المسلخ البشري

هذا هو الفصل الرابع من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي

ترتج الطائرة طراز بيتشكرافت وتتمايل وهى تقترب من مطار هيرات. أشعر في بعض اللحظات كما لو كنا داخل سيارة تسير على أحد طرقات أفغانستان الوعرة. السحب الكثيفة قطع قطن مندوف تحجب عنا رؤية المدينة في الدقائق الأخيرة للرحلة. يتحول السحاب تدريجياً إلى ضباب خفيف يلتف حول قمم جبال قريبة قبل ان تنجلي الرؤية قليلا لنرى الممر ونهبط. ما زالت فى مطار هيرات بعض المباني القائمة والمكاتب، وقائد، وطائرات عسكرية يبدو أنها لا تزال قادرة على التحليق. أما بوابة المطار فهي سلسلة حديدية غليظة تمتد بين عامودين ضخمين، ويحرسها أحد رجال الطالبان دون سلاح، وقد استقر سريره على السطح المنخفض لحجرة صغيرة مجاورة للمدخل البدائي.

هذه الرحلة كانت رابع أسفاري إلى أفغانستان في أربعة أشهر. إلفة المكان تتزايد قليلاً قليلاً لتستقر بداخلي طمأنينة. وكلما زادت أُلفتي للمكان على الأرض، ازددت شعورًا بالاغتراب عما يكتبه الإعلام عن أفغانستان. فالإعلام، وبعض الكتب التي ألفها صحفيون، يركز على الطبقات والخطوط العريضة من تقلبات السياسة وظواهر الثقافة، متجاهلاً طبقات وطبقات من المجتمع الأفغاني التي بدأت تنفتح أمامي كلما أنعمت النظر أو تحدثت إلى المزيد من الأفغان في الشوارع، فى الحقول، فى مخيمات النازحين، فى المطاعم والمقاهى والمنازل. يوشك المرء أن يتسرع في القبول بالخطوط الوهمية بين مختلف الإثنيات، وبين الريف والمدينة، وبين الفلاحين والتجار. لا أعني بذلك أن تلك التمايزات غير قائمة أو أنها لا تلعب دورها، على أكثر الأنحاء دموية في بعض الأحيان، ولكني أعني أنها ليست أبداً بتلك الحدة والوضوح الذي قد نعتقده، أو الذى يدفعنا الصحفيون، ومعظمهم متعجلون، لتصديقه.

اغلفة كتب عن افغانستان

الأشجار العالية على جانبي طريق مطار هيرات جردت من أوراقها وأفرعها باستثناء أطرافها العليا الخضراء. لم يتبق سوى جذامات صغيرة تبرز من السيقان محل ما كان فروعاً متطاولة أصبحت وقوداً فى منازل الأفغان او فى خيامهم. وفى الحقيقة وجدت معظم غابات أفغانستان – وخاصة فى شرق البلاد وجنوبها – طريقها، ليس فقط إلى أفران الفقراء المحرومين من الكهرباء والغاز، بل ذهب معظمها إلى باكستان حيث بيعت في الأسواق. غابات كاملة في شرق أفغانستان اختفت على هذا النحو، سافَرَت جنوبًا.

في منتصف الطريق إلى المدينة القديمة التي تعود إلى القرون الوسطى برزت خمسة أجساد من بطن رافعة صفراء ضخمة، يقومون، على ما يبدو، بإصلاح الذراع الهيدروليكية التي تشبه ثعبان الكوبرا، والتي جلس رجل في صندوقها العلوي. كانوا يحاولون تركيب لافتة معدنية ضخمة بعرض الطريق ترحب بالزائرين عندما تعطلت الرافعة.

سألت زميلى الأفغاني، ألا ترى أنه من الأجدى أن يوجهوا هذا الجهد إلى إصلاح بعض المطبات والحفر التي أنهكت ظهورنا في الطريق؟  فأجاب في نبرة المحرج: نحن نحب أن نرحب بالناس هنا.

كُتِب على اللافتة بالإنجليزية، والعربية، والداري، والبشتو: مرحبًا بكم في هيرات!

قُتِل الثلاثة في منطقة قريبة ثم جيء بجثثهم إلى هذا الطريق، وربما قتلهم متمردون قادمون من إيران كما أخبره مرافقه. علق زميلي على المشهد الذى تذكره، ونحن نحتسي شرابنا في ظل شجرة البانيان الرؤوم في نادي الأمم المتحدة في إسلام آباد، وهو فى حالة إستثارة ونشوة بشبه المغامرة التى مر بها، “كان منظراً مدهشًا”.

هذا الطريق الذي أقيم لأول مرة بأموال أمريكية وخبرات روسية بوصفه جزءًا من شبكة الطرق في أفغانستان في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، مر عليه أحد زملائي بعد ذلك بأسبوعين فشاهد ثلاث جثث ملقاة إلى جانب الطريق. قُتِل الثلاثة في منطقة قريبة ثم جيء بجثثهم إلى هذا الطريق، وربما قتلهم متمردون قادمون من إيران كما أخبره مرافقه. علق زميلي على المشهد الذى تذكره، ونحن نحتسي شرابنا في ظل شجرة البانيان الرؤوم في نادي الأمم المتحدة في إسلام آباد، وهو فى حالة إستثارة ونشوة بشبه المغامرة التى مر بها، “كان منظراً مدهشًا”.

على بعد نحو 20 كيلومترًا جنوبي هيرات تطالعك الأطلال الهائلة لإحدى أضخم القواعد الروسية التي أقيمت في غرب أفغانستان. تلك القاعدة رأى فيها “مفكرون استراتيجيون” في أمريكا وباكستان في الثمانينيات دليلاً على الاستعدادات الروسية للاتجاه جنوبًا وغربًا للوصول إلى المياه الدافئة في بحر العرب عبر باكستان، وإلى مياه النفط في الخليج عبر إيران، على الترتيب. هذا الدليل و”أدلة” أخرى كانت مبرر واشنطن الرئيسي لدعم الجنرال ضياء الحق، رئيس باكستان العسكري في ذلك الوقت، وتضخم عمليات تدريب المجاهدين لدحر الخطر الشيوعي بعد أن استدعت حكومة كابول اليسارية القوات السوفييتية.

مخلفات حربية معطلة من سنوات الحرب الطويلة

سرنا بالسيارة نحو 10 دقائق بمحاذاة القاعدة الروسية. حروف روسية دائرية ضخمة تتلاشي على جانبي مخازن هائلة، وقد اختفت منها العديد من ألواحها الصلب، بفضل تجارة حديد الخردة المزدهرة في أفغانستان.

غير بعيد عن القاعدة كانت بعض أسر الرعاة الكوتشي تنصب خيامها الرمادية المصنوعة من وبر الماعز. أتوا إلى هنا قادمين من منطقة أدراسكان، على بعد نحو 80 كيلومترًا جنوب هيرات بعد أن أمضوا نحو ثماني سنوات في إيران. في الشتاء بدأت الماشية تتساقط كالذباب. بحثوا في كل مكان عن المرعى والماء حتى استقر بهم المقام في هذه المنطقة منذ ثلاثة أشهر. قالت لي عجوز تجعد جلدها أنها فقدت 15 رأساً وباعت الخمس الباقية لتشتري بثمنها قمحًا تتقوت به في أشهر الشتاء الطويلة القاسية. ثمن كل شاة يكفي لشراء أقل من 20 كجم من القمح (ما يكفي بالكاد لإطعامها وحدها ثلاثة أشهر). الكثير من الأسر تضم أكثر من 15 فردًا. لقد ذهبت ثروة هذه المرأة، ولكنها أوفر حظًا من صديقتها التي أتى المرض والجفاف على عنزاتها العشر كلها.

وقف شيرماه، وهو شيخ من إحدى العشائر، خلف أغنامه وطلب مني أن أظهرها في الصورة التي كنت ألتقطها. قال لي: “كان لدي 240 رأساً، والآن لدي 60 فقط.” ربما أراد تخليد ما تبقى من أغنامه فى صورة حتى لو لم يكن ليحتفظ بنسخة منها. نظر إلى الأغنام الهزيلة زائغة الأعين بقلق قائلاً “سيتعين علي أن أجد عملاً قريبًا.” للبدو فإن رعي الحيوانات ليس عملاً بل أسلوب حياة وثقافة، ولكن عندما تموت حيوانات البدوى المرتحل يصبح مضطراً إما إلى حمل فأس أو الإكتفاء بذراعيه العاريتين والجلوس فى شوارع هيرات للحصول على أى عمل يدوى شاق أو أن يشحذ. نساء ورجال الكوتشي لا يسمون بحثهم المستمر عن الماء والمرعى، ونسجهم الذي لا ينتهي للسجاد والملابس، وما إلى ذلك، لا يسمونه عملاً؛ فالعمل عندهم يعني العمل اليدوي في السوق، العمل هو ما تقوم به لآخرين من أجل المال بشكل يومي، وليس من العمل في شيء أن ترعى ممتلكاتك التي تدر عليك دخلاً، أغنامك، وتواصل الإرتحال بحثاً عن العشب والماء المجاني. يرى البدو الأفغان أن الرعي يضمن استقلالهم عن سوق العمل. يتعين الآن على المزيد والمزيد من الرجال أن يبقوا بالقرب من المدن ليجدوا عملاً، وعلى النساء أن تمضين وقتًا أكبر في نسج السجاد. عندما وصلت الى مخيمهم المتنقل قرب هيرات كانت هناك خمس نساء تعملن معًا في نسج قطعة كليم جميلة صغيرة في خيمة شبه معتمة. قالت لي إحداهن: “نحن ننسج السجاد لنبيعه في السوق الآن لنطعم هؤلاء الصغار”، وأشارت إلى صغار خمسة تعلقت عيونهم بحقيبتي الخاصة بالكاميرا. ” يلزمنا ستة أسابيع للانتهاء من هذه السجادة، ونأمل أن نستطيع بيعها بمليون أفغاني (16 دولارًا). نصف هذا المبلغ يغطي تكاليف المواد الخام، والباقي يمكن أن نشتري به أقل بقليل من 40 كجم من القمح.”

راعي الاغنام الرحالة شيرماه مع اثنين من اطفاله في مقاطعة فره غرب افغانستان (تصوير المؤلف ٢٠٠١)

غلام نبيه، أحد مشايخ العشيرة لم يجبني عندما سألته عما سيؤول إليه حال هاتيك النسوة. “لدينا هنا 300 أسرة فقدت كل أغنامها ومواشيها، ولا يستطيعون الحصول على أي قمح من الأرض التي زرعوها في أدراكسان، ولم يحصلوا على أية مساعدات، والرجال لا يستطيعون العثور على عمل بسهولة…لا أدري ما مستقبلنا.”

الكوتشي الذين اعتادوا التنقل مئات الكيلومترات بخيامهم ومواشيهم وأطفالهم، متوقفين كل حين وآخر للرعى أو بجوار مصدر مياه يعرفون مكانه فى قلب الصحراء، أصبحوا مجبرين على قطع أى مسافات طويلة على ظهور الشاحنات بسبب اختفاء أراضى رعي تكفى حيواناتهم إذا سلكوا طريقهم على ظهورها ومشياً. ومن التقيت بهم فى ذلك اليوم باتوا شبه سجناء المنطقة التى يقيمون بها والتى تعجز عن الوفاء بإحتياجات مواشيهم وأسرهم لأنهم عاجزون حتى عن أن يدفعوا لسائقي الشاحنات مقابل اخر مرة نقلوهم فيها إلى هذا المكان. والشاحنات الفورد القديمة الملونة تتقاضى 4.5 مليون أفغاني لكل مشوار (حوالي 73 دولارًا). ويمكن للشاحنة الواحدة أن تنقل حوالى خمس أُسر بخيَمهم وبعض متعلقاتهم ومواشيهم. صاروا فقراء لدرجة أن كل أسرة تعجز عن توفير 15 دولاراً فقط.

عائلة من الكوتشي الرحل في غرب افغانستان (تصوير المؤلف)

على امتداد الطريق كانت آلاف من رؤوس الأغنام والماعز تُنقل جنوبًا في شاحنات. حتى الحافلات التي اكتست جوانبها بآثار الصدمات، والتي تحمل شعارات شركات السياحة الألمانية واليابانية، والتي أعيد تشكيل أسطحها بحيث تستطيع حمل الحيوانات، تحمل المئات من الأغنام والماعز لتباع في أسواق قندهار التي لا زالت عاملة، بل وحتى تذهب إلى ما هو أبعد من قندهار، إلى إيران وباكستان. في تلك الحافلات تم انتزاع أبواب مخازن الحقائب السفلية وحلت محلها شبكات من الحبال تلمع من خلفها أعين الماعز والأغنام في الظلام.

كانت تلك الشاحنات تسير أمام سياراتنا وخلفها عندما عبرنا نقطة تفتيش أقامها رجال طالبان خارج هيرات. نقطة التفتيش البدائية هذه كان يحدها عامودان من الخرسانة المسلحة وقد اكتسيا من جميع الجهات بلفائف فوق لفائف من أشرطة الكاسيت والفيديو المصادرة من السائقين والمسافرين. بعد بضعة أمتار أخرج السائق شريطي كاسيت من جيبه الداخلي ليُطلِع مسامعي على صوت أحمد زاهر الذهبي. 

ذكرني صوت زاهر الدافئ بصوت عبد الحليم حافظ، العندليب الأسمر الذي أسرت أغانيه العاطفية الشباب في العالم العربي لأعوام طويلة. ولكن، على عكس حليم الذي توفي في مستشفي في لندن في أواخر السبعينيات، “قُتِل” زاهر في حادث سيارة شمال كابول سنة 1979 دبرها، حسبما يرى بعض عشاق زاهر، جنرال شيوعي كانت زوجته غارقة في عشق المغني المتألق.

المغني الافغاني احمد زاهر

كان زاهر ينتحب مبتهلاً إلى الله أن يعيد إليه أمه، مع مغيب الشمس خلف تلال منطقة فارسي، على الحدود بين إقليمي هيرات وفره، وكنا حينها نعبر قاع نهر جاف آخر في طريقنا إلى استراحة إحدى المنظمات غير الحكومية التي كنا سنمضي ليلتنا فيها. بعد أن عبرنا النهر أخرج السائق الشريط من الجهاز ونحن نقترب من نقطة تفتيش أخرى لطالبان  بينما صوت مؤذن يرفع أذان صلاة العشاء. انتقل الشريط مرات ومرات من وإلى جيب السائق الداخلي أثناء رحلتنا مع تواتر نقاط التفتيش.

بعد دقائق معدودات في أفغانستان، وربما بمجرد خروجك من الطائرة لو كان هذا موعد وصول إحدى الطائرات المضعضعة التابعة لشركة الخطوط الجوية الأفغانية آريانا، تبدأ في رؤية النساء اللاتي يكتسين من الرأس حتى أخمص القدم بالبوركا. ثم تسافر داخل أفغانستان، وكلما دلفت إلى درجات أسفل في السلم الاجتماعي أو أبتعدت عن المدينة كلما ازدادت فرصك في أن ترى وجوه النساء.

عائلة من الباشتون الرحالّة (كوتشي) في جنوب غرب افغانستان (توصير المؤلف ٢٠٠١)

أحد هذه الوجوه اعترضنا داخل مقهى على جانب الطريق، وقد أحاط بنا العديد من الأفغان في فضول، حيث كنا نحتسي الشاي الأخضر في انتظار إصلاح ثقب في إطار السيارة، وهو أمر يتكرر كثيرًا بسب سوء حالة الطرق، ولكنى كنت غير متضايق لان الثقوب كانت تمنحنا فرصا كثيرة للتوقف والحديث مع السكان والمارة. اقتحمت تلك المرأة هذا المكان الخاص بالرجال فقط، وجلست على الأرض بالقرب منا وبدأت تمطرنا بالأسئلة المحرجة الواحدة تلو الأخرى. كان ابنها، الذي يبدو أنه تصريح دخولها إلى المكان المقتصر على الرجال، يجلس خلفها ببضع خطوات وقد وضع ساقًا على ساق، بينما بدأت هي تحدثنا عن زوجها الشهيد. كانت تكتسي بالسواد، وقد تدلى منديل رأسها على كتفيها. كانت تجاعيد وجهها وخشونة تفاصيل يديها وقدميها تشي بسنوات طويلة من العمل في الحقل. قالت المرأة وفي عينيها شبه ذهول، غالبًا بسبب سوء التغذية: “لدي شهادة بأن زوجي مات شهيدًا، ولكني لم أتلق أي تعويض حتى الآن.” خلفها كانت نصف شاة معلقة على الجدار فى إنتظار الزبائن. صرفها مرافقي بعد أن أخبرته أن اثنين من أبنائها يعملان في مشروع خيري تموله إحدى منظمات الإعانة الدولية. ثم قال لي أنها على الأقل تحصل هي وأبناؤها على ما يكفي من طعام لشهر أو شهرين، في إشارة منه إلى المشروع الذي يدفع للذكور الأفغان أجورهم عينيًا في مقابل قيامهم بتنظيف قنوات جوفية تحمل مياه الشرب والري من قمم الجبال إلى الوادي. حالها البائس وفقا لزميلي الأكثر خبرة أفضل من حال كثيرات غيرها.

خارج المقهى الذي يستخدم أيضاً إستراحة للسائقين والمسافرين؛ حيث يستطيعون أن يقضوا ليلتهم هنا على الأرض، كان كريم الدين يستند إلى جدار وقد تحلق بعض الرجال حوله. كان يبتسم وهو يروي لهم كيف عمل لثلاثة أشهر في قندهار وعاد في حافلة ومعه حزمة نقود تربو على خمسة ملايين أفغاني. ولكن قبل أن يصل إلى المدينة ببضعة كيلومترات في ذاك اليوم اعترض قطاع الطرق الحافلة وسرقوا كل ما كان مع الركاب، بما في ذلك أمواله. تباطأت الكلمات على شفتيه وترددت الأنفاس قبل خروجها ثم توقف عن الكلام وسكنت الدموع في عينيه.

أخيراً أصبحت السيارة جاهزة للمسير.

في “رباط سير كوفتا”، وهي قرية صغيرة على مسافة نحو 20 كيلومترًا من بلدة شين دان (ويعنى إسمها المخضرَة دائمًا)، في غرب أفغانستان، كنت أجلس في مسجد صغير محاطًا بعشرين من الشيوخ يمثلون أكثر من ثلاثمائة أسرة تسكن القرية (ذهب الشباب إلى العمل في إيران، وباكستان، وقندهار، وهيرات كما قالوا لي). وكأنما أرادت طالبان أن تقضي على البقية الباقية من قدرة هؤلاء البؤساء على احتمال شظف العيش، فأنذرتهم قبل نحو أسبوعين بأنه سيتعين عليهم، رغم حالهم المزري، دفع ضريبة الأرض وقدرها مائتي الف أفغاني لكل فدان. كانت هيأتهم تشي بأنهم قد وصلوا لتوهم من رحلة صحراوية طويلة، فالتراب يعلو وجوههم والملابس، وشفاههم تشققت، ووجوههم مكفهرة، والنعال بالية. الجفاف يكاد يقتلهم ويعيشون تحت حد الكفاف ومصدر دخلهم الرئيسي أفراد من القرية يذهبون للعمل فى المدينة. سألتهم وماذا عن الأسر التي ليس لديها رجال ترسلهم للعمل في المدينة؟ التفت إلي عجوز يضع علي عينيه نظارة سميكة قديمة مستنكرًا وكأنما طرحت أغبى سؤال يمكن أن يسأله إنسان، ثم أجابني في غير مبالاة “يشحذون”.

سألتهم وماذا عن الأسر التي ليس لديها رجال ترسلهم للعمل في المدينة؟ التفت إلي عجوز يضع علي عينيه نظارة سميكة قديمة مستنكرًا وكأنما طرحت أغبى سؤال يمكن أن يسأله إنسان، ثم أجابني في غير مبالاة “يشحذون”.

رغم أن الحديث عن المستقبل ليس من اللياقة فى شىء مع أناس ليس لديهم من الطعام إلا ما يكفي ثلاثة أشهر، ويتعين عليهم انتظار الحصاد القادم بعد 11 شهرًا، فقد تجاسرت وسألت: وماذا بعد؟” كنت أظن أن الإجابة سوف تستند إلى التقوى الدينية المتجذرة في الأفغان – هذا التشبث بالعقيدة الذي طالما تغنت به الكثير من الكتابات. نظروا إلي، وقد سادهم الصمت، فلم يجيبوا. صمت الخوف والعجز هذا قطعه دخول رجل ضخم الجثة في ثياب بيضاء فضفاضة. وقف الجميع عند دخوله، ووقفتُ. قدموه لي متباهين به قائلين إنه إمام القرية الذي يتحدث اللغة العربية. كانوا مندهشين عندما عرفوا انني من مصر وأتحدث العربية وطلبوا مني الإنتظار حتى يأتي الإمام لصلاة العصر لأنه درس العربية ويتحدثها. وسألت الإمام باللغة العربية عن رأيه فيما حدث من جفاف؟ فأجاب “الحمد لله”.

تحلق القرويون حولنا في فضول المستمتع عندما سألته: “أنت تتحدث اللغة العربية؟”

أجاب: الحمد لله

  • “هل الطالبان أمر جيد لأفغانستان؟”
  • (إبتسم)
  • “آه، أنت لا تعرف العربية وتخدع هؤلاء الناس؟”

ابتسم مرة أخرى وأومأ برأسه احترامًا كما لو كنا نتبادل المزاح.

ينوء القرويون بأحمال ضاغطة أهم بكثير من الاهتمام بمستوى إتقان إمامهم للغة العربية. فالكثير من الشباب الذين نزحوا إلى إيران بحثًا عن وظائف وضيعة لم يصل منهم مرسال واحد إلى الأهل، وإطلاق النار المستمر بانتظام أسبوعيًا من حرس الحدود الإيرانيين، حمايةً، كما يزعمون، لبلادهم من مهربي المخدرات والمتسللين، خلَّف بضع جثث متناثرة في الصحراء الغربية الأفغانية الحارقة. فكرت فى أن أفضح هذا الإمام الكاذب الذى ادعى لأهل قريته أنه يتحدث اللغة العربية والذى عطلنى ساعتين من أجل حديث فارغ من المعنى، ولكن ما الفائدة؟

فى ذلك الوقت كانت إيران، التي تغلق حدودها مع أفغانستان على نحو متقطع، تؤوى نحو 1.4 مليون لاجئ أفغاني مسجلين، وربما مليون آخرين غير شرعيين. في سنة 2000 بدأت إيران، بمساعدة مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين، في إعادة اللاجئين، بشكل منظم، إلى وطنهم، الذي أعلنت وكالات أخرى للأمم المتحدة أنه يعاني من أسوأ موجة جفاف منذ ثلاثين عامًا. يقال أن نصف سكان أفغانستان أضيروا من جراء لعنة الجفاف الطويل المدمر.

افغان باشتون يحفرون قنوات لنقل المياه من الجبال الى الوديان ولكنها لا تكفي الزراعة (تصوير المؤلف ٢٠٠١)

زجاجة ماء وكيس من الدقيق، وأربعون دولارًا أمريكيًا، ووسيلة انتقال مجانية للعودة إلى الوطن. تلك هي كل ما قدمته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وإيران لدفع هؤلاء المهاجرين لأسباب اقتصادية للعودة إلى ديارهم. وعندما احتج البعض على ضآلة المبلغ كان الرد أنه يعادل مرتب مدرس أفغاني لأربعين شهرًا! وحتى تتلافى مناورات اللاجئين الذين أضنتهم سنوات من العيش على حافة الهاوية، قررت المفوضية أن تعطي كل لاجئ 20 دولاراً في إيران، والباقي في هيرات، داخل أفغانستان، حتى تضمن أن يبقى اللاجئون في الحافلات ولا يفروا منها.

“لنقل أننا مجبرون على العودة الطوعية”.

كان يصل إلى هيرات كل أسبوع ثلاثة أفواج يتكون كل منها من نحو 1600 عائداً إلى وطنه قادمين من طهران عبر مشهد. وبمجرد وصولهم إلى هذه المدينة التاريخية تستكمل الإجراءات في مركز الترانزيت، الذي تعمه الفوضى، حيث يحصلون على العشرين دولارًا الثانية وخمسين كيلوجراماً من دقيق القمح لكل فرد. ليس لدى الكثيرين منهم أية أوراق ثبوتية، وهؤلاء يتعين عليهم فقط أن يقدموا صورة ويضعوا بياناتهم في استمارة ورقية ثم يحصلون بعد ذلك على بعض الوثائق من مكتب وزارة العائدين والشهداء الأفغانية في المخيم. يتجهون بعد ذلك إلى حافلات أو شاحنات خاصة لتبدأ رحلة العودة إلى الديار (الرحلة إلى كابول تستغرق يومين). كثير من المقاولين الهيراتيين كانوا يتعيشون من وراء هؤلاء العائدين: فهناك أطفال يدفعون عربات يد لنقل القمح، وتجار يشترون نفس القمح، ومصورون لالتقاط الصور، وصرافون لتغيير العملة ومعهم أكداس من أوراق النقد الأفغانية (الدولار كان يساوي آنذاك 62000 أفغاني، وأكبر ورقة نقد كانت من فئة 10000 أفغاني اى انه مقابل ورقة واحدة من فئة مائة دولار يعطيك التاجر على الأقل ستمائة ورقة نقدية).  كل هذا يتم تحت شعار العودة “الطوعية”، ولكن إلى أي مدى كانت عودة هؤلاء طوعية بالفعل وكم منهم سوف يعودون أدراجهم بعد فترة قصيرة؟ إحدى اللاجئات قالت لجريدة “ستريت تايمز” في طهران، قبل أن تستقل الحافلة: “لنقل أننا مجبرون على العودة الطوعية”. هذه المرأة، وكل بنات جنسها، تتلقين بوركا مجانية من سلطات طالبان في هيرات عند الحدود.

سألت محمدًا، وهو رجل هزيل في الأربعين من عمره من العائدين: “كم سيطول بقاؤك في ديارك”، فأجاب: “لا أدري.”

نصحني زملائي في المخيم، كي أتحاشي إجراءات طويلة للحصول على تصريح بالتصوير، أن ألتقط الصور، مستترًا نسبيًا، من داخل خيمة توزيع الدقيق. كانت الساحة أمام الخيمة أشبه بسوق يتدافع فيه الصبية الذين يدفعون عربات اليد تنافساً على نقلات صغيرة، والعائدون يتذمرون ويتصايحون في طوابيرهم انتظارًا لختم أوراقهم. ثم ظهر اثنان من رجال طالبان ببنادقهم الكلاشينكوف وقد تقاطع على صدر كل منهما حزامان للذخيرة، وبدأوا في تفريق الصبية بهراوات طويلة. نجح الرجلان في استعادة بعض النظام (لطالما تباهت طالبان بأنها أعادت الأمن والنظام إلى أفغانستان بعد ست سنوات من التناحر الداخلي المرير بين فصائل المجاهدين).

قلقت عندما رأى أحدهم كاميرا الفيديو وبدأ يلوح لي. شرعت في إعادة الكاميرا إلى الحقيبة، ولكن يبدو أن هذا التصرف أثار حفيظته أكثر، فنادى على زميله ثم وضع يده على كتفه ووضع يده الأخرى أمام وجهه، وجعل إبهامه وسبابته على شكل إطار صورة. آه، هذا ما تبغيان إذن، أمسكت بالكاميرا وبدأت في تصويرهما وهما يغمزان ويبتسمان للصورة.

فى مخيم النازحين البائس فى مقاطعة فارسي قرب هيرات كان الفقراء يتكالبون من أجل تقبيل يد السيد كمال الدين (وهو شريف يقول أنه ينحدر من نسل الرسول ويقيم في فارسي).  ملامح كمال الدين تشي بصغر سنه رغم لحيته الطويلة المشذبة، ومثله مثل الزعماء التقليديين الذين أطاح الطالبان بمعظم سلطتهم فهو غاضب من هؤلاء الطلبة الفقراء الذين يتسيدون البلاد. نظر إلى مبتسما وقال: “الطالبان لم ينشروا العدل والمساواة مثل الخليفة عمر الذي كان يجوب المدينة ليلاً… لم نصل إلى الإسلام بعد في أفغانستان…لقد حاربت مع رباني… ولكنى درست فى فصول مشتركة مع بنات فى هذه المنطقة حتى منتصف التسعينيات. طالبان لا تحترمنا لأنهم متوحشون ولا يحترمون الآدميين أصلاً.”

يعمل السيد كمال مع منظمة غير حكومية في مقابل 63 دولارًا أمريكياً فى الشهر. العديد من المهنيين السابقين والنخبة يعملون الآن مع منظمات غير حكومية دولية ومع الأمم المتحدة، ومن لا يتحدث الإنجليزية بطلاقة يعمل مع منظمات غير حكومية محلية – مثل الشاب الذي قدم لنا الغداء في شين دان والذي تعلم الأوردو من مشاهدة المسلسلات التليفزيونية في بيشاور، التي لجأت إليها أسرته.

الفلاحون اليائسون يجمعون نباتاً يدعى السيريش ثم يجففون جذوره ويسحقونها ويحولون المسحوق إلى صمغ يتم تصديره إلى إيران. قال لى شيخ كبير: “إن ما نفعله الآن خطيئة لأن الحيوانات كانت تقتات على أوراق هذا النبات، والآن فقدت الحيوانات مصدراً غذائياً ولن ينمو النبات ثانية أبداً والعائد رغم كل هذا ضئيل.” لم يكن الكيلوجرام الواحد من هذا النبات يدر على جامعه سوى 1000 أفغاني، ويثمر العمل لعشر ساعات في اليوم عن حوالي 10 كيلوجرامات أى ما يعادل أقل من ربع دولار.

سوق فارسي الرئيسى شارع على جانبيه محلات وسط الصحراء. غلام شاه صاحب محل حبوب فى أوائل الثلاثينيات من عمره، قدم لنا الشاي وهو يقف امام أكياس من القمح الأحمر الوارد من كازاخستان. محل البقالة المجاور يبيع شفرات حلاقة “توباز” وزيت طعام “الشفاء” ومنظفات صناعية. قال لي وهو يغلق الراديو الذي كان يبث نشرة الأخبار بلغة الداري: “أبيع بالأجل وأحيانًا لا أسترد نقودى طوال عامين أو ثلاثة … ماذا عساي أن أفعل مع الجيران والأصدقاء. إن لم أبع لهم بالأجل فسوف يحيق بهم الدمار … هذا العام قاربنا حد المجاعة وليس لدي مخزون”.

كان الجزار أفضل حالاً حيث تصل قيمة أرباحه اليومية إلى 30000 أفغاني ، ويذبح بقرة كل خمسة أيام. كوة ضخمة في الجدار تفوح منها رائحة الذبيحة بأحشائها، وقد تركها في جلدها حيث كان قد ذبحها صبيحة اليوم نفسه، وذلك لحفظها أطول فترة ممكنة، كذلك كان يترك الباب مفتوحًا في المساء عندما ينام داخل المحل حتى يسمح بمرور تيار الهواء. كبد الذبيحة كان معلقًا على مسمار في الحائط وقد توزعت حوله الأمعاء وبقية الأحشاء والأعضاء، لا شئ من الذبيحة يلقى بعيداً. خارج المحل كان كلب حراسة الغنم الأفغاني الضخم منتظرًا، ربما لأنه يعلم أن نصيبه سوف يأتيه عاجلاً أم آجلاً.

أعود إلى هيرات من زيارة المناطق الريفية المحيطة فأشعر كأننى عدت إلى الحضارة والمدنية. فى الصباح التالى نغتسل ونذهب لزيارة أهم أثار المدينة، مسجد جوهر شاهد.

لافتات تحيط بالمسجد تعلن أنه تم تطهير المكان من الألغام ، شاهد قبر محطم، وأنقاض في الخارج، ولكن بعض المقرنصات الجميلة لا تزال مرئية، ست مآذن، فقدت اثنتان منها نصف ارتفاعها أو أكثر، وفي إحداها فتحة كبيرة جراء إصابتها بصاروخ. المسجد أزرق اللون بسبب بلاطات القيشانى رائع الجمال، يدرس الطلبة داخله لانه يوفر جوا هادئاً وظليلاً، وهناك التقيت بطالب في الطب وتحدثنا لفترة قصيرة بالإنجليزية عن احلامه التى لخصها فى كلمة واحدة، “الرحيل”. أحد المشاريع المجاورة للمسجد والتى تستهدف ترميمه وإنقاذ واجهاته كان مصنعاً صغيراً للبلاط يقوم فيه العمال بطحن الحجارة والزجاج ثم يخلطونهما معًا ثم يصبون تلك العجينة في قوالب يتم طلاؤها بعد أن تحرق لأربع ساعات. إشتريت منهم أربع بلاطات صغيرة احتفظت بها سنوات عديدة حتى ذهبت مثل أشياء عديدة أخرى عندما غادرت نيويورك بعد ذلك بسنوات.

داخل محل بابا بلو امام مسجد جوهر شاهد في هيرات

أمام المسجد فى الناحية الأخرى من الطريق يبرز محل “بابا بلو” بنافذته المكدسة بالبنادق القديمة والأباريق النحاسية والمطرزات التركمانية والصور البيضاء والسوداء الكالحة المبقعة. ابتسم صاحب المحل الافغاني الذي قدم لنا نفسه باسم بابا بلو فظهرت أسنانه من خلف شعر شاربه المتدلى وشعر لحيته الطويلة المهوشة ثم أخذنا فى جولة سريعة فى المحل الذى هو أقرب إلى المخزن أو مغارة على بابا حتى توقف أمام احد الإطارات وأشار الى شخص يرتدى بذلة مزدوجة الأزرار واقف فى مقدمة ميدان كبير تسير فيه سيارات. “هذا هو انا فى بداية السبعينيات” قال مشيرا الى هذا الشخص الحليق الذقن فى الصورة. “وهذا الميدان الذى يشبه ميادين أوروبا كان هنا فى هيرات.” أعجبنى كثيرا الزجاج الهيراتي البدائي الصنع بفقاعات الهواء المحتبسة فى جدران الأكواب وخشونة أذان الفناجين وعدم استواء القاعدة فاشتريت أكوابأ وأطباقاً مختلفة الأشكال والأحجام. “كان سياح كثيرون يأتون إلى هنا فى الماضى” قال بابا بلو وهو يشير الى صورهم التى تبرز من بين مئات الاشياء الصغيرة الملقاة فى فوضى فى المحل الصغير.

وصلت قافلة سياراتنا إلى مخيم مسلخ الذى ورث إسمه من مسلخ للحيوانات كان قريبا من المخيم وتوقف إستخدامه من زمن بعيد. عشرات الآلاف من النازحين يقيمون فى هذا المسلخ البشرى قرب هيرات، معظمهم فارون من الجفاف القاتل الذى احال مزارعهم إلى أرض بور. مياه الصرف الصحي تفيض فى مجاري صغيرة عطنة، والفضلات البشرية تتناثر في الطرقات، والرائحة النفاذة، كلها تجعل مخيم “مسلخ” مثل عشرات المخيمات فى أفغانستان. ظهرت المرأة العجوز الشديدة الفقر التي لا يبالي بها أحد، والتي نراها دائمًا في تلك المخيمات، وطلبت من مديرة الوفد ، في صوت متهدج تتخلله شهقات لاستنشاق بعض الهواء، أن تساعدها، فأمسكت السيدة بيد العجوز وطلبت من أحد العاملين التابعين لها والسائرين حولها فى المخيم تسجيل إسم هذه العجوز المتغضنة الوجه المشققة الشفتين والحافية.  في مستودع المساعدات الإنسانية أحاط المئات من النازحين والحمالين والحراس وعمال الإغاثة وعدة صحفيين وكاميرات بالسيدة مديرة الوفد التي ألقت كلمة مقتضبة عبرت فيها عن عظيم امتنانها للعمل الرائع الذى تقوم به المنظمة فى هذا المسلخ البشرى. دون هذه المساعدات كان الالاف سيموتون، وكانت محقة، للأسف. والأسف هو الشعور الطاغي عندما تزور أياً من هذه المخيمات: الأسف والعجز.

امرأة عجوز جلست على الارض متعبة في انتظار توزيع المساعدات وبجوارها حارس من الطالبان بسلاحه

عديد من سكان مسلخ اتوا من المقاطعات الواقعة شرق هيرات وتلك الواقعة حتى منتصف المسافة إلى مزار الشريف التى تقع فى شمال أفغانستان.

قفزنا إلى سياراتنا ورحلت القافلة.

الكاتب: خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *