدي إلى الشقة التي يقام فيها الحفل ملطخة ببقع كبيرة. إمرأة عجوز فتحت الباب ثم ذهبت لتجلس على أريكة/سرير صغير في المدخل لتكمل مشاهدة فيلم في تلفزيون أبيض وأسود موضوع على منضدة قديمة. 

هى مهندسة سابقة متقاعدة ما زالت تتمتع بشقتها الضخمة فى قلب باكو بايجار زهيد، ولكن معاشها لا يمكنها من شراء ما يكفيها من طعام، ناهيك عن الدواء والرعاية الصحية التى تمت خصخصتها. ولذا تجلس كل مساء على أريكتها فى مدخل شقتها الضخمة المؤلفة من ثلاث غرف تشاهد ما يبثه جهاز تلفزيون صغير، وتحيط نفسها وأريكتها وتلفزيونها بستارة قديمة، بينما الغرف الثلاث تستضيف حفلة أو مومسات من الحانات القريبة. والايجار بالساعة. خمسون دولاراً. ربما عشرة أضعاف معاشها الشهري. 

تركت الحفل وأخذت أنظر الى الصور المرتبة فى إطارات معدنية وخشبية كالحة على رف زجاجي. أطفال وزوج وزملاء عمل وحياة حولها عرائس ماتريوشكا* روسية وملاعق فضية وأكواب قهوة. فى الزاوية بيانو كبير مغطى بملاءة بيضاء، ولوحات زيتية على الجدران. إعتذرت ومضيت مغادراً المكان. ابتسمت لى العجوز وهى تودعني عند الباب.


*           الماتريوشكا عروسة خشبية روسية يمكن فتحها حيث يوجد بداخلها عروسة من نفس التصميم تماماً بحجم أصغريمكن فتحها حيث توجد عروسة ثالثة، وهكذا دواليك بحيث يمكن ان تكون هناك عشرة عرائس داخل بعضها البعض. 

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

4 تعليقات على “الفصل (١٠): أذربيجـــــــان”

  1. في شاكي، شمال غرب البلاد، يطلب مني شريفوف، المشرف على فندق كارافان سراي، أن أساعده ليجد وظيفة لابنه الذي تخرج في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر في مصر، ويعمل حارسًا على إحدى البنايات الجديدة فى باكو. كان شريفوف من بين الخبراء العسكريين السوفييت في مصر، وأقام بين عامي 1968 و 1971 في مدينة نصر حيث كان يعمل مترجمًا. كان لقائي معه فرصة لينفض غبار السنين عن لغته العربية الفصحى. وجهٌ زحفت عليه التجاعيد، وعينان لم يفلت منهما البريق يرويان الكثير والكثير عن ماضٍ مشرق ومستقبل غائم له ولابنه.
    اظن اني قرأت نفس هذه القطعة في فصل سابق ففكرت انها وضعت سهوا هنا.
    تحياتي لك ا خالد ، الكتابة عظيمة وناطقة

    1. تكون غلطة كبيرة من ناحيتي لو كنت وضعت حكاية عن اذربيجان في فصل تاني ايضا. لو افتكرت فين يا ريت تقولي. وشكرا على المجاملة والمديح. تسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *