(الفصل ٨) طاجيكستان

هذا هو الفصل الثامن من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي .

كان المطر يهطل، وهبات الرياح تأتينا قوية، عندما أقلعت الطائرة الصغيرة ذات المحركين والاثني عشر مقعدًا من مطار إسلام آباد ظهر يوم ثلاثاء. تتمايل الطائرة وتتبختر وسط الرياح والأمطار متجهة شمالاً. القمم المدببة والخشنة والرائعة للطرف الغربي لجبال الهيمالايا ساكنة تحت سماء زرقاء، والطرف الجنوبي لسلسلة جبال هندوكوش في أفغانستان بنية اللون دون كثير من الثلوج، والبامير في جنوب غرب طاجيكستان مغطاة بالبياض. في هذه الطائرة الصغيرة، التي لا تستطيع التحليق على ارتفاعات شاهقة، تُتاح فرصة التمتع بتلك المشاهد الخلابة.  بعد 45 دقيقة حطت الطائرة في جلال آباد. نزل أحد الركاب ليصعد أحد موظفي الأمم المتحدة. إنها فرصة لنمدد أرجلنا على ارض المطار إذ نعجز عن الوقوف في تلك الطائرة الصغيرة. في مطار جلال آباد، كما هو الحال في مطارات صغيرة كثيرة فى أفغانستان، يطالعك المشهد نفسه: حطام طائرات عسكرية تحمل شعار الاتحاد السوفييتي، وبضع دبابات متفحمة، وطريق صغير من الأسفلت (أو من ألواح الصلب) يُستخدم مدرجًا للطائرات.  بالقرب من المبنى الوحيد في المطار، وهو عبارة عن دور واحد مربع مطلى بلون أخضر باهت، وقفت أربع نساء أفغانيات وقد تدثرن ببراقعهن، وعلى بعد بضعة أمتار وقف نحو ثلاثين رجلاً بلحاهم الطويلة وعمائمهم. كانوا جميعًا في انتظار طائرة خطوط آريانا (الخطوط الجوية الأفغانية) ، حتى تقلهم إلى مكان ما في أفغانستان (لم يكن مسموحًا لآريانا بعبور الحدود في ظل العقوبات الدولية آنذاك – عام 2000 – بينما الآن فى عام 2009 وانا اكتب اول مسودة لهذا الكتاب، تذهب آريانا الى 12 مدينة منها فرانكفورت وأنقرة إضافة إلي البلدان المجاورة). على المبنى الصغير ساعتها كان علم طالبان البسيط يرفرف، وتحته يقف مقاتلان في حالة ملل واضحة يحملان مدفعي كلاشينكوف.  ساعة أخرى ومطبات جوية شديدة، ثم هبطنا في دوشانبه، عاصمة طاجكستان. 

لاحظ اللسان الارضي الصغير الذي يفصل باكستان عن طاجيكستان ويُسمى ممر واخان وتم ترسيمه بإيعاز بريطاني لتفصل افغانستان بين مستعمرات بريطانيا في جنوب اسيا والامبراطورية القيصرية

على مدرج المطار قابلنا ضابطان روسيان على بعد بضعة أمتار من الطائرة. لم يكن لنا أن نتقدم أبعد من ذلك حتى يعود أحدهما بجوازات سفرنا المختومة. على الرغم من استقلال طاجيكستان سنة 1991، كان لا يزال بها قرابة 25000 جندي روسى يقومون بدوريات على امتداد 1000 كيلومتر من الحدود مع أفغانستان، فضلاً عن السيطرة على كل المطارات. ليس لطاجيكستان المحاصرة بأراضي دول أخرى من جميع الجهات أي نقطة دخول أخرى، أو مطل على أى بحر باستثناء الحدود المحروسة جيدا مع أوزبكستان وقيرغيزستان والصين. 

كانت طاجيكستان أقصى الجمهوريات السوفيتية جنوباً، وأحد معابر الجيش الاحمر إلى أفغانستان فى 1979. لم تنعم تلك البلد بإستقلالها بعد تفكك الامبراطورية السوفيتية سوى بضعة أشهر قبل ان تندلع فيها حرب اهلية طاحنة، مثلما حدث فى العديد من الجمهوريات الشيوعية السابقة بعد انهيار المعسكر الإشتراكي. طار غطاء حلة البخار السوفيتى فجأة ودون فترة إنتقالية، ففارت النعرات العرقية والاثنية والاقليمية وانبعثت بعد رقاد طويل الثارات القديمة والمعتقدات التى ظن الشيوعيون أنها ماتت ودفنت. يقول زعيم حزب النهضة الاسلامية محمد شريف حمتزادة “حاول الشيوعيون على مدى 75 عاما محو اى أثر لله ولكن كل طاجيكى اليوم يذكر الله ويدعو من أجل إنتصار حزب الله.”[1] وكان حزب الله آنذاك هو حزب النهضة الإسلامية. وبعد أشهر قليلة غادر حمتزادة دوشانبة الى قاعدة عسكرية سرية، حيث بدأ فى اعداد حوالى ثمانية ألاف من مقاتليه، ولم يعد سوى فى خريف 1992 عندما أصبح حزبه ممثلاً فى البرلمان وعضواً فى الائتلاف الحاكم ولكن فى أسابيع قليلة تم حظر نشاط حزبه وعاد مرة اخرى للحياة السرية.

الاسلام لا شك عاد بقوة إلي آسيا الوسطى، وبعد ان كان هناك نحو 160 مسجداً فقط فى انحاء جمهورياتها ذات الاغلبية المسلمة تاريخياً فى بدايات التسعينيات، وصل عددها خلال عشر سنوات بعد الاستقلال إلى عشرة آلاف مسجد كما تضاعفت أعداد المدارس الدينية. واستغل الزعماء السلطويون مثل اسلام كاريموف في اوزبكستان الذي ادي القسم الجمهوري ويده على مصحف في ١٩٩٢ أو صبرمورات نيازوف ديكتاتور تركمنستان الفاسد الذي حج الى مكة في نفس العام. ولكن حكومات اسيا الوسطي المؤلفة من رجال كانوا كبار ضباط أمن او مسؤولين نافذين في الحزب الشيوعي السابق اضطهدوا اي توظيف سياسي للإسلام واحتقروا رموز السلوك الاسلامي المحافظ في الفضاء العام مثل الحجاب واللحية. في النهاية مثلهم مثل زعماء الديكتاتوريات والسلطويات في البلدان ذات الاغلبية المسلة حيث أُستعمل الدين كايدولوجية محافظة تضبط الفضاء العام أو يتم توظيفها لاغراض سياسية في خدمة نخبة الأمن والبيزنس الحاكمة كما صار الحال مع كل السلفيين غير الجهاديين من باكستان الى مصر.

قاتل نامانجاني (١٩٦٨-٢٠٠١) مع الجيش السوفيتي في افغانستان ثم اعتنق مبادىء الجهاد الاسلامي المسلح

جلبت عودة الإسلام العلنية لاسيا الوسطى من يحملون لواء الإسلام عقيدة سياسية بالوان عديدة، منها اللون الذى يرفض تواجد أي فصيل اخر يشارك فى الحكم او السلطة، ويصر على جعل الدولة دينية وعلى فرض الشعائر والمعتقدات عن طريق القانون. وكان أقوى ممثل لهذا التوجه حركة أوزبكستان الإسلامية التى تركز مقاتلوها فى وادي فرغانة الذى يقع على الحدود بين طاجكستان واوزبكستان وقيرغيرستان بزعامة جمعة نامانجاني، والتي عقدت صلات وثيقة مع الطالبان وقاتلت من أجلها ضد قوات شاه مسعود. وبعد الغزو الامريكي فى عام 2001 ومقتل نامانجاني، فر مئات من المقاتلين الاوزبك والطاجيك من هذه الحركة الى المناطق القبلية فى باكستان. وفى الشهور الاولى من عام 2009 صاروا مرة اخرى هدفا لقصف امريكي وعمليات عسكرية باكستانية واسعة النطاق ضد جماعات طالبان الباكستانية التى تؤويهم وتأوي اخرين يريد الامريكيون القضاء عليهم، مثل بن لادن والظواهرى فى بعض التقديرات.

وخدم القمع العنيف والمستمر للحركات الاسلامية المعارضة، والتضييق السياسي عموماً، مصالح الجماعات الاسلامية المتطرفة التي تحمل السلاح. ففى مايو 2005 قمعت السلطات الاوزبكية بقوة مظاهرات سياسية فى منطقة أنديجون، وقتل كثيرون وفر المئات الى افغانستان وباكستان، ومن لم يكن يتبع أساليب العنف منهم من قبل صار مؤهلاً وربما راغباً فى الانتقام. وولدت شبكة تمتد من اسيا الوسطى وعبر تركمنستان وإيران وافغانستان تصل بقادتها وجنودها، من أتباع الحركات الاسلامية المسلحة التى تتبع أو دُفعت لإتباع العنف، إلى المناطق القبلية التى يستحيل السيطرة عليها فى باكستان.

الإسلام كأيدولوجية مقاومة، من النوع الذي انتشر فى أسيا الوسطى في التسعينيات وبداية القرن الحالي قوة تتخلل الحدود المصطنعة بين دول تشترك فى فشل أنظمتها بشكل ما أو بأخر في الوفاء بحدود معقولة من إحتياجات غالبية شعوبها. صارت هذه الحدود معابر مخترقة لاتباع العمل الجهادي العنيف في طاجيكستان أو باكستان وبالطبع أفغانستان التي تقع بينهما. وصارت المناطق القبلية فى باكستان وأفغانستان المخبأ الأهم لهذه الجماعات فى وجه مطاردة لا هوادة فيها من جيوش حلف شمال الاطلسي وقوات الأمن المحلية. والخاسر الرئيسي هم المدنيون الذين ليس لهم “لا في العير ولا فى النفير”، أو كما يقول المصريون “لا في الطور ولا في الطحين”، اى لا مكاسب لهم من الدولة ولا فائدة لهم مع الجماعات الطالبانية المتطرفة، خاسرون بغض النظر عمن سيكسب هذه الحرب الممتدة التى تبدو دونما نهاية فى الأفق، خاصة مع التدهور الاقتصادي المريع فى دول أسيا الوسطى وانهيار التحويلات النقدية من مواطنيها فى دول الاتحاد السوفيتي السابقة.

ستالين، كما تخيله رسام حكومي سوفيتي، بقلمه الرصاص يرسم حدود جمهوريات اسيا الوسطي: كازاخستان واوزبكستان وتركمنستان وطاجيكستان وقرقيزستان

حدود طاجيكستان مدينة للزعيم الروسى الدموي جوزيف ستالين الذى اقتطع قسماً من أراضي الطاجيك ووضعها فى اوزبكستان ثم ضم أراضي أوزبكية الى طاجيكستان، ورحّل مئات الالاف من الروس إلى الجمهورية الوليدة فى القرن الماضي. كان الرجل يلعب بالبشر وكأنهم حصى عادة وإن كانت هناك تفسيرات لغوية وعرقية وسياسية لما فعله ستالين في العشرينيات من القرن الماضي وهي سنوات تشكيل وصلب عود الاتحاد السوفيتي الوليد. وطوال عمرها الاقتصادي فى العصر السوفيتي كانت نصف ميزانية دوشانبه تأتي من موسكو. وحتى بعد استقلالها بسنوات طويلة يأتى القسم الاكبر من هذه الميزانية من المساعدات الدولية ومن موسكو عاصمة روسيا!


فندق طاجيكستان المُشيد في ١٩٧٥ بعد التجديدات في ٢٠٠٢

عندما فُتح باب المصعد في فندق طاجيكستان في وسط المدينة، طالعنا جنديان بكامل الزي الرسمي والمدافع لكلاشينكوف. لم يكونا عدائيين ولا ودودين.  هذا هو أفخم فندق في المدينة، على الرغم من أن أثاثه رث، ودهان الحوائط متهالك في العديد من المواضع، ولكنه مع ذلك نظيف والخدمة فيه معقولة. حضر ضابط الأمن التابع للمنظمة ليبلغنا بالمحاذير والنصائح الأمنية المعتادة: حظر التجول من العاشرة مساءً، لا سير في الشوارع. كما هو متوقع، ومثل زميله في إسلام آباد، يميل هؤلاء الضباط إلى المبالغة، ويعانون أحياناً يعانون من جهل مروع بالوضع السياسي للدولة التي يعيشون فيها. أحرجته مرتين لمجرد أني قرأت مقالين وفصل في كتاب عن طاجيكستان!! الجيش الروسى يستأجر طابقين بالكامل فى هذا الفندق من اجل جنوده، كما انه يدير أحد أهم مطاعم المدينة أنذاك وهو مطعم “النخبة” . النصيحة الأهم والحقيقية التى منحنا إياها ضابط الامن هو عدم التجول فى تلك المدينة الصغيرة بعد حلول الظلام. فبعد العاشرة مساءً ليس هناك أي مكان تذهب إليه، باستثناء صالة القمار الوحيدة في المدينة والتى يملكها ويديرها رجال أعمال أتراك. هذه الصالة تقع أمام فندق طاجيكستان، وهي مقر الجريمة المنظمة الواسعة النشاط في دوشانبه (تجارة سلاح وهيروين نشطة مع البلدان المجاورة). 

وحتى في النهار ليس هناك من نشاط يمكن أن يمارسه المرء في دوشانبه، المدينة الصغيرة التى قرر السوفييت أن يجعلوها عاصمة لهذا البلد منذ نحو 70 عاماً، عندما أنشأوا هذا البلد ورسموا حدوده. في المدينة طريق رئيسي واحد يقع فيه القصر الرئاسي، ووزارة الخارجية، ومعظم السفارات، والمكتبة العامة، ومحطة السكك الحديدية الرئيسية. مدينة شديدة الاخضرار، محاطة بجبال رائعة الجمال، سكانها مدقعو الفقر. وسط هذا الشارع ينتصب تمثال ضخم لسامان، مؤسس الدولة الطاجيكية الكبرى في القرن العاشر، بعد أن حرر مساحات شاسعة من أراضيها من الهيمنة العربية، ثم اتسع بملكه ليشمل سمرقند وبخارى، واللتين أصبحتا الآن جزءًا من دولة أوزبكستان الجارة العدائية والمهيمنة إقليميًا. تحت التمثال وعبر باب صغير خلفه تصل إلى قاعة تحت الأرض تحتوي على نموذج مصغر من المقصورة السامانية في بخارى. وتحت قبة المقصورة إناء صغير مغلق يحتوي على تراب من المقصورة الحقيقية، كما قال لنا مرشدنا البالغ من العمر 39 سنة ويعمل محاسبًا في منظمة دولية. كان جده رئيسًا لطاجيكستان في خمسينيات القرن الماضي.  غير بعيد يوجد تمثال ضخم للينين ينظر إلى الشمال. ما زالت بقايا الرموز السوفيتية فى كل مكان وأهم منها الحنين لدى العديدين الى العهد الشيوعى.

تمثال لينين كان ما زال واقفا في وسط دوشانبه في عام ٢٠٠٠

سطعت الشمس فى ذلك اليوم ليذوب معها ما بقي من جليد كان يغطي دوشانبه في اليومين الماضيين. زارينا، طاهية المكتب، تحضر لنا الشاي في قاعة طعام صغيرة فى الطابق الثالث من هذا البيت القديم الذي تقام فيه حفلات الاستقبال للمانحين والمنظمات غير الحكومية، فضلاً عن دورات اللغة الإنجليزية للموظفين المحليين الراغبين في تحسين وضعهم الوظيفي. ابتسمت وهي تقدم الشاي لتظهر سنها الذهبية، وهي ظاهرة منتشرة في دوشانبه، ولكنها أقل شيوعًا، نسبيًا، في الريف بسبب الفقر. الأسنان الذهبية دليل ثراء هنا، بيد أن أطباء الأسنان لا يزالون يستعملونها لأسباب طبية أيضا بسبب غياب مواد الأسنان الصناعية الجديدة. 

فقدت الإحساس بالمكان لبضع ثواني عندما بدأ صوت عمرو دياب المغلف بالمؤثرات الصوتية يملؤ الحجرة بأغنيته الأخيرة انذاك، “نور العين”، ولكن، هنا دوشانبه. نعم، إنها دوشانبه. 

بجوار الأريكة التي كنت مستلقياً عليها، غارقاً في مذكرات العالِم الذي قام بتحنيط جثمان لينين واثنين من الزعماء الشيوعيين السابقين، كانت هناك مائدة بلياردو روسية. وهي مختلفة عن الموائد الأمريكية، حيث أن كراتها أكبر وفتحات سقوط الكرات أصغر، مما يجعل إصابة الهدف وإسقاط الكرات الكبيرة في الفتحات صعباً للغاية، كما ان العصي القديمة المتهالكة ضاعت أطرافها المطاطية. منضدة البلياردو الروسية هذه تشبه السياسة فى أسيا الوسطى. الأدوات المتاحة ضعيفة للغاية والأهداف صعبة التحقيق ومعقدة.

الموسيقى الإيقاعية الراقصة لأغنية عمر دياب تملأ جنبات الحجرة وتأتى من كشك صغير لبيع الأطعمة والخضروات على الجانب الآخر من الشارع. امام الكشك يجلس صاحبه الذي تحدثت معه بلغة الإشارة في وقت سابق، كان يجلس مستمتعاً على كرسيه بأول أشعة للشمس منذ يومين، ومنتظراً زبائنه. 

حاولنا استخدام عدة لغات معًا، العربية والإنجليزية من جانبي، والطاجيكية والروسية من جانبه، ولكن لغة الإشارة كانت هي الوحيدة التي نجحت معنا. ضممت سبابتي والوسطى ورفعتهما بالقرب من فمي كما لو كنت أدخن. فأجاب “نييت” (لا). كشك لا يبيع السجائر!! أمر غريب! على أن تبادل الإشارات هذه المرة لم يكن على قدر الفكاهة التي صاحبت ما فاعلته في روما منذ عدة أشهر عندما بدأت أتصنع السعال والعطس لأقول للصيدلي أني مصاب بالبرد. 


في الشارع مدنيان ينقلان حمولة من مدافع كلاشنيكوف القديمة، بينما يلعب ثلاثة أطفال، ينظرون إلي، مشدوهين بالكاميرات ربما، أو آملين أن يستطيع هؤلاء الذين يبدو النفوذ على محياهم بملابسهم الجديدة، والكاميرات، وأجهزة كمبيوتر النوتبوك، الآتين من العالم الكبير هناك خلف المطار، أن يجلبوا لهم بعض الهدايا أو الحكايات الجديدة. 


في حقول كومسانجر، هذه المنطقة الفقيرة المنسية فى اقليم خاتلون، جنوب طاجيكستان، تمسك النساء بفؤوس طويلة، تقلبن التربة في مساحة نحو ١٥٠ فداناً من الأراضي التى كانت مملوكة للدولة من قبل وصارت مملوكة لهن الآن. إحداهن عادت من إقليم كندوز في شمال أفغانستان منذ عام مع طفليها، تاركة وراءها جثمان زوجها الذى كان يقاتل مع احدى فئات المجاهدين ضد فئة اخرى من المجاهدين. طفلان عليها إطعامهما وليس لديها سوى لحاف قديم في حجرة رطبة أحد جدرانها شبه متداعٍ. 

أربع فتيات في ملابس زاهية الألوان وقفن عبر قناة صغيرة ينساب الماء فيها مع الطمي وبعض المخلفات، خلف لافتة كبيرة تحتفي بريادة منظمة دولية لجهود خصصة أرض الدولة وتحويلها من مزارع جماعية مملوكة للدولة لمزارع مملوكة للفلاحين الذين يعملون فيها. اتخذن وضع التصوير وقد تسلل الخجل إلى ابتساماتهن، ارتفعت يد صغيرة أو اثنتان لتخفي الفم الذي لم يزدن بعد بالأسنان الذهبية. 

نساء فقيرات تعملن بالزراعة مقابل اكياس طحين وصفائح زيت طعام … مصير المزارع الجماعية السوفيتية!

تحويل إقتصاد البلاد المعتمد على الزراعة وعلى صناعة الالمنيوم من ملكية الدولة الى القطاع الخاص تدريجيا كان وما زال تحولاً باهظ الثمن وصعباً. الناس يعتادون على أساليب عيش طوال عقود ويستحيل تغييرها فى سنوات دون كلفة إنسانية باهظة مثلما فعل ستالين. فى ريف طاجكستان وطوال سبعين عاماً سيطرت الجمعيات الزراعية وفروع الحزب المحلية والبيروقراطيين على الحياة اليومية، والدورة الفلاحية الزراعية، وتوزيع المدخلات، وجمع المحاصيل وتوريدها ثم توفير الخدمات الاساسية للفلاحين. كان هذا العقد الإجتماعى غير مرضي للجميع وغير كفؤ وتآكل تدريجياً من داخله حتى انهار مع سقوط الدولة السوفيتية وتفككها. فى البدء كانت الفرحة والبهجة تعم الجميع، كما يقول معظم الفلاحين من كبار السن، ولكن مع مرور الوقت، وإتضاح الرؤية، وصعوبة التحول، والبطء الشديد فى تغيير ثقافة وعادات إستمرت سبعين عاماً، والجفاف الذى ضرب الموسم الزراعي أكثر من سنة، والفساد وتحلل الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية، والحرب الاهلية، تحولت طاجكستان الى افقر بلد فى آسيا الوسطى واحد أفقر بلدان العالم. وانزلقت البلاد إلى هوة الإعتماد على تجارة المخدرات والجريمة كمصادر دخل أساسية مع تدني مدخولها من زراعة القطن، وتدهور صناعة الالمنيوم فيها، وإنخفاض التحويلات من العاملين فى الخارج.

طاجيكستان مستقرة منذ انتهاء الحرب الاهلية فيها في عام 1997، ولكنها تعيش على سطح صفيح ساخن تتقافز عليه كى تتمكن من البقاء، صفيح يخفى تحته الفساد والمخدرات والتكلس السياسي والركود الإقتصادي، سطح يخبىء تحته بلدا فشل فى أن يصبح دولة، إقتصاد بات معتمداً على تحويلات العمال فى الخارج فى السنوات القليلة الماضية. فى الدول الديمقراطية عندما تفشل الحكومة تغادر السلطة ويختار الشعب حكومة اخرى، ولكن فى طاجيكستان تحققت النكتة العبثية التى يقول فيها منافق لرئيس البلاد وهو على سرير الموت ان الشعب لا يعرف ما سيفعل بعدك؟ فرد الرئيس بهدوء قائلاً: “ليه. همه رايحين فين؟”. في طاجيكستان نصف القادرين على العمل من أفراد الشعب غادروا البلاد ليعملوا فى وظائف معظمها دنيا فى كازاخستان وروسيا. الحكومة باقية ولكن الشعب راحل لانه لا حل آخر هناك مع بقاء نفس السياسيين والشلة الحاكمة فى السلطة منذ حوالي عشرين عاماً. مليون طاجيكى يعملون فى الخارج او حوالى عشرين فى المئة من سكان البلاد. وبهذا المعدل لو استمرت حكومة ايمومالى راحمون فى السلطة عدة سنوات اخرى لربما ظل فى البلاد الاطفال والعجائز فقط، حيث سيكون باقى السكان قد هاجروا للعمل فى الخارج. وحتى ٢٠١٩ ما زال راحمون، المولود في ١٩٥٢، في السلطة منذ تولاها في ١٩٩٢ وابنه عمدة دوشانبه بينما زادت تحويلات العمال المهاجرين عن ملياري دولار في عام ٢٠١٨ (او نحو ثلث إجمالي الناتج المحلي) وهي زيادة ربما ستة اضعاف عما كان عليه الحال في اواخر التسعينيات.

عجوز طاجيكي يحمل على صدره نياشين عهد ولّى

ويعود صبر الدول القادرة المانحة والمؤثرة على دوشانبه إلى أنهم لا يرون بديلاً هناك، ويحتاجون الرئيس راخمون والإستقرار. طاجيكستان معبر مهم للقوات الامريكية الذاهبة والراجعة من أفغانستان، وراخمون مثله مثل عديد من القادة فى هذه المنطقة وفى الشرق الأوسط، يلوح بان الطوفان الإسلامى سيلتهم البلاد إذا إنهار نظامه. والبعض بل الكثيرون يصدقونه. والمؤسف فى طاجكستان أن النظام ورث هياكل سياسية ضعيفة من العهد الشيوعي وخنق كل القوى الوليدة الأخرى، فلم تبق حقاً سوى القوى السياسية الإسلامية التى تستعمل كـ “فزاعة”.


سيدات ورجال طاجيك يحصلون على أغذية مقابل عملهم من الأمم المتحدة

كانت ريجينا دوبروفينا تبذل كل جهدها لإظهار نجاح مشروعها فى تعليم النساء الحياكة ونسج السجاد فى الضاحية الفقيرة القريبة من دوشانبه. النساء تأتين وتعملن مقابل الحصول على غذاء وكساء لعائلاتهن. إنه إقتصاد المقايضة مرة أخرى يعود للحياة بعد ان أعتقدت البشرية أنه ذهب. 

فى السيارة عائدين إلى دوشانبة سألتنى عن بلدي. قلت: مصر. “آه،” صرخت فرحة ثم انهالت بعربية فصحى حول حبها الشديد لنجيب محفوظ وكيف أن ميرامار هى روايتها المفضلة. “ماذا كنت تفعلين قبل الإستقلال؟” سألتها. كانت ريجينا أستاذة جامعية متخصصة فى الأدب العربي وكتبت رسالتها للدكتوراه عن الشعر الجاهلي. 

سألتقى ريجينات أخريات كثيرات فى كل بلدان الاتحاد السوفيتي السابقة القادمة من رحم شيوعية أفقدت الناس القدرة على المبادرة إلى عراء رأسمالية نزعت عنهم كل غطاء حتى لو كان بالياً ومرقعاً. 

اطفال ورجال وشيوخ طاجيك يستندون على بقايا منزل في اقليم خاتلون وينتظرون .. ينتظرون

[1]         Rashid, Ahmed “The Resurgence of Central Asia: Islam or Nationalsim”, New York: Zed Books (1994).  pp. 159

نُشرت بواسطة

خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *