تجاويف في حضن الجبل

هذا هو الفصل الثالث من كتاب “خلف الستار: وجه اخر لأفغانستان” وهو عن مذكراتي في العمل مع منظمات اغاثة دولية في تلك المنطقة اثناء حكم الطالبان وخلال وبعد الغزو الأمريكي

سيارتنا التويوتا ِذات الدفع الرباعي من طراز لاندكروزر بضخامتها وجهامتها وإرتفاعها عن بقية السيارات الاخرى تنساب فى هواء شتاء كابول البارد. نترك وراءنا سحابات صغيرة واطئة من دخان العادم الأبيض الذى يتكثف بسرعة مثل الزفير الخارج من أفواهنا ونحن نذهب يميناً ويساراً فى خط متعرج على طريق أسفلتى محطم كأنه مصاب بمرض الجدري الذي أكل بقعا من جلده الاسود هنا وهناك تاركاً فوهات يملؤها التراب او الحصى الصغيرة. تفضل المنظمات الدولية هذه السيارات الكبيرة حيث يمكنها السير داخل المدن المرصعة شوارعها بالمطبات، وعلى الطرق السريعة المحطمة بين المدن، وصعود التلال وسحب السيارات المعطلة، سيارات غير مريحة لركابها وتعطى المارة وخاصة الفقراء انطباعا مضاعفا بتناءي هؤلاء الأجانب عنهم فى سياراتهم المرتفعة المهددة الهادرة.

احد سيارات الامم المتحدة في افغانستان (٢٠٠٢)

تتصاعد من باحات وأسقف بيوت كابول أدخنة نيران التدفئة أو المطابخ فى هذه الساعة المبكرة. عدد قليل من الدراجات تدور إطاراتها ببطء على جانبي الطريق يتلفع سائقوها بشالات كبيرة خضراء وبنية تغطى رؤوسهم وأكتافهم وتنسدل على صدورهم فتحميهم من لسعات الهواء المحمل ببعض الندى. تقل المباني وتكبر مساحات الخلاء والفراغات بين البيوت وتظهر قمم الجبال أكثر ونحن نترك وراءنا المدينة تدريجيا إلى أن نصل إلى نقطة حراسة وتفتيش على جانبيها يقف بعض جنود الطالبان.

جبال الهندوكوش في افغانستان (٢٠٠٢)

على جانب الطريق وقفت حافلة صفراء كتب على جانبها باللغة الالمانية ما يمكن ترجمته بـ “معرض الخلاعة”[1]. ربما كان إعلاناً عن منتج ما او محل ما او شيء ما فى حياة ما سابقة لهذه الحافلة قبل ان ينتهى بها الحال هنا. الحافلة فقدت بهاءها من زمن بعيد، ولكن غرائبيتها كانت واضحة لي على بعد أمتار من نقطة التفتيش التى كانت عبارة عن عمودين غير مكتملين من الخرسانة على جانبى الطريق يصل بينهما حبل مهترىء بعرض الطريق. العمودان محليان بلفافات من شرائط الكاسيت والفيديو التى تمت مصادرتها من السيارات المارة ثم أخرجت أحشاؤها من العلب حتى لا يتم إستعمالها مرة اخرى حماية للاخلاق الافغانية من الخلاعة التى ربما تحتوى عليها هذه الأشرطة. الموسيقى والغناء حرام عند معظم الطالبان. وعبر الحافلة، معرض الخلاعة، تكشف النوافذ المحطم بعضها عن كتل بشرية وسلال واطفال نائمين على صدر أمهاتهم وأبائهم. ربما كانت الحافلة تنتظر بعض المسافرين الذين يفرغون أحشاءهم بالقرب منا على جانب الطريق او يشترون بعض أرغفة الخبز والبيض المسلوق من أجل الإفطار ومؤونة للطريق الطويل.

على التل القريب رايات خضراء خفاقة ترصع السفح تدل على قبور شهداء وسط مئات الشواهد الطينية والحجرية الصغيرة. الشواهد عبارة عن كتل طينية صغيرة او احجار مستديرة ملقاة او مغروزة فى الأرض. لا أسماء فى الاغلب تدل على من ذهب. ولكن بعض المقابر محاط بأقفاص حديدية وعلى بعضها أسماء أشخاص بالحروف العربية وتحيط بها رايات كثيرة ومسابح خرزية متدلية من على عصيّ مغروزة حولها. يخشى ألآفغان الموت والفراق مثل بقية البشر ولكن الثقافة العامة (ممثلة فى الشعر والتقاليد مثلاً) لا تعير الموت كثيراً من الرهبة والاهتمام بل وتعلي قيمة التضحية بالنفس فتصير معاني وقيم مثل الشرف والعرض وحماية ممتلكات الجماعة أهم من  قيمة حياة الفرد. لنسمع شاعرة من قبيلة الباشتون تقول لحبيبها:

“لتستحق أحضاني .. إذهب أولاً يا حبيبي لتنتقم لدم الشهيد ..

ولتسقط مجندلاً فى ساحة الشرف يا حبيبي .. حتى تتغنى البنات بأمجادك فى كل مرة تذهبن للبئر لإحضار المياه ..

آه يا حبيبي .. ترتعش بين ذراعي .. ماذا ستفعل إذن عندما تومض البروق فى تلاحم السيوف ؟”

وآه لو إرتعد هذا الفتى فى ميدان المعركة، تقول له حبيبته:

“فى المعركة اليوم أدار حبيبي ظهره للعدو .. أشعر بالعار لآنى قبلته ليلة أمس ..

إرجع إليّ وثقوب رصاص البنادق ترصع جسدك  .. وسأخيط جروحك وأمنحك شفتي ..

ولكن يا حبيبي إذا أدرت ظهرك للعدو .. فلا تعد إلى البيت أبداً .. وصر لاجئاً فى منفى بعيد.”[2]

ولا يختلف الأمر كثيراً مع شاعرات القبائل المحاربة الأخرى فى أفغانستان بل وفى غيرها[3].

أهتممت كثيراً بكل الكتب المتاحة عن أفغانستان منذ وصولي إلى المنطقة ولكن كل الكتب التي إشتريتها عن هذا البلد جاءت من مكتبات رائعة كنت أذهب لها بانتظام فى العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، ومنها كتاب البروفيسور سيد مجروح عن أغاني الحب والحرب. لم يكن هناك سوى مكتبة وحيدة حقيقية فى كابول بينما إسلام آباد بها مكتبات كثيرة تعرض أحدث الكتب الصادرة بالإنجليزية وثروة هائلة من الكتب القديمة والمستعملة. اشتريت كتبا عدة حول التاريخ السياسي لأفغانستان منها كتب وضعها دبلوماسيون انجليز شاركوا فى “اللعبة الكبرى” وهى المؤامرات الدبلوماسية والسياسية فى الصراع الذي دار بين الانجليز والروس في آسيا الوسطى فى القرنين التاسع عشر والعشرين.[4]

مكتبة كابول الوحيدة التى زرتها مراراً واشتريت منها كتباً كثيرة كان يملكها ويديرها شاه محمد، وتحمل اسمه. للمكتبة فرعان أحدهما فى بهو فندق الانتركوتننتال حيث كان ينزل معظم الأجانب وخاصة الصحفيين والآخر فى المقر الرئيسي لاقامة موظفي الأمم المتحدة فى كابول. وكان شاه محمد يوفر الكتب الممنوعة لزواره الأجانب متى نالوا ثقته وتأكد أنهم لن يشوا به للطالبان المولعين بحظر الموسيقى والصور والأفلام وعديد من الكتب. كانت زيارة واحدة وحديث طويل معه كافيين لأنال ثقته. كنت أول عربي يلتقي به من وسط مئات الغربيين والأجانب الآخرين الذين يعملون فى منظمات الأغاثة. كان مندهشاً لأن العرب الذين اعتاد على ان يراهم ويتفاداهم كانوا عادة من الجهاديين فى الثمانينيات والتسعينيات وعديد ممن بقوا منهم فى أفغانستان فيما بعد أصبحوا  نواة منظمة القاعدة واتباعاً لأسامة بن لادن. ودعاني شاه  بعد سقوط الطالبان لأحضر أحتفال أقامه بمناسبة إفتتاح مكتبته الجديدة الكبيرة فى وسط المدينة. شاه رجل معتد بنفسه ويحب التباهي قليلا بقدرته على التجارة فى بضاعة كانت أصعب من المخدرات بكثير فى أفغانستان فى سنوات حكم الطالبان. وضعه سقوط الطالبان وشهرته العالمية فيما بعد فى موقف مكنه من توسيع نشاطه فافتتح مكتبته الجديدة وتزوج مرة ثانية وسافر كثيرا بل والف كتاباً يرد فيه على ما وصفه بالتشويه والجهل الذي جاء فى كتاب الصحفية النرويجية آسنى سيرستاد[5]

لم نتوقف سوى دقيقتين عند حاجز التفتيش ثم استأنفنا الرحلة فى طرق ضاع معظم اسفلتها مصعدين فى الجبل نحاول الوصول الى مدخل منطقة هزاراجات الواقعة فى اواسط افغانستان والتى يتسيدها عرق الهزارة الشيعي المنغولي الملامح والذى يقال فى الاساطير المتداولة انه ينحدر من نسل جنكيزخان او جيشه الذى عبر افغانستان فى غزواته المدمرة.

لم أشعر بالتهديد أو الخوف قط فى أى نقطة تفتيش فى أفغانستان، ربما لان معظم زياراتي كانت بعد نهاية الحرب الاهلية الدموية بين المجاهدين وبعضهم البعض أو بين الطالبان ومعارضيهم. وربما لأن الأجانب رغم أنهم كانوا مكروهين عموماً من جانب الطالبان وبصورة اكثر حدة من جانب الافغان العرب (المجاهدين القادمين من بلدان عربية مختلفة وأتباع بن لادن وغيرهم) لم يكونوا قط هدفاً للقتل بإستثناءات نادرة. شعرت بخوف أكثر فى نقاط تفتيش أمريكية فى العراق المحتل فى عام 2003 أو إسرائيلية قرب  الخليل فى الضفة الغربية المحتلة فى 2001 أثناء عملي فى مجال المساعدات الإنسانية فى البلدين. غير أن السنوات القليلة الماضية غيرت أسلوب المقاومة المسلحة تماماً معتمدة المتفجرات العشوائية على جوانب الطرقات والمفجرين الإنتحاريين. وصارت مدن مثل كابول وقندهار وجلال آباد فخاخ قاتلة وخاصة للأجانب من أمثالي.

ترتفع سلسلة جبال كوهي بابا التى تسلقنا عدة من مرتفعاتها لنصل الى مدينة باميان ستة عشر الف قدم (قرابة ستة الاف متر) وتحتضن المرتفعات الطرق الملتفة الصاعدة الهابطة من جبل إلى أخر وتنخفض درجة الحرارة مع كل إرتفاع حتى تصل الى دون درجة التجمد بكثير ويتناثر الجليد على قمم الطرق الضيقة الخطرة.

وديان باميان (٢٠٠٢)

نحن متجهون إلى أرض الهزارة وهم أحد أهم الأعراق الرئيسية فى أفغانستان. لا يتعدى الهزارة ربما عشرة فى المئة من تعداد السكان. والأعراق الثلاثة الأخرى هم الباشتون ويمثلون أكثر من ثلث السكان بقليل ويتركزون فى جنوب البلاد وجيوب فى الشمال، ثم الطاجيك ووالأوزبك والتركمان ويتركزون فى الشمال.

الغالبية العظمى من الأفغان مسلمون ومعظم المسلمين سنة.  الهزارة هم الفئة الوحيدة التى أغلبيتها من الشيعة وتدين بالمذهب الإمامي الإثنى عشرى السائد فى أيران[6] بينما يتبع عدد قليل للغاية من الهزارة المذهب الشيعي الإسماعيلي[7]. ومثلهم مثل الإيرانيين فى غالبيتهم كان معظم الهزارة من السنة حتى تحولوا الى المذهب الشيعي فى القرن السادس عشر مع إمتداد سيطرة الحكم الصفوي الايرانى (1501-1786)[8] .

إلتقيت أفغان من عرق الهزارة للمرة الاولى فى مخيمات اللاجئين فى بيشاور ثم فى كابول. يعمل الهزارة عادة فى الوظائف الدنيا: الحمالون وعمال النظافة والطباخون وحراس المبانى مثلما الحال مع الاقليات المستضعفة تاريخياً كما مثلا مع النوبيين فى مصر أو السودانيين الجنوبيين فى السودان أو المسيحيين فى باكستان أو السود فى امريكا او المغاربة فى فرنسا.

ولكن هذا لم يكن قدر الهزارة بل ما حدث لهم بعد ان تمتعوا طويلا بشبه إستقلال سياسى حتى تغلبت عليهم قبائل الباشتون فى أواخر القرن التاسع عشر (1892-1893) وأستعبدتهم بالمعنى الحرفي للكلمة على يد الأمير الباشتوني عبد الرحمن خان الذى دمر مؤسساتهم القبلية واستولى على أراضيهم ومنح قسماً كبيرا منها لقبائل الباشتون. تم إسترقاق عدد كبير من الهزارة وبيعهم عبيداً وكانت هذه المواجهات القبلية فى أصلها جذر الحزازات الشيعية السنية المستمرة حتى الآن فى أفغانستان.

كان اول قرار يتخذه الهزارة بعد ان حرروا أنفسهم من سيطرة النظام الشيوعى المدعوم من السوفييت فى الثمانينيات هو حرمان كل الباشتون (ملاك الاراضى والتجار والاداريين والبدو الرحل والصيارفة وغيرهم) من دخول منطقة هزاراجات بأكملها.[9] وكان الخاسر الرئيسى – كما هو متوقع فى مثل هذه الحالات – الفئة الأشد فقراً من الباشتون وهم البدو الرحل ويطلق عليهم أسم الكوتشى والذين يحتاجون سنويا فى فصل الصيف الى الرحيل شمالا نحو المراعى والمياه فى مرتفعات هزاراجات.

يقدم الهزارة مثالاً معقداً حول كيف تتداخل عوامل العرق واللغة والدين مع السياسة والإقتصاد من اجل تحديد سلوك جماعة تتفاعل فى خضم صراع سياسي. فالهزارة عرقياً مختلفون عن جميع الفئات الافغانية الاخرى بملامحهم المنغولية ولكنهم لغويا يشتركون مع الطاجيك والفرسوان وغيرهم من متحدثي الفارسية. وفى الدين يشتركون مع بعض الباشتون والفرسوان والكيذيلباش فى أنهم مسلمون شيعة. وإقتصاديا كانوا فى الدرك الاسفل يشغلون الاعمال الدنيا منذ أسترقهم الباشتون فى نهايات القرن التاسع عشر وسياسيا – بالتالى – كانوا محرومين من السلطة مقارنة بكل الاعراق الاخرى.

مشكلة الهزارة الرئيسية أن ملامحهم المنغولية تفضحهم ولا يمكن لهم إدعاء انهم ليسوا شيعة مستغلين مبدأ التقية كما تفعل جماعات شيعية أخرى فى أفغانستان بل وفى باكستان والخليج (حيث يمكن احيانا معرفة الانتماء الشيعى عن طريق إسم العائلة ولكن ليس عن طريق ملامح الوجه كما هو الحال مع الهزارة). [10]  كان على الهزارة فى معظم الوقت الدخول فى تحالفات تحميهم من هيمنة الباشتون وعدائية الاغلبية السنية لهم اوالقبول بالمنزلة الدنيا والسير بجانب الحوائط بعيداً عن عرض الطريق السياسي.

عائلة محمد حسين التي تقطن في كهف قرب بقايا تماثيل بوذا في وادي باميان في وسط افغانستان (٢٠٠٢، تصوير المؤلف)

يمكن مشاهدة لمحات من حياة الهزارة فى فيلم ” عدّاء الطائرات الورقية” المأخوذ عن رواية الكاتب الافغانى الامريكي خالد حسيني [11] بنفس العنوان. وتتناول الرواية العلاقة بين الطفل امير إبن الاسرة الباشتونية الغنية وخادمه حسن (وهو فى الحقيقة شقيق له من أبيه ولد سفاحاً من علاقة مع خادمة من عرق الهزارة كانت تعمل لدى الأسرة). ويعيش امير نادماً معظم حياته بعد أن فر هو وأبوه الغني إلى كاليفورنيا عقب الغزو السوفيتى لآنه خان حسن وتركه فريسة للبلطجية الذين انتهكوا عرضه فى كابول عندما كانوا يلعبون سوياً وهم صغار.  الفيلم يعرض كل التصورات المسبقة عن الهزارة وقبولهم النفسي لموقعهم الدني فى المجتمع ولكنه أيضاً يظهر قوتهم وجلدهم وعزة نفسهم. أعجبني (وملايين غيري) فيلم وكتاب خالد حسيني وخاصة ثلثه الأخير حيث يكتشف أمير أن شقيقه حسن مات وترك طفلا صغيرا يدعى سهراب لا يعرف ان عمه أمير يعيش فى كاليفورنيا. ويغامر أمير بحياته من أجل إنقاذ سهراب من قبضة الطالبان الذين حولوا جسده الصغير إلى لعبة جنسية. عديد من الباشتون بتفوقهم العرقي المخترع إستحلوا لانفسهم قمع الهزارة فى فترات تاريخية معينة وإسترقاقهم وجاء الطالبان (سنة متشددون وأغلبيتهم من الباشتون) ليُلبسوا التفوق العرقي  ثوب التفوق المذهبي، فالشيعة عند بعض غلاة السنة أسوأ من الكفار!

لم أشعر فى علاقاتي المتعددة بالهزارة فى أفغانستان بأى فرق كبير بينهم وبين الباشتون على صعيد العادات والتقاليد، هم بالطبع لديهم بعض الأختلافات فى قوانين العلاقات الشخصية التي يحكمها الإسلام نتيجة الإختلاف الشيعي السني ولكنها إختلافات بسيطة. كان هناك هزارة بين زملائي فى المكتب وكانوا يلتزمون التقية بشدة فى أيام الطالبان ولكن الملامح دائما تفضح معظم الهزارة (وليس كلهم). ولم نتحدث فى المسائل الدينية أبداً.

قبل ان نصعد إلى أول ممر جبلي فى طريقنا إلى باميان قلب منطقة هزاراجات توقفنا فى شاى خانة (مقهى) على جانب الطريق. كنا ذاهبون لتفقد الأوضاع الإنسانية فى المنطقة وخاصة بعض القرى التى عانت من حصار طويل من جانب الطالبان بسبب إيوائها المزعوم لمعارضين مسلحين. دخلنا الغرفة الخلفية للمقهى وجلسنا على مصطبة طينية تعلو فرناً تسرب إلينا بعض دفئه وخاصة إلى عظامي التى كان البرد يتخللها وفيروسات الانفلونزا تعبث بها بشدة عقاباً على نسياني أن أرتدي معطفاً صوفياً ثقيلاً لهذه الرحلة الجبلية. مشمر السروال والأكمام ومشقق الايدي وضع الطاهي أمامنا اطباقاً صغيرة تحوي بيضاً مسلوقاً وهرماً من شرائح الخبز الافغانى اللذيذ الساخن وبعض الجبن الأبيض. كان عجوز افغاني بجواري يرشف من كأس شاى دافىء ويعبث فى كيس قماشي به تبغ[12]. بين إصبعين أخرج قليلاً من التبغ وبدأ يلوكه فى فمه بين الفك والشفة السفلى في هيئة كرة صغيرة.

أنعشتنا هذه الوجبة قليلاً وصار الأمل أكبر فى أن نتمكن من الوصول الى حاضرة باميان قبل غروب الشمس. بعد كيلومترات قليلة وقبل أخر حاجز تفتيش يسبق المضايق الجبلية نصحنا الطالبان بالعودة. قائد الحاجز يرتدي نظارات شمسية كبيرة وشعره الطويل ينسدل إلى قرب كتفيه. قال لنا أن الثلج هبط بكثافة طوال الليل وأن الممرات الجبلية الضيقة والخطرة حتى فى عدم وجود ثلوج صارت الان مميتة وشبه مغلقة. كنا على بعد 110 كيلومترات شمال غربي كابول، وهى مسافة قطعناها فى خمس ساعات بسبب حالة الطرق السيئة، وامامنا مائة كيلومتراً اخرى. كيف نعود الآن بعد ان بذلنا كل هذا المجهود؟

ولكننا عدنا بعد ان نزلت سيارتان من الجبل وقال سائقاهما أنهما عجزا عن المرور وأن هناك شاحنة ضخمة إنقلبت فسدت الطريق تماماً. عدنا قافلين الى حمى دار الضيافة فى كابول.

رحلتى التالية من كابول إلى باميان كانت بالطائرة فى عام 2002 وأستغرقت ساعة وكانت بعد ضياع سيطرة الطالبان على أفغانستان. كنا ذاهبين من أجل تفقد الأوضاع الإنسانية وإستئجار مكتب جديد للمنظمة هناك حيث دمرت الحرب الأخيرة بين الطالبان والأمريكان مكتبنا القديم.

إقترب الطيار بالهليكوبتر الروسية الثقيلة من طراز إم اى 8 قدر الإمكان من تجويفين هائلين وغائرين فى جانب التل المرتفع المشرف على باميان. هنا ولمئات السنوات ومنذ القرن السادس الميلادي تسيد جانب الجبل تمثالان عملاقان لبوذا منحوتين فى الصخر وينظران فى هدوء إلى الوادى الممتد. كانا الآن قد أختفيا إلى الأبد تاركين تجويفين هائلين مكانهما. راح التمثالان الأطول من نوعهما فى العالم كله ضحية هوس الطالبان حيث قرروا بعد فتوى زعيمهم الملا محمد عمر انهما أوثان وفتنة (ولا يعلم أحد حقاً لماذا صار التمثالان فتنة فى عام 2001 والطالبان فى أوج قوتهم تقريباً بعد ستة اعوام طوال من سيطرتهم على البلاد وثلاثة اعوام من سيطرتهم على باميان نفسها. أتدفق عليهما العابدون والراكعون فجأة؟) الملا عمر نفسه أفتى فى عام 1999 أنه سيبقي على التمثالين لانه لا يوجد بوذيون فى البلاد ولا خطر من الفتنة بل انهما يمكن ان يصبحا مزاراً سياحياً ومصدراً للدخل.

كنت أتابع الموقف من كابول تارة ومن إسلام أباد تارة أخرى فى شهرى مارس وأبريل حتى انتهت المأساة/الملهاة. بدأ الطالبان فى شهر مارس بإطلاق النار من المدافع على التمثالين ثم (رغم مطالبة من منظمة المؤتمر الإسلامي بالتوقف عن هذا المسلك). وضع الطالبان ديناميتاً ومتفجرات والغام مضادة للدبابات خلف التمثالين فى إبريل 2001 ثم فجروها أمام الكاميرات وهم يهللون ويكبرون. وانهالت الإدانات المتوقعة من الدول الغربية وبعض الشرقية والمنظمات الدولية. وسخر بعض الافغان (بمن فيهم بعض المعارضين للطالبان) من الإهتمام الدولي الفائق بأفغانستان بسبب تفجير التمثالين رغم ان عشرات الالاف يموتون سنويا بسبب الحرب والفقر والجوع دون أى تدخل سياسي حقيقي لإيقاف المأساة الدائرة فى تلك البلاد أو حتى تصريحات قوية مثل تلك التى صدرت فى ربيع 2001 عقب تدمير التمثالين. وزير الخارجية الافغاني وكيل أحمد متوكل إدعى أن التفجير كان لدواعي دينية وبناء على فتوى من 400 عالم دين أفغاني إجتمعوا فى قندهار ولا علاقة له بالعقوبات الإقتصادية على نظام الطالبان. كان متوكل هكذا يرد على محللين ومراقبين غربيين قالوا أن حركة الطالبان هددت بتفجير التمثالين فى محاولة ضغط على الدول الكبرى لترفع عنها العقوبات الإقتصادية وعندما لم يأبه الغرب كثيرا بهذا فجر التمثالان فعلاً تحت تأثير الجناح المتشدد فى طالبان والذى لم ينظر إلى التهديد كمناورة سياسية بل كواجب ديني طال انتظار آدائه.

(تجاويف في حضن الجبل في باميان حيث كانت تماثيل بوذا تقف قرونا طويلة قبل ان يدمرها الطالبان (٢٠٠٢، تصوير المؤلف

من الصعب إجراء حوار عميق مع أي من الطالبان، فحاجز اللغة كان يشكل دائماً عائقاً كبيراً، وحاجز الثقافة كان أحياناً أعمق.

فى مدينة هيرات إنهمكت ذات صباح فى نقاش فقهي مع ممثل الطالبان فى المدينة من أجل إقنعه بالسماح لفريق سى إن إن المرافق لي بتصوير مخيم النازحين. الشاب العشريني المكتحل والعاقد ساقيه فوق الأريكة يرفض حجتي حول مقاصد الشريعة وأن تحريم التصوير والنحت كانا مهمين فى فترة (أو فى أى فترة) يمكن ان يؤديا فيها للفتنة من قبيل أن تصبح الصور والمنحوتات معبودات من دون الله. إنتهينا من هذا الباب لندخل فى باب “محاولة التشبه بالله”. أندهشت قليلا وسألته عما يقصد. قال لي: الله وحده يخلق البشر ولا يحق لأي شخص ان يحاول التشبه الله ويقلد صنعته. حاورته قليلاً ثم قررت القفز إلى الواقع. “ياعزيزي، أنتم تشكون دائماً ان العالم الخارجي يضطهد الطالبان ويعاديهم والآن لديك فرصة ذهبية ان تنقل محطة تلفزيونية مهمة مثل السي إن إن (وكان يعرفها) الواقع كما هو فى هذا المخيم الذي يحتاج إلى مساعدات كثيرة. أنا لا أعتقد ان التصوير حرام ولكن حتى إذا كان فإن الضرورات تبيح المحظورات.” أعجبت طريقة حواري رجلاً أخر من الطالبان كان أكثر حكمة فأبتسم. كنت أعرفه من رحلة سابقة اجرينا فيها حواراً طويلاً فى السياسة. أشار لي بطريقة لم يلحظها الأخرون أن أنهي الحوار. ولكن محاوري الشاب وقف فجأة وأعلن موافقته على التصوير بشرط: “أن يتم التصوير بطريقة يظهر فيها الاشخاص صغيري الحجم!!” . لم أفهم ما يقصد. فقلت له: أتعني ان نصور من مسافة بعيدة. أبدى أمتعاضه ونظر إلي كأنني أهنت ذكائه ثم قال: “لا .. لديكم هذه التلسكوبات القوية فى كاميراتكم ويمكن ان تصوروا كل التفاصيل من بعيد. صوروا من أي مسافية ولكن يجب ان يكون كل الاشخاص صغيرين، صغيرين (وضع أصبعيه السبابة والإبهام على بعد ثلاثة سنتيمترات من بعضهما البعض للأشارة للحجم الأمثل للأشخاص على الشاشة) ويجب ان تكون وجوههم مبهمة فلا يعرف أحد إذا كان هذا الشخص أحمد أم محمد، فاطمة أم بيبي جول، وهكذا نتفادى تقليد صنع الله.” كنت مشدوهاً ولم أعرف كيف أرد عليه سوى بايماءة من الرأس. وتقدم الطالبان الذي أعرفه من الخلف وأنهى الحوار قائلاً أنه سيصحبنا للمخيم بنفسه. على السلالم الهابطة من مكتب ممثل الطالبان فى الدور الثاني نظر إلي مبتسماً مرة أخرى وقال: هيا أخرجوا كاميراتكم وابدأوا العمل.”

باستثناء هذا الرجل الذي احمل له ذكرى طيبة فإن معظم الطالبان شباب فى اواخر العقد الثاني وأوائل الثالث من العمر هجروا مدارسهم الدينية فى أوائل التسعينيات وحملوا السلاح من أجل أن يفرضوا نظاماً يعتقدون أنه إسلامي خالص على بلد الأغلبية الساحقة من سكانه مسلمون. جاء الطالبان في وقت كانت فيه ميليشيات المجاهدين تتقاتل بضراوة في صراع دموي. لم يكن للطالبان وليس لهم حتى الآن مثقفون وحكماء يتحدثون بأسمهم فى لغة مقنعة ومركبة تصلح لوسائل الإعلام الحديثة وتباري منافسيهم من الجماعات الأخرى. كلهم كانوا (ومعظمهم ما زالوا) شباباً وجنوداً ومجاهدين، رجال حركة وفعل وليس حديث ونقاش وجدل. حياة الطالبان المتقشفة البدوية المُعلِية لشأن المقاتل (وليس الخطيب) تعبير أخر عن ثقافة الباشتون (ومعظم الطالبان من هذه القبيلة). الطالبان تمجد القتال ذوداً عن الأرض والعرض والشرف، وتقدس مفهوماً محدوداً عن الدين تختلط فيه تعاليم المذهب الحنبلي[13] مع تقاليد الباشتون المحافظة.  ربما الطالبان تعبير عن التاريخ القتالي الطويل لأفغانستان منذ غزتها جيوش الإسكندر الأكبر قبل ميلاد المسيح مروراً بفشل البريطانيين فى إحتلالها فعلياً في القرن التاسع عشر ونهاية بالوجود المضطرب للقوات الغربية هناك حالياً. وربما كانت الطالبان تعبر أيضاً عن تراث قبلي طويل فى بيئة جغرافية صعبة لم تشهد أبداً حكم القانون الذى يتساوى امامه الجميع، فقوانين كل قبيلة يمكن إستباحتها في الصراع مع أفراد القبائل الأخرى.

أغلب من التقيت من قادة الطالبان كانوا مهتمين للغاية بالمظاهر الدينية مثل اللباس واللحية والكحل، لا يهتمون كثيراً بقواعد البروتوكول والتهذيب التقليدية ناهيك عن عديد من الأعراف القبلية الحيوية فى مجتمع مثل أفغانستان، ولكنهم كانوا جميعاً شديدي الإخلاص والتدين والثورية. قلائل من الطالبان كانوا ممن تعدوا سن الأربعين عندما وصلوا الى الحكم، ومنهم منقذنا فى قندهار وأيضاً الدكتور ب. الذي كان يعمل فى وزارة الخارجية فى كابول.

 صافح الدكتور ب. زميلتي س. دون تردد (مقارنة بمسؤولي الطالبان الاخرين الذين كانوا احيانا يديرون وجوههم عندما تدخل أمرأة اجنبية) بعد ان وصلنا صباح ذلك اليوم المشمس الجميل الى مكتبه فى مبنى الوزارة السوفيتي الطراز. وبعد المصافحة الحارة والابتسامات المغدقة طلب لنا ب. شاياً ومياه معدنية. وفشلنا فى الغرض من الاجتماع ولكننا لم نحمل له ضغينة ونحن خارجون من المبنى – لأنه كان فى الحقيقة متعاطفاً معنا ومع معضلتنا الشيطانية. كنا نحتاج الى تعيين عدد كبير من النساء من أجل القيام بمسح شامل لإحتياجات واوضاع النساء الأرامل فى كابول. الطالبان يحرمون عمل النساء سوى فى تدريس وطبابة النساء، وفى نفس الوقت يحرمون اللقاء بين الرجل والمرأة دون وجود “محرم”. كنا فى موقف غريب. لا يمكن ان يقوم رجال بعملية مسح شامل فى كابول لتحديد المحتاجين من عائلات السيدات الأرامل إذ من شبه المستحيل أن يسمح لهم بالدخول وتقصي الاوضاع فى منزل لا يوجد به رجال فى العادة. ولا يمكن لنا تعيين نساء للقيام بهذه المهمة والعمل معنا لأن عملهم حرام فى نظر معظم الطالبان. معضلة حقيقية فى مدينة كانت بعض الاحصائيات تشير الى وجود ثلاثين ألف أرملة فيها. ؟؟؟؟ وضخ مصدر الاحصاءية ؟؟؟؟ كما الحال فى معظم البلدان المحافظة تجاه عمل المرأة، تؤثر هذه التقييدات على المدن أكثر من الريف إذ بمجرد الخروج الى ريف أفغانستان ومراعيه يمكن رؤية المرأة حتى وهى مغلفة بالبوركا تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل أو حتى بمفردها أحياناً.

تدفق الكهنة والحجاج البوذيون على باميان منذ القرن الثانى الميلادى وظلت المنطقة ملتقى حجاج تركوا لنا نقوشاً وكتابات منذ المئات الأولى بعد الميلاد حول مجاهدة النفس والواقع من اجل التحرر الذاتى. القضاء على الرغبة والطمع امر يقع فى قلب البوذية. لم يدخل الإسلام المنطقة حتى فى القرن التاسع الميلادى. ويصف الرحالة الصينى هسوان سانج الذى زار المنطقة عام 632 ميلادية عشرة أديرة بوذية يقيم فيها نحو الف ناسك وكيف أن تمثالي بوذا كانا محليان بالذهب والآحجار الكريمة .

(كهف تقيم فيه عائلة افغانية خلف تماثيل بوذا (٢٠٠٢، تصوير المؤلف

وخلف التمثالين الشاهقين المنحوتين فى الجبل فى تقنية تشبه تماثيل رمسيس المنحوتة فى الجبل كواجهة لمعبد أبو سمبل يمكن الصعود على سلالم منحوتة داخل الجبل خلفهما ترتفع الى 38 متر للتمثال الاقصر و 55 مترا للتمثال الاخر. وقد صعدت حتى منتصف المسافة فى بطن الجبل، خلف أحد التمثالين، وذكرني الصعود بإرتقاء منارات المساجد المملوكية فى القاهرة الإسلامية.

اختفى التمثالان وظلت حولهما ندوب وفتحات تراها من بعيد فى باطن الجبل. إنها الكهوف التى كان يعيش فيها الرهبان قديما وتعيش فيها الآن الكثير من الأُسَر وأطفالها.

أسرة محمد حسين المكونة من ستة أفراد وزوجته ليلى، تعيش في كهف على يسار تجويف التمثال الأصغر لبوذا. تحمل ليلى أصغر الأبناء، مينا ذا العام الواحد وهى تشير بيدها الى متاع الحياة القليل المبعثر فى الكهف الصغير. كان محمد، زوجها، في السوق يسعى للحصول على أى عمل مياومة. وصلوا إلى هذا الكهف (خمسة فى ستة امتار) قادمين من مقاطعة بهسود التى رحلوا عنها نظرًا لانعدام الأمن فيها وقمع طالبان، ولجؤوا إلى الكهوف. كانت هناك نحو سبع أو ثمان أسر في الكهوف المجاورة لكهف أسرة حسين وفوقها. إحدى الأسر جاءت من قرية قريبة لعدم وجود عمل فيها، وقد يعودون لو تلقوا مساعدة لإعادة بناء مسكنهم، وبعض الطعام الذي يقيم أودهم لعدة أشهر.

كهف تقيم فيه عائلة افغانية خلف بقايا تماثيل بوذا (٢٠٠٢ – تصوير المؤلف)

أنظر الى الوادي الممتد وخضرة المزارع ولسعة البرد فى الصباح المبكر. لم يكن فى الكهف وامامه سوى بساط قديم، بعض أواني الطبخ المتهالكة، اوعية بلاستيكية، بعض المفارش البلاستيكية للجلوس وسد الفتحات، نصف كيس طحين، بعض زيت طبيخ فى زجاجة ومعزة وكلب.

البلدة نفسها صغيرة تمتد في واد بين عدة جبال، شوارعها متربة، منازلها واطئة، تحيطها أسوار من الطوب او الطين. دخلت مع زميلي من المنظمة منزل السيد خليلي ممثل حزب الوحدة الشيعي المسيطر فى باميان، المنزل من الطوب النيء يحيط به الجنود وبعضهم متمترسون فوق السطح وراء مدافع رشاشة وحواجز. أبلغنا السيد خليلي أننا ننوي إعادة فتح مكتب للمنظمة فى باميان ونسعى لاستئجار منزل هناك. رحب بنا فى صالون واسع تحتله كراسي كبيرة مذهبة ومنجدة بأقمشة مطرزة كما لو كان أثاث لويس الرابع عشر. صور خليلي وزعيمه الأستاذ نادري (أنظر الهامش رقم ١٥ قبل عدة صفحات)  الذى قتل في الحرب الأهلية على الحائط بجوار بعضهما البعض، على حائط أخر ملصق ضخم لمناظر طبيعية اوروبية.

شكا خليلي أن الطالبان دمروا معظم الحقول وقتلوا عائلات كثيرة وان وعوداً سابقة للأمم المتحدة لم تسفر عن مساعدات حقيقية لأعادة البناء والتعمير. وافق على ان نقوم بحملة تطهير للمطار من الألغام والقنابل غير المنفجرة من أجل تأمين هبوط الطائرات.

تجميع صواريخ وقنابل قرب ممر هبوط طائرات في باميان (تصوير المؤلف، ٢٠٠٢)

وعلى الممر وحوله فى منطقة هبوط الطائرات الممهدة (لم يكن هناك اى مطار حقيقى ولا حتى مبنى واحد) وجدنا ترسانة كاملة، قرابة الطن من الصواريخ جو جو وأرض جو المضادة للطائرات وقذائف هاون لم تنفجر وألغام. صنع فريق مكافحة الألغام حفرة ضخمة تراصت فيها الصواريخ الأسطوانية ووسطها الألغام المضادة للدبابات وعليها القذائف الأخرى ومددنا أسلاكاً لحوالى كيلومتر حيث نصبت كاميرا الفيديو وشغلتها قبل أن نعدو جميعاً لنقفز فى خندق صغير وبعد ثوان إرتجت الأرض من تحتنا من هول الإنفجار. لا بد أن خليلي كان سعيداً أننا نفذنا ما وعدنا به خلال ساعات.

تجميع صواريخ وقنابل غير متفجرة للتخلص منها في وادي باميان (٢٠٠٢، تصوير المؤلف)

بدأ الاهتمام والدعم الحقيقي من إيران للشيعة الهزارة بعد الثورة  الايرانية والغزو السوفيتى لأفغانستان وكلاهما وقعا فى عام 1979. وكانت السنوات القليلة السابقة فى ذلك العقد وبعد إرتفاع أسعار النفط الهائل قد شهدت تدفق عشرات الالاف من الهزارة للعمل فى إيران [14] وكان التأثيران الإيراني والعراقي على شيعة أفغانستان ظاهراً على الصعيد الديني التقليدي منذ الخمسينيات والستينيات ولكن هذا التأثير تصاعد بعنف وصارت أفغانستان حجراً أخر على رقعة الشطرنج السعودية الايرانية / السنية الشيعية بعد ثورة الخوميني وبفضل وجود العمال الشيعة فى إيران تكونت العلاقات والشبكات مع المنظمات والمخابرات الايرانية وتدفقت التحويلات المالية.

انضوى الشيعة سياسياً فى أفغانستان فى أواخر السبعينيات تحت عباءة مجلس للشورى ضم الاسلاميين (او الاسلامويين اى أتباع الإسلام السياسى) وملاك الاراضي والأسياد (المنحدرين من نسل النبي محمد). إنحل مجلس الشورى نفسه فى صراعات كسبها جناح الإسلام السياسى المدعوم من إيران فى مواجهة الاسياد وملاك الاراضي[15]. ومع وصول الطالبان للسلطة وتطور السياسات الايرانية والخبرات المحلية توحد الشيعة فى حزب سياسي واحد هو حزب الوحدة تحت سيطرة الهزارة بقيادة عبد العلي مزاري.

كهوف يعيش فيها الهزارة قرب تماثيل بوذا في وادي باميان (٢٠٠٢، تصوير المؤلف)

هكذا كانت القصة تقريبا فى معظم الجنوب أيضا مع قبائل الباشتون حيث خسر العلمانيون والسلطات القبلية التقليدية المعركة مبكرا ليسيطر المجاهدون، ومن بعدهم الطالبان، على مقاليد السلطة. تكرر هذا النمط فى أنحاء العالم العربي والإسلامي حيث خسر المحدِّثون بشقيهم الليبرالي والقومي المواجهة مع الغرب الأستعماري، او المهيمن، ومع مجتمعاتهم فى نفس الوقت، وصعد نجم الأصولية والأسلاموية التي كانت حتى ذلك الوقت مقتصرة على الجوانب الإجتماعية والأخلاقية بعيداً عن العمل المباشر والاهتمام بشؤون السياسة اليومية.

كان الدعم من الخارج ذا أثر مهم للغاية دائماً فى أفغانستان لأن البلاد صارت فقيرة فى القرن التاسع عشر وباتت أسرها الحاكمة وأحزابها السياسية معتمدة على الدعم من الخارج. إيران تدعم الشيعة وباكستان والسعودية والولايات المتحدة تدعم المجاهدين ثم الطالبان. ونال التحالف الشمالي المؤلف من الطاجيك والاوزبك دعماً من الاتحاد السوفيتى واوزبكستان وتركمنستان وتركيا وإيران والهند بشكل ما او بأخر طوال صراعه ضد الطالبان.

تغيرت طبيعة ونوع واتجاه الدعم الإيراني مع مرور السنوات وكان الدعم يصل من جهاز المخابرات الإيرانية أو الحرس الثوري وأحياناً من وزارة الخارجية. وابتعد الدعم الايرانى عموماً عن الأحزاب الشيعية التى حاولت الإحتفاظ ببعض استقلالها وبهوية عرقية أفغانية وتركز الدعم على أحزاب وتحالفات شيعية لا تجادل كثيرا فى خدمة بعض المصالح الإيرانية من أجل ان تلعب دوراً اكبر فى مواجهة الخطط السنية المدعومة من باكستان والسعودية.

طالما كانت أفغانستان رقعة شطرنج مذهبية وطائفية وعرقية وقودها من البشر.

قضينا ليلتنا فى المنزل الذى قررنا أنه أفضل المباني المعروضة للإيجار من أجل مكتبنا الجديد فى باميان. كانت تجربة عملية للتأكد من ملائمته ليكون مكتباً ومقر ضيافة لنحو عشرة أشخاص على الأقل. نمت مع السائق والزملاء الأفغان الأخرين فى غرفة توسطها بخاري (إناء صفيح ضخم له باب سفلى يوضع من خلاله الفحم أو الديزل ويوقد ويوضع الماء من فتحة علوية. ويدفيء البخار والحرارة المنبعثين من الاناء الضخم الغرفة ليحمينا من البرودة الشديدة خارج البيت). أحسست بهذا البرد عندما رن هاتفي الثريا الذى يعمل بالأقمار الصناعية ويتعذر إستعماله داخل أى مبنى. عدوت إلى الخارج لأتمكن من التقاط إشارة القمر الصناعي بصورة أوضح. كنت أرفع هوائى الهاتف وأصرخ لمتحدث لا أسمع صوته على الطرف الاخر: إنتظر قليلا حتى أكون فى الخارج من أجل الإشارة.

مكتب للامم المتحدة في باميان (٢٠٠٢، تصوير المؤلف)

كان القمر مكتملاً والسماء مرصعة بالنجوم اللامعة ودرجة الحرارة تحت الصفر بكثير. على الطرف الآخر كان صحفي يحاول ان يتعرف مني على الأوضاع فى باميان. وتحدثنا. كنا جميعاً متفائلين فى تلك الأسابيع والشهور التالية لسقوط الطالبان، كأنما الطالبان كانوا كابوساً يجثم على صدر أفغانستان والعالم واستيقظنا جميعاً منه. نسينا أن الطالبان كانوا مثل السرطان الخبيث الذي يتغلغل فى الجسد فترة طويلة دون علاج وأن أسباب وجوده وبقائه كامنة فى نفس الجسد وفى البيئة المحيطة به. وفي أفغانستان كان الطالبان ولا زالوا صنيعة الثقافة والبيئة وباكستان. كانت لدينا أسبابنا للتفاؤل وهي نفس الأسباب التى ستدفعنا للحلم عقب سقوط صدام حسين ونظامه بعدها بعامين فى بغداد. وكانت خيبة أملنا مروعة فى الحالتين. وربما أخفقنا مرتين فى توخي الحذر لأننا لا نقرأ التاريخ جيداً، أو لا نحلل الأوضاع السياسية والإجتماعية بشكل دقيق. ولكن في الحالتين كان عجزنا المزمن والمحبط عن تغيير الواقع فى أماكن عديدة فى العالمين العربي والأسلامي يدفع الجميع – لا شعورياً أحياناً – إلى الحلول العنيفة والمبتسرة والتي تبدو لنا كأنها وقد حققت المعجزة فى أيام وأسابيع، وذلك بدلاً من الحلول السياسية والسلمية والمعقدة والتي تستغرق وقتاً طويلاً فى التفكير والتدبير ثم في التنفيذ. كنا نفكر بطريقة “العصا السحرية”  التي ستحول الضفدع إلى أمير فى قصص الأطفال أو جني مصباح علاء الدين الذي سيحقق الرغبات بمجرد النطق بها. أطلقنا جناً كثيرين من عقالهم ولم نعد نعرف كيف نعيدهم إلى مصابيحهم أو ننزع من أيديهم العصي التى حولت العالم فى السنوات العشر الأخيرة إلى ساحة قتال دموي.


[1]         Erotik-Messe

[2]         Majrouh, Syed Bahodine (2003) “Songs of Love and War” Other Press: New York, pp 16-17 الترجمة للمولف

[3]          فى السودان التقيت بالحكٌامات وهن مغنيات قبليات تحمسن الرجال للقتال والموت فى القبائل النوبية والعربية فى وسط وغرب البلاد. فى حفلة حضرتها فى عام ٢٠٠٩ وقفت الحكامات على مسرح حجري صغير مكشوف للسماء فى مدينة كادوجلى عاصمة جنوب كردفان حيث أقتتل النوبة والعرب طويلاً. كن تغنين للسلام تلك المرة بعد توقف الحرب ولم أفهم كثيراً من كلمات أغانيهن ولو أن أصواتهن الرفيعة الصارخة أو العميقة الهادرة كانت تبعث رعشة وتزلزل المكان بشعور حماسي يدفع للحركة أكثر مما يغرى بهدوء ودعة السلام. الموت فى هذه الأغانى والقصائد دفاعاً عن الشرف والارض ونساء القبيلة هو فخر ومجد يقبل عليه الإنسان. ثم أن الموت عبور من دار الى دار تبدأ معه رحلة جديدة. إنها ليست القدرية فقط بل الأيمان بقيم تعلو عن قيمة الحياة نفسها. كتب لى صديقى ديفيد مكدونالد عن رحلته إلى باميان فى وسط أفغانستان وكيف انه كان يفكر فى الموت وهو ينظر إلى طفل صغير قرب أحد المطاعم وهو يلعب حافى القدمين على الثلج مرتديا قميصاً قطنياً خفيفاً فى شتاء قارس البرودة. نظر إلى  الرجل العجوز الجالس بجواره يحتسى شاياً أخضر ويمتص بعض التبغ قائلا: “سيمرض هذا الطفل بشدة.” نظر له الرجل العجوز بحكمة أفغانية (ولا شك أيضاً نتيجة للفقر وعدم القدرة) قائلا: “سيعيش إذا كان قوياً بما فيه الكفاية. قدر الله يسري علينا جميعاً.”

[4]         Hopkirk, Peter  “The great game. On secret service in high Asia”, Oxford: Oxford University Press (2001). يلخص هذا الكتاب الحديث قصة هذا الصراع العنيف بين روسيا وبريطانيا حول أفغانستان والهند والذي كان فصله الأخير ربما هو الغزو السوفيتى لأفغانستان فى ١٩٧٩ وان كانت الولايات المتحدة كانت ساعتها قد حلت محل بريطانيا فى هذا الصراع الإستعماري

[5]         إشتهر شاه محمد عالمياً بعد ان نشرت سيرستاد  كتاباً بعنوان “بائع كتب من كابول” فى عام ٢٠٠٣ تعرضت فيه لحياة شاه الخاصة والتى تعرفت عليها عن قرب حيث قضت فترة طويلة فى ضيافة عائلته فى عام ٢٠٠١ عندما وصلت إلى كابول كمراسلة صحفية. رغم ان الشهرة أفادت شاه فى عمله إلا أن الكتاب في رأيه كان متجنياً حيث أظهرته الكاتبة ليس فقط كبائع كان يحرص على توزيع ونشر الكتب تحت ضغوط هائلة من الطالبان ولكن أيضا كرب أسرة متحكم لا يبالي كثيرا بحقوق زوجته ويتعامل كرجل أفغاني صارم وقاس مع عائلته. وافتتحت أسني كتباها بقصة زواج شاه محمد من فتاة صغيرة وهي خطوة عادية فى الثقافة الأفغانية التقليدية ولكنها كالمتوقع آلمت كثيرا زوجته التي عاشت معه ١٦ عاماً وأنجبت له خمسة أطفال. وغضب شاه بشدة من الكتاب ووصف آسني بخيانة الأمانة لانها اساءت إستغلال كرم ضيافته وانه فتح منزله واسرته امامها للتعرف على الحياة الأفغانية الحقيقية ولكنها استخدمت “مقاييسها الغربية” فى اطلاق احكام مطلقة عليه. ورفع شاه دعوى قضائية ضدها بتهمة القذف والتشهير ولكنه فضل لاحقاً ان يرد على الكتاب بأخر.

[6]          الإثنا عشرية مذهب شيعي يؤمن أتباعه ان الخلافة بعد الرسول تنحصر فى الإمام علي وصلبه وتصل بهذه الخلافة حتى الإمام محمد المهدي وهو الإمام الثاني عشر والذى إختفى دون أثر فى 940 ميلادية ويعتقدون أنه سيعود. وفي المذهب صراع حول السلطة هل هى للائمة الدينيين الحاضرين ام هى للهياكل التقليدية قبلية كانت ام عرقية حتى عودة الإمام. أهم المصادر عن الفرق الأسلامية هو كتاب “الملل والنحل” للشهرستانى ونشرته عديد من دور النشر فى العالم العربي ويمكن الأطلاع على مقالة جيدة عنهم على http://ar.wikipedia.org/wiki/

[7]            الإسماعيلية مذهب شيعي يختلف مع الاثني عشرية فى أنهم بعد الامام السادس ويدعى جعفر الصادق قرروا إتباع إبنه إسماعيل كإمام سابع وصلبه كائمة لاحقين بيما أصر الإثنا عشرية على إتباع إبن أخر للأمام جعفر الصادق وهو موسى الكاظم بعد وفاة الأبن الاخر إسماعيل فى حياة أبيه. وأهم طوائف الاسماعيلية وأكبرها فى أفغانستان تتبع الأغا خان بصفته أماماً حياً. (انظر كتاب “الملل والنحل” للشهرستاني). والاسماعيليون فى أفغانستان فى الدرك الاسفل من سلم المضطهدين عرقياً كون السنة ومعظم الشيعة ينظرون إليهم على انهم هراطقة أو كفار. ولكن المال والسياسة قادران دائما على تغيير مثل هذه الاوضاع ففى نهايات الثمانينيات تحول أحد قادة الهزارة الاسماعيليين وهو سيد منصور نادري إلى لاعب مهم للغاية على الساحة الأفغانية تحت امرته حوالى 13 الف مقاتل وتولى حكم مقاطعة بغلان فى شمال البلاد بل وكان وسيطاً بين المجاهدين وبين نظام نجيب الله وعملت قواته بعد إنسحاب السوفييت على تامين المنطقة شمال كابول لضمان إنسياب الشاحنات والقوافل التجارية من ممر سالانج وحتى منطقة الحدود. بل ان نادري وصل إلى درجة من السلطة والقوة ما جعل نجيب الله يستدعيه أحيانا ليقف بقواته حائلا بين مقاتلى حكمتيار وبين الاستيلاء على كابول فى عام 1991.

[8]           Adamec, Ludwig W. “Historical dictionary of Afghanistan”, Metuchen,   N.J.: Scarecrow Press (1991)

[9]          Maley, William “Fundamentalism Reborn? Afghanistan and the Taliban,” Islamabad: VanGuard Books (1998) (pp 170-172)

[10]        Magnus, Ralph and Eden Naby, “Afghanistan: Mulla, Marx and Mujahid, “ New Delhi: Harper Collins Publishers India (1998)

[11]         Hosseini, Khalid, “The Kite Runner”, Bloomsbury (2004)

[12]           ويدعى التبغ النسوار فى لغة الباشتون وهو نوعان أخضر وأحمر.

[13]           على خلاف الطالبان فإن معظم سنة أفغانستان يتبعون المذهب الحنفي.

[14]       Rubin, Barnett, “The Fragmentation of Afghanistan: State Formation and the Collapse of the International System”  New Haven: Yale University Press (2٠02) –  pp 222.

[15]       Roy, Olivier, “Islam and Resistance in Afghanistan”,   Cambridge: Cambridge University Press (1990)  pp. 92-97

الكاتب: خالد منصور

كاتب، صحفي، مصري، بتاع حقوق انسان، وموظف اممي سابق، ومستشار في الاعلام والتجهيل والحفر والتنزيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *