(الفصل ٩) إيران

هذا هو الفصل التاسع من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي .

على مدخل الفندق الذى نزلت فيه فى أول زيارة لطهران ضحك سليمى نعمين وهو يقول أنه اكتشف حلاً بسيطاً لمشكلة العلاقات المصرية الايرانية. ينبغي على الأيرانيين والمصريين أن يقوموا بعملية تبادل سريعة تمنح فيها طهران مصر كل لافتات شارع خالد الاسلامبولي (قاتل الرئيس المصرى محمد انور السادات والذى يحمل أحد شوارع طهران إسمه) وفى المقابل تعيد مصر الشاه الى إيران. لم أفهم. الشاه مات. لا أستطيع ان أتصور ماذا قد تستفيد ايران من إستعادة جثمان اخر حكام الاسرة البهلوية التى حكمت البلاد لمعظم القرن الماضى وانتهت على يد ثورة الامام الخمينى فى عام 1979. أمر مزعج للقاهرة الرسمية أن يكون هناك شارع فى طهران يحمل اسم من قتل رئيس مصر، ولكن ماذا ستفعل طهران بالجثمان. لاحظ صديقى نعمين الحيرة على وجهى فأستمر ضاحكا: “خلافاتنا حول موتى، سنعطيكم اللافتة واعطونا الجثمان.”

رجل دين ايراني يسير تحت لافتة شارع خالد الاسلامبولي بعد يوم واحد من قرار مجلس المدنية تغييره الى شارع “انتفاضة”

فى الصباح التالى نشرت إحدى الصحف تقريرا نفى فيه متحدث بإسم اللجنة المسؤولة عن أسماء الشوارع فى المجلس المحلي لطهران أن تكون هناك نية أو اى قرار لتغيير إسم شارع خالد الاسلامبولي. كان يوم جمعة وتنزهت قليلا فى حديقة ساعي القريبة، وفجأة رأيت إسم قاتل السادات على لافتة طريق. هذا هو إذن طريق خالد الإسلامبولي. يالخيبة الدول وصغار ما تتشاجر عليه! وبعدها بثلاث سنوات وفي يناير ٢٠٠٤ غيرت إيران اسم الشارع إلى “انتفاضة” في مسعى فشل من أجل إصلاح العلاقات مع مصر. وفشل المسعى ولم ينجح حتى نشر هذا الفصل في أواخر ٢٠١٩ بسبب الخلاف الاستراتيجي بل والوجودي بين السعودية وايران والذي لن تجرؤ معه القاهرة المعتمدة على الدعم السعودي أن تقوم بخطوة تزعج الرياض.

عبد الناصر مع الملك فيصل

وبدأ إعتماد القاهرة عقب قبول عبد الناصر الحصول على ١٦٠ مليون دولار سنوياً من الحكومة السعودية في مؤتمر القمة العربي في الخرطوم الذي تعهدت فيه الدول النفطية بتقديم دعم سنوي يزيد عن ٢٦٥ مليون دولار (بما يعوض دخل مصر المفقود من قناة السويس)، وبدأ شهر عسل ممتد انقطع سنوات قليلة بعد معاهدة السلام بين مصر واسرائيل في عام ١٩٧٩ حتى عادت بعدها بثماني سنوات. وقدمت الرياض أربعة مليارات دولار لمصر عقب الإطاحة المدعومة من الجيش بحكم الأخوان في القاهرة فيها وقدمت بضعة مليارات اخرى في السنوات التالية. ولكن الأهم ربما هو عما عدة ملايين من المصريين في السعودية (نحو ثلاثة ملايين في ٢٠١٧ ارسلوا ٥ر٧ مليار دولار تحويلات لأسرهم في مصر). وإضافة للعوامل الاقتصادية المهمة صارت الأجهزة الأمنية المصرية منذ عام ١٩٨٠ تكِنْ بغضاً متغلغلاً للإيرانيين يصعب كثيرا مفهم مصدره الجاد ومن شبه المستحيل التغلب عليه بسهولة.

هناك لا شك امور سياسية واستراتيجية ودينية وتنافس أقليمى على النفوذ وقضايا يمكن أن يخوض فيها المحللون فى عشرات الندوات والكتب حول سر فتور العلاقات بين مصر وإيران، ولكن زميلي في العمل نعمين مس فى سخريته وتراً حقيقياً. خلافات البلدين ليست فى الحقيقة حول تنافس مصالح مباشر ولكنه إما يدور حول قضايا قديمة مات أبطالها ولكنها ما زالت متجذرة، او تنافس بالوكالة على النفوذ فى منطقتى الخليج وشرق المتوسط. 


أشرب الشاي على مهل فى مقهى ومطعم نادري فى وسط طهران. جاري على المنضدة المجاورة يحدق فيّ ليضع ثوان. شعره أسود طويل يلامس أكتافه وذقنه حليقة. كنت أنظر للطريق وأفكر فى رحلتي المقبلة لواشنطن عندما بادرني بالحديث بالفارسية التى لا أعرفها. نظرت اليه مستفهماً، وأشرت لمرافقي. يريد أن يستعلم مني حول قضية هجرته الى كاليفورنيا حيث تقيم زوجته فى انتظار موافقة ادارة الجوازات والجنسية الامريكية على إستقدامه. لماذا يسألني أنا؟ ربما لأنى أبدو أجنبياً! ربما لأنه سمع حوارنا بالانجليزية باللكنة الأمريكية. لا أعرف. قلت له أنني فعلاً مقيم فى الولايات المتحدة وأن هناك دائماً شهور طويلة قد تصل إلى سنة بين تقديم الطلب والحصول على تصريح الاقامة، أو ما يعرف بإسم البطاقة الخضراء.

مقهى نادري في وسط طهران

الرسوم على الحائط قديمة وبعضها يختفي خلف طبقة جديدة لامعة من مناظر طبيعية أو صورة لفنجان شاي كبير. يمكن تبين الطبقة الأصلية خلف الصور الحديثة وكان أحدها جسد عار أكثر من المسموح به. مقهى نادري يشبه مقهى الروضة فى دمشق او مقهى ريش فى القاهرة، ملتقى للمثقفين تسمح فيه الدولة بأنشطة أكثر من المسموح به فى مقاه اخرى، ومنها الكلام على سبيل المثال فى المسائل السياسية الحساسة لانها تستفيد من مراقبة مكان  واحد والسماح للمثقفين بالتنفيس فيه. بالطبع صارت هذه المسألة غير مهمة مع انتشار محطات التلفزيون الفضائية والإنترنت التى جعلت أجهزة الرقابة فى الدولة تعدو فى كل الاتجاهات، تحاول سد هذا الثقب لينفتح ذاك الخرم فتضع فيه خرقة قديمة فينهار سد فى مكان اخر وهكذا. مع وجود الفضائيات والانترنت والفيس بوك والتويتر والايميل والرسائل المكتوبة على الهاتف المحمول بات الحل الوحيد للرقابة هو وضع قبة هائلة على البلد تمنع دخول الموجات الالكترونية او سبل معقدة للرقابة او تملك الاقمار الصناعية، والدول ما زالت تلجؤ لكل هذا ولكن باستثناء كوريا الشمالية التى ما زالت مقيمة فى عصر الرقابة الشاملة الكاملة تغنى للزعيم الاوحد وتحتشد لمواجهة العدو الامبريالي فقد صار مثل هذا النوع من الرقابة مستحيلاً. 

على المائدة المجاورة جلست فتيات متزينّات بوضوح ومبالغة في كثافة وتنوع المساحيق الملونة على الاوجه، تدخن بعضهن السجائر.  وابتسمت مرافقتي وهى تنظر إلى نظراتي وقالت: “عندما عدت بعد سنوات طويلة فى الولايات المتحدة، حيث حصلت على درجة فى علم السياسة من جامعة فى واشنطن، لم يكن مسموحاً لى أن أجلس فى هذه الغرفة ولكن فى غرفة مجاورة فى نفس المقهى مخصصة للنساء.” كانت الثورة الايرانية، التى قادها أو توجها الإمام الخمينى، ما زالت فى عنفوانها فى منتصف الثمانينيات. ولكن التحول الحقيقى إلى مزيد من الانفتاح الاجتماعى لم يحدث سوى مع تولى الرئيس الإصلاحى محمد خاتمي الحكم فى اواخر التسعينيات. لم يحدث ارتداد إجتماعي قوى نحو المحافظة مع تولى أحمدي نجاد ولكن الخطاب القومى والشعبوى عاد ليتسيد الساحة.

تكتظ المنطقة التى يوجد فيها مقهى نادري بمحال مملوكة للأرمن، وفى شارع ماهونجيروى القريب هناك تجار سجاد وتحف وآثار. يلوح تجار عملة برزم سميكة من الريالات الإيرانية على نواصي الشوارع للسيارات المارة ببطء والتي تتوقف أحيانا بجوار تاجر ما أو أخر. توقفت سيارتي. دفعت بمائة دولار من شباك السيارة. لم يكن لدي التاجر ما يكفى من النقد، وبإشارة لتاجر أخر قريب منحني الاثنان سوياً ثمانمائة الف ريال إيراني (كان سعر الصرف ثمانية الاف ريال للدولار الواحد).  “أنظر. أنظر،” قاطع السائق إنهماكي فى عد النقود والنظر الى رسومها ونقوشها بفئاتها المختلفة، فرفعت رأسى لأرى أسوار السفارة الامريكية وهى مرصعة بالرسوم والشعارات الداعية بالموت لامريكا (أمريكا مرك بر!). تمثال الحرية مرسوم على العلم الامريكي على حائط السفارة ولكن وجه التمثال جمجمة شريرة. ذكرنى المنظر بنهاية فيلم يوسف شاهين “إسكندرية ليه”، والبطل الذي لعب دوره الممثل محسن محي الدين يستند على سور الباخرة المشرفة على الوصول إلى نيويورك فيبدو أمامه من بعيد تمثال الحرية الذي يكبر في الافق حتى يكشف عن أنيابه في ضحكة شريرة سوداوية! لعل الفكرة فى الحالتين كشف النفاق وازدواج المعايير فى السياسة الامريكية وإسقاط هذا على رموزها الثقافية التى صارت كونية مثل تمثال الحرية.

شوارع طهران مكتظة بالسيارات وخاصة تلك من طراز بيكان المحلية الصنع والنافثة دخان عادم خانق مريع. لو فتحت زجاج نوافذ السيارة يصبح التنفس بعد دقائق صعباً. تلوح قمم المرتفعات المكسوة بعضها بقليل من الثلج فى شمال طهران، بينما تقابلها من الجنوب (احياء الطبقة المتوسطة والفقراء) ابراج البث الاذاعي والتلفزيونى الشاهقة. النساء فى الشوارع متزينات ومصبوغات رغم الشادور او غطاء الرأس الخفيف المنسدل الى ما وراء منابت الشعر فى اعلى الجبهة، والمربوط بعقدة غير محكمة أسفل الذقن. ينزلق غطاء الرأس الصغير غير المحكم دائماً إلى الخلف ليكشف مزيداً من الشعر مع مرور الوقت، لكأنما رأس المرأة وشعرها صارا ميدان النضال والتمرد ضد المتشددين من اتباع الائمة والمغالين فى تقييد المرأة. فتيات وشبان يسيرون سويا متلاصقي الاكتاف أحياناً واليد تمسك باليد.

تناولنا طعام الغداء فى مطعم على غابو القريب من فندقي. القيشاني الايراني البديع يغطى كل الحوائط بالوانه الزرقاء والتيراكوتا بدرجاتهما المختلفة، وثريا ضخمة تتدلى فى وسط المطعم بينما موسيقى عود ايرانية تنساب فى الصالة مختلطة مع خرير مياه النافورة.


مدينة يزد، إيران 

هذه أقدم مدينة فى العالم كما يقول الادلاء السياحيون. حاراتها الضيقة مسقوفة بقباب حجرية، وتفضى الى عشرات المساجد والاضرحة القديمة التى يؤمها البشر ليلا ونهارا. دخلت ضريح تاج الدين فاقبلت على امرأة ترتدي الشادور وهى تحمل صينية عليها كوب من عصير الليمون المثلج المحلى بالسكر. ناولتني الكوب بابتسامة كبيرة. مرت من خلفها شابة تضع غطاء رأس بسيط وصغير على نصف رأسها الخلفي. توقف شاب بدراجته النارية امام الضريح، قفزت الشابة المليحة على الدراجة خلفه ووضعت ذراعيها حول خصره وانطلقا. 

كانت الرحلة الى يزد طويلة، طويلة. كانت لوحات الطريق تشير إلى أننا على بعد ستين كيلومترا من مدينة قم بينما صوت فريق ملوك الغجر الغنائى، Gypsy Kings، يسيطر على السيارة بأغانيه الإيقاعية الفرحة. قال لى السائق الايراني الملاحظ لانبهاري وكثرة أسئلتي فى أول زيارة لى لايران “هل يمكن ان يقوم المرؤ بهذا او بذاك؟” مل من اسئلتى ربما فقال فى بطء وحدة: “يمكن لك الحصول على كل شيء والقيام بأى شيء ما دام لديك المال.” توقف قليلا ثم أضاف: “مثل أي مكان أخر فى العالم.”

ساحة المعبد الزرادشتي في مدينة يزد في جنوب شرق إيران

وقفت حزيناً امام معبد النار فى يزد لانه كان مغلقاً وكان مستحيلاً إخراج الكاهن من منزله في المدينة وإقناعه بفتح المعبد في يوم عطلته لكي يراه سائح مثلي، ليس لإن الكاهن كان سيرفض بل ربما كان سيرحب بأول زائر مصري يتواجد هناك ولكن المعبد كان مغلقاً ذلك اليوم لأنه يوافق ذكرى استشهاد الإمام علي، وكان من غير المستحسن فتحه.

يصل عدد الزرادشتيين، الذين يبجلون النار، في يزد إلى حوالي ثلاثين الف شخص، أو عشرين فى المائة من كل اتباع هذا المذهب فى أنحاء العالم. المعبد مبني منذ الف وخمسمائة عام وبه النار المشتعلة وبحيرة الماء وهما الرمزان المهمان للزرادشتيين، الاولى مضرمة طوال الوقت والماء صاف فى بركة صغيرة امامها. كان لى أصدقاء من البارسيين (وهم الزرداشتيون الباكستانيون والهنود) ولكنى كنت أحب ان التقى بزرداشتيي إيران لانهم مختلفون بعض الشيء فى عاداتهم وتقاليدهم، كما أحببت ان أعرف كيف يعيشون فى ظل الثورة الإسلامية. ولكنى لم أتمكن من لقاء أى من أتباع الطائفة لانه لم يكن لدينا سوى 24 ساعة فى المدينة. وعلينا مواصلة السفر.

فى الشوارع القديمة الضيقة يهيمن على الأفق منارة مسجد أو قبة ضريح قديم. زوار كثر يملؤون الأضرحة حيث تتناثر آلاف الريالات حول قبر إمام أو أحد ابناء آل البيت المدفونين هناك. مدخل المسجد الجامع العتيق فى يزد هائل الارتفاع تعلوه منارتان هما الأعلى فى إيران، وألوانه الحمراء والزرقاء تبرزه من على مبعدة. زرنا المسجد أنا وزميلتي المسؤولة عن الاتصالات فى المنظمة وسائق السيارة ثم ذهبنا إلى المقهى (الشاي خانة) الأشهر في يزد وكان في السابق حماماً تركياً. منبهراً كنت بالحى القديم الذى يشبه متحفاً حياً، ولكن أحياناً، فى مدن مثل يزد مثقلة بالتاريخ وبلاطات القيشانى والرموز الدينية، كنت أفتقد الحداثة والبساطة. 


بدأت رحلتى من يزد فى جنوب شرق إيران وقطعت البلاد حتى قرب الحدود العراقية فزرت مخيمات فى مقاطعات عديدة للاجئين الأفغان والعراقيين[2]

كنا نسير على الطريق بين مدينتى الاهواز وخور عباد بعد ان عبرنا نفقين مظلمين وشاهدنا حطام سيارات عديدة، احداها كانت منسحقة تماما والاخرى كانت منضغطة تحت شاحنة كبيرة، وكنا بدأنا نتحدث عن أسباب حوادث المرور الكثيرة والدموية فى أيران، عندما صرخ السائق فجأة وهو يسب ويلعن ثم بدأت سيارتنا فى الزحف على الاسفلت وقدم السائق ضاغطة بكل قوة على الفرامل وصوت احتكاك إطارات شاحنات النقل الضخمة المحيطة بنا تصك أذاننا وتدخل رائحتها انوفنا. كل السائقين يضغطون على الفرامل وعلى أجهزة التنبية فى آن واحد حتى استحال ظلام الليل الى حفل صاخب من الاصوات والروائح. قلت لنفسى: ميتون هذه المرة. مرات عديدة على طرق إيران الضيقة الجبلية ظننت أن حياتي ستنتهي. وخاب ظنى كل مرة فى أخر كسر من الثانية قبل أن يحدث الأرتطام المروع المنتظر. توقفنا على بعد سنتيمترات من الاضواء الكاشفة الضخمة للشاحنة الهائلة التى كانت مقبلة فى الاتجاه الخاطىء لتسحقنا سحقاً لو لم نتمكن جميعنا من التوقف. 


فى مخيم جهروم (1) التقيت مع سكينة جميل، 80 عاماً، والتي في الاغلب رحلت عن عالمنا الآن. مقيمة فى المخيم منذ عشرين عاما وليس لديها اى مورد رزق سوى جود وكرم الأخرين من سكان المخيم. أرملة وإبناها في سجن ما في العراق. العينان ثابتتان وجافتان وخطوط الوجه تشير الى مجارى حفرتها الدموع ونحتها الألم فى سنوات، كانت سكينة ما زالت تتحلى فيها ببعض الأمل. عندما رأيتها لم يكن لديها أى أمل متبق سوى الحصول على ما يكفيها من طعام ودواء. اليأس يكسر البشر وينزع عنهم العواطف والأحاسيس واحدة تلو الأخرى، حتى لا يتبقى سوى أبسط الاحتياجات: الماء والغذاء والمأوى. 

الغرفة التى تقيم بها حمدية الربيعي ليس بها سوى سجادتين ممزقتين وكومة ملابس مهترئة ولكن أولادها معها وسنوات عمرها الاربعين ما زالت تمكنها من العمل والأمل.

قصص المخيمات تتشابه بصورة ما. معظم الرجال القادرين غائبون قتلاً او سجناً او عملاً فى مكان اخر. 

وكل المخيمات القديمة اسم على غير مسمى مثلها مثل المخيمات الفلسطينية فى سوريا ولبنان والاردن حيث صارت كلها أحياء مبنية بعضها به بيوت بعدة طوابق، ولكنها بيوت بنيت على عجل وأحياء تفتقر للخدمات الأساسية مثل الاحياء الفقيرة التي يبنيها الأهالي لتحيط بمدن مثل القاهرة. مخيمات العراقيين والأفغان فى إيران كانت محاطة بأسوار او أسلاك شائكة، وتلك التى بلا حواجز كانت فى قلب الصحراء حيث لا توجد سبل مواصلات عامة الى المدن القريبة. الحكومة الإيرانية، التي تعاني من مشاكل إقتصادية لا تنتهي أبداً رغم مداخيل هائلة من النفط منزعجة من عبء اللاجئين المالي.

كان هناك ساعتها مليونان تقريباً من اللاجئين الافغان فى إيران، معظمهم شبه محتجزين فى مخيمات تحيط بها اسوار من الاسلاك الشائكة، او بعيدة للغاية عن أقرب مركز حضري دون وسائل مواصلات عامة. وزارة العمل تلوم اللاجئين الافغان على إرتفاع نسبة البطالة فى البلاد أحياناً، ولكن المشاعر المعادية للاجانب لم تصل أبداً للحد الذى وصلت إليه فى بلدان مثل المانيا بجماعات حليقي الرؤوس التى تهدد اللاجئين والسود فيها. بعض الشباب الايراني أحيانا كما حدث قبل وصولى بأسابيع يترصدون العمال الافغان ويوسعونهم ضرباً فى الشوارع، ولكنها لم تكن ظاهرة منتشرة.

الايرانيون عموما ليسوا عدائيين تجاه الاجانب واللاجئين ولكنهم بدأوا يتململون بسبب طول إقامة اللاجئين الافغان فى بلادهم، حيث بدأ وصولهم الى البلاد فى السبعينيات، ثم تدفقوا باعداد هائلة فى الثمانينيات والتسعينيات، ولم تبدأ عودتهم إلا بعد سقوط الطالبان. والجماعة الاخرى الكبيرة من اللاجئين فى إيران هى من العراق، ولكن معظمهم (بفضل غزو امريكي اخر فى عام 2003) عادوا الى بلادهم فى الاعوام القليلة التالية. اللاجئون العرب كان معظمهم من الشيعة (عكس الأفغان)، وكانت لهم روابط عائلية قديمة مع عائلات إيرانية فى جنوب غرب البلاد حيث يتحدث كثيرون اللغة العربية.

ولكن ماذا عن البطالة؟ يبدأ الجدل العلني عادة عندما تتململ الحكومة الإيرانية مما تعتقد انه ضعف الدعم الدولي لها لمساعدة اللاجئين، فيدلى وزير أو إثنان ببعض التصريحات الانتقادية إزاء المنظمات الدولية والمجتمع الدولي، ثم تتلقفها الصحف ويبدأ العامة فى الشكوى (مثلهم مثل العامة فى كل مكان) من أن الغرباء يحصلون على الطعام والشراب والايواء مجاناً بل ويسرقون وظائف المواطنين دافعي الضرائب فى شكل أموال لخزينة الدولة او دم للحرب التى دامت طويلاً مع العراق.

رئيس تحرير أحدى الصحف يصر فى حديث على كوب شاي على أن المشكلة حقيقية: “اللاجئون الأفغان مشكلة ثقافية وامنية، ويرتكبون جرائم عديدة ضد الايرانيين. عندما تذهب للمدينة وتسأل الناس فى الشارع لن يقول لك أحد منهم أبدأ أنه يقبل بوجود اللاجئين الافغان فى بلادنا. لا يمكنك ان تعيش فى طهران الآن بدخل يقل عن 600 دولاراً للفرد في الشهر، أو 2400 دولار لأسرة بها طفلين، ولكن دخول الكثيرين الذين يعولون اطفالاً كثر لا تتعدى الالف دولار ولدينا مشكلة بطالة ضخمة. وجود الافغان وسلوكهم مشكلة تدمر بنيان مجتمعنا، فمعظمهم من الخارجين على القانون ويهربون المخدرات. اللاجئون العرب مختلفون وكثير منهم أغنى من الافغان بكثير. لا توجد دولة اخرى فى العالم تنفق كل هذه الاموال على اللاجئين.”

وعندما سألته عن حجم الانفاق الايرانى على اللاجئين لم يكن لديه جواب. يعرف رئيس التحرير الايراني ومؤيدوه فى هذه القضية أن الافغان فى معظمهم لا يشغلون سوى الوظائف الدنيا، التي يترفع عنها الإيرانيون العاطلون عن العمل حيث أن معظمهم من العمال المهرة او خريجى الجامعات. عاد للامتعاض مرة اخرى قائلا: “الشعب الايراني يعانى من أزمة إقتصادية والحياة صعبة. عشرون مليون شاب إيراني عاطلون عن العمل، وفي كل عام يتنافس مليون ونصف المليون شاب للحصول على واحد من مائتي الف مكان فقط فى جامعاتنا.”

الجدل في أيران حول اللاجئين الأفغان كان يغفل أحياناً أن معظم اللاجئين المسجلين شبه محتجزين فى مخيماتهم النائية عاجزين عن العمل وعن الإنتقال من مكان لآخر دون تصريح مسبق. كما ان أصحاب العمل الأيرانيين صاروا يفضلون العمالة غير الشرعية لأنها أرخص ويمكن غمط حقوقها دون مسائلة.

القيود على المخهيمات كانت مشددة وتزعج بعض العاملين فى أنشطة الأغاثة. قال أحدهم لي :” نحن نقدم المساعدات لمعسكرات اعتقال وليس مخيمات لاجئين.” ربما كان يبالغ، ولكن ليس كثيراً.


كنت أشتري الصحف اليومية الفارسية والانجليزية. الاولى لأنظر الى تنضيدها وأتطلع إلى الصور والاخرى لاقرأها. الصحافة الايرانية المكتوبة بالانجليزية لا توزع الكثير ومعظمها تابع او مقرب للدولة. “إيران ديلي” مثلا توزع فقط 12 الف نسخة وبها 15 صحفياً لديهم عشرة حواسب آلية فى الطابق السادس من مبنى وكالة انباء الجمهورية الاسلامية الايرانية. قال لى رئيس تحريرها: “نحن مدعومون وليست لدينا اى مشكلة مع التمويل.” ولا توزع “كيهان إنترناشيونال” سوى ستة الاف نسخة، وهى جزء من مؤسسة كيهان الضخمة للنشر والتوزيع التى تصدر أربع صحف يومية بالفارسية والعربية والإنجليزية. وكيهان مقربة من مؤسسة المرشد الاعلى وتصدر أكثر الصحف اليومية انتشارا فى البلاد.  الصحيفة الانجليزية الاكثر إنتشارا ونجاحا هى طهران تايمز، وكانت توزع اربعين الف نسخة فى التسعينيات (صارت حوالى 15 الف نسخة في العقد التالي) وأنشأها رجل أعمال هندى منذ أكثر من اربعين عاما ولكنها صارت مملوكة لإيرانيين فيما بعد.


أخذ سائق التاكسي يشير الى رجال الدين الملالي فى الشوارع وهو يضحك ويقول: “لا خير فيهم.” سائح بريطاني يلتقط الصور للملالى وهم يسيرون فى جلاليبهم وعباءاتهم الفضفاضة. سائح أخر يلتقط صورة لطالب فى مدرسة دينية وهو واقف يتأمل الحذاءين الضخمين المصنوعين من البرونز وطول الواحد منها وارتفاعه لا يقل عن المتر. كان تمثال ضخم للشاه يقف فى هذين الحذائين أمام قصر سعد عباد في طهران حتى عام 1979 عندما هجم المتظاهرون عليه وانزلوه ولم يتركوا سوى حذاءه تذكرة. تمثال الشاه الاخر عبر الحدود، وأعني الطاغية العراقي الراحل صدام حسين، نزل من عليائه وضرب بالحذاء بمساعدة امريكية بعد ذلك باربعة وعشرين عاما. وبعد خمسة اعوام من ذلك الحدث طار حذاء صحفى عراقى تجاه الرئيس الامريكى السابق بوش فى مؤتمر صحفى فى بغداد. يبدو أن هناك علاقة بين الحذاء والسلطة فى هذه المنطقة.

ساقا تمثال للشاه رضا بهلوي امام قصر سعد عباد في طهران

مشهد طالب الدين امام الحذاء ووراءهما فى الخلفية مشهد القصور المفرطة فى البذخ لعائلة الشاه يحملان معاً قدراً من عدل التاريخ وتقلبه. الطلاب الصغار والموظفون وزوجاتهم واطفالهم يسيرون مشرئبي الأعناق يتطلعون الى الغرائب والعجائب من الاثاث والسجاجيد والاشجار والترف من حولهم فى قصور الشاه التى صارت مزارا للسياح، في ذلك المكان الذى كان محرماً عليهم حتى الاقتراب منه. باتت حياة الشاه الخاصة مزاراً سياحياً لترى سريره ومنضدة طعامه. فى أحد القصور توجد أكبر سجادة منسوجة يدوياً فى العالم كله تنفرش على مساحة 240 متراً مربعاً. تسلل الينا صوت الأذان ونحن نصعد ببطء السلالم الطويلة لمدخل أحد القصور. توقفت على جانب السلم لاسمح لعشرات التلاميذ الصغار بالقفز عدواً بحرية الى اعلى السلم ونظرت الى سائقي وقلت له انه يمكنه الذهاب للصلاة إذا أراد. “انا لا أصلي،” رد علي.

هناك إحساس قومي إيراني قوى بأن طهران تستحق دوراً اكبر وأهم فى المنطقة تؤهله لها ثقافتها وثروتها وتاريخها (بغض النظر عن ماهية الدور بالضبط فى منطقة ما زالت حكوماتها العربية تتذكر بقلق محاولات أيران لتصدير ثورتها الإسلامية في الثمانينيات). تعتقد إيران أنها دائما قد حرمت من لعب هذا الدور بسبب التدخلين البريطاني والامريكي في النصف الأول من القرن الماضي إما لدعم سيطرة السنة في العراق أو للابقاء على الأسرة البهلوية فى الحكم في طهران أو لحصار النظام الاسلامى الايرانى بعد سقوط البهلويين. وتنزعج الولايات المتحدة والسعودية (واسرائيل لا شك) من النفوذ الإيراني المتزايد في الشرق الأوسط وخاصة منذ سقوط صدام حسين حيث تضخم دور طهران من تحالف وحيد مع النظام الأسدي في دمشق وعلاقات متينة مع حزب الله في لبنان إلى شبه هيمنة على مفاصل مهمة في حكم العراق ثم علاقات قوية مع حماس في قطاع غزة وجماعات شيعية فى الخليج اليمن. هذا النفوذ المتسع والعلاقات المؤثرة تؤرق الأمريكيين والسعودية وبعض دول الخليج صاحبة الأقليات الشيعية الكبيرة أكثر، ومصر بالتبعية. مصر إذن، وربما باستثناء النفوذ الإيرانى غير الكبير في غزة المجاورة، لا تدافع عن مصالح مباشرة ولكن تنضم إلى محور سعودى امريكى اردنى فى مواجهة إيران بمحورها السورى الحماسى الحزب اللهى. وتذكرت صديقي نعمين. المسألة ليست بشأن الموتى (الإسلامبولي والسادات والشاه) ولكنها فى نهاية المطاف بشأن النفط وأحلام الهيمنة الثقافية والدينية من كل الأطراف.


قال لي صحفي إيراني يحمل جواز سفر اوروبياً يريد إنه يريد أن يرحل مرة اخرى. عاد الى طهران بعد 12 عاماً فى الولايات المتحدة حيث كان يعمل مترجماً، ولكنه الآن خائف من أن تكبر ابنته فى إيران.

“لا يمكننى ان أتركها تشب هنا وتصبح مراهقة هنا وتصاب بعقدة نفسية. ينبغى ان تتمتع بالحرية وتعرف معناها وتقدر معنى المسؤولية. هنا لا توجد لا حرية ولا مسؤولية. من حقها ان تلعب وتمرح وتجري دون ان تنظر خلفها طوال الوقت! الجريمة باتت منتشرة جدا هنا. نحن لا نخرج كثيراً بعد غروب الشمس، وهناك سرقات وسطو مسلح. الدعارة منتشرة. يمكنك التقاط مومس من الحدائق ومن نواصي شوارع معينة. الشرطة فاسدة، ويمكنك ان ترى الشباب وقد اوقفتهم الشرطة عند نقاط التفتيش يدفعون الرشا ويمرون. منذ عدة أيام ذهبت إلى حفل  فى منزل صحفي أجنبي، وكانت الموسيقى تصدح بصوت مرتفع للغاية. ووصلت الشرطة وخشى كثيرون لأن الحفل كان به نساء كثيرات أتين بمفردهن، كما ان زجاجات الكحول كانت متناثرة فى أنحاء المكان. ولكن الشرطة عندما وجدت الكثير من الأجانب والعاملين مع صحف أجنبية تركتنا ومضت.” 

الصحفيون الاجانب، وخاصة من لا يجيد منهم الفارسية، ينتهى بهم الامر للحديث مع أشخاص يؤكدون وجهات النظر المسبقة لهؤلاء الصحفيين. قالت لى فاريبا وهى صحفية امريكية من أصل أفغاني: “يحبون أن يتحدثوا مع من يؤمنون بنفس قيمهم. يحبون ان يسمعوا كلاما مريحاً عن الاشياء التى يحبونها. هؤلاء هم الصحفيون الأجانب فى معظم الحالات يا عزيزي.” 


للحفلات الخاصة التى ذهبت إليها فى طهران طقوس. يدق جرس الباب، فينظر المضيف في العين السحرية للتأكد من القادمين. يدخل الضيوف وفى أيديهم اكياس غامقة اللون بها فى الاغلب زجاجات شراب كحولي. تخلع النساء الشادور لتظهر احدث صيحات الموضة الكاشفة عن الصدر والسيقان. لم أر فى حياتى الحافلة هذا العدد من أحدث خطوط الموضة التى تكشف وتلف جسد المرأة مثلما رأيت فى حفلات طهران! يتبادل الحضور النكات عن الملالي ورجال الدين. عندما لاحظ أحدهم بعض اندهاش فى وجهي، قال ضاحكا: “لا بأس. لا تنزعج. هناك ملالى جيدون.” ولما رأى نظرة الاستفهام المتوقعة فى وجهي، أضاف وهو يهتز من الضحك: “الملالى الموتى جيدون.” كان هو ومعظم رجال الاعمال الذين التقيتهم هناك من مؤيدي النظرة التآمرية فى تفسير استمرار سيطرة الملالي على الحكم فى ايران: “إنها الولايات المتحدة تحركهم من واشنطن!”

كنت أبدو مندهشاً قليلاً وربما متعباً قرب نهاية الحفل، عندما اقترب منى موظف فى سفارة أو منظمة دولية، لا أتذكر، وقال: “كنت مثلك. كنت خائفاً عندما نقلونى من ذلك البلد فى شرق اوروبا إلى هنا. ولكنى الآن فى طهران يمكنني ان أقضى كل ليلة مع فتاة مختلفة.” قلت له أنني مسافر فى الغد الى جنوب إيران وبعد أسبوع سأغادر البلاد ولا يمكنني لأسباب عديدة أن آخذ بنصيحته. ومضيت.


[1]         مخيمات اللاجئين الافغان التى زرتها كانت رفسنجان وبردصير فى مقاطعة رفسنجان ومخيم دلاكى فى مقاطعة بوشهر، وأشرف أصفهانى بمقاطعة خوزستان. واللاجئون الافغان معظمهم من الهزارة والطاجيك وبعضهم من الباشتون. وزرت عدة معسكرات للاجئين العراقيين وأغلبيتهم العظمى من الشيعة ومن هذه المعسكرات صارفيستان وجهروم فى مقاطعة فارس ومطهرى/بهيشتي وبنى نجار والانصار فى مقاطعات أخرى.

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

تعليقان (2) على “(الفصل ٩) إيران”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *